-->

رواية جديدة قسوة نصار لتوتا محمود - الفصل 13 - الجمعة 19/6/2026

الاثنين, يونيو 29, 2026
تم النشر في: 29 يونيو 2026

قراءة رواية  قسوة نصار كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى





رواية قسوة نصار

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة توتا محمود


الفصل الثاني عشر

تم النشر يوم الإثنين 

29/6/2026


الفصل السابق


ـ هو ده يا ماما اللي حصل بالتفصيل، لكن البت جيسيكا دي مستريحتلهاش بربع جنيه .

خرجت هذه الكلمات من «سميحة» كأنها قذائف حارقة، وهي تجلس على الفراش هي ووالدتها، متربعةً قدميها بأريحية تستعد لبدء معركة نسائية من الطراز الأول، وأمامهم تجلس «صفية» على الأريكة، تنصت لكل كلمة بحواسٍ مستنفرة، تترقب زلاتهم لتنقض عليهما.

هزت «حنان» رأسها بقله حيلة، وكأنها تحاول الهروب من نار الفتنة التي تضرمها ابنتها، وهتفت بعد ما تذكرت ملامح «جيسيكا» التي استفزت أنوثتها الفطرية:

ـ يمكن طيبة يا سميحة .

سخرت «صفية» من طيبة «حنان» الساذجة، وعوجت شفتيها باستنكار لاذع، وكأنها تضحك على نكتةٍ سمجة:

ـ هما مين دول اللي طيبين يا حنان؟؟، الأجانب؟؟ يا ختي ما في حد طيب غيرك كملي يا سميحة .

نظرت لها «سميحة» بطرف عينيها، نظرة تحدٍّ صريحة، وهتفت بوقاحة وهي تضع يـ ـدها على خـ ـصرها كأنها تتهيأ لعراك في وسط الحارة:

ـ مهي دي الحقيقة يا مرات ابويا اكيد امي غلبانه هو في ست في العالم تقبل أن جوزها يتجوز عليها وغير كده تعيش معها في بيتها؟؟ .

ثارت ثائرة «صفية»، وقفت لها وهتفت لها بنفس نبرتها وهي تقترب منها، والشرر يتطاير من عينيها كأنه لهب:

ـ والله كان محدش جبرها وانتِ اخرسي خالص وملكيش فيه الموضوع ده .

وقفت «سميحه» لتكون في مواجهتها تماماً، وجهاً لوجه، وهتفت بشرٍّ هذه المرة لا يخلو من سماجة:

ـ طبعا محدش جبرها لكن انتي من ضمن الستات اللي عايز قطع رقبتها اللي بتروح تخطف الراجل من الست بتاعته وتلعب في دماغه لحد ما يتجوزها ويخرب بيته بأيده .

كانت «حنان» متوتره، ترتجف أطرافها وهي تحاول أن تمسك «سميحه» من الخلف، كأنها تحاول كبح جماح وحشٍ هائج وهي تهتف بخوف من شجارتهم كالعادة:

ـ يا جماعه صلوا علي النبي انا راضية والله متتخانقوش عشاني .

جحظت عين «صفية» بذهولٍ غاضب، وهي تقترب منها بشرٍّ مستطير هي الأخرى، وهتفت بوقاحه مثلها، تزيد الوقود على النار:

ـ ليه يا ختي هو ابوكي كان صغير يضحك عليه بقولك يا سميحه بلاش انتي يا حبييتي تتكلمي علي النقطه دي ولمي نفسك عشان انا علي اخري منك ولو كانت أمك يا حبيبتي مربتكيش كويس انا أربيكي وماله .

تجاهلت «سميحة» يد والدتها التي تحاول تهدئتها ، وهي تنظر لـ «صفية» بحده، وهتفت بنبرة تشبه تماماً نظراتها السامة:

ـ مالها يا ختي تربيتي لعلمك بقي لولا حنان اللي هي امي كان زمان ولادك الاتنين مشافوش تربيه يا خطافة الرجالة.

ضحكت «صفية» بسخريةٍ جارحة، كأنها تطعنها في مقتل، وهتفت بشر يطلق من عينيها:

ـ هي مين دي اللي خطافة الرجالة أسالي امك كده حاولت كتير وبعدت عن سراج زمان بس هو مسمحش اني ابعد عنه وبعدان انا ببررلك ليه اصلا طظ فيكي وفي تفكيرك المريض يا مريضة .

كادت «سميحة» أن تتحدث، ولكن «صفية» لم تسمح لها، بل استدارت بزهوٍ مستفز ونظرت لـ «حنان» بحده:

ـ علطول يا حنان كنت اقولك ربي سميحه ربيتي سالم ونصار ونسيتي تربي سميحه بس هنعمل ايه .

ردت عليها «سميحة» بعصبيه أكثر وحده، وهي تشاور على نفسها و تنتفض من الغيظ:

ـ أنا مريضة ولو أنا مريضة انتي تبقي ايه؟؟

رفعت «صفية» حاجبها، وهتفت بنبرة أنوثة كيدِيّة لأول مرة في وسط هذا العراك:

ـ انا ابقي المشمشية بتاعت الحج .

نظرت لها «سميحة» بأشمئزاز يملأ قلبها، وهي تنظر خلفها لـ والدتها لتستجير بها:

ـ طلعت مشمشية حمضانة ريحتها فاحت وانتي يا وليه مهو لي الحق يسييك ويروحلها بسبب دلعها ده لو كنتي اتدلعتي عليه شوية مكنش ده حصل .

راقبتهم «حنان» هما الأثنين بقلة حيلة، وانكسار يملأ عينيها، وهتفت هي الأخرى بسخرية لاذعة من واقعها:

ـ أصل ابوكى كان طماع بيحب المشمش في عشان كده دور على المشمش بره .

كادت أن تتحدث «صفية»، ولكن قطع هذا الشجار العنيف تلك الفتاة التي فتحت الباب وهي تنظر بريية لهم، متسائلة عن هذا الضجيج:

ـ ماذا حدث؟؟ .

ولم تكن الا «جيسيكا» وهي تهتف بنبرتها الإنجليزية، فغرفتها قريبة من الغرفة التي يجلسن بها، كانت ترتدي شورت قصير يظهر جمال ساقيها، وقميص بحمالات يبرز جمال ذراعيها، وتطلق شعرها الأسود الذي يتلألأ بخصلات بنفسجية، وقف الجميع يتطلعون لها بذهول من أعلاها الى أسفلها، حاولت «جيسيكا» ان تحمحم قليلاً ان تخرجهم من شرودهم المصدوم، حتى أفاقوا بالفعل، مما اغتاظت «سميحة» وقد تناست أمر الشجار بفضل هذا الغزو الخارجي: 

ـ هو انت طالعه كده ليه يا ختي مش عيب تطلعي كده عندنا رجالة في البيت علفكره .

رفعت «جيسيكا» كتفيها بعدم اكتراث، وقد فهمت كلمات قليلة، وهي تهتف بنبرتها الرقيقة والباردة:

ـ وما المشكلة في هذا؟؟

عقدت «حنان» حاجبيها بحيرة ولم تفهم لغتها الانجليزية، مما لكزت «سميحة» لتترجم لهم:

ـ هي بتقول ايه دي؟؟ .

عقدت «سميحة» يـ ـدها امام صـ ـدرها بدون أن تنظر لها، وعينيها تحرق «جيسيكا» وهتفت بسخرية:

ـ بتقول وايه المشكله في كده .

صاحت «صفية» بعصبيه وحده، وهي تقترب من هذه الفتاة كأنها إعصارٌ لا يوقفه شيء:

ـ لا طبعا في مشكلة يا ختي هنا في رجالة فـ نحترم نفسنا عقبال ما تروحي بلدك واعملي اللي انتِ عايزاه لكن هنا متخرجيش من الأوضة كده ابداً وانا هجبلك عبايتين ودريسين تلبسيهم وتلبسي حجاب كمان عليهم .

عقدت «جيسيكا» حاجبيها بسخرية، وهتفت بنبرة متحدية وهي تنظر لهم ببرود:

ـ حجاب؟؟ .

عوجت «سميحة» شفتيها وهي تضع يـ ـدها علي خـ ـصرها، وهتفت بنبرة تهديدية تقطر وعيداً:

ـ وماله يا ختي الحجاب انتِ هنا وفي بيت سراج السعداوي في لمي نفسك بدل ما المك انا .

عقدت «جيسيكا» يـ ـدها أمام صـ ـدرها بخبث، وهي تقلد حديثهم كأنها فهمت مغزاه جيداً، لذلك حاولت أن تتحدث معاهم بنفس لغتهم المكسورة:

ـ ولو ملمتش نفسي هتعملي ايه؟؟ .

شمرت «سميحة» عن ساعديها وهي تقترب منها، وعلى وشك الفتك بها، لولا «صفية» التي امسكتها من ظهرها وابعدتها عن «جيسيكا» تلك، والشرر يملأ المكان:

ـ هربيكي انا يا حلوه .

نظرت لها «جيسيكا» من أعلاها الى أسفلها، بحقارةٍ جلية، وهي تنظر لها بحدة بالغة:

ـ تباً لكي .

ختمت جملتها وخرجت ببرود، أما «سميحة» فقد فهمت حديثها جيداً، مما هتفت بعصبية هستيرية هي الأخرى وصوت عالي حتي تسمعها في أرجاء المنزل:

ـ وتباً لأمك .


❈-❈-❈

كان «نصار» ينظر الى سقف الغرفة بخواءٍ كأنه يحدق في فراغٍ أبدي، وهو يفكر في تلك الأحجية الملعونة، ما الذي أخطأ بحقها حتى تفعل بها هكذا؟؟

أخذ يستحضر شريط الذكريات، يقلب الصفحات، يتذكر كل شئ، كل كلمة، كل نظرة، ولم يجد شئ قد اخطأ بها بحقها، فهو كان كل يوم يتغزل بها بكلامه المعسول الذي يذيب الصخر، وإذا حدث بينهم شجار بسيط، كان هو من يهرول كالمذنب يصلحها اولاً حتى لو هي اخطأت بحقه، ضحى بكرامته وكبريائه لأجل خاطر عينيها، ولكن ما الذي فعله في دنياه حتى يكون جزاءه هو هكذا؟؟

بداخله نار لم تخمد، جحيمٌ مستعر يأكل ما تبقى من عقله، وكلما يتذكر خيانتها قلبه يؤلمه بشدة كأن خنجراً مسموماً يغرس في أيسره، والنار تزداد بداخله حتى كاد يحترق من الداخل، لذلك هو يحاول أن ينشغل تلك الأيام بأي شيء، بأي عمل، بأي فكرة، حتي لا يتذكر شئ؛ فقد يتمنى، يتمنى فقط أن ينسي كل شئ، أن يمسح ذاكرته كأنها لم تكن، حتى يستطيع أن يعيش، ويمكنه البدء من جديد، ولكن هذا لن يحدث، فـ الذاكرة جرحٌ لا يندمل.

لذلك عليه أن ينشغل أكثر واكثر، أن يغرق في العمل حتى الهلاك حتى لا يتذكر أي شئ يخصها، اغمض عينيه وهو يحاول أن ينام ويسلم جسده المنهك لسلطان النوم، ولكن هاتفه رن، رنينٌ مزق سكون غرفته، مما فتح عينيها بانزعاج، بقلبٍ يخفق بجنون وهو يرى المتصل، وجده الغفير الذي تبع القرية ويحرسها، مما رد عليه بوجلٍ لا يدري سببه:

ـ الو يا عم جمال

رد عليه «جمال» بصوتٍ يملؤه التوتر وباسفٍ مريب:

ـ ازيك يا بني أنا أسف إني رنيت في الوقت ده بس غصب عني، فيروز شوفتها خارجه من الصيدلية و ابوك قالي اي حد تشوفه من عيلته او من عيلة سيد اقوله، اتصلت كتير اوي وهو مردش عليا فـ اتصلت عليك انت .

تنفس وهو صمت، صمتٌ جنائزي، فهو يحاول أن يقتلعها من تفكيره، فتظهر له من جديد في الواقع القاسي، كأن القدر يسخر منه، يجلده بذكرياتها ويريد تعذيبه حتي النخاع، مما تنهد تنهيدة مسموعة، الأخر سمعها جيداً، مما هتف بتوتر وخوف قطع تفكيره:

ـ أنا آسف لو كنت أزعجت حضرتك يا باشا

اغمض عينيه وهتف بهدوءٍ مصطنع، ولكن بداخله لم يكن هدوء ابداً بل كانت عاصفة هوجاء تقلب كل شئ، وتشعل النار أكثر وأكثر: 

ـ لا ولا يهمك خالص عايزك بس تراقبها من غير ما تيجي جنبها لحد ما تروح بيتها بسلامه وانا معاك اهو يا راجل يا طيب .

توتر الأخر وأخذ يمشي خلفها يراقبها بخوف، وهو يهتف بأحراج شديد:

ـ لو عايز تقفل اقفل يا باشا ومتقلقش هتصل عليك لما توصل .

اغمض عينيه وجلس نصف جلسه علي الفراش، وكأن جسده أصبح أثقل من الجبال، وهو يهتف بنفس الهدوء الممزوج بالمرارة:

ـ لا أنا معاك .

توقف فجأة حين «فيروز» قابلت «لوزة» هي و «إيهاب» مما التفت يعطيهم ظهرهم وهو يهتف بتوترٍ ينذر بوقوع كارثة:

ـ يا باشا فيروز قابلت لوزة وإيهاب في الطريق .

كان يجلس نصف جلسه بهدوء يحاول أن يخمد تلك النار التي تحرق أحشاءه، ولكن حين الراجل هتف بكلماته تلك، فتح عينيه التي كان يغلقها، وبرقت فيهما نظرة لا تبشر بخير، وهتف هو بنبرة حاولت أن تكون ثابتة قدر الإمكان، رغم زلزال غضبه:

ـ طيب شوف كده هيوصلها البيت ولا ايه .

التفت لهم الراجل وهو يراقبهم وهم يغادرن، لم يتحدث ابداً، بلا يراقبهم من بعيد، ويخطو خطواته خلفهم، حتى بعد دقائق وصلوا الي البيت، و «لوزة» و «إيهاب» دخلوا إلى منزلها.

مما تنفس براحه هو الآخر ولكنه لم يفهم شئ هو الأخر، لماذا رجل غريب في وقت هكذا يدخل الى المنزل بهذه البساطة؟؟؟

مما هتف بتوتر وخوف من سيده لانه هو يعرف أن «نصار» خطيب «فيروز» ويكاد ينهار من وقع الأخبار:

ـ هما وصلوا اه بس يا باشا إيهاب وام إيهاب دخلوا البيت .

لم يستوعب حديثه، دخل إلى بيتها في وقت هكذا؟؟
فـ القرية هادئة كالمقبرة، والناس الذي يسكنون القرية غارقون في نومهم، لما هو يدخل بيتها في هذا الوقت؟؟
نظر إلى الساعة التي كانت بجانبه، وجدها الساعه 3 الفجر، مما قلبه دق كالطبول في صدره المحطم، وهو يحاول أن يجد بصيصاً من الهواء ليتنفس بسبب غضبه القاتل الذي يمنعه من التنفس:

ـ طيب شكرا يا راجل يا طيب تعبتك تصبح على خير

ختم جملته واغلق الخط في وجهه بسرعة، مما الراجل نظر الي الهاتف بصدمة وهو لا يدرك شئ، فهي خطيبته، لماذا يبدو كالهادي كأنه لا يعنيه الأمر؟؟؟

اما هو، فأغلق الهاتف، وبعد ثواني شعر بإيـ ـده ترتعش ارتعاشاً لا إرادياً بسبب كتم الغضب الذي بداخله، فهذه الحاله تظهر له عندما يكتم حزنه او غضبه او عصبيته حتى ينفجر جسده.

اغمض عينيه وهو يحاول أن يفهم لما هي تفعل هكذا به؟؟
لما تكسر قلبه، وتمرغه في التراب، وتهدل سمعتها بهذه الطريقة السيئة؟؟

كل هذا لأجل من؟؟، لأجله هو؟؟

هو الذي أحبها، عشقها منذ نعومة اظافرها، فهو لم يقصر معها في أي شئ، يريد أن يصرخ ويسألها لما فعلت بي هكذا؟؟ هذا هو الذي يستحقه منها بعد كل ذلك الحب والوفاء؟؟؟  

حزن علي نفسه، رثى حاله، كيف لا يستحق ابداً منها هذا الشيء!! لذلك يجب أن يقتلعها من جذوره، يتجاهلها، تذهب للجحيم وتعيش حياتها مثل ما تريد، يريد أن يتعافي من هذه العلاقة السامة، فـ يكفي، يكفي كل ما حدث به، الآن هو يريد شئ واحد فقط.

أن يبقى شخص مستقل وناجح، بعيداً عن صخبها وسمومها، فهو يحمد الله، نعم يحمد الله أن الله كشفها قبل الزواج، قبل أن يربط مصيره بها، لذلك عليه أن يبقى شخص أخر، شخصٌ لا يعرف الرحمة.

نظر إلي النور الاباجورة التي بجانبه على الطاولة، مما اقترب وأغلق النور، وبقي الظلام الدامس يحيط به من كل جانب، الا نور القمر الخفيف الذي يخرج من شرفته، جلس على الفراش وهو يقنع نفسه، بل يجبر نفسه على التصديق، بأنها لا تستاهله ابداً.




❈-❈-❈


في الصباح الباكر، حيث كانت خيوط الشمس الذهبية تتسلل بخجل لتداعب أطراف القرية، خرج «فارس» من البيت وهو يتجه الى سيارته التي كانت بالخارج، كانت خطواته ثقيلة كأنها تجر خلفها ذكريات مريرة، ركبها ببرودٍ جليدي وكاد أن يتحرك ليفر من واقعٍ ضيق بصدره، ولكن وجد فتاة تدخل إلى السيارة بخفة وتجلس بجانبه، وثواني حتى رآها وما الا «كريمة» التي اقتحمت خلوته كأنها طيف من ماضٍ أراد نسيانه

 مما تنهد تنهيدة عميقة تكاد تقتلع قلبه من مكانه وهتف بضيق وهو لا ينظر لها، كأنه يرفض حتى مجرد رؤية ملامحها التي كانت يوماً موطنه:

ـ عايزه ايه يا كريمة؟؟

حاولت أن تجعل نبرتها لينة معه، تتصنع الرقة وتغلف كلماتها بوشاح من الحنين المصطنع حتى يرضى عنها، وهتفت بهدوء ورقة :

ـ مكن ننسي اللي فات و نفتح صفحة جديدة يا فارس؟
سخر من حديثها، تلك السخرية التي تقطر مرارةً وألماً، وابتسم بسخرية حتى ظهرت غمازته التي كانت محفورة على خده كأنها ندبة من ذكرياتٍ لم تندمل :

ـ معدي النص والله .

عقدت حاجبيها وهي تهتف بحيرة، وعيناها تتوسلان فهماً لما خلف كلماته المبطنة وهي لا تفهم جملته :

ـ يعني ايه يا فارس؟؟ .

أجابها ببرود هذه المره، برودٍ يذبح صمت المكان، وكل هذا لم ينظر لها، كأن عينيها فقدتا حق النظر إليه :

ـ يعني اللي سمعتيه انا وانتِ نرجع في احلامك .

دمعت مقلتيها بضعفٍ أنثوي تستميل به قلبه، وهي تنظر له بحبٍ يملأ نظراتها وهتفت بنبرة حزينة تقطع نياط القلب :
ـ ليه يا فارس ده انا حبيتك .

ضحك بسخرية لاذعة، ضحكةٍ تتردد صداها في أرجاء السيارة كأنها سياط جلد، حتى دمعت عينيها وهو يهتف بسخرية ومازال لا ينظر لها :

ـ متجبيش سيره الحب علي لسانك يا كريمة، لانك اصلا محبتنيش واقولك على حاجه كمان انتِ كمان محبتيش هيثم، لانك لو كنتِ بتحبينى مكنتيش عملتي دي، ولو كنتي حبيتي هيثم كنتي خلعتي من الجوازه اللي كانت هتحصل، انتِ بقيتي مع اتنين وفهمتي كل واحد فينا انك بتحبيه؟؟، ازاي عملتي كده بجد؟؟

وقع كلماته كالصواعق على مسامعها، حديثه أثر عليها وأحرق بقايا كبريائها، لذلك هتفت بتوتر وخوف ان يتركها للأبد :
ـ كنت عايزه ……

قطعها هو بحده اخافتها وارتجفت لأجلها أوصالها، وصوته ارتفع قليلاً عليه ليطرد وهم التبرير :

ـ كنتي عايزة ايه يا كريمه، انتي كمان بتبرري مفيش مبرر للخيانه ابداً، ربنا يهديكي علي حالك ويصلح حالك بس بعيد عني يا كريمه، اتفضلي انزلي من العربية .

ختم جملته وأشار وجهه بنفور بعيد عنها كأن وجودها يلوث الهواء الذي يتنفسه، لذلك هي بكت، انهار سد صبرها وانسكبت دموع الندم، هي خسرت الأنسان الذي كان يحبها ويدللها طوال الوقت، نعم هي أخطأت ولكنها تشتاق له، تشتاق لمعاملته معاها، لحنانه وخوفه لكل شئ يتعلق به، لذلك ارتعشت شفتيها وهتفت ببكاء يمزق القلب وتشهق من فرط الألم :

ـ انا استاهل منك اي حاجه و راضية بأي عقاب بس متسبنيش يا فارس، انا بحبك اوي والله وعارفه اني غلطانه بس ….

هربت الكلمات منها وضاعت في مهب الريح ولم تعد قادره علي اكمال حديثها لذلك رفعت رأسها ونظرت له، وعيناها غارقتان في بحر من الانكسار وهتفت بنبرة مرتعشة :

ـ اعمل اللي يريحك يا فارس، بس لازم تفهم والله اني حبيتك انت .

ختمت جملتها وظلت تبكي بصمت مطبق، وهو يشعر بوهنها يتسرب إلى روحه ولكنه تجلد وتجاهلها بصلابة، وبعد ثواني خرجت من سيارته مبتعد عنه وعن هذا الطريق، وبعد ما خرج تنهد تنهيدة مسموعة تكاد تنفجر من حدة الضيق، واغمض عينيه بقوة يحاول طرد طيفها، شغل سيارته وبعد ثواني انطلقت السيارة بعيداً وابتعد ذهاباً لمكان عمله وهو يتذكر خيانتها التي مزقت قلبه، تاركاً وراءه رماد علاقةٍ لم يبقَ منها سوى الوجع..


❈-❈-❈


كان «سراج» يجلس على مائدة الإفطار يقلب الطعام في صحنه دون شهية، بينما كانت عائلته تتحلق حوله في هدوءٍ يقطعه رنين الملاعق، كان قلبه معلقًا في مكانٍ آخر، وعقله يغيب في دوامة من الشرود العميق، وفجأة، سقطت عيناه على كرسي «نصار»، وجده فارغاً كفراغ روحه في تلك اللحظة؛ فهو غادر في الفجر هو و «جيسيكا» مثل ما قال له، التزم بكلمته لكن قلبه كان يتمزق 

 فهو لا يريد ابداً ابتعاد اي احد من اولاده بعد الآن فـ يكفي، كان يشعر وكأن خيوط حياته تتسرب من بين أصابعه، يريد أولاده قريبين منه تحت جناحه، فهو خائف أن يموت وأولاده ليست حوله، يتخيل تلك اللحظة التي تغيب فيها أنفاسه ولا يجد أغلى ما يملك بجانبه، لذلك رفض حكاية السفر هذه برفضٍ نابع من صميم خوفه الأبوي.

قطع شروده صوت «حنان» وهي تهتف بتردد، وصوتها يرتجف كأنها تخشى العواقب:

ـ هو انت عرفت ان نصار طلق فيروز امبارح رسمي؟؟ .
تنهد تنهيدة مسموعه خرجت من أعماق صدره كأنها زفرة وجع، وهتف بهدوء كاذب رغم الذي بداخله من عواصف عندما عرف بالخبر:

ـ ايوا صفيه كلمتني وقالتلي .

نظرت «حنان» الي «صفية» بعينين تلمعان برغبة في المواجهة، وهتفت بنفس نبرة التردد الممزوجة بالحدة:

ـ ايوا يعني مقولتليش رأيك؟؟؟

نظر لها بهدوء وثبات، ولكن عينيه كانت تنظر لها بحده خارقة كأنها تخترق ستار أعصابها:

ـ انا مصدقش ان فيروز ممكن تعمل كده فى ابنى والكل عارف لوزة وحواراتها اللي مش بتخلص و….

كاد أن يكمل دفاعه المستميت، ولكنها قاطعته بحده وعصبيه فقد طفح بها الكيل، و انفجرت كالبركان الذي ظل خاملاً لسنوات:

ـ اكيد انت لازم تقول كده علي ست الحُسن والجمال بنت اخوك، لكن اسمع انت لا شوفت اللي انا شوفته ولا سمعت اللي انا سمعته ولآخر مرة هقولهالك بنات سيد انا مكنتش طايقهم من البداية، والحمد انه ربنا خلصنا من واحد وعقبال التاني يوم ما يقوم بسلامته، لكن سيرة فيروز تتجاب تاني في البيت انا هسيب البيت وامشي انا وابني ومش هتعرفلنا طريق .

ختمت جملتها وغادرت من أمامه كالإعصار الذي يترك خلفه دماراً، إنما هو استغفر ربه بصوت مسموع يحاول به كبح جماح غضبه المتأجج، وكاد أن يقوم بضيق يضيق به الكون، ولكن «صفية» امسكت يـ ـده برقة تحاول امتصاص غضبه، وهتفت بوهنٍ لا يخلو من الحكمة:

ـ معلش يا حج حقك عليا انا يا حبيبي، انت عارف طبعا انها مكنتش تقصد اي حاجه من اللي اتقالت هي بس زعلانه علي إبنها وحقها .

نظر لها بحده تعبر عن جرح كبريائه وهتف هو بضيق من «حنان» واسلوبها المستفز:

ـ وانا مش زعلان علي إبني وخصوصا انها صعبه انها جات من بنت اخويا اللي ربيتها، حنان طول عمرها بتفكر في نفسها واولادها وبس عمرها ما فكرت فيا .

حاولت أن تهدأ الأوضاع بينهم، فاقتربت منه وهتفت هي بلين جعل قلبه يهدأ كأنها تغسل غضبه بماء بارد:

ـ يا حبيبي حقك تزعل طبعا الواحد متكلمش، بس انت سمعت مني، انما هي شافت وسمعت فـ كتر خيرها برضوا انا ذات نفسي مش عارفه استوعب، اهدا يا حبيبي وصلي علي النبي وبعدان ده نصيب الحمد لله انها جات لحد كده

جلس ثواني أخذ يستغفر ربه ويسبح في سكون، حتي بعد ثواني هدأ قليلاً، ووقف وقبـ ـل قبـ ـلة من فروة رأسها بحنانٍ وعاطفة جياشة، وهتف بحُب برغم السنين التي مضت بينهم:

ـ ربنا يديمك ليا يا صفيه وميحرمنيش من وجودك .
ابتسمت له بمحبة تفيض من عينيها، وهتفت هي بلين وحُب له:

ـ ويديمك ليا يا حبيبي وميحرمنيش منك .

ختمت جملتها وغادر من امام عينيها، اما هي فتنهدت تنهيدة طويلة، ودعت ربها في سرها أن الأجواء التي كانت بالمنزل تهدأ قليلاً، وأن يجنبهم شر الفتن.


❈-❈-❈

كان «باسم» يجلس في غرفته، يغلفه سكون مريب كأنه ينتظر انفجاراً وشيكاً، وهو ينظر بشرود يغوص في أعماق المجهول، فهو لحد الأن لا يفهم لما والدتها تعمل كل هذا؟؟ كانت الأسئلة تتلاطم في رأسه كأمواج عاتية في ليلة شتائية مظلمة، تنهش عقله وتؤرق مضجعه، وتضعه أمام حقيقة مريرة بدأت تتضح معالمها في الأفق.

ما مرادها أن تخرب زواج «نصار» و «فيروز» ومن الذي تحدثت معاها بالأمس وهي الذي تحرك والدتها، تلك الخيوط المتشابكة التي تحيكها في الخفاء أصبحت كأفاعٍ تلتف حول عنقه، فهو فهم الأن أنه ليست الوحيد الذي كان يلعب هذه اللعبة بل والدتها وشخص أخر لا يعرفه، شخصٌ يقف في الظل ويدير الدفة، مما جعله يشعر بأن الأرض من تحته باتت هشة كالزجاج الذي يوشك على التهشيم.
flash back
ـ أي

خرجت هذه الكلمة من «إيهاب» كأنها صاعقة مفاجئة شقت جدار الصمت الذي كان يلفهم، مما التفت له «باسم» وهو يراقبه يزيل تلك السماعات الأذنية من ودانه بتثاقل، بالتأكيد يسمع شئ ولا يسمعهم؟ كانت ملامحه تنم عن حيرة قاتلة، وكأن روحه معلقة في عالم آخر بعيداً عن هذا الحوار المسموم.

مما هتف بهدوء وهو مازال واقفً قريب من والدته، محاولاً استعادة توازنه المفقود:

ـ مفيش حاجه انا والدتك كنا بنتناقش علي انها تعمل أكل اي بكره، انت كنت بتسمع ايه؟؟

اقترب منهم «إيهاب» ونظر لـ والدته التي شعرت بقلبها يخفق كطير مذبوح، فقد اجتاحها رعبٌ عارم، قلقٌ ينهش أحشاءها إذا «إيهاب» أدرك شئ، وبنبرة مرتجفة حاولت إخفاءها تحت قناعٍ من الثبات، أجاب:

ـ كنت بسمع سورة يس عشان اعرف انام

بينما نظر لـ والدته وهتف بحماس طفولي يطرد به أي غيوم عابرة، وابتسامته تزين ثغره وتضيء وجهه:

ـ اي رأيك يا ست الكل تعمليلي بكره كبدة ومن ايدك الحلوين دول .

تنهدت والدته بعمق، وكأنها تزيح جبلاً عن صدرها، واستندت علي يـ ـد «باسم» قبل أن تقع من شدة الارتجاف الذي اجتاح أوصالها، وهتفت بابتسامه متوتره تفتقر لأدنى درجات الصدق، فهي شعرت أن «إيهاب» سمع ما قاله «باسم» لذلك شعرت بالشلل يحاوط أطرافها، حمدت الله في سرها انه لم يسمع شئ واقتنع بكذبة «باسم» التي أنقذتها من حافة الهاوية:

ـ حاضر يا حبيبي هعملك كبدة بكره .

بينما أكملت وهي تمسك يـ ـده بقلق مستميت، وكأنها تطلب منه النجاة، وهي تحاول قدر الإمكان أن تجعل نبرتها طبيعيه، تتصنع الهدوء وسط إعصار من التوتر:

ـ البس يا إيهاب وجهز العربية عشان هنروح لـ فيروز عشان اختها يا عيني تعبانه وانت عارف ابوها عنده الضغط والبت يا عيني لسه خارجة من علاقة نروح نشوف هما محتاجين ايه ونجبلهم .

عقد حاجبيه «إيهاب» وهو يهتف بحيرة تتساءل عن غرابة الموقف، وهو ينظر الى الساعة التي في يـ ـده:

ـ ماشي يا ماما بس الوقت متأخر ان احنا نروح هناك .

نظرت له بإستنكار شديد، وكأنها تدافع عن قضية نبيلة لا تحتمل التأجيل، وهتفت بحده:

ـ يا إيهاب هما مالهومش حد ولو مش عايز تدخل البيت يا سيدي متدخلش انا هدخل .

هز رأسه بتفهم، وكأنه انصاع لقدرٍ محتوم، وغادر من امامهم وحينما تأكدت خروج «إيهاب» من الييت، تحولت نظراتها الحادة لـ «باسم» بقلق يشي بالخطر:

ـ إياك تقول لاخوك حاجه يا باسم إياك .

عقد يـ ـده في صـ ـدره، ناثراً هيبةً وصرامةً، وهتف بشك يقطر سماً وهو ينظر لها مباشرة في عينيها:

ـ عايزه تخربي جوازه نصار وفيروز ليه يا ماما؟؟ .

تنهدت بعمق، وكأن سراً ثقيلاً ينوء به صدرها، وهتفت بلهفه وهي تمسك يـ ـده، تستميل قلبه بكل ما أوتيت من ضعف:

ـ هقولك كل حاجه، بس سبني اروح مع اخوك المشوار ده .

هز رأسه بتفهم، وهتف بهدوء ظاهري بارد كالجليد، ولكن بداخله لما يكون هدوء ابداً بلا كانت عاصفة ملئ بالاسئلة تتأهب للانفجار:
ـ تمام روحي .

ختم جملته وابتعد من امامها، اما هي غادرت بسرعه وكأنها تهرب من شبح يلاحقها، بعيد عن عينيه التي كانت مليئة بالشك والريبة.

افاق من دوامه تفكيره المتلاطمة علي صوت دق البيت، مما اعتدل من جلسته علي الفراش بحركة واثقة، وهتف بهدوء كأنه يعرف من صاحب هذه الدقة، كأن القدر كان يمهد لهذا اللقاء المنتظر:

ـ أدخل .

دخلت والدته وأغلقت الباب خلفها بحذر، وجلست علي الأريكة امامه علي الفراش، وكأنها تستعد لجلسة اعتراف أمام قاضٍ لا يرحم:

ـ عايز تعرف ايه؟؟

ضيق عينيه كصقر يراقب فريسته، وهتف بهدوء جحيمي بعد ما تنهد زفرة أخيرة:

ـ بتعملي كل ده ليه؟؟ .

بلعت ريقها بما جوفيه، وكأن كلمات الحقيقة تذبح حلقها، وهتفت بتوتر وهي تمسك يـ ـدها الاثنين وتفركهما بعصبية:

ـ عشان إيهاب كان نفسه يتجوز فيروز وانا بحققله ده .

ابتسم بسخرية لاذعة علي حاله وعلي سخافة القدر، فهو الأخر يحب «فيروز» وهي لم تشعر به كالعادة، مما نظر لها بهدوء يحمل في طياته بركان من التحذير:

ـ مين اللي كان بيكلمك والرئيس في اللعبة دي؟؟ .

صمتت وهي تهرب عينيها من عينيه الحاده التي تحاول سبر أغوار روحها، فهو الأن أدرك أن هذا الشخص الذي يلعب كل هذا لما يكون عادياً ابداً، فجأة شعرت بالانكشاف، لذلك تنفست بقوة شديدة، وكأن الأكسجين قد نفد من الغرفة، وهتفت بثقه وهي تنظر له:

و…..


❈-❈-❈

خرج «عمار» من البيت بخطوات متسارعة، وقعها على الأرض كان يعكس بركاناً من الغليان الداخلي الذي يكاد يطيح بوقاره، كان وجهه متجمداً كقطعة من الجليد بينما أصابعه تنبض بالعصبية وهو ينظر الي الهاتف بعينين تقدحان شرراً، يقلب الرسائل لعل وعسى يجد ما يطفئ نيرانه، لكنه كان يبحث عن أي بادرة فهم من «سهر» دون جدوى

 وفجأة قرأ الرسائل التي جعلت الدماء تغلي في عروقه وكأنها حمم بركانية انفجرت في قلبه، مما تنفس بقوة لدرجة أن صدره ارتفع وهبط بعنف كعداءٍ يصارع الاختناق، وشعر بفيضان من الغضب منها كثيراً لدرجة أنه فقد السيطرة على أعصابه، ولم يدري بنفسه إلا وهو يضغط على أزرار الهاتف بجنون وكأنه يفرغ كل غضبه في تلك الكلمات التي يرسلها لها هذه الرسالة :

" انا لحد دلوقتي هادي معاكي وبحاول افهمك سوء تفاهم اللي حصل لكن انتِ لحد الان لسه متعرفنيش، انتِ مفكريني عيل في كيجي تو و هسكتلك؟؟ "

بعد ما تأكد من إرسال الرسالة التي خرجت منه كطلقة رصاص لا رجعة فيها، توقف في مكانه، صقيع الواقع بدأ يضرب أطرافه، مما استغفر ربه بنبرة متهدجة تخرج من أعماق صدره المحترق، وهو يهتف بغيظ يأكله أكلاً ويجعل ملامحه تتقلب في تشنج واضح :

ـ ماشي يا مروان الكلب انتَ وسهر .

❈-❈-❈
 
بعد يومين..

كان «نصار» يسوق سيارته وسط زحام خانق يضيق به الأنفاس، فهو قد عاد للتو من رحلة شاقة استنزفت كل طاقته، لكنه فور دخوله أطراف المنطقة اصطدم بواقع غريب ومريب؛ إذ تملكه شعور بالريبة، فهو لا يعرف ابداً لما الجميع متجمع عند القهوة بهذا الشكل الذي يثير الذعر، وكأن خطباً جللاً قد وقع أو كارثة ألمت بالحي، فهو لا يعرف السير جيداً بسبب الناس الذي يوقفون الطريق بكتلهم البشرية المتراصة، حتى اضطر للتوقف التام وسط حالة من الضياع الذهني 

ظن انه يوجد مشكله ما بالتأكيد أو مصيبة دهمت أهل منطقته، لذلك قرر النزول من سيارته وسط حالة من القلق الذي بدأ ينهش في أعصابه ليتحقق من ماهية ما سبب هذا التجمع الغريب، وبينما هو يشق طريقه وسط الزحام، اخترق ضجيجاً مألوفاً مسامعه، حتى سمع صوت عمه يتردد صداه في المقدمة، مما أشعل في داخله فضولاً يحترق ليُعرف الحقيقة، لذلك قرر السير إلى الأمام بلهفة واضطراب حتى يعرف ما سبب هذا الضجيج وما الذي يحدث خلف تلك الحشود.

وحين وصل وشق الجموع بكتفيه، تجمدت دماءه في عروقه، نظر الي «سيد» الذي كان واقف في نصف الشارع بكبرياء مستفز، وكأنه يسيطر على كل ذرة هواء في المكان، كان يقف وهو يصرخ للناس بكل قوته، و الابتسامة ترسم على ثغره ببرود يثير الأعصاب، وعينيه يصرخون من الحده والوعيد، وكأن شراراً يتطاير منهما ليلتهم كل من يجرؤ على الاعتراض، ثم زأر بصوتٍ هز أركان الحي:

ـ اسمعي يا حاره وكل واحد يسمع في المنطقه دي بنتي فيروز مخطوبة لـ إيهاب الصايغ وبعد فترة عدتها هيكتبوا كتابهم ولو سمعت اي كلب يجيب سيرتها لكون قتله بإيدي دول .



❈-❈-❈

 كان «فارس» يتجه الى غرفته، وخطواته الثقيلة تعكس إرهاقاً تراكم فوق كاهله كسلسلة من الأعباء غير المرئية، فهو عاد من العمل للتو، حيث كان يقضي يومه في روتين مجهد ينهك الروح قبل الجسد، فهو يعمل ساعات قليلة في عيادته الخاصه، تلك الساعات التي يقتطعها من عمره بضيق، ليس حباً في المهنة بقدر ما هو التزامٌ خانق، كل ذلك لكي يضمن في نهاية المطاف أن يجد متسعاً من الوقت حتى يجلس مع والده في مجلس العمدة، حيث الهيبة والوقار والتقاليد التي لا ترحم.

وصل أمام باب غرفته، وبحركة آلية دفع الباب ليفتحه، غافلاً عن الإعصار العاطفي الذي ينتظره في الداخل، دخل الي غرفته، وما إن وقعت عيناه على المشهد، حتى تجمد الزمن في عروقه وتحولت أنفاسه إلى جمر، فقد وجد «فلة» في حالة من الهيام المطلق، كانت تحضن قميصه التي فيه رأئحته، تستنشق عبير ذكرياته وكأنها تتنفس الحياة منه، وتقبـ ـله بلهفه لا تعرف الحدود، وكأنها تحاول استرجاع روحه المفقودة في نسيج القماش، ومازالت تعانـ ـق القميص بشدة ترفض أن تحرره من بين ذراعيها المرتجفتين، متناسية العالم بأسره و منغمسة في طقس جنوني من العشق الخالص.

اما هو، ففي تلك اللحظة التي تلاشت فيها كل معاني المنطق، جحظت عينيه بذهول أسطوري، وكأنه دلو من الماء البارد اسكب عليه بقوة، فاستحالت حرارة الدم في عروقه إلى صقيع مفاجئ، وأصبح عاجزاً عن النطق أو الحركة، غارقاً في دوامة من الصدمة التي هزت كيانه من الأعماق، غير مصدق لما تراه عيناه في خلوته المقدسة.


❈-❈-❈

في تلك الردهات الساكنة التي يغلفها صمت مطبق، كانت «سما» تتابع بكامل جوارحها المستنفرة وتركيزها الفائق عمله التي جاءت به منذ يومين وهي تشرف على حاله «سالم» في البيت، حيث كانت ترقب كل أنفاسه وتفاصيل نبضه كأنها تحرس خيط الحياة الرفيع، فهو وجدت تحسن كبير عن الأيام التي كانت بالمشفى، تحسنٌ طرأ بغتة كمعجزة لم تكن في الحسبان، وأخذت تضطرب الأفكار في رأسها حيرةً، ولم تفهم ما السر تحسنه بهذا الشكل .

أخذت التساؤلات تعصف بكيانها وتزلزل ثباتها، وراحت تسأل نفسها بذهول عارم: ايعقل أنه جاء الي بيته ومتحمس ومشتاق لرؤيتهم، وهل الشوق للأماكن الدافئة ووجوه الأحبة يملك هذه القوة الشفائية الخارقة التي تعيد الروح للجسد العليل؟ وفي تلك اللحظة الفارقة، نظرت له وجدت انه يحرك أصابع يـ ـده بهدوء، حركة طفيفة تكاد لا تُرى بالعين المجردة ولكنها زلزلت الأرض تحت قدميها، مما نظرت له بلهفه جارفة وشغف حارق، وهتفت بصدمه دوت في أركان الغرفة الساكنة وهي تقترب منه وتمسك يـ ـده :

ـ سالم؟؟ .

و……

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة توتا محمود، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة‏