-->

رواية جديدة رواية في فبضة فهد لهالة زين - الفصل 30 - السبت 27/6/2026

السبت, يونيو 27, 2026
تم النشر في: 27 يونيو 2026

 

قراءة رواية في قبضة فهد كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخر


رواية في قبضة فهد

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة هالة زين


الفصل الثلاثون


تم النشر السبت 

27/6/2026



استيقظت ميلا على دفء غريب يحيط بها.
فتحت عينيها ببطء...فتجمدت للحظة ...لتجد نفسها مستلقية بالقرب من يمان...بينما كانت ذراعه السليمة ملتفة حولها بحماية وعفوية وكأنه فعل ذلك أثناء نومه دون أن يشعر...حاولت أن تتذكر متي أتي ومات استقر بنومه بجانبها ولكنها فشلت ..فقد غلبها التعب وذهبت في سبات عميق .

رفعت رأسها قليلًا تنظر إلى ملامحه الهادئة...لأول مرة منذ فترة طويلة بدا بعيدًا عن القسوة والعناد والصراعات التي تحيط به.

بدا فقط رجلًا متعبًا وجد بعض الراحة أخيرًا...ابتسمت رغماً عنها.

وحاولت التسلل من بين ذراعيه بهدوء حتى لا توقظه.

لكن قبل أن تنجح...دوى صوت ضحكات الأطفال من الخارج.

يزيد : يوسف...استنى..أنا جعان  

يوسف : لاااا...الساندويتش ده  بتاعي أنا .

ارتفعت الضوضاء أكثر فأكثر....فتأوه يمان وهو يفتح عينيه ببطء...تجمدت ميلا في مكانها...وتصنعت النوم 

أما هو فنظر إليها لثوانٍ قبل أن يستوعب قربها منه.

ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة...ثم قبل أعلي جبهتها 

يمان : تمثيلك سئ لدرجه ان الولاد بره لو شافوكي وانتي مغمضه عنيكي كده هيبقوا عارفين انك صاحيه .

احمر وجه ميلا فورًا وفتحت عينيها .

ميلا : كنت ... هقوم بس خفت أزعجك أو أخبطك فالجرح يألمك .

قال وهو يرفع حاجبه بمشاكسة واضحة .

يمان : يا شيخه ده انتي صوت نفسك العالي...هو اللي صحاني و قرب ينادي عليهم بره .

عبست وحاولت أن تبتعد لكنه شد الغطاء قليلًا حولها.

يمان : نامي...نامي  خمس دقايق كمان...علي فاطمه ماتحضر الفطار .

نظرت إليه بدهشة...بينما هو ضحك بخفوت وجذبها الي صدرة .

وفي الخارج كانت فاطمة تتحرك داخل المطبخ بنشاط.

رائحة الخبز الساخن والشاي والحلويات الشرقية بدأت تنتشر في المكان...بينما كان يوسف ويزيد يركضان حول المائدة في انتظار الإفطار.
  
عاد يمان ينظر إلى ميلا.

وتوقفت الضحكات في الخارج للحظة وكأن العالم كله اختفى...رفع يده السليمة وأزاح خصلة شعر سقطت على وجهها. 

يمان : طب مافيش صباح الخير .

ارتجف قلبها رغم بساطة الكلمات وهمست

ميلا : صباح الخير .

ظل ينظر إليها طويلًا...نظرة مليئة بأشياء لم يعد يعرف كيف يخفيهاثم قال بهدوء.

يمان : عارفة... أول مرة من زمان أصحى وأنا حاسس براحة...

خفضت عينيها سريعًا...أما هو فابتسم وسأل مراوغا .

يمان : إنتي عارفه اني  حبيت يوسف ابن خالك أوي .

تجهمت ميلا وبدي الارتباك عليها .

يمان : أنا فرحان أن هو ويزيد بقوا صحاب ...علي الأقل أبقي مطمن عليهم مع بعض...ويزيد كمان ما يكونش لوحده .

حاولت ميلا تغير الحديث ولكنه تشبث بها وأوقفها ونظر في عينيها وثبت نظرة داخلها .

يمان : ميلا ....في حاجه بخصوص يوسف  انتي مخبياها عليا .

ابتلعت ميلا ريقها وازداد حده تنفسها ...وفي تلك اللحظة دوى صوت يوسف من الخارج.

يوسف : يالله يا ميلا...الأكل جاهز .

ثم تبعه صوت يزيد

يزيد : يالله يا بابي ...إحنا جعانين ولو ما جيتوش هآكل كل حاجة لوحدي أنا ويوسف .

إنتهزت ميلا الفرصه وابتعدت بسرعه بينما مسح يمان  وجهه بقله صبر ...لتنتهي هذه  اللحظة المتوترة  بينهم وسط دفء عائلي بسيط ...حيث كان أجمل بكثير من أي كلمات حب يمكن أن تقال في وقت تجمع عائلي هكذا .

اجتمع الجميع حول مائدة الإفطار التي أعدتها فاطمة بعناية...كانت الأطباق تملأ الطاولة... ورائحة الخبز الساخن والشاي بالنعناع تمنح المكان دفئًا عائليًا جميلًا...لكن خلف هذا الهدوء...كان هناك توتر لا يراه أحد.

جلست ميلا في أحد طرفي الطاولة... بينما جلس يمان مقابلها مباشرة....كلما رفعت عينيها وجدته ينظر إليها.

وكلما التقت نظراتهما...كان كل منهما يشيح بوجهه سريعًا.

أما يوسف ويزيد فكانا منشغلين تمامًا بالحديث عن الحلوى والاحتفال والزفاف المنتظر.

قال يزيد بحماس ليمان .

يزيد : بابي أنا هلبس بدلة زي عمو آدم العريس .

ضحك يوسف .

يوسف : أنا كمان هلبس زي بابي ...بدلتي زي بدلته بالظبط .

ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه ميلا وهي تنظر إليهما.

لكنها ما لبثت أن شعرت بنظرات يمان تعود إليها من جديد....خفضت رأسها نحو كوب الشاي....لم تكن تعرف كيف تتصرف بعد هروبها من الحديث عن يوسف  في الدقائق الماضية....أما يمان فكان يحاول فهم سبب هروبها المستمر منه عندما يحاول أن يتحدث عن يوسف .

وقبل أن يسألها أي شيء...نهضت فجأة من مكانها.

ميلا : يالله يا ولاد أحنا لازم نمشي .

رفع الجميع رؤوسهم باستغراب.بينما سألت فاطمه 

فاطمه : دلوقتي؟ لسه بدري اوي يا بنتي .

أجابت ميلا بسرعة.

ميلا : علشان نلحق وقتنا يا دادا  وكمان داليدا محتاجة حد يساعدها في الفندق قبل الفرح.

ثم التفتت إلى الأطفال اللذان قفزا من مقعديهما فورًا وركضا خلفها ...أما يمان فوقف هو الآخر.

يمان : يالله أنا هوصلكم في طريقي .

تجمدت ميلا للحظة...ثم هزت رأسها بهدوء.

ميلا : لا مالوش لزوم أحنا هنروح لداليدا الأول وبعدين هنروح معاها ..خالو سيبلها عربيه بسواق تحت ...وعلشان مانعطلكش عن شغلك برده .

ساد الصمت...كان واضحًا للجميع أن الرفض لم يكن بسبب  هذا ...بل بسبب شيء آخر تخفيه ...شيء لا تريد هي  التحدث عنه....فاقترب يمان خطوة.

يمان : ميلا...أنا قلت هوصلكم الأول .

لكنها قاطعته بابتسامة صغيرة متوترة.

ميلا : انت عندك أشغال أهم... لازم  تهتم بها النهارده...وكده كده هنتقابل بالليل في الفرح مش كده ؟

فهم الرسالة....كانت تضع مسافة بينهما من جديد...أمسكت بيد يوسف بينما تعلق يزيد بيدها الأخرى.واتجهت نحو الباب.

وقبل أن تغادر، التفتت للحظة واحدة فقط....فتلاقت عيناها بعيني يمان ...ثانية قصيرة...

لكنها حملت من المشاعر ما يكفي لملء سنوات كاملة.فأردفت بإهتمام

ميلا : ابقي روح المستشفي وغير علي الجرح بتاع دراعك  وماتهملش فيه علشان تقوم بالسلامه بسرعه .

ثم استدارت وغادرت بسرعه قبل أن يرد ....وبقي يمان واقفًا مكانه يراقب الباب المغلق...بينما كان يشعر للمرة الأولى أن ابتعاد ميلا يؤلمه أكثر مما كان مستعدًا للاعتراف به.

❈-❈-❈

غادر يمان بعد رحيل ميلا والأطفال بوقت قصير... لكن عقله لم يكن حاضرًا مع الطريق....كانت كلمات يوسف.. وتحقيقاته السرية... ونظرات ميلا المرتبكة كلها تدور في رأسه بلا توقف....وصل إلى المستشفى الخاصة التابعه لها  واتجه مباشرة إلى أحد المكاتب الداخلية...كان مساعده الموثوق ينتظره هناك....أغلق يمان الباب خلفه ووضع ظرفًا صغيرًا على المكتب....نظر الرجل إليه باهتمام ...فدفع يمان الظرف نحوه.

يمان : جواه العينات اللي قلتلك عليها إمبارح .

فتح المساعد الظرف قليلًا ثم رفع رأسه.

المساعد : تمام يافندم .

جلس يمان أمامه وقال بنبرة حازمة.

يمان : دي عيناتي أنا ويوسف ....ويوسف ومدام ميلا مراتي .

اتسعت عينا الرجل وسأل 
المساعد : وعينات آدم بيه يافندم ؟
يمان : خلصلي دول الاول ...والثانيه هبعتهالك النهارده بالليل مع السواق بعد الفرح .

لم يجرؤ المساعد على طرح الكثير من الأسئلة الأخري ..بل اماء له بطاعه....لكن يمان  مال للأمام وأضاف

يمان : إنت عارف نتايج التحاليل دي مهمة جدًا بالنسبه لي إزاي .

المساعد :  اطمن يا يمان بيه .

يمان : مش عاوز شوشرة ...ولازم تكون في سرية تامة . ..مفهوم ؟

المساعد : مفهوم يافندم 

ظل يمان ينظر إلى الظرف لثواني  طويلة...وكأنه يسلّم جزءًا من مصيره...ثم نهض من مكانه... وأردف

يمان : أول ما تطلع النتيجة تبلغني بيها بنفسك.

المساعد : أوامرك يافندم 

غادر المكتب بخطوات ثقيلة....وللمرة الأولى منذ سنوات شعر أنه يخاف من معرفة الحقيقة أكثر مما يخاف من الجهل بها....بعدها توجه إلى قسم العلاج....جلس أمام المرآة في إحدى الغرف الطبية....كانت إصابة ذراعه لم تتحسن بعد بسبب تحركه المستمر..و آثار الجرح  والدم المتخثر ما زالت واضحة.

بدأ الطبيب  بتجهيز الأدوات....وقبل أن يقترب منه...تذكر يمان صوت ميلا في الصباح ...ابتسم دون أن يشعر....حتى وهي تهرب منه...شعر انها  تهتم به....لاحظ الطبيب  الابتسامة النادرة على وجهه....فلاحظ يمان نظرات الطبيب فاختفت الابتسامة سريعًا...لكنها لم تختفي  تمامًا من عينيه....نظر إلى الضماد الجديد حول ذراعه وقال بهدوء.
يمان : يالله بسرعه .
الطبيب : أوامرك يا يمان بيه .

وبينما كان الطبيب يعيد تنظيف الجرح ويغيير الضمادات، كان عقل يمان بعيدًا تمامًا عن الألم...كان يفكر في ميلا ويوسف...وفي الحقيقة التي قد تصل إليه خلال ساعات  قليلة....حقيقة قد تجمعه بمن يحب...أو تدمر كل شيء بناه طوال حياته.

❈-❈-❈

وصلت ميلا وداليدا إلى الفندق منذ ساعات الصباح الأولى... وكانت الأجواء أشبه بحلم جميل....العاملون يضعون اللمسات الأخيرة على القاعة...والورود البيضاء تزين المداخل...والموسيقى الهادئة تنساب في المكان بينما تتنقل داليدا بين الجميع بابتسامة لا تفارق وجهها...أما ميلا فكانت تساعدها في تفاصيل كل شي وكأنه زفافها هي 

داليدا : يابنتي إهدي ... ما الناس شغاله بإيديها  وأسنانها أهيه ...تعالي اقعدي واستريحي 
ربتت ميلا علي ذراعيها .

ميلا : لا يا روحي ...استريحي إنتي ...دي الليله ليلتك يا قمر ...علشان ما تتعبيش قبل الفرح.

ضحكت داليدا وهي تنظر إلى انعكاسها في المرآة وترسل قبله لها في الهواء .

داليدا : أقرصيني يا ميلا ...مش مصدقة إن اليوم ده جه فعلًا...وهتجوز آدم فعلا .

ابتسمت ميلا بحنان وهي تجرها داخل الجناح  وقرصت على يدها بسعاده ...فغضبت داليدا متصنعه الألم ...لكن السعادة لم تدم طويلًا....فجأة...فُتح باب الجناح بعنف...والتفت الجميع نحو الصوت.

دخلت عزة المصري بخطوات سريعة ونظرات مشتعلة بالغضب.اختفت الابتسامة من وجه داليدا فورًا...أما ميلا فشعرت بأن هناك كارثة على وشك الوقوع.

توقفت عزة أمام داليدا مباشرة...وقالت بصوت مرتفع سمعه كل الموجودين.

عزه : إنتي بقا البتاعه اللي هيتجوزها آدم علي بنتي ؟

ساد الصمت في المكان...إقتربت منها داليدا ببطء...بينما قاطعتها ميلا 

ميلا : مدام عزة...

لكن عزة لم تمنحها فرصة للكلام...
عزة : إبعدي  إنتي من وشي يا بومه يا جلابه المصايب من يوم ما ظهرتي في حياتنا واحنا ما بنلاحقش علي القرف اللي بيجي من تحت راسك .

ارتبكت الحاضرات....وتبادلت العاملات النظرات بقلق.

أما داليدا  فتقدمت خطوة للأمام ووقفت أمام ميلا بدفاع 

داليدا : لا سيبهالي انتي بقا يا ميلا ...دي عالم لمامه وواطيه وماتجيش غير بقله الأدب ...في إيه يا ست إنتي  ..مالك شده حيلك علينا كده ليه ...ومين إداكي الاذن أصلا للدخول هنا .

استدارت عزة نحوها 

عزه : أنا واطيه ولمامه يا زباله يا خطافه الرجاله .

ثم عادت تنظر إلى ميلا 

عزة : هي دي اللي هتتجوز خالك ...الفالجر البيئه دي هتتجوز آدم باشا الشمري ...وبعد كل اللي عملته فينا  وأنها خطفت جوز بنتي أميره هانم الفهد .. لسه عندها  الجرأة تلبس فستان أبيض ..وتفرح وتعمل فرح .

ثم أشارت إليها بإصبع مرتجف من شدة الغضب.

عزه :فعلا اللي إختشوا ماتوا ...خطافه رجاله بصحيح !

ساد الذهول المكان....وزادت همسات العاملات  الحاضرات.

أما داليدا بدت مصدومة من حديثها ...لكن عزة واصلت هجومها.

عزه : النهارده كان المفروض أنه فرح أميرة بنتي مش فرحك ... والناس كلها عارفه كده ...والعيله كلها جايه من الصعيد علشان تحضر فرحها .

ارتفع صوتها أكثر....حتى بدأت بعض العاملات تتوقف عن العمل لمتابعة ما يحدث....فتقدمت ميلا هذه المرة لتوقف هذه المهزله .

ميلا : أرجوكي كفايه كده يا مدام عزه.

لكن عزة تجاهلتها...واقتربت من داليدا حتى أصبحتا وجهًا لوجه.ثم قالت ببرود مخيف

عزه : إسمعيني كويس يا بنت إنتي .

ابتلعت ميلا ريقها بصعوبة من الإهانه... بينما تنظر لها داليدا بترقب دون خوف .

عزه : لو الفرح ده تم النهارده ...توقفت لحظة....ثم أكملت

عزه : هتندمي طول عمرك.

شحب وجه ميلا خوفا علي صديقتها  ....أما داليدا فاشتعل غضبها هي الأخري 

داليدا : هو  ده تهديد بقا ؟

استدارت عزة إليها.

عزه : اعتبريه تحذير...وكلامي ما بحبش أكرره تاني .

ثم أعادت نظرها إلى داليدا.

عزه : انتي  لسه عندك فرصة

ربعت داليدا يدها حول صدرها بغيظ 

داليدا: ممكن اعرف فرصة لإيه بقا بالظبط  ؟

عزه : إنك تخرجي من حياة آدم قبل فوات الأوان.

امتلأت عينا ميلا  بالدموع....ليس خوفًا...بل لأن هذه الكلمات أصابت داليدا بأعمق نقطة في قلبها....النقطة التي كانت تخشى دائمًا أن تكون سببًا في تعاسة شخص حساس كداليدا.

شعرت ميلا بذلك فورًا...فأمسكت بيد داليدا  بقوة توؤازرها ...بينما قالت ميلا أمام الجميع

ميلا : اسمعي يا ست انتي أنا سكتالك من الصبح واعرفي...انك لا إنتي ولا غيرك هيقدر يبوظ اليوم ده...خالي ماحبش ولا هيحب حد غير داليدا...فروحي إرمي بلاكي علي حد غيرنا .

ثوانٍ ثقيلة مرت على الجميع....قبل أن تبتسم عزة ابتسامة غامضة....ابتسامة جعلت القشعريرة تسري في أجساد الحاضرين.

ثم استدارت لتغادر  الجناح.

لكن قبل أن تفتح  الباب التفتت إليهم وقالت لداليدا .

عزه : أنا حذرتك  ..وعقلك فى راسك ...تعرفي خلاصك .

لتبقى داليدا واقفة في منتصف الغرفة، بينما بدأت فرحتها التي ملأت المكان منذ دقائق  قليلة تتسلل منها ببطء...كأن عاصفة سوداء مرت فجأة فوق حلمها الجميل.

فعادت الي وعيها بسرعه  ...وانفجرت بها...فوضعت باقة الورد التي كانت تحملها على الطاولة بعنف وقالت لاحدي العاملات وهي ترفع أكمام بلوزتها الحريريه المخصصه للعروس .

داليدا : اقفلي الباب اللي هناك ده يا إسمك ايه !
واتجهت نحو عزه بغضب ينفجر بعروقها .

داليدا : علشان في  ست هنا ناقصه ربايه وعاوزة تتربي من أول وجديد ... دي داخلة تهددني يوم  فرحي كده عيني عينك .

حاولت ميلا تهدئتها.

ميلا : داليدا... اهدي والنبي .

لكن داليدا كانت قد خلعت حذاءها ذات الهيلز العالي بالفعل.

داليدا : أهدي؟ أهدي ليه ....دي داخلة تقولي أسيب جوزي ..يوم فرحنا .

ثم اندفعت نحو ها 

داليدا : وربنا ما هسيبها تمشي غير لما أربيها .
اتسعت عينا ميلا ...لكن الأوان كان قد فات.... عندما فوجئت بداليدا تندفع نحوها كالعاصفة.

داليدا: استني هنا يا أم تهديدات انتي 
التفتت عزة مصدومة.

عزه: إنتِ اتجننتي ..انتي هتعملي ايه ؟

وفي لحظة  صادمة للحاضرين أمسكت داليدا بإحدى خصلات الشعر المستعارة التي كانت تضعها عزة... فانفلتت من مكانها وسط ذهول الجميع ...شهقت العاملات...وتجمد الجميع  في أماكنهم ...أما عزة فوضعت يدها على رأسها وهي تصرخ

عزه : آه .... شعري 
ردت داليدا بانتصار

داليدا : ايه ده ...هو طلع شعر عيره...استني بقا لما أجيلك انتفلك  شعرك الحقيقي ...علشان ما أندمش  لما أحس  بالذنب .

كادت ميلا تختنق من الضحك وهي تحاول التظاهر بالجدية....لكن داليدا لم تتوقف.
أشارت إلى عزة قائلة

داليدا: بقا عايزه تيجي تبوظي  فرحي أنا...وعاوزة تمشي من غير ما تآخدي واجبك ...ده تبقي حتي عيبه في حقي ! 

ثم اقتربت منها أكثر بعدما جعلتها تعجز عن الحركه ...بينما بدأ بعض الموظفين يخفون ضحكاتهم.
فقد  تحولت ملامح عزة إلى مزيج من الغضب والإحراج

وفي تلك اللحظة...

وصل آدم إلى الفندق ... فقد تلقى اتصالًا من حراسه جعله يعتقد أن مشكلة كبيرة وقعت ...دخل مسرعًا وهو يتوقع أن يجد داليدا تبكي أو منهارة ...لكنه توقف فجأة.
أمام مشهد لم يكن مستعدًا له أبدًا....داليدا واقفة في منتصف الجناح فستانها الحريري المخصص للعروس مرفوع قليلًا بيد.
واليد الأخرى به حذاء ذات هيلز عالي تشير به  نحو عزة المصري التي كانت تحاول استعادة ما تبقى من هيبتها....وميلا خلفها تكاد تموت من كتم الضحكات ...

ظل آدم يحدق بالمشهد عدة ثوانٍ ...ثم انفجر ضاحكًا....كانت ضحكة عالية وصادقة أدهشت الجميع....استدارت داليدا نحوه...بينما أردفت ميلا 

ميلا : إنت بتضحك يا خالو...شيل الست من ايديها هتموتها .
حاول التماسك لكنه فشل.

آدم : أنا جيت أجري مفكر  في مصيبة.
وأشار نحوها.
آدم : طلعتي أنتي المصيبة نفسها.
اتسعت عيناها بصدمة.
داليدا: أنا مصيبه يا آدم ...طب ابعد عني علشان ما تصيبكش لعنه غضبي إنت كمان .
اقترب منها وهو ما زال يضحك.
ثم أمسك يدها بحنان.
آدم : سيبيها يا داليدا الست هتموت في ايدك ....ولو ليكي حق صدقيني هجيبهولك.
أبعدت يده عنها بغضب 

داليدا : طبعا ما هي الست حماتك لازم تخاف عليها و علي زعلها .

ثم نظر ت إلى عزة التي كانت تغلي من الغضب تحت يديها ....وقالت بهدوء حاسم

داليدا : يانا يا هي النهارده ...ابعد عني ...وأي حد عنده اعتراض... يبقى يعترض بعد ما أخلص عليها واعلمها الأدب .

شحب وجه عزة عندما رأت تراجع آدم ولأنها أدركت أن خطتها لم تفسد الزفاف بل ... جعلت الجميع يلتفون أكثر حول داليدا....أما داليدا فرفعت رأسها بانتصار وهمست لعزة 
داليدا : شوفتي ماحدش هينجدك من ايدي النهارده.

بعد قليل ابعد آدم داليدا وأمسك آدم بذراع عزة المصري قبل أن تتفاقم الفوضى أكثر داخل الفندق....وقال بصوت هادئ لكنه لا يقبل النقاش

آدم : خلاص يا داليدا إهدي بقا أخدت حقك بدراعك وعملتي اللي انتي عايزاه ...كفايه...وكفايه فضايح لحد كده .

حاولت عزة الاعتراض وقول شئ... لكن آدم أمر أحد الحرس بإقتيادها  بعيدًا عن الجناح حتى وصلا إلى إحدى الغرف الجانبية الفارغة...وخرج خلفهم .

ما إن أُغلق الباب حتى استدارت إليه بغضب.

عزه : إنت شايف اللي عملته الهانم اللي هتتجوزها علي بنتي ؟

نظر إليها آدم ببرود.

آدم : أنا شايف إنك جايه مخصوص علشان تبوظي فرحي ...وتهيني مراتي .

اقتربت منه عزه بغضب 
عزه :فرحك...ومراتك ...طب وبنتي ...والعيله والناس اللي إحنا عزمناهم  ...وجايين علشان الفرح ؟

ضحك بسخريه وعقد  ذراعيه أمام صدره....ثم قال ببطء شديد.

آدم : ايه يا مدام عزه إنتي هتكدبي الكدبه وهتصدقيها...ده إحنا دفنينه سوا....جواز إيه ...ده جواز علي ورق علشان أحمي بنت أختي .

ساد الصمت...وأكمل بنبرة حاسمة

آدم : وإنتي عارفه كويس انا اتجوزتها علشان كده ...يعني بنتك مجرد صفقه بالنسبالي .

تراجعت عزة خطوة....أما آدم فتابع

آدم : وصفقه مربحه ليكي كمان  ..وأنتي  قبضتِي  ثمن كل بند فيها ...وبنتك أخدت حقها وبزياده ...وعلي فكرة جوازي من داليدا بموافقه بنتك وبمباركتها.

اتسعت عيناها....بينما هو  اقترب منها قليلًا.

آدم : أنا النهارده هتجوز  داليدا لو إنطبقت السما علي الأرض ...مافيش حد في الدنيا هيمنعني علي إتمام جوازي منها.

خرجت الكلمات واضحة وقاطعة...لا تردد فيها...ولا مجال للمساومة....اشتعل الغضب في عيني عزة.

لكنها أدركت أن آدم أخذ ضالته من هذا الزواج و لم يعد ذلك الرجل الذي يمكن التأثير عليه أو ابتزازه بمجرد الصور التي بحوزتها.

وأضاف آدم

آدم : اسمعيني كويس يا ست انتي ..علشان الكلام ده مش هعيده؟

تجمدت في مكانها ونظرت إليه بزعر واضح 

آدم : انا هسيبك تخرجي النهارده علشان مش فاضيلك  ...بس في مقابل ده  هتبعدي عن  داليدا مراتي وعن أميره بنتك خالص  لأنها من يوم اتفاقنا وهي في حمايتي...وده هيكون آخر كلام عندي .واعتبريه فرصه أخيره...أنا بديهالك انتي ومناخيرك اللي حشراها في حياه الناس اللي تخصني . 

ثم أكمل بصرامة

آدم : لأن أي محاولة جديدة لإثاره غضبي  مش هتكون في مصلحتك أبدا ...والصور اللي إنتي مفبركاها لبنتك وبعتهالي مش هتحرك شعره مني تجاهها ...فمن مصلحتك انك تتقي شري وتبعدي عني خالص.

شعرت عزة بالإهانة....فهي لم تتوقع أن يقف آدم ضدها بهذا الشكل...وأنه لن يتحرك حتي بعد أن يري صور زوجته مع يزن .... كانت تريد أن تتحدث ولكنه فتح الباب وأشار إلى حراسه في  الخارج.

آدم : وصلوا الهانم لحد عربيتها .

بقيت تنظر إليه لثوانٍ طويلة....ثم قالت بصوت منخفض مليء بالمرارة

عزه : هتندم علي اللي قلته النهارده يا آدم بيه .

لم يرد....فابتسمت ابتسامة باردة....ثم وجهت نظرها نحوه لبرهه ...ثم  استدارت بالفعل نحو الباب.

خرجت من الفندق بخطوات غاضبة.وأثناء صعودها إلى السيارةكانت أصابعها ترتجف من شدة الغيظ...همست لنفسها

عزة : طيب يا آدم ...صبرك عليا انت والفالجر اللي انت متجوزها دي .

ثم نظرت إلى الفندق من بعيد...وانطلقت السيارة مبتعدة، بينما بقيت كلماتها تتردد كظل ثقيل يسبق العاصفة القادمة.

عاد آدم إلى جناح داليدا بعد مغادرة عزة المصري، فوجدها ما تزال غاضبة تدور في الغرفة كالإعصار.

كانت ميلا وبعض الفتيات يحاولن تهدئتها دون جدوى.

ما إن دخل حتى التفتت إليه داليدا وقالت:

داليدا : ايه إطمنت علي حماتك يا آدم بيه 

رفع آدم حاجبه مبتسمًا.

آدم : اه إطمنت عليها ومشيت خلاص .

كادت داليدا أن تعض علي أصابعها من استفزازه 

داليدا : هموت منك ناقصه عمر يابن الشمري .

كادت ميلا تضحك، لكنها تماسكت بصعوبة.

أما آدم فالتفت إلى الموجودين وقال بهدوء:

آدم : ممكن تسيبونا شوية علي انفراد بعد اذنكم ؟

تبادلت الفتيات النظرات.

ثم بدأت ميلا تسحب الجميع نحو الخارج...وقبل أن تغلق الباب، همست لداليدا

ميلا : إهدي يا بنت صباح النهارده فرحك وحياه أمك حاولي متكسريش الفندق فوق دماغه ...علشان عاوزين نفرح ..مافيش مستشفيات قريبه من هنا .

اغتاظت داليدا من ميلا ودفعتها للخارج 

داليدا : اطلعي برا يا ميلا!

فضحكت الأخيرة وأغلقت الباب خلفها ...ومجرد أن أصبحا وحدهما، عقدت داليدا ذراعيها أمام صدرها وأشاحت بوجهها بعيدًا...اقترب آدم منها ببطء.

آدم : خلصتي زعل ...ولا لسه ؟

دفعته بعيدا عنها 

داليدا : وكمان مش عاوزني أزعل ...ده انت بجح انت وحماتك.

اغمض آدم عينيه لوهله ...فهي حقا غاضبه وبشده 

آدم : طيب امتى تخلصيه؟

داليدا : لما أحب...ويجيلي مزاج .

ابتسم رغمًا عنه...كانت عنيدة بشكل يثير جنونه أحيانًا.

لكنه أحب فيها هذا العناد منذ البداية...اقترب أكثر.

آدم :  داليدا..

لم ترد....ولكنه اقترب أكثر وقال بحب 

آدم : بصيلي.

هزت رأسها بالرفض...فتنهد آدم....ثم أخرج من جيبه علبة صغيرة مخملية....تجمدت داليدا فور رؤيتها....لكنها حاولت الحفاظ على غضبها.

داليدا : وده إيه انشاء الله ؟

آدم : مش عارف.

نظرت إليه بغيظ...فضحك بخفوت...ثم فتح العلبة ببطء.

داخلها كان خاتم زواج أنيق يلمع تحت أضواء الغرفة...اختفت الكلمات من فم داليدا...أما آدم فأمسك يدها برفق...وقال وهو ينظر مباشرة إلى عينيها

آدم : من أول يوم عرفتك فيه وأنا عارف إنك هتتعبيني معاكي ...يا بت صباح .

ارتعشت شفتاها بابتسامة صغيرة....فأكمل بحب 

آدم : وعارف إنك هتربيني من أول وجديد وهتعمليلي مشاكل بعدد شعر رآسي ..وهتطلعي عنيا .

جائت أن تعترض ولكنه وضع ابهامه علي شفتيها ومنعها من الكلام 

آدم : لكن برضه...رفع الخاتم أمامها وجهها ...ما فيش حد كنت أتمنى يكون معايا في يوم زي ده غيرك انتي .

بدأت دموعها تلمع في عينيها...واختفى الغضب شيئًا فشيئًا...ألبسها الخاتم برفق...ثم رفع يدها يتأمله.

آدم : أهو... بقى رسمي يا حبيبتي .

ضحكت داليدا وسط دموعها وأردفت بحب .

داليدا: أنا كنت فرحانه اوي اوي الصبح والله ...بس الست اللي اسمها عزة دي نرفزتني وخرجتني عن شعوري .

إقترب منها وقبل يديها ثم نظر إليها بعشق واضح وهو يداعب مقدمه أنفها .

آدم : عارف...بس انا متجوز ...داليدا هانم كلاي ...اللي ما بتسبش حقها أبدا ...ده انتي فرمتي الست تحت إيدك  ... لا ...ولسه متأثره وزعلانه ..وكمان عاوزاني أصالحك .

انفجرت ضاحكة رغمًا عنها.

داليدا: ماهي اللي جايه تهددني يوم فرحي ...دي عاوزاني اسيبك.

وفي تلك اللحظة جذبها نحوه لتستقر بين ذراعيه...وأراح جبينه على جبينها.

آدم : مفيش حد يقدر يهددك أو  يبعدني عنك طول مانا عايش ...انتي خلاص بقيتي بتاعتي .

همس بها بهدوء...فأغلقت عينيها وهي تشعر أخيرًا أن كل المخاوف التي حاولت عزة زرعها بدأت تتلاشى.

وبينما كانت أصوات تجهيزات الزفاف تصل إليهما من الخارج، ظل آدم ممسكًا بيدها التي تحمل الخاتم الجديد.

كأنها أغلى شيء يملكه في هذا العالم.

وقبل أن يخرجا لاستكمال الاستعدادات،عانقها بكل قوته ثم طبع قبلة رقيقة على جبينها، ثم ابتسم وقال:

آدم : يلا يا عروسة...النهارده مافيش زعل ...اليوم ده بتاعنا عاوزين نفتكره بأدق تفاصيله السعيده ونرمي اللي مالوش لازمه في الزباله  

فابتسمت داليدا أخيرًا، وعادت السعادة إلى عينيها بعد أن كادت تضيع بسبب عاصفة لم تنجح في إطفاء فرحتهما.

❈-❈-❈

عادت عزة المصري إلى منزلها وهي في قمة غضبها بعد ما حدث في الفندق...ألقت حقيبتها على الأريكة بعنف، ثم نادت بصوت مرتفع علي إبنتها التي كانت تنام بعمق 

عزه : أميرة ..أميره ...انتي يا زفته.

خرجت أميرة من غرفتها وهي تشعر بالتوتر فور رؤيتها لملامح والدتها.

أميره : في إيه يا ماما علي الصبح ؟

لم تجب عزة مباشرة...بل اتجهت نحو خزانة الملابس وبدأت تخرج بعض الثياب وتلقيها فوق السرير...بينما عقدت أميرة حاجبيها باستغراب.

أميره : بتعملي إيه؟ بتطلعي هدومي ليه إحنا مسافرين ؟

أجابت عزة ببرود:

عزه : لا بجهز  شنطتك...علشان تروحي بيت جوزك .

استدارت عزة نحوها.

عزه : هتروحي فيلا آدم من النهارده وهتقعدي هناك ..انتي مراته زيك ..زي البت البيئه اللي بيتجوزها النهارده دي .

تجمدت أميرة في مكانها.

أميره : انتي بتقولي إيه ...ده مستحيل...آدم بيحب داليدا ومستحيل يقبل بكده .

دفعتها عزه بغضب 

عزه : أنا مش بطلب رأيك...أنا بنقذك من اللي مستنيكي.

ابتعدت أميره عنها رافضه قرارها

أميره : واأنا مش هروح يا ماما في اي مكان .

لأول مرة رفعت أميرة صوتها بهذه الطريقة...لكن عزة لم تتأثر...بل فتحت حقيبتها وأخرجت ظرفًا صغيرًا...ثم وضعته أمام ابنتها.

عزه : طب تعالي بصي...يمكن تعقلي وتسمعي الكلام ..وتعرفي اني أمك وعايزه مصلحتك .

ترددت أميرة للحظات  قبل أن تفتح الظرف.وما إن رأت محتواه حتى شحب وجهها...رفعت رأسها بصدمة.

أميره : إنتي ... إزاي ...جبتي الصور دي منين ؟

قالت عزة ببرود قاسٍ

عزه : واحد بعتهالي في مقابل اني أدفعله مليون جنيه .

أغلقت أميرة الظرف بسرعة....كانت الصور كافية لإثارة المشكلات وسوء الفهم إذا وصلت إلى الأشخاص الخطأ....شعرت بالخوف والغضب في آن واحد.

أميره : وعملتي ايه ؟

عزه : هكون عملت ايه ...أنا بحاول أحميكي ...وأحمي  مستقبلك...دفعتله الفلوس طبعا ...لكن الكلب ده لما يعرف انتي مرات مين هيبعد عننا ...ومش هيكررها تاني .

أميره : بس دي مش حماية يا ماما .

صاحت أميرة والدموع تلمع في عينيها.

أميره : ده ابتزاز...إحنا كده بنبتز آدم .وهو مش هيسامحنا .

ساد الصمت للحظات...ثم قالت عزة

عزه :اسمعي بقا يا بت بطني  إما تروحي فيلا آدم وتعملي اللي أقولك عليه...وتوقفت قبل أن تكمل بلهجة حاسمة

عزه : أو اتحملي نتائج قراراتك...لوحدك بعيد عني ..وتلمي هدومك وتشوفيلك مكان تاني تعيشي فيه لوحدك .

شعرت أميرة وكأن الأرض تهتز تحت قدميها.

لم تعد تتعرف على المرأة الواقفة أمامها....هل هذه حقًا والدتها؟ المرأة التي كان من المفترض أن تحميها؟أم مجرد شخص مستعد للتضحية بأي شيء لتحقيق أهدافه؟

انهمرت دموعها أخيرًا...وقالت بصوت مكسور:

عزه : ليه بتعملي فيا كده؟

لكن عزة لم تجب....واكتفت بالإشارة إلى الحقيبة الموضوعة على السرير....بعد دقائق طويلة من الصمت والبكاء، أغلقت أميرة الحقيبة بيدين مرتجفتين.

ثم وقفت أمام الباب...التفتت إلى والدتها للمرة الأخيرة.
كان في عينيها حزن عميق لم تستطع إخفاءه...وقالت

أكيره : أنا خارجه من البيت النهارده غصب عني ...بس إعرفي انك خسرتي  بنتك للأبد .فمترجعيش تلوميني بعد النهارده .

❈-❈-❈

ارتجفت ملامح عزة للحظة قصيرة....لكنها أخفت ذلك سريعًا....أما أميرة فاستدارت وغادرت المنزل.وفي قلبها شعور مؤلم بأن حياتها تتجه نحو طريق لم تختره بنفسها...طريق قد يغيّر مصير الجميع داخل عائلة الفهد.

مع اقتراب موعد عقد القران، تحولت قاعة الفندق إلى لوحة من الفخامة والرقي.

تألقت القاعة بثريات كريستالية عملاقة انعكست أضواؤها على الجدران المكسوة بالرخام الأبيض والذهبي، بينما زُينت الممرات بآلاف الورود البيضاء والشموع التي أضفت على المكان أجواءً ملكية. وعلى الطاولات الفاخرة تناثرت تنسيقات الزهور والكؤوس الكريستالية، ليبدو كل ركن وكأنه أُعد بعناية فائقة.

امتلأت القاعة بأبرز رجال الأعمال والشخصيات المرموقة وأصدقاء عائلة الفهد والشمري ...يرتدون أفخم البدلات والفساتين الرسمية، وكانت الأحاديث الهادئة تتوقف كلما اتجهت الأنظار نحو مدخل القاعة..ثم...انفتح الباب الكبير.

دخل آدم بخطوات واثقة، مرتديًا بدلة زفاف سوداء مفصلة خصيصًا له، تميزت بقصتها الكلاسيكية الأنيقة، مع قميص أبيض ناصع وربطة عنق سوداء حريرية وساعة فاخرة زادت من هيبته. بدا حضوره قويًا وهادئًا في آنٍ واحد، حتى إن كثيرًا من الحاضرين تبادلوا نظرات الإعجاب.

وبعد لحظات، ظهرت داليدا....حبست القاعة أنفاسها.

كانت ترتدي فستان زفاف أبيض فاخرًا مرصعًا بحبات الكريستال الدقيقة التي تلألأت مع الضوء، بينما انسدل ذيله الطويل خلفها في مشهد أشبه بالأميرات. تزينت بطرحة طويلة شفافة مطرزة بخيوط فضية، واعتمدت مكياجًا ناعمًا أبرز جمال ملامحها، مع تسريحة أنيقة زادتها رقيًا.

همست إحدى السيدات بإعجاب لزوجها 

سبحان من خلق...العروسه جميله اوي ... كأنهم خارجون من قصة حب خيالية...

رد عليها زوجها وهو  أحد رجال الأعمال  وهو يبتسم

-هي العروسه إتغيرت ولا ايه  مش كانت أميره الفهد 

- باين كده بس العروسه دي أجمل بكتير ولايقه عليه أوي ...احسن من عزه وبنتها المغرورة دي .

أما آدم، فلم يكن يرى أحدًا في القاعة...كانت عيناه معلقتين بداليدا وحدها....ابتسم لها ابتسامة دافئة، فبادلته ابتسامة امتزج فيها الحب والرهبة والسعادة.

وبين تصفيق الحضور وعدسات المصورين التي لم تتوقف عن التقاط الصور، سار الاثنان معًا نحو منصة الزفاف، بينما كانت الأنظار كلها تتبعهما بإعجاب، وكأن الجميع يشهد لحظة استثنائية لن تُنسى في تاريخ عائلة الشمري .

وبينما كانت القاعة تعجّ بأحاديث رجال الأعمال وكبار الضيوف...لكن ما إن دخل يمان حتى اتجهت إليه عشرات الأنظار مستغربه حضوره وخاصه بعد تغيير العروس .

صافحه أكثر من شخص، وتبادل معه عبارات التهنئة ...إلا أن بعض النظرات كانت تحمل تساؤلًا صامتًا.

أليست العروس ابنه عمك ...كيف تغيرت العروس؟

وأين زوجتك ؟ألم ينتشر خبر زواجك منذ -شهر ؟

لم ينطق أحد بهذه الأسئلة ...لكن يمان قرأها بوضوح في وجوههم.

اكتفى بابتسامة دبلوماسية قصيرة...ثم أنهى أحاديثه سريعًا...فهو لم يكن مهتمًا بالمجاملات.

كانت عيناه تجولان في القاعة...تبحثان عن وجه واحد فقط....زوجته ميلا ...وبعد لحظات...وجدها...توقفت أنفاسه لثانية كاملة.

كانت تقف في الجهة المقابلة من القاعة...ترتدي فستانًا أنيقًا بلون هادئ ينساب حولها برقي... وقد ترك شعرها منسدلًا في تموجات ناعمة، بينما اكتفت بمجوهرات بسيطة زادت من أناقتها دون مبالغة...بدت مختلفة تمامًا.

حتى إن كثيرًا من الحاضرين التفتوا إليها بإعجاب...كانت تتحرك بثقة وهدوء...وابتسامتها تضفي على ملامحها سحرًا خاصًا.

شعر يمان بوخزة غيرة عندما لاحظ أكثر من رجل يلتفت نحوها بإعجاب... وبعضهم لم يُخفِ انبهاره بها وبجمالها.

اشتدت ملامحه....وانقبض فكه دون أن يشعر...لكنه ما لبث أن تنفس بهدوء عندما وقعت عيناه على المشهد كاملًا....كانت ميلا تقف بين يزيد ويوسف.

تمسك بيد أحدهما... وتعدل ربطة عنق الآخر...ثم تنحني لتهمس لهما بشيء جعل الطفلين يضحكان بصوت عالى .

بدت وكأنها تحتضنهما بحنان أم ...تمنحهما الاهتمام نفسه دون تفرقة....ابتسم يمان دون أن يدرك...لأول مرة منذ زمن... رأى في عينيها دفئًا عائليًا حقيقيًا.

وفي تلك اللحظة... رفع يوسف رأسه ورأى يمان.

ابتسم الطفل ولوّح له بحماس...فبادله يمان الابتسامة ولوّح له هو الآخر....أما ميلا، فما إن انتبهت إلى وجوده حتى التقت عيناهما للحظات...لم يتحدثا.

لكن تلك النظرة وحدها كانت كافية لتقول أشياء كثيرة، قبل أن يقطعها صوت الموسيقى معلنًا اقتراب بدء مراسم الزفاف.

مع اقتراب موعد بدء مراسم الاحتفال...اتجه يمان بخطوات هادئة نحو المكان الذي تقف فيه ميلا برفقة يوسف ويزيد....كانت منشغلة بتعديل ربطة عنق يزيد... قبل أن تمسح على شعر يوسف بحنان...توقف يمان أمامها.

نظرت إليه بتوتر خفيف...بينما ابتسم الطفلان له ....قال بهدوء.

يمان : جاهزين للإحتفال ؟

أومأ يوسف ويزيد  بحماس.

أما ميلا فاكتفت بابتسامة صغيرة...في تلك اللحظة... اقترب أحد رجال الأعمال وزوجته  من يمان وصافحه بحرارة.

— مساء الخير... يمان بيه .

ابتسم يمان ورد التحية.

ثم انتقلت نظرات الرجل والسيده الراقيه إلى ميلا... وكأنهم ينتظرآن أن يقدمها...التفت يمان إليها...ثم قال بثقة وهدوء.

يمان : أحب أعرفكم... مدام ميلا .

وتابع بعد لحظة قصيرة

يمان : مراتي .

رفعت ميلا عينيها إليه بدهشة ...بينما ارتسمت على وجهها ابتسامة خجولة....صافحها الرجل وزوجته  باحترام وكانت الزوجه تتملقها 

— تشرفنا بيكي يا مدام ميلا ... وألف ألف مبروك.

وبدأ الضيوف يتوافدون واحدًا تلو الآخر.

كان الجميع يهنئ يمان، ولا تخلو أحاديثهم من عبارات الإعجاب بأناقة ميلا وحضورها الهادئ...ابتسم أحد الحضور مازحًا

— واضح إنك كسبت الرهان يا يمان بيه .

فضحك آخر قائلًا.

— كلنا بقينا نحسدك على اختيارك.

اكتفى يمان بابتسامة هادئة لكنه لم يخفب  شعوره بالغيرة والفخر في آن واحد  وهو يرى نظرات الإعجاب تتجه نحوها.

أما ميلا فكانت تحاول الهروب من كل هذا الاهتمام ... فتقترب أكثر من يوسف ويزيد... وكأن وجودهما يمنحها شعورًا بالأمان.

وبعد قليل، خفتت أنوار القاعة، وتعالت الموسيقى الهادئة معلنة بداية الاحتفال الرسمي.

دخل آدم وداليدا وسط تصفيق حار من الحاضرين، وتبادلا الرقصة الأولى وسط أجواء رومانسية... بينما كانت عدسات المصورين تلتقط كل لحظة.

بعدها امتلأت ساحة الرقص بالأزواج وأفراد العائلة... وتحولت القاعة إلى لوحة من البهجة والضحكات.

التُقطت عشرات الصور التذكارية...واجتمعت ميلا ويمان و داليدا وآدم في صورة كبيرة جمعت الجميع... بينما كان الطفلان يوسف ويزيد يتسابقان للوقوف في الصف الأول... مما أثار ضحكات الحضور.

وفي نهاية السهرة... وقف آدم وداليدا يشكران الضيوف على حضورهم... وبدأت القاعة تفرغ تدريجيًا.

غادر آخر المدعوين، وانطفأت الموسيقى شيئًا فشيئًا... وذكرى تلك الليلة بقيت عالقة في قلوب الجميع.

كانت ليلة بدت مثالية...

دون أن يدرك أحد أن الأسرار التي بدأت تتحرك في الخفاء قد تجعل الأيام القادمة أكثر صعوبة مما يتخيلون.

فحين وصلت سيارة الزفاف إلى الفيلا الجديدة المجاورة لفيلا الفهد  ...نزل آدم أولًا... ثم مد يده لداليدا بابتسامة عاشقة....قال وهو ينظر إليها

آدم : نورتي بيتك يا حبيبتي .

ابتسمت داليدا وهي تمسك يده....ثم دخلا معًا وسط الزهور والشموع التي زينت المدخل.

لكن ما إن فتح آدم باب الفيلا...حتى توقفت ابتسامته فجأة....وفي الصالون...كانت أميرة تجلس بكل هدوء على الأريكة....وإلى جوارها حقيبة سفر كبيرة...نهضت ببطء عندما رأتهما...فساد صمت ثقيل...نظرت داليدا إلى آدم في دهشة....

وقبل انتهاء الحفل بدقائق... كان يمان يقف بعيدًا عن الضجيج يتابع الحضور بعينين شاردهتين...عندما اهتز هاتفه...نظر إلى الشاشة...كان المتصل هو مساعده في المستشفى...ابتعد عن القاعة وأجاب فورًا.

ساد الصمت على وجهه وهو يستمع...ثم قال بصوت خافت

يمان : انت بتقول ...متأكد من اللي بتقوله ده ؟

جاءه الرد من الطرف الآخر...أغلق الهاتف دون أن ينطق بكلمة واحده ....اختفت ملامح الهدوء من وجهه...وغادر الفندق بصمت دون أن يراه أحد.

داخل القاعة...انتهت مراسم الزفاف وسط تصفيق حار... والتقطت آخر الصور التذكارية... ثم بدأ الضيوف بالمغادرة.كانت ميلا تنظر حولها بين الحين والآخر.

همست  لأحد السائقين الذي سيأخذها للمنزل 

ميلا: هو فين يمان بيه ؟

هز السائق رأسه لها بإحترام 

السائق : بلغني اوصل حضرتك ...وقال هيخلص ويلحقنا .

بدأ القلق يتسلل إلى قلبها....اتصلت به أكثر من مرة...لكن هاتفه كان مغلقًا....تنهدت وهي تنظر إلى الطفلين.

ميلا : يلا يا يوسف... يلا يا يزيد.

أمسكت بيديهما وغادرت الفندق وحدها مع السائق 

وصلت إلى فيلا الفهد....كان الطفلان مرهقين من يوم طويل مليء بالاحتفالات.

ساعدتهما على تبديل ملابسهما ...ثم وضعتهما في غرفة يزيد....غطتهما جيدًا ...وقبّلت جبين كل منهما وهمست

ميلا : تصبحوا على خير يا حبايبي .

وأغلقت الباب بهدوء....وصعدت بعدها إلى جناحها.

كانت تنوي تبديل فستانها فقط ثم تبحث عن يمان.

لكنها ما إن فتحت الباب...حتى تجمدت في مكانها.

الغرفة كانت مقلوبة رأسًا على عقب...والأدراج مفتوحة.

والأوراق مبعثرة على الأرض...والزجاج المكسور يملأ المكان...وكأن عاصفة مرت من هنا...اتسعت عيناها بذعر.

ثم وقع بصرها عليه...كان يمان جالسًا على الأرض  مستندًا إلى حافة السرير ويده تنزف مجددا ...وملابسه غير مرتبة....ورائحة الخمر تفوح منه بوضوح...وفي يده اليمنى...صورة صغيرة للطفل يوسف...أما يده الأخرى...

فكانت تقبض بقوة على ورقة رسمية وقد تجعدت أطرافها من شدة ضغط أصابعه عليها.

اقتربت ميلا ببطء....ثم التقطت الورقة المرتخية من بين أصابعه....شعرت بأنفاسها تتوقف...كان عنوانها واضحًا...

"نتيجة فحص إثبات النسب."

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة هالة زين، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة‏