صياد النايا آل حنايا جـ2 - الفصل 4 | آية العربي

قراءة رواية (صياد النايا آل حنايا جـ2 ) كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية: (صياد النايا آل حنايا جـ2)

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: (آية العربي ) | الفصل: (4)



عُدت لانتزع مشاعري من بئرك المُهدم، ولكنني سمعتها تناديني من ظُلمة الجُبِّ.

تصرخ لا لأنقذها،بل لأغرق معها دون مقاومةٍ أو ذنبِ

فخشيت الابتعاد والتخلي، ورهبت السقوط مرةً أخرى. 

فأمسيت معلقةً في أشد المناطق خطرًا، كأن حبك طُبع على روحي بقيدٍ لا يُبلى. 

لم أحبك لأنك شخصٌ كاملٌ، فما بينك وبين الكمال كالأرضِ والسماء

ولكنني أحببتك في ربيع عمري واستثنيت باقي الفصول بما فيها من عجزٍ وشقاء

كأنني أضحيتُ أسيرة في غرفة ممتلئة بالمفاتيح،ومفتاح قلبي في يدك وحدك، فبات حبي لك أعظم ابتلاء . 

بقلم آية العربي


❈-❈-❈


استيقظت من نومٍ خفيف، لم تعد تنام جيدًا، ولكن ما جعلها تنهض هو ذاك الحلم الذي رأته، رأت والدتها تعانقها وتخبرها بأن لا تكون نسخةً منها، بألا تستسلم وأن تعافر لتنال حقوقها المسلوبة، بأن تنقذ نفسها من براثن اليأس والضعف. 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

بدلت ثيابها لتذهب لرؤية صغيرها، ولكنها جلست على حافة الفراش تتنفس مطولًا وتعاود التفكير في الحلم ورؤية والدتها التي كانت ومازالت تشتاق إليها. 


عادت تفكر في ذاك الموقف الذي لن يزول من مخيلتها، حينما اصطحبتها والدتها إلى منزل عمها لتشتكي له قسوة شقيقه، ولتطالبه بالإنصاف بعدما تلقت منه ضربًا مبرحًا من أجل أسبابٍ واهية. 


كانت في الخامسة عشر من عمرها، ذهبت معها آنذاك ليس من أجل مساندتها فقط، ولكنها كانت تريد رؤيته، تعلم أنه لا يحب والدها، وهذه المشاعر كانت كافية لتجعلها تتعلق به كحبل نجاة، هو بالنسبة لها حلمًا يسكن في الأعالي، تتمنى أن تصل إليه. 


تتذكر حينما سردت والدتها ما حدث معها وهي تبكي وتستنجد بصابحة لأن عبد الوهاب لم يكن بالنچع في ذلك الوقت، حينها اقتحم حسنين القصر، واعتدى مجددًا على زوجته بالضرب والسب فقط لأنها أتت لتشتكيه لشقيقه الذي يغار منه، سحبها أمام الجميع من حجابها، فباتت نهاد تصرخ وتترجاه أن يتركها، وكذلك صابحة التي نادت على ابنها مهران الذي نزل تزامنًا مع صفعة قوية تلقتها نهاد من والدها أمامه كي تحرر ذراعها، ليلحق بها مصدومًا مما يحدث، ويباغت عمه بنظرة عداء لم تخفَ عنها، بينما صابحة حاولت تحرير زوجته منه عبثًا، حتى نجح في إخراجها وتكويمها في سيارته، ثم عاد ليأتي بابنته التي كانت تحتمي خلف ظهر مهران الذي وقف يطالعه بجسارة وكره، وحينما اقترب حسنين ليأخدها ومد يده، دفعه مهران ينفض يده عنها، ولكن حسنين حينها نعته بلفظٍ كرهيه، وأمره أن يبتعد عن طريقه، وحينما لم يفعل ووقف يطالعه بكرهٍ كاد أن يدفعه عن طريقه، فأسرعت صابحة تقف حائلة بينهما وتذكره بألا يفعل وإلا سيحدث مالا يحمد عقباه، لذا جن جنونه ونظر لإبنته نظرة تعلم فحواها جيدًا، لذا أدركت أن اختباءها هنا لن ينجيها منه بقدر ما سيعرضها للأذى والعنف أكثر، لذا تحركت من خلف ظهر مهران بجسدٍ مرتعش، وما إن ابتعدت قليلًا حتى انقض عليها ينزعها ويسحبها بقسوة إلى الخارج ثم داخل السيارة، وتحرك يغادر من حيث أتى وباتت نهاد تنظر إليه وهي ترحل مع والدها وتترجاه بنظراتها أن ينقذها،بينما هو يقف بطالعها بشفقة كما تفعل والدته . 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

أفاقت من تلك الذكرى اللعينة، وهزت رأسها برفضٍ وتأنيب، تعاتب نفسها وتهمس باستياء تراه الآن واضحًا  : 


مكانش ينفع يا نهاد، مكانش ينفع تحطي نفسك في الخانة دي واصل، مكانش ينفع يشوفك بالضعف والذل ده، مكانش ينفع تحسسيه إنه كبير جوي عليكي، مكانش ينفع تحبيه الحب المشوه ده وتصغري حالك جدامه جوي كدة، غلطانة يا نهاد، غلطانة جوي في حج نفسك، انتِ اللي خلتيه يستهون بيكي وبمشاعرك، خلتيه مايشوفش الحلو فيكي. 


هي الآن في حضرة أقوى تصالح مع نفسها، بعدما بدأ ستار العجز والقهر ينزاح عنها قليلًا، بعدما رأت توابع الإجبار على الزواج، نعم إجبارها أتى تحت تهديد السـ.لاح، وإجباره أتى بمحبة من والده، ولكن يظل كلاهما إجبارًا، والمرء إن أُجبر على تذوق الشهد استطعمه مُرًا، والله سبحانه لم يجبرنا على اعتناق عقيدةً، بل خيرنا حسب الرشد والمنطق. 

برغم الفرق بين عمها ووالدها، فالأول أخطأ، والثاني أجرم، إلا أنها هي ومهران كانا ضحيتان إحداهما ظُلم والآخر ظَلم. 


نهضت بعدها تصدر زفيرًا يحمل بعض الهدوء، وتحركت تخطو نحو الخارج ونزلت للأسفل، لتجد عبدالله يطالعها مبتسمًا وينطق بلطف  : 


صباح الخير، أنا رايح اقضي كام مشوار مهمين لو تحبي أوصلك ع القصر في طريقي. 


توترت لم ترغب في توصيله لها،خاصة إلى قصر عمها، ولكنها أومأت تنطق بجدية:


- تمام،بس حتنزلني جبل الجصر بشوية بعد اذنك  .


تفهم مقصدها ولم يعترض ، بينما هي نظرت حولها تتساءل : 


-هما علي وندى لساتهم نايمين؟ 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

أومأ يجيبها  : 


أيوا، أچازتهم بقى ومواعيد نومهم متلخبطة شوية، ادخلي افطري الأول وانا حستناكي برا. 


هزت رأسها ونطقت تؤكد حيث أنها اعتادت الفطور باكرًا قبل أن تذهب لترضع صغيرها : 


-فطرت ، خلينا نمشي عشان اتأخرت على حمزة. 


أومأ وتحركا خارج المنزل ليستقلا السيارة، وعقله منشغل بطلب حسنين، مازال يفكر ماذا يفعل معه  . 


 بعد قليل من قيادته،نطق بشكلٍ مفاجيء : 


-أنا عارف إنك ماحتعرفيش تسافري من غير حمزة، بس للأسف أنا لازم أكون هناك الأسبوع الچاي، فإيه رأيك لو أچرت لكو شقة هنا تقعدي فيها إنتِ والأولاد لحد ما اظبط أموري ونحل الموضوع ده؟ 


لم تجبه، هل يقصد بالموضوع هذا الزواج؟ ليستطرد موضحًا  : 


أنا فاهم كويس ظروف چوازنا يا نهاد، وانا دلوقتي بالنسبالك أخ كبير ، تقدري تعتمدي عليا في أي حاچة تحتاچيها، وبالنسبة لموضوع حمزة أنا سألت محامي، بس مــ. 


قاطعته تردف رافضة  : 


بلاش لو سمحت، أني حوصل لحل مع عمي أكيد. 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

أومأ بتفهم ثم تابع بتريث  : 


كدة أفضل طبعًا، يبقى زي ما قولت، حأجر لكو شقة هنا والولاد حيبقو معاكي، وحتكون في مكان أمان چدًا، وأنا الفترة دي حكون بين هنا وهناك  . 


شقة تعني حياة زوجية تبدو طبيعية، وهي لا تريد ذلك مطلقًا، برغم صعوبة تواجدها مع تلك التهاني، ولكنها لن تقبل بهذا الاستقرار وكأنه زواجًا طبيعيًا، لذا نطقت بجدية واضحة : 


بلاش موضوع الشجة ده بعد إذنك، يعني خلينا في جصر العيلة أفضل، وأني حاخد بالي من الولاد كويس جوي، ولو عامل عليا ماتجلجش، لو عايزين يرچعوا معاك ع الاسكندرية خدهم وماتضغطش عليهم، أني حبجى هنا ، أبويا واخواتي ماحيجدروش يجربو مني دلوك . 


هي لا تدرك حتى مدى شرهم وكيف يمكن أن يطولها مهما حدث، ولكنه أيضًا يدرك جيدًا أن حسنين لن يغامر بحلمه هذا، خاصة وأنه ينوي خداعه، وإيهامه بأنه سيقبل، إلى أن يجد ثغرة لهذا الوضع الذي لا يروق له  .


نطق يقبل بكل ما تريده ولكنه تعمد تقديم نصيحة هامة لها  :

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

تمام، لو حتبقي مرتاحة أكتر في القصر ماعنديش أي مشكلة، بس خليني احذرك من أم عادل مرات أخويا، خلي التعامل بينك وبينها محدود چدًا، هي مش حتقدر تقربلك أو للاولاد، بس ممكن تضايقك بالكلام، علشان تتچنبي ده تچاهليها تمامًا، وأنا وصيت علي ع النقطة دي كويس، وهو حيبلغني بأي چديد، وعلى فكرة الأولاد عايزين يقعدو هنا معاكي،في الأول كانو حابين الاقصر بس رافضين يقعدو بسبب أم عادل،دلوقتي لاء  .


ابتسمت تومئ ببعض الارتياح، ونطقت وهي تلتفت للنافذة تتطلع عليها بشرود كأنها تعبر عن شخصٍ وليست بلد :


لوجصر مافيش في چمالها، ولا يمكن أي بلد تانية تعوض مكانها، برغم جسوتها، حتفضل هي اللي في الجلب. 


شرد في كلماتها قبل أن تنتبه لاقترابهما من القصر لذا نطقت تشير له  : 


- وجف هنا لو سمحت، حكمل الحتة دي مشي  . 


أومأ وتوقف بالفعل فترجلت تشكره وتحركت تسير نحو حدود القصر، بينما هو تنهد وتحرك يغادر إلى وجهته، سيقابل حسنين ويوهمه بأنه قبل بتلك الشراكة... 



❈-❈-❈


ودعت والدتها وتحركت لتذهب إلى مقابلة عملٍ أخرى بعدما فاتتها الأولى، أغلقت الباب وتحركت خلسة نحو شقة شقيقها، تطرق بابه لتتحدث إليه عما ظلت تفكر به طوال الليل.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

طرقت الباب ففتح لها نوح بعد ثوانٍ يستقبلها بترحاب، فنظرت له بحرجٍ تنطق  :


معلش يا نوح أسفة، بس كنت محتاچة اتكلم معاك شوية؟


صفعها على مؤخرة رأسها بخفة وهو يسحبها نحو الداخل وينطق مازحًا  :


-  من امتى الأدب ده كله، الله يرحم أيام ماكنتِ بتذنبيني بالعافية عشان تحكيلي . 


ضحكت ودلفت تبحث بعينيها عن مودة وتنطق معترفة  : 


خلاص بقى الوضع اتغير،ع العموم مش حاخد من وقتك كتير. 


باغتها بغيظ، ثم أشار لها نحو الأريكة مردفًا : 


طب اقعدي  . 


جلست وجاءت مودة من غرفتها تطالعها بابتسامة لطيفة قائلة  : 


صباح الخير يا ريم. 


التفتت تبادلها بابتسامة هادئة وتنطق  : 


صباح الخير يا دودو، معلش عملالكم إزعاچ ع الصبح. 


حدجتها بنظرة عتاب ثم تحركت نحو المطبخ تنطق  : 


الإزعاچ حيبدأ لو رفضتي تفطري ويانا . 


تنهد نوح ونطق وهو يواليها انتباهه  : 


قولي يا ريم سامعك  . 


نظرت إليه تنطق بترقب وتوتر في آن  : 


معتز كلمني يا نوح، بيحاول يقنعني بالشغل معاه تاني. 


أومأ بتفهم وتساءل  : 


وانتِ رأيك إيه؟ 


شردت لبرهة ثم عادت إليه توضح  : 


صعب چدًا اقدر أثق في أي حد تاني بسهولة، برغم إني ماشوفتش من معتز أي حاچة وحشة طول شغلي معاه، بس موقفه الأخير كان غريب، ومع ذلك هو عمال يحاول يقنعني إني أرچع  . 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

نطق مؤكدًا  : 


لأنه مستحيل يلاقي مهندسة زيك، شاطرة چدًا في مچالك، واللي عندك صعب يلاقيه عند غيرك، وهو عارف ده كويس چدًا. 


ابتسمت لشقيقها واسترسلت بترقب  : 


بس أنا مش عايزة أرچع الشركة واللي اسمه أحمد ده هناك يا نوح، حتى لو معتز كان معاه كل الحق،بس تعيينه لأحمد عنده مش صح  . 


أومأ يدعمها وتركها تستطرد  : 


بس في حاچة قالهالي خليتني ارچع افكر  . 


حاچة إيه؟ 


تساءل بترقب فتابعت بشيءٍ من التوتر وهي تفرك كفيها  : 


هو اقترح عليا لو عايزة اشتغل برا مصر إن فيه فرع تبع شركته ممكن اكون هناك وكدة يعني، إيه رأيك؟ 


مال برأسه قليلًا يطالعها مستنكرًا وينطق  : 


تاني يا ريم؟ سفر برا مصر تاني؟ مش اتكلمنا قبل كدة في الموضوع ده وقولنا ممنوع تسافري لوحدك؟ من قلة الشركات هنا يعني؟ وبعدين ده شغل برمجة، يعني ممكن تشتغلي وانتِ قاعدة في البيت. 


هزت رأسها تجيبه  : 


ماينفعش يا نوح، سياسات الشركات مختلفة، فيه أسباب أمنية وتقنية صارمة لازمن نمشي عليها، ممكن لو ظروف صحية يقبلوا غيابي اسبوع أو اتنين، إنما عمل بشكل مستدام لازمن حضوري، وبعدين دلوقتي غير زمان يا نوح، العالم بقى قرية صغيرة ومافيش بُعد، خلال كام ساعة ممكن تلقوني قدامكم كإني كنت في أسوان وراچعة. 


هز رأسه معترضًا يجيبها  : 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

لاء طبعًا، إنتِ هنا حتى لو في مطروح وحصل أي ظرف حقدر بسهولة أوصلك، إنما برا مصر الوضع مختلف ومش آمن، ماينفعش ابقى قاعد هنا وانتِ في اخر الدنيا لواحدك، مش منطقي أبدًا الموضوع ده بالنسبالي. 


شعرت بالضيق برغم أنها تعلم رفضه مسبقًا، ولكنها تأملت أن تقنعه، لذا نطقت في محاولة جديدة منها  : 


بس إنت عارف إن ده حلمي من زمان يا نوح، وأنا أيوة الحمد لله حققت خطوات ناجحة كتيرة هنا، بس نفسي أسافر واتعرف على مجالات تانية واشتغل باسمي واسم بلدي بردو،يمكن اقدر أحقق حلم كبير نفسي أوصله، فكر كويس يا نوح، ماترفضش لمجرد إنك خايف عليا. 


مسح على وجهه يستغفر، وهل هذا شيئًا هينًا؟نعم يخشى عليها من أي سوءٍ قد يمسها، خاصةً وأنه يدرك أنها تمتلك قلبًا نقيًا في عالمٍ يشوبه التلوث، لذا تنفس مطولًا ونطق  : 


لواحدك صعب يا ريم، صعب چدًا عليا اقبل بحاچة زي دي، ولا حتى ماما حتقبل، فكري إنتِ كويس، الطموح حلو بس ساعات بيعمينا عن أولوياتنا، إنتِ مسؤولة مني، ومسؤوليتي دي تخليني أفكر مليون مرة قبل ما أوافق على أي قرار  . 


تفشى الإحباط فيها، فمطت شفتيها تومئ بحزن، ثم نهضت تنطق بملامح عابسة  : 


تمام، أنا حمشي دلوقتي علشان ماتأخرش على الانترفيو، ونبقى نتكلم وقت تاني، بس فكر تاني يا نوح عشان خاطري  . 


❈-❈-❈


كان ينتظرها أسفل البناية، لم يعد يطيق الصمت، سيحاول مهما كلفه الأمر، غاضبًا ومتحفزًا وعليه أن يتحدث إليها وعليها أن تنصت إليه. 


خاصةً بعد ظنه بأن معتز يمكن أن يكون قد ترك خلفه دليلًا ما على ذاك الهاتف، ولكنه لم يجد شيئًا مطلقًا ، ومع ذلك مازال شكه قائمًا، تلك الفتاة لم تنهِ حياتها هكذا فجأة، إلا إذا تعرضت للابتزاز، ولكنه يدرك أن معتز ذكي للدرجة التي تؤهله لعدم ترك دليل خلفه. 


لن ييأس، سيبحث مجددًا، سيعاود الذهاب إلى منزل السيدة شمس ويعاود البحث، لا بد أن يجد شيئًا لم تجده النيابة و أفلت من معتز  . 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

رآها تترجل من المبنى وتخطو نحو سيارتها، فانتظر إلى أن استقلتها وانطلقت، فبدأ ينطلق خلفها ويسير بهدوء كي لا تهرب منه، إلى أن ابتعدت عن المنزل ووصلت إلى الطريق العام فبدأ يسرع ليصل إليها. 


رأته من خلال المرآة، وعلمت أنه جابر ، فزادت سرعتها وتعالت وتيرة أنفاسها، هل يود توبيخًا؟ لماذا يصر على التحدث إليها دون رغبةً منها؟ هل يظن أن كل شيءٍ سيسير حسب هواه؟ هو يراهن على حبٍ ليس بأهمية كبريائها؟ 


زادت من سرعتها أكثر، فتملكه القلق عليها، لذا حاول الوصول لمستواها وبدأ يشير لها بأن تتوقف ولكنها تجاهلته تمامًا،فـ أُجبر على أن يسرع وينحرف بسيارته أمامها ليرغمها على التوقف.


وبالفعل صُدمت من فعلته، فـ توقفت قبل أن تصطدم به، لذا احتلها الغضب وترجلت ففعل والتقيا في منطقة محايدة، فـ نطقت موبخة من أسفل نظارتها  :


إنت مچنون؟ مفكر نفسك أحمد السقا؟


حدق فيها وابتسم على حدتها وحنقها اللذان يزيدان من  حُسنها، لذا زفر ونطق بهدوء  : 


مافيش طريجة تانية اكلمك بيها غير كدة، ماسبتليش عجل ولا منطج يا ريم، بس المرة دي لازمن تسمعيني، لازمن تفهمي كل حاچة. 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

زفرت والتفتت تبعد نظراتها عنه، ثم عادت إليه تنطق بجدية  : 


اركب عربيتك واتحرك من قدامي يا چابر، وبلاش تسوّء موقفك أكتر من كدة، مافيش حاچة افهمها، كل حاچة كانت مفهومة وواضحة. 


التفتت لتستقل سيارتها، وقلبها يترجاها أن تسمعه، بينما عقلها يشجعها على الرحيل فورًا. 


فـ أسرع يغلق باب سيارتها بيده بعدما كادت أن تفتحه ، فاتسعت حدقتاها تطالعه بغضب من تصرفاته وقربه، ودفعته تنطق  : 


إنت مش طبيعي، لو مابعدتش من قدامي حالًا حكلم النچدة. 


نطق بلا مبالاة  : 


كلميهم، بردو مش حمشي غير لما احكيلك كل حاچة. 


لفت وجهها عنه وقررت ألا تعطيه اهتمامًا، وبالفعل أخرجت هاتفها لتهاتف النجدة، ولكنه بدأ يستفيض كأن هذه فرصته الأخيرة  : 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

أيوة أنا كذاب ومخادع وفيا كل العبر، بس أني حبيتك من كل جلبي يا ريم، اخدتك من عند معتز لأنه ما يستاهلكيش، إنتِ أجمل وانقى من إنك تشتغلي مع واحد زي الكلب ده، أني كان نفسي اچيلك النهاردة وأني في يدي دليل، بس للأسف ماجدرتش، أني مش جدامك عشان ادافع عن حالي، أني الغلط راكبني من ساسي لراسي، حتى أبوي رفض يسامحني ويرضى عني غير لما إنتِ تسامحيني، وبجيت ماشي تايه وعرفت غلطتي، بس لو كانت دي الصدفة الوحيدة اللي كانت سبب في جُربي منك ومعرفتك وحبك اللي سيطر على روحي ده فـ أني مش ندمان، أني بدفع تمن اللي عملته، بس صدجيني معتز مهواش راچل زين كيف مانتِ مفكرة، ده واحد استغلالي وبتاع مصلحته ومؤذي چدًا، اسمعي مني عشان أني عارف ومتأكد أنه عايز يرچعك تشتغلي عنده بأي طريجة. 


زفر و انتظر ردها ليسترسل بأسفة ندمه، ولكنها التفتت له تنطق ببرود استفزازي أصابه في مقتل  : 


خلصت؟ نفسك تشوه صورته بأي طريقة؟ طب اسمع بقى، الحقيقة إني من يوم ما اشتغلت مع مستر معتز ماشوفتش منه أي حاجة سيئة، بالعكس كان انسان محترم وعنده ضمير وبيقدرني، وموقفه مني بعد ماعرف إني على تواصل معاك هو اتضح أنه كان معاه حق چدًا في كل كلمة قالها عنك، وطبيعي مايقدرش يثق فيا، ولما وصله دليل غدرك وتلاعبك والخطة الجهنمية اللي عملتها انت وصاحبك قرر ييچي يحكيلي ويعرفني اللي بيحصل، علشان كدة بالنسبالي مستر معتز انسان واضح وصادق مش كذاب ومخادع زيك، استغليت حبي ومشاعري علشان مصلحتك، علشان كدة أنا لا عمري حسامحك ولا حصدقك تاني، واوعى بقى من وشي. 


نطقتها وهي تزيحه بكفها وتلتفت تفتح باب السيارة وتستقلها.


صفعت الباب خلفها وقلبها ينبض كطبلٍ صغير، تشعر أن ضلوع صدرها تقبض عليها بقوة، تريد أن تبتعد، ترحل، تريد أن يزول من عقلها وقلبها، ولكنه لا يزول، لذا هي الآن تتألم وترتدي قناع الجمود أمامه فقط، ولكنها مازالت تحبه  . 


رأته يبتعد منكسًا رأسه بخيبة أمل كبرى، استقل سيارته وتحرك كأنه تلقى صفعة ثانية منها خاصةً وأنها الآن ترى معتز بطلًا وهذا أسوأ كوابيسه ، ألهذه الدرجة استطاع معتز أن يرتدي قناع الأخلاق لسنوات؟ 


❈-❈-❈


عادا من سفرهما، وانتهت رحلتهما، ولم تنتهِ لهفته واهتمامه بها، خاصةً وأنه يعلم مدى صعوبة الطريق، ويراها قد أُرهقت. 


دلفا القصر، وكان في استقبالهما صابحة وعبد الوهاب، يقفان عند بوابة القصر يطالعانهما بترحاب، برغم أن رحلتهما لم تكمل أسبوعًا، ولكن صابحة قد اشتاقت لابنها كثيرًا. 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

استقبلته بحضنٍ أمومي ملغم بالمشاعر، واستقبل عبد الوهاب فرحة بعناقٍ أبويٍ صادق. 


دخلوا إلى القصر وجلسوا، وبدأت صابحة تتطلع على فرحة وتسألها باهتمامٍ وشكٍ حينما لمحت ملامحها المجهدة  :. 


مالك يا فرحة؟ السفرية كانت متعبة ولا إيه؟ ده كله بالطيارة يعني. 


ابتسمت فرحة والتفتت إلى عمار الذي احتوى كفها ونظر لهما بوجهٍ تفشت فيه السعادة حينما نطق  : 


فرحة حبلة ياما، چايلكم آل حانا صغير جد الكف. 


تفشت بها السعادة، وأطلقت زغرودة مبهجة عمت أركان القصر، فجاءت على أثرها رتيبة تتساءل وتبعتاها مروة وحسناء، فنهض عمار يتجه إليها ويحتوي وجنتيها بمرحٍ مسترسلًا  : 


حبجى أب يا خالة رتيبة، ولدك اللي كنتِ بتجعدي تحذريه من غدر التار چايله عيل من بنت الحوامدية حبيبة جلبه ، عيل يغسل اللي باجي في الجلوب ، افرحي يا خالة  . 


أطلقت هي الأخرى زغرودة ولكنها بدت ضعيفة قليلًا، عانقته بسعادة تردد وخلفها ابنتها وحسناء تباركان  : 


مبروك يا ولدي، ألف مبروك يا حبيبي، يتربى في عزك ويكون ولد صالح زيك . 


نطق عبد الوهاب مبتهجًا بهذا الخبر المُفرح، خاصةً وأن عمار تذوق المعاناة لسنوات  : 


الخبر ده محتاج دبـ.يحة والغلابة ياكلو ويدعولكم. 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

عاد عمار يجلس جواره وينطق بتردد  : 


خلي الحفلة دي لما فرحة تولد بالسلامة يابوي، بلاش دلوك  . 


نطقت صابحة بتصميم مؤيدة زوجها  : 


أبوك معاه حج يا ولدي، دي فرحة كبيرة ولازمن يتعمل له زي ما اتعمل لحمزة، ولازمن الناس كلها تفرح وتدعيلها. 


أومأ مترددًا ونظر إلى فرحة التي كانت تبتسم فقط ليميل عليها ويتساءل بخفوت  : 


تحبي نطلع نريح دلوك؟ 


ربتت على كفه تطمئنه ونطقت بحب  : 


ماتخافش أني زينة، شوية صداع وحيروحو لحالهم . 


نظر له والده ونطق بنبرة مبهمة  : 


يالا يا ولدي خد مرتك واطلعو استريحو دلوك، عشان تقوم الصبح تروح على شركتك. 


أومأ له وتساءل وهو يوزع أنظاره بينهما  : 


مافيش أخبار عن مهران؟ حاولت اتواصل وياه بس ماعرفتش. 


نطقها تزامنًا مع دخول جابر بوجهٍ عابس لا يناسب شخصيته، ولكنه بات يرتديه مؤخرًا، خاصةً وأن والده لم يسامحه بعد  . 


دلف يلقي السلام، واتجه يرحب بشقيقه ويجلس بينهم، وعيناه تطوف على ملامح والده الذي تجنب النظر إليه، لذا نطقت صابحة مستفسرة  : 


ماعرفتش مكان أخوك بردك يا چابر؟ 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

نطق بنبرة بدت طبيعية ولكنها تحمل على متنها المكر  : 


ماني لو عرفت حجولكم علطول ياما، ولدك جفل خطوطه وماعيزش حد منينا يوصله  . 


نظر عبد الوهاب إلى عمار ونطق بتهكم  : 


أومال بيتواصل مع سكرتيرة مكتبه كيف؟ لازمن تعرفو مكان اخوكم يا عمار وتخلوه يرچع، الأزمات مابتتحلش بالهروب يا ولدي، وبعدين البت الأمريكانية دي ماحدش حيعرف يتعامل معاها غيره، واضح إكدة إن الغشاوة اتشالت من على عنيه من ناحيتها، خلوكم چاره الفترة دي وماتسيبهوش لدماغه. 


أومأ عمار يجيبه  : 


حاضر يابوي، حنعمل كل اللي بتجول عليه  . 


نطقها ونظر إلى شقيقه يتأكد منه، حيث شعر بأن جابر يخفي شيئًا ما، كأنه يعلم أين مهران ولكن الآخر أكد عليه ألا يخبر أحدًا. 


يجب أن يتدخل، ويتحدث إلى شقيقه في أقرب وقت، يجب ألا يتركوه للأفكار، فهو أكثر الأشخاص علمًا بمرارتها، خاصةً حينما لا تعلم ماذا ينتظرك غدًا  . 


❈-❈-❈


بعد مرور شهر ونصف  . 


هناك سنوات تمر على الإنسان كالأيام، تنقضي بحلوها ومرها لأنه اعتاد أن يتجاوز ويتعامل ويبحث عن حلول . 


وهناك أيام لا تمر مهما حاول المرء سحبها، كأنها عالقة بين صخور أفكاره القاسية. 


الأيام ليست كفيلة لتعالج، أو لتصلح ما أفسدته العقول، ولكنها رائعة في قلب الأدوار، مذهلة في ترتيب الأفكار، وعادلة في تجربة المشاعر، تبقى هي الوسيلة الوحيدة لتنفيذ القرارات مهما كانت صحيحة أو خاطئة. 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية


جلست نهاد على طرف فراشها تدلل صغيرها الذي سمح لها عمها باصطحابه معها اليوم وعودته مساءً ، تجاورها ندى التي تعرب عن حماسها وسعادتها بهذا المشروع الذي ستفتتحه عما قريب  : 


أنا متحمسة جدًا يا خالتو، حاسة إن مشروعنا ده هيحقق نجاح كبير جدًا ،خصوصًا هنا في الأقصر . 


تطلعت عليها بابتسامة لطيفة، وقد بدأ الأمل يتسلل إلى جدران قلبها الحزين، فمنذ فترة وعقلها يفكر في فرصة عمل، بعيدة تمامًا عن الشركة، وأي شركة، تريد أن تحقق ذاتها بنفسها، وأن تترك أثرًا، تفيد وتستفيد، تعلم وتتعلم، تكون سببًا في رزقٍ جديد يطرق أبواب المساكين ، وكذلك يطرق بابها حتى لا تعتمد على أي أحد، برغم أن عمها يرسل لها مصروفًا بشكلٍ مستمر حتى مع تكفل عبدالله بكل احتياجاتها، ولكنها تحلم بأن تعمل وتحقق نجاحًا خاصًا بها، نجاحًا قادرًا على اختراق جدار الظلم للبنات التي لم تحصل على ميراثها مثلها  . 


نطقت بنبرة هادئة وكأن السكينة تسللت إلى روحها  : 


وأني كمان يا ندى، حاسة إن ربنا حيكرمنا بالمشروع ده إن شاء الله، وبعدين إنتِ شريكتي في كل حاچة، بس بردو زي ما اتفقنا، دراستك أولًا، الدراسة جربت أهي، ركزي وياها عشان هي سلاحك الحجيجي في وش أي مشكلة تواچهك . 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

طرقات على باب غرفتها، جعلتها تستل حجابها وتضعه فوق رأسها سامحة للطارق بالدخول، دلف علي يطالعهما مبتسمًا، فبادله الصغير ابتسامة وأشار له بيديه، فتحرك نحوه ينتشله ويقبله ثم نطق وهو ينظر إلى نهاد  : 


بابا عايزك يا خالتو، مستنيكي تحت  . 


أومأت واستقامت تردف  : 


طب خلو بالكو من حمزة لحد مارچع  . 


تحركت لتراه وتتحدث معه عن مشروعها، لقد قرر مساعدتها في رأس المال، مع تعهد وإصرار منها بالسداد حينما يبدأ الإنتاج والبيع، حتى إيجار الأرض الحكومية التي سينفذ عليها المشروع، صممت على أن تدفعه هي من الأرباح. 


أصر أن يساعدها في كل شيء، وأصرت أن ترد له كل شيء، ولكنها لا تنكر فضله ومساعدته ودعمه طوال الفترة الماضية، لقد كان خير داعمٍ ورفيق، يذكرها بعمها مع ميزة إضافية، ألا وهي عدم الضغط عليها بأي شكل، حتى حينما حاولت أن تستفسر منه عما يريده والدها رفض أن يدخلها في تلك الدائرة المزعجة، وأخبرها ألا تشغل عقلها بهذه الأمور وتدعه يتصرف كما يرى، لتركز فقط على حل مسألة صغيرها، ومشروعها الجديد. 


والحقيقة أنها بالفعل وجدت فيه الصديق الذي كانت بحاجته منذ بداية عمرها، صديقٌ أمين يعلم جيدًا كيف يجعلها تطمئن، ومع ذلك تأبى مشاعرها أن تتحرر من قبضة سجّانها ، كأن قلبها أصيب بلعنةٍ تدعى مهران، لم تستطع تجاوزه مهما حدث، ما يؤلمها حقًا أنها كانت تتمنى لو ترى هذا الدعم والاحترام والأمان منه وحده  . 


وصلت إليه حيث كان ينتظرها في بهو القصر، أشار لها بأن تجلس ففعلت فنطق يوضح لها  : 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

المكان بقى چاهز وعملنا فيه تعديلات بسيطة، وطبعًا موقعه ممتاز وحينفعنا چدًا مع الأفواج اللي حتيچي تتفرج وتشتري، وإنتِ عارفة إن الأچانب بيحبو الحاچات دي قوي، بس قوليلي إيه الخطوة التانية عشان نبدأ فيها ! 


نطقت بحماس يلتمع في عينيها توضح له ما تريده  : 


الخطوة التانية حتبجى الإعلان عن استقبال فرص عمل للبنات، بنات وحريم وبس، وننوع طبعًا، وبردك اللي حابة تتعلم حنعلمها. 


شعرت فجأة بالخوف فاسترسلت تستفسر  : 


-بس تفتكر أهاليهم حتجبل تشغلهم مع نهاد آل حانا؟ 


قطب جبينه يدعي عدم الفهم ويتساءل  : 


ليه يعني اشمعنى؟ مالها نهاد آل حانا؟ 


ابتسمت بسخرية مؤلمة تجيبه  : 


خطر على بناتهم بعد اللي عملته، الناس في النچع بجت تشوفني تلف وشها عني، وأولهم الحريم. 


نطق داعمًا كعادته  : 


ويهمك في إيه؟ مادام بينك وبين ربنا تمام، ماحدش شايف اللي في القلوب غيره، عايز افهمك حاچة مهمة، الناس هنا مش بيسندو الواقع علشان يقوم، الناس بيستنوا عليه لما يقوّم نفسه وبعدين يسقفوله، امشي في طريقك وانچحي وقدمي اللي عندك والناس لما تشوف نجاحك حتسقفلك، وهما بنفسهم اللي حيرچعو يتقربو منك تاني، إنتِ دلوقتي في أهم خطوة في حياتك، ركزي عليها وارمي كل السلبيات ورا ضهرك، قربي من ربنا، وحاولي في صمت، وافرحي بعد كدة بنچاحك. 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

نظرت له بامتنان، وعلقت كلماته في عقلها كالحلق في الأذن، ليستطرد بتفاؤل  : 


وعلى فكرة أنا متفائل چدًا بالمشروع ده، تحبي اخدك تشوفي التعديلات اللي حصلت؟ 


أومأت بحماس ونطقت وهي تنهض  : 


أكيد احب چدًا، حنادي ع الولاد ونروح كلنا. 


أومأ لها فتحركت لتناديهم، بينما جلس هو يتطلع على أثرها بشرود، لا ينكر أنه معجبٌ بشخصيتها، بقلبها المُراعي، وباحترامها لنفسها أولًا وأخيرًا، وبإصرارها على النهوض برغم تعدد مرات السقوط، ولكنه كلما نظر إلى عينيها رأى حبًا حبيسًا يأبى أن يتحرر، حبًا ولد معها وسيموت معها، ربما تخطئ كثيرًا في نظرتها للأمور، ولكنها كانت بحاجة إلى من يرشدها كيف تصحح الخطأ، لا لمن يعاقبها عليه بقسوة، ربما لهذا السبب كانت الحكمة في زواجهما هذا ،حيث أنه يراها بالفعل بدأت تسلك مسارًا صحيحًا، وأوله هذا المشروع الذي بات ملموسًا بعدما كان أسير أفكارها فقط . 


❈-❈-❈


في قصر آل حانا 


ترجلت فرحة من أعلى الدرج تخطو بنشاطٍ نحو المطبخ، ليلة أمس كانت تشعر بالإرهاق والجهد، وطلبت منها صابحة أن تستريح وألا تجهد نفسها، وها هي اليوم تنزل لتمارس العمل بنشاط  . 


تفاجأت بها وهي تلقي السلام عليها وعلى مروة التي تساعدها، لذا التفتت تطالعها بعتاب وتنطق  : 


إنتِ إيه اللي جيمك من فرشتك يابتي؟ مش جولنالك خليكي مرتاحة النهاردة؟ 


نطقت وهي تتجه نحو المغسلة لتبدأ في غسل الأطباق قائلة بانزعاج  : 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

ماتبجيش إنتِ وعمار عليا يا مرت عمي، أني كدة حتخنج فوج، مابعرفش اجعد من غير لا شغلة ولا مشغلة، وبعدين حيحصل إيه يعني ماني زينة أهو الحمد لله  . 


مطت شفتيها بإنزعاج منها، وهزت رأسها بقلة حيلة ثم نطقت  : 


ماشي بس لما چوزك ياچي حجوله، ليفكر أننا اللي جولنالك تنزلي تساعدينا ولا حاچة. 


بدأت بالشطف ثم وضع الأطباق داخل الغسالة وهي تنطق مطمئنة  : 


ماتقلقيش جبل ما ياچي حطلع أوضتي ولا من شاف ولا من دري، بس إنتِ ينوبك ثواب ماتجوليش حاچة لاحسن ولدك في النجطة دي بالذات مابيهزرش  . 


استغفرت صابحة وهزت رأسها بقلة حيلة، نعم ربما هي كأثنى وأم لأربع أولاد تقتنع برأي فرحة، وترى أن ابنها يبالغ في خوفه واهتمامه، ولكنها لا تظهر ذلك حتى لا يتم اتهامها بأنها حماة صارمة وقاسية، لذا قررت أن تصمت وتكمل ما تفعله . 


❈-❈-❈


توقفت سيارة عبدالله أمام المكان المطل على ضفاف النيل، والذي تم تحديده كاملًا بألواحٍ من الخشب المقوى، مع واجهة رائعة دوّن في أعلاها اسم المشروع وصاحبته، ورسم على جدرانه أشكال الحِرف التي سيتبناها المشروع. 


ترجلت نهاد، وتعلقت عيناها على الاسم والرسوم، حلمًا تجسد على أرض الواقع، اسمها معلقًا على عملٍ خاص بها، أملًا يولد من رحم المعاناة، جعلها تصدق أنها قادرة، وأنها ستفعل كل ما يلزم لتحقق النجاح  . 


نزل الأولاد، وتحركوا جميعًا إلى الداخل، ليلقي عبدالله السلام على العمال الذي يعملون بجِد، كانت تجاور ندى وتحمل صغيرها وتشاهد الفواصل والأقسام التي تنفذ كما طلبتها بالفعل، وبدأت تشير وتوضح بحماسٍ عالٍ وهي تسير في الممر الذي تطل عليه جميع الأقسام  : 


هنا حيبجى قسم السچاد اليدوي، وهنا شغل الفخار، وهنا الخرز، وهنا التطريز، وهناك الاكسسوارات، وده بجى للتعليم، كل اللي رايدة تتعلم حرفة حنعلمها، حيبجى معرض متكامل إن شاء الله. 


نطق عبدالله ممازحًا ومتباهيًا وهو يرى حماسها  : 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

مصممة بردو يبقى نسائي بس؟ على فكرة الرچالة شغلهم عشرة على عشرة بردو، وناچحين في كل المچالات . 


طالعته تنطق موضحة  : 


لاء معلش خلينا حريم في بعضينا، عشان نبجى واخدين راحتنا أكتر، وبعدين فكرة المشروع الأساسية هو دعم البنات والأرامل والمطلقات اللي ماعندهومش مصدر رزج ثابت، الرچالة حتعمل إيه وسطينا! 


ابتسم وأومأ يؤيدها قائلًا  : 


أنا موافقك الرأي طبعًا، بس ماتنكريش إننا ناچحين في كل حاچة. 


أومأت مؤكدة تجيبه بقناعة : 


أكيد، دي سُنة الحياة بردك، ربنا چعل عندكم الطاجة والجُدرة الجسدية والعقلية إنكو تكتسحوا المچال في أي عمل عشان إكدة إحنا كحريم مسؤولين منكو، بس للأسف دلوك فيه رچالة شايفين إن المسؤولية دي تحكم لدرچة الظلم والضغط وسلب الحق والرأي، عشان كدة الستات بتبجى حابة تستقل ماديًا لاجل ماتلاجي راحتها وسلامها النفسي ، بس طبعا كل شيء لما بيزيد عن الحد بتحول للضد، مافيش أفضل من إن كل واحد يعرف ربنا خلجه ليه ويعرف هو مسؤول عن إيه وع الأساس ده يمشي. 


الله ينور عليكي  . 


نطقها بإعجاب، والتفت ينظر إلى ولديه اللذان سبقاهما يتفحصان المكان ويتناقشان حوله . 


❈-❈-❈


مساءً 


عادت إلى المنزل بعد انتهاء الدوام، عادت بملامح مكفهرة ككل يوم نسبةً لتعامل عمار السيء معها، دومًا يشعرها بأنها أقل موظفة هناك، ولولا أنها ترفض ترك ساحة الشركة له، لجلست في منزلها تأكل وتشرب وتستمتع، ولكنها تدرك أن هذه غاية لن تجعله ينولها، ستفعل ما يحلو لها إلى أن يعود مهران  


مهران الذي طلقها ورحل لا تعلم أين هو حتى هذه اللحظة، ولكنها علمت سبب رحيله، لقد تزوجت نهاد من ابن عمه، رحلت عنه دون رجعة، ولهذا هو يعاني فقدانها، ولكنه حتمًا سيعود وسيبقى لها وحدها، وستسامحه عما فعله بها وعن تطليقه لها وهي تحمل طفله، ستبدأ معه حياة جديدة خالية من المشاكل، وستطلب منه أن تمتلك مكانة أفضل في الشركة، وستشرط عليه المزيد من الهدايا لأجلها ولأجل صغيرها كي تسامحه، سيعيشان حياة حلمت بها منذ أن تزوجت به، ليعود هو فقط وستصلح كل شيء. 


فتحت الباب وخطت تغلقه ومدت يدها تفتح زر الإضاءة، فتفشى الضوء في المكان، ولكنها شهقت حينما نظرت أمامها فوجدته يجلس على الأريكة برأسٍ منكس وظُلمة مخيفة تحيط به جعلتها تتجمد لثوانٍ قبل أن تركض نحوه صارخة بسعادة وهي ترتمي عليه  : 


مــــــــهران حبيبي، أخيرًا رجعت  . 


تعلقت به تعانقه، ولكنه دفعها بقسوة فسقطت أرضًا جاحظة تميل برأسها في تساؤلات عدة، ليلقي عليها ورقةً ما وينطق بجمود لا يخفي لهيب عينيه الحارق  : 


ورجة طلاجك، كنت حبعتهالك على يد محضر، بس جولت اسلمهالك بنفسي بعد اللي عرفته  . 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

قطبت جبينها وحاولت النهوض تستند على الطاولة، وبالفعل نهضت وجلست عليها أمامه تتساءل بتوجس وريبة وهي تنظر إلى ورقة طلاقها بصدمة وعدم استيعاب : 


عرفت إيه؟ وطلقتني إزاي؟ 


لم يعد يحتمل تظاهرها بالبراءة، فاليوم تواصل معه المخبر وأخبره بكل شيء، بعد شهر ونصف من البحث بعيدًا عن أعين القانون، شهر ونصف من العزلة والتفكير في كل شيء. 


أيام من الوحدة كان رفيقه الوحيد فيها هو صوت ضميره الذي أعاد له شريط حياته، وأفعاله، وأخطائه، وكل شيءٍ مر به، ليأتي اتصال ذلك المخبر ويعيده إلى هنا، من حيث توقف. 


نهض يميل ويقبض على خصلاتها بشكلٍ قاسٍ ونطق بهيمنة ونبرة مخيفة  : 


لسة بردك ناوية تستغفليني؟ زي ما استغفلتي حبيبك اللي حملتي منه وسجطي العيل وجتلتيه جبل ما تهربي وتيچي على إهنة؟ دانتِ طلعتي حرباية واعرة جوي. 


لم تسعفها الصدمة، بل كانت تحاول الفكاك من قبضته القاسية، وتحاول أن تكذب أذنيها عما يقوله، كيف علم بهذه الحقيقة؟ 


أسرعت تنفي كاذبة وتحاول الخلاص من قبضته عبثًا تردد  : 


إيه اللي بتقوله ده يا مهران؟ ماحصلش طبعًا، مين كذب عليك وقالك كدة؟ صحبتي صح؟ حاولت توصلك تاني؟ دي بتكرهني أوعى تصدقها  . 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

رفع يده وتهاوى بصفعة حادة على وجهها ونفضها عنه فسقطت أرضًا تتألم، فـ صاح بنبرة جهورية وهو يميل عليها ويطالعها بنظراتٍ عدائية مشتعلة  : 


-  مين يابت؟ أني تستغفليني وتلبسيني العمة؟ عملالي حالك بنت بنوت وانتِ ؟ بقى يا زبالة ياعرة الحريم تضحكي عليا وتخليني اشتريكي وأبيع الغالي بواحدة رخيصة زيك؟ طلعتيني مغفل بصحيح، إنتِ أكدتيلي إن حسنين طلع معاه حج، بس كان لازمن تسألي زين عن مهران ابن عبد الوهاب لما بيجلب ع الوش التاني، وحياة اللي بعتها واشتريتك لحندمك ع اليوم اللي شوفتك فيه يابنت ال*  . 


نطقها تزامنًا مع ركلها بقدمه في منتصف بطنها فصرخت تتمسك بحذائه وتنطق مستنجدة بصراخ  : 


حرام عليك أنا حــــــــــامل، ارحمني يا مهران أبوس رجلك، كانت غلطة وهفضل ندمانة عليها طول عمري، أنا حبيتك بجد وماحبتش غيرك، الشاب ده كان غلطة وانا حكيتلك عنه، أبوس رجلك سامحني وخلينا نبدأ صفحة جديدة ونربي ابننا سوا  . 


عاد يركلها وانحنى مجددًا يقبض على خصلاتها وينطق بفحيح مرعب  : 


ابن وحب إيه يابت ؟ لهو إنتِ فاكرة إن حتخيل عليا كذبتك دي؟ أني لا حبيتك ولا كنت عايز اخلف منك، وانتِ عارفة كويس الحديت ده، إنتِ بالنسبالي كنتِ كورة بلعب بيها لاجل ماچيب هدف، كنت غبي لما فكرت إن واحدة زيك غلبانة وأهلها رافضينها، بس معلش ملحوجة، حتجومي دلوك تلمي هدومك وتطلعي برا البيت ده وماشوفش خلجتك في مصر كلها، ارچعي من مكان ماچيتي وروحي لحبيبك اللي بيدور عليكي، أصله طلع عايش. 


توسعت حدقتاها بصدمة، هل يعني أنه لم يمت؟ هل يعني أنها ليست قاتلة؟ ولكن سريعًا ما عادت إلى هدفها الحالي، لتحاول كسب تعاطف مهران، لذا حاولت الزحف نحو حقيبتها وجسدها يتألم من ضربه وركلاته ولكنها تريد أن تثبت له حملها، لذا استلتها بصعوبة وفتحتها تحت أنظاره تنتشل منها أوراق الفحص والسونار وتناولهم إياه قائلة بدموع وشهقات  : 


أنا مش بكدب عليك، أنا حامل فعلًا، وعندك التاريخ اهو، وتقدر تيجي معايا للدكتورة، ماينفعش تطلقني وتمشيني وانا شايلة ابنك يا مهران، اديني فرصة واحدة أرجوك . 


جن جنونه أكثر، وانتزع منها الأوراق يفحصها، لا يمكن أن تكون قد حملت بالفعل، فهو عمل على أخذ حيطته من هذا الأمر جيدًا، فكيف حدث هذا الحمل؟ أيعقل أن تكون هذه الأوراق مزورة؟ أم أن هذا الحمل ليس منه؟ 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

حدجها بنظرة مخيفة ونطق مستفسرًا بهدوءٍ تختبئ خلفه عاصفة هوجاء  : 


من مين الحمل ده؟ 


جحظت تهز رأسها سلبًا وتؤكد بالدليل وهي تشير بكلتا يديها   : 


منك طبعًا إنت بتقول إيه؟؟ أنا عارفة إنك ماكنتش عايز تخلف مني، علشان كدة أخدت منشطات حمل، أنا كنت عايزة أخلف منك يا مهران، أنا ماحبتش في حياتي كلها غيرك صدقني، سامحني يا مهران أبوس ايدك. 


ارتد على الأريكة بعقلٍ مشلول، هل ما تقوله صحيح؟ هل يعقل أن تكذب لتنجو؟ هل حدث حمل رغمًا عنه؟ 


زحفت نحوه تتمسك بساقه وتميل عليها ناطقة بنبرة مذلولة  : 


خلينا نفتح صفحة جديدة يا مهران وانا هعملك اللي إنت عايزه، خلينا نربي ابننا سوا، اللي حصل في امريكا غلطة هفضل ندمانة عليها طول عمري، ماتتخلاش عني يا مهران أنا ماليش غيرك، نهاد خلاص اتجوزت وشافت حياتها، ماتفكرش أنكو ممكن ترجعو لبعض تاني، ماتهدمش بيتنا إحنا كمان وتعمل في ابننا زي ما حصل مع حمزة  . 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

توغله صمتًا مرعبًا، خاصةً حينما ذكرت سيرة نهاد وصغيره، ولم يعد يحتمل كم الغباء الذي أوقع نفسه به، وكم العناد الذي تلحف به عن عمد، والذي أودى به إلى هذا الطريق المسدود والممتلئ بالعثرات، لذا نهض يحدجها باشمئزاز ونطق  : 


الولد ده حينزل، وانتِ حتلمي بعضك بماضيكي بخبثك بخيرك بشرك وترچعي على البلد اللي چيتي منها، وإلا ماتلوميش غير حالك. 


نطقها وعبر من فوق جسدها يغادر وعقله يمليه ماذا عليه أن يفعل بعد ذلك، ولكن الآن يجب أن يرى صغيره  .


« السابق

جميع الفصول

التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (آية العربي)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

1 تعليقات

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل