صياد النايا آل حنايا جـ2 - الفصل 3 | آية العربي

قراءة رواية (صياد النايا آل حنايا جـ2 ) كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية: (صياد النايا آل حنايا جـ2)

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: (آية العربي ) | الفصل: (3)



خدعونا صُناع المَرايا 

أوهمونا انها أداةٌ لنتجمل، وأن وقوفنا أمامها مجرد تأمل 

حذرونا طويلًا من مرآة الحب العمياء، ودفعونا لنطيل النظر في مرآة الحياة الجوفاء 

فأضحى كلٌ منا يترقب عيوب غيره بتعالٍ، ويوهم نفسه بأنه من الزلل خالٍ

حتى تبين لنا أن مرآة الحب ظُلمت، فلم تكن يومًا عمياء. 

بل كانت النافذة الوحيدة على عالمٍ ظنناه بلا شجون، وأنه يحمل مثالية حسناء 

عبرنا إليه على أمل أن نغرق في السلام، فإذا بوحش العيوب يتسلل خلفنا خفيةً في الزحام. 

أطبقنا النوافذ بحثًا عن دفء السعادة، فكشر عن أنيابه، وألقى بنا في متاهة الأرواح بلا هوادة

بقلم آية العربي 


❈-❈-❈


رآها حينما دلف القصر، حدق بوجهها ينتظر ابتسامتها المعتادة التي تستقبله بها، ينتظر لمعة العشق في عينيها حينما تلمحه، ينتظر شفتيها لتنطق مرحبةً به، ولكنها كانت عابسة، عيناها ملغمتان بالعتاب، وفمها لم ينبس مرحبًا ببنت شفة . 


تحرك نحوها وسط ضبابٍ لا يعلم مصدره، كأن سعادتهما تحترق، فوجدها تركض مبتعدةً عنه، فتبعها يصعد الدرجات خلفها ليستفسر منها عما يحدث  . 


دلفت غرفتها، وكادت أن تغلق الباب، ولكنه لحق بها فتحركت نحو النافذة تقف عند حافتها، وتخبره بعينيها بألا يقترب، حزينة وتتألم كليًا منه. 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية 

وقت مشدوهًا يتساءل عن سبب هذا الجفاء والحزن ، فنطق بنبرة لاهثة مجهدة كأنها تحبو لأيام  : 


- حصل إيه لكل ده؟ ماعيزاش تبصي في خلجتي ولا إيه؟ 


هزت رأسها بلا، كأنها تخشى أن تسرد له ما بها، كأنها تدرك بأنه لن يهتم، كأنها تعلم أنه ينفر من شكواها، لذا حاول أن يقترب منها، ولكنها باتت تصده بيدها وتحذره، فلم يبالِ، بل ظل يخطو ظنًا منه أنه يستطيع التعامل، وأن ما يفعله هو الصواب، وأنها لن تمتلك العزيمة لتتحرك.


ولكنه تفاجأ بها تلقي بنفسها من النافذة دون أي تردد، فركض يصرخ باسمها وأطل ليراها، ولكنه لم يرَ أي أثرٍ لها، كأنها تبخرت تمامًا. 


فتح عيناه تزامنًا مع همسه باسمها، ونظر للأعلى ثم حوله فأدرك أنه كان يرى كابوسًا مزعجًا خانقًا، ليزدرد ريقه ويحاول النهوض، وكأن جسده يعاني من ضرباتٍ مبرحة، اعتدل يجلس على الأريكة التي غفا عليها، يتنفس مطولًا، ثم وضع رأسه بين راحتيه ليمسك بها قبل أن تسقط أرضًا من ثقل الأفكار، ويهمس لنفسه بخفوت : 


- ليه عملتي فينا إكدة؟ ليه العجاب الجاسي ده؟ كنت مفكر إن جسوتك دي عشان تندميني، تجومي تتچوزيه؟ عرفتيه امتى وإزاي؟ عمل إيه خلاكي تجبلي بيه بعد الحب اللي جولتي عليه؟ دانتِ طول عمرك بتخچلي من أي راچل في العيلة دي، يبجى إزاي تجبلي تكوني لغيــــــــــري إزااااي؟ أثر عليكي إزاي؟ حتعاشريه وتنامي چاره إزااااي، عجلي حيجف . 


نطقها وظل يلكم عقله مرارًا وتكرارًا، ما زال في حالة إنكارٍ حادة، ودّ لو استطاع نزع عقله عنها. 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية 

رفع رأسه ينظر أمامه، كأنه لمح ضميره يجلس يحثه على الاعتراف الآن، وكأنها تجلس هنا تسمعه، لذا تابع متمتمًا يومئ بملامح باهتة  : 


- خدعتك، ظلمتك، ماعرفتش اتعامل معاكي زين، بس كنت مستني منك فرصة تانية، مانتِ ياما اتحملتيني، تجومي لما أندم تطعنيني في ضهري وجلبي الطعنة اللي تچيب أچلي دي ليه؟ وليه تبجى من يدك إنتِ وأبوي؟ ليه وأني كنت راسملك راسمة أجمل بكتير من اللي عملتيه ده؟ ليه يا نهاد ليــــــــــــــــــه؟ تروحي من يدي في لمح البصر إكدة ليــه؟؟ 


عاد يسند رأسه بكفيه حينما ثقلت، وأغمض عينيه يطالب عقله بالرحمة، بأن يهدأ ولو لثانية فلم يعد يحتمل ، ولكن عبثًا . 


أصدر حاسوبه تنبيهًا جعله يسرع في رفع رأسه وتفحصه بعينين يملأهما الضباب، كأنه يهرب، كان يرتكز أمامه على الطاولة، فبدأ يعبث به ليرى من يحاول التواصل معه، ووجده شقيقه جابر الذي علم كيف يخترق القائمة السوداء ويصل إليه . 


زفر باستسلام، وحمل الحاسوب ثم فرد ظهره على الأريكة ورفع ساقيه عليها ووضع الحاسوب عليهما وبدأ يتحدث إليه ويخبره بما يريد فعله  . 


❈-❈-❈


عادت إلى القصر خالية الوفاض، وحيدة، بعدما أرضعت صغيرها وودعته، شعور انتزاعه من حضنها يعد قاتلًا، ولكن ليس بيدها شيءٍ تفعله . 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية 

دلفت تخطو بهدوء، قاصدة غرفتها، ومع ذلك كانت تبحث بحواسها عن وجوهٍ مألوفة، علي أو ندى مثلًا، ولكن يبدو أنهما ليسا هنا . 


صعدت الدرج وهي تتمنى ألا تلتقي بتلك المتسلطة، ولكن حظها العثر جعلها تراها حينما وصلت للطابق الثاني، فوقفت لبرهة تطالعها ثم هزت رأسها بتحية صامتة وهي تستأنف خطواتها نحو الغرفة  : 


لم تفلتها، بل نطقت بنبرة متهكمة  : 


- شوفتي ولدك؟ 


توقفت تواجهها وتجيبها بإيماءة : 


- أيوة شوفته  . 


اقتربت منها تسترسل بنبرة غليظة  : 


- وحتعملي إيه لما تسافري من غيره؟ مهواش معجول حتيجي كل يوم من لاسكندرية تشوفيه. 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية 

تذكرت شرط عمها ببقائها هنا، ولا تعلم كيف ستحل هذه المعضلة، ولكنها نطقت بهدوء: 


- محلولة بإذن الله. 


اغتاظت منها، طريقتها، وهيأتها، فكشفت عن حقدها قائلة بخبثٍ توقف به نهاد التي استأنفت خطاها  : 


- أني بأمانة زعلانة على وضعك ده، أصلي نزلت السوج الصبح، ولجيت الناس ماورهاش سيرة غير اللي حصل، وعمالين يسألو ويطجسو، حتى مهواش لادد عليهم اللي الحچ عبد الوهاب عمله، بيجولو كان ردك لولده لاجل خاطر العيل الصغير، وكذا واحدة جالتلي إنهم خايفين بعد القصة دي لبناتهم يتمردو على رچالتهم ولا حاچة، بيچولو بعد إكدة في أي جضية لبناتهم حيروحو لابوكي ياخدو بمشورته  . 


نجحت في استفزازها، فانتفضت لأجل عمها ونطقت مجابهة  :


- يبجى الخراب حيعم ع النچع، حناكل في بعض كننا في غابة، ربنا ما يحكم عليكي ظالم ولا يدوجك من كاس الجسوة، مهو ساعات ماحدش بيحس بالنار غير لما يكمشها في يده.


ضحكت ساخرة ونطقت وهي تتمنى لو تدفعها من شدة كراهيتها لها :


- بس إنتِ ماتظلمتيش جوي إكدة، دا الناس كان بتحسدك على چوزك اللي اتطلجتي منه، نار إيه بس اللي كمشتيها؟ لو على چوازه فياما رچالة اتچوزت وستاتها صبرو عشان عيالهم وماعملوش كيف ماعملتي، أني بس خايفة عليكي لاحسن الندم ياكل فيكي كيف السوسة لما تبعدي ويحرموكي من ولدك، بس خلاص فات الأوان  . 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية 

حدجتها بعينين كارهتين واسترسلت وهي ترنو منها  : 


- خدي بالك بجى من اللي چاي، أصل عبد الله صحيح طيب چوي، بس مهواش أبو ولدك، يعني ماحيحبش يربي ولد راچل تاني. 


ربتت على كتفها تكمل  : 


- سيبيه يتربى وسط عيلته ومع مرات أبوه، كدة احسنله صدجيني، وانتِ كملي الطريج اللي اخترتيه، سافري واشتغلي ولما تبجي تنزلي أچازات حتبجي تشوفيه  .


لم تؤثر فيها كلماتها برغم سُميتها ، ولكنها متعجبة من كم الكراهية التي تحملها لها، وهي لم ترها طوال حياتها سوى مرة أو اثنتان، وبينهما فارق سن ليس بالقليل، فلماذا كل هذه الضغينة داخلها؟ 


قررت ألا ترهق نفسها بالرد عليها، فالتفتت تخطو  نحو الغرفة وتغلقها برغم الخوف الذي احتلها من نظراتها، وتساءلت أين الولدين ؟ الآن فهمت عدم حبهما لها، فمن ذا الذي سيحب ويتقبل أفعال امرأة قاسية مثلها، حتى ولداها سافرا إلى والدهم خارج البلاد وبقيت هي وابنتها المتزوجة فقط  . 


أما الأخرى فقد وقفت تتآكل غيظًا من عدم انخراطها داخل فوهة الاستفزاز الخبيث الذي تمنت لو تقع فيه لتصب عليها جُل غضبها منها ومما فعلت ومن زواجها بعبدالله، يجب ألا تهيء لها أدنى ذرات الراحة طوال وجودها هنا، فعلى ما يبدو أنهم لن يغادروا اليوم كما قال . 


❈-❈-❈


جلسا في مطعمٍ يتناولان طعامها ويسرد لـها ما علمه من شقيقه جابر، بملامح منزعجة يشاركها حزنه مما أصاب عائلته :


- عشان إكدة أبوي كتب كتابها على عبدالله، ومهران طبعًا اتصدم  .

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية 

عبست ملامحها وهزت رأسها تنطق وتشاركه الانزعاج  :


- صعب جوي اللي حُصل ده يا عمار، معجول كل ده يحصل في اليومين اللي چيناهم؟


أومأ بعبوس فتابعت  :


- بأمانة، الله يكون في عون عمي عبد الوهاب، من ناحية ولده ومن ناحية أخوه وجسوته، ومن ناحية تانية نهاد وجلبها المكسور، أبوك شايل حمل تجيل جوي ياعمار.


مد كفه يضعه على خاصتها وينطق معتذرًا  :


- عشان إكدة لازمن ارچع واجف چاره يا فرحة، ماعيزكيش تزعلي، لما الدنيا تبجى تمام حعوضك برحلة زينة  .


ابتسمت تخفف من وطأة حزنه ونطقت وهي تبدل وضعية كفيهما لتحتوي كفه هي :


- وهو انت بتستجل بالكام يوم دول؟ دي أچمل أيام عمري، ده الرحلة معاك غير يا عمار جلبي.


نظر حوله وابتسم بتباهٍ يتمتم  :


- وه وه وه وه،يومين بس يعملوا فيكي إكدة؟ أومال لو كنا حنكمل الاسبوعين بتوعنا؟ منك لله ياعمي حسنين، مابيچيش من وراه غير كل عفش  .

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية 

ضحكت بخفة ونطقت تهون عليه :


- معلش يا حبيبي، تتعوض، بس لازمن ترچع وتخفف من على أبوك حبة، وحاول تتواصل مع مهران ياعمار وتتحدت وياه وتفهمه اللي حصل ، دلوك أكيد حالته حالة .


نطق يوضح لها  :


- مهران أخوي عنيد، وعايز يمشي براسه من غير ما يشور حد، ولما بننصحه بيفكرنا بنفرض عليه رأي، وللأسف عِنده ده هو السبب في اللي بيحصل دلوك، لو كان من لاول عرف كيف يضلل على عشه كان زمانه ملك زمانه، أصل نهاد دي كانت بتعشجه عشج والكل كان شاهد، ربنا يكفينا شر جالبة ليّام يا رمانتي .


أمنت خلفه فتابع يغير دفة الحوار  :


- يالا كلي ووكلي الواد ده عشان نجوم  .


قطبت جبينها تسأله مبتسمة  :


- واد؟ وافرض طلعت بنت؟


غمز لها ونطق بحب  :


- حوكلها أني . 


❈-❈-❈


في مندرة قصر عائلة عبد الله، والتي لها بابًا منفصلًا عن القصر 


جلس حسنين وابنه أمام عبدالله الذي يدرك أن طلباتهما لن تروق له على الإطلاق، لقد رأى وجههم، وعاش قسوة قلوبهم، وأدرك طمعهم. 


لذا نطق مستفسرًا بنبرة مترقبة  : 


- طلباتك إيه يا حچ حسنين، سامعك. 


نظر حسنين نحو ابنه نظرة عابرة، ثم عاد إلى عبدالله وابتسم ينطق: 


- ماتسميهاش طلبات يا ابن طه، اعتبرها خدمة لعمك زي ما خدمت مهران خدمة العمر وچيبتله شريك أچبني ظبطله الدنيا، وبعدين كفاية إنك سترت بنتي بعد كل اللي حُصل ده، لعلمك أني لو عليا كنت شكمتها والنچع ماشافش طرف خلجاتها بعد عملتها دي، بس اخوي هو اللي دلعها ع الآخر وسمح لها بالسفر والشغل لحد ما كانت حتفلت من تحت يدي، ولــــــــ. 


قاطعه عبد الله ينهي كلماته الخبيثة  : 


- خلينا ندخل في المفيد يا حچ حسنين، قول على طلباتك واللي بسببها وافقت على الچوازة دي  . 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية 

تحمحم حسنين يهيء نفسه للبوح بما يريده، لذا نطق بتوتر دفين  : 


- إيه رأيك لو نتشارك سوا وندخل وياك مچال السياحة، وسيد يمسك فرع نفتحه هنا، ويبقى زيتنا في دجيجنا، أصل وارد چدًا بعد اللي حصل مهران يلغي الشراكة بينك وبينه. 


صُدم عبدالله من طلبه، فلم يتوقع مطلقًا أن يطلب ذلك، لذا نطق باستنكار  : 


- وانت أو سيد تعرفو إيه عن مچال السياحة يا حچ حسنين ؟ وليه عايزين تدخلوه؟ 


نطق يوضح بنبرة طمع لا يبالي بها : 


- لينا مصالح كتير الفترة الچاية برا البلد، انت فاهم أكيد إن وضعي دلوك محطوط تحت عدسة الحكومة، وأني اتنجلت نجلة تانية ولازمن أچرب مشاريع چديدة تليج بيا بعيدًا بجى عن موضوع الأراضي والزراعة ده، واهو اشغل الچرشين اللي ويايا في حاچة زينة ودخلها كبير، ولا هو أخوي أحسن مني في إيه يعني؟ فاهمني طبعًا! 


استنكر عبدالله كلماته، وتساءل لمَ هو تحديدًا الذي خصه بهذا الأمر، وانتابه إحساسًا بشكٍ حول أمرٍ غير شرعي ولكنه لم يبدِه،

بل تساءل بترقب  :


- طب واشمعنى أنا؟ المچال ده ولاد الحاچ عبد الوهاب أفضل مني فيه، ماشاركتش مهران ليه؟

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية 

تجهمت ملامحه ونطق باستهجان  :


- أعــــــــــوذ بالله منه، ده كاني عدوه مش عمه، ماعرفش بيكرهني الكره ده ليه، وبعدين أشاركه كيف بعد ما طلج بتي وسابها تفلت من تحت يده؟ مهو السبب في كل اللي حوصل ده، عيل مغفل ومهواش عارف يدير دفة حياته صوح، مهواش شاطر غير في شغله وبس، وبعدين أني عايز أحط يدي في يدك انت وابعد عن سكة أخوي، جولت إيه؟


تضاعف شعوره بنوايا خبيثة تسكن خلف كلماته، لذا نطق مترقبًا  :


- طب وأنا إيه اللي يچبرني أوافق؟ أنا خلاص اتچوزت نهاد، وبصراحة كدة ماعنديش أي نية أشارك حد چديد، يعني إيه اللي يخليك ضامن موافقتي يا حچ حسنين؟


نطق ابنه بدلًا عنه يوضح بنبرة هجومية حادة  :


- وهو انت مفكرنا مغفلين؟ لو ماضمنينش موافجتك كنا حنسيبك تطلع إنت وال ***** من عندنا؟ 


نظر له شزرًا وكاد أن يلقنه درسًا، خاصةً بعدما نعت شقيقته بسبابٍ بذيء، ولكن حسنين نهض يكمل مجاريًا ابنه في لهجة الهجوم والتهديد المبطن  :


- حسيبك تفكر زين يا أبو علي يومين تلاتة كدة جبل ماتوافج، وانصحك ماتسافرش غير لما نتمم الشراكة على خير، وابجى سلملنا على الولاد كتير ،وعلى بنتي بردك . 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية 

استقام عبدالله من مجلسه سريعًا ينطق بنظرات مصدومة : 


- انت بتهددني؟ بتهددني بمين يا عم الحچ؟ 


تقدم بخطواتٍ حتى توقف أمام عبدالله ينطق بفحيحٍ وخبث : 


- أني عارف زين إنك مابتخافش من زمان جوي وبتجف في وش الكل لاجل ماتعمل اللي على كيفك ، بس دلوك عندك اللي تخاف عليه، فكر زين، ياتجبل تحط يدك في يدي وتبجى حبيبي، ياتاخد اللي اتچوزتها وتمشي من إهنة وماتبصش وراك، وتهملني بجى أني أحدد النهاية . 


ابتعد يبتسم على ملامحه المجمدة من أثر صدمته، ونادى على ابنه ليرحلا بعدما أوقع عصفوران بحجرٍ واحد، تخلص من أفعال ابنته التي خرجت عن المألوف وكادت أن تحلّق فوق رأسه، وقريبًا سيحصل على شراكة ستجعله يحقق جُل ما يسعى إليه. 


تركاه يقف يردد على عقله حديثه وتهديده، لم يكن يتوقع أن يحمل ذلك الرجل هذا الكم من السوء، ماذا سيحدث إن رفض؟ وهل يظن أنه يعيش في غابة؟ هل يهدده بأولاده؟ ولأجل شراكة يمكنه الحصول عليها من خلال أشخاص آخرين، إذًا لماذا هو تحديدًا؟ وماذا يسكن خلف نواياه؟ وكيف لهذا الفاسد أن يصبح نائبًا في البرلمان ويقضي حوائج الناس وهو سالبًا لحقوق أقرب أقربائه؟ 


❈-❈-❈


اقتحم مكتب ابنه بشكلٍ غاضب ومفاجيء انتفضت على أثره برغم أنها لمحته من خلال كاميرا المراقبة. 


خطا يقف أمامها فتوترت فنطق وهو يشير بعصاه وبوجهه بنبرة لا تقبل التفاوض  : 


- جومي حالًا من على الكرسي ده. 


توترت كليًا وتلعثمت تنطق وهي تنهض وتدعي ترحابًا زائفًا بعدما عرفته جيدًا  : 


- نورت الشركة يا عمو، اتفضل استريح الأول طيب  . 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية الأعمال الأصلية لرواية وحكاية 

حدق فيها وفي طريقتها الماكرة التي نجحت في التلاعب بها مع ابنه، ولكنها لم تنجح معه حيث نطق على نفس وتيرته  : 


- ليكي إيه اهنة عشان تجعدي مطرح ولدي؟ 


اغتاظت من عجرفته معها، وخشت أن يكون على علم بالطلاق الشفهي، حتى كادت أن تخبره بحملها، ولكنها تراجعت قليلًا، فربما أرغمها على العيش معهم داخل القصر وتحكموا بها وهي لا تريد ذلك، لذا نطقت توضح بقناعٍ مسكين تترقب به إن كان يعلم أم لا  : 


- مالياش حاجة، أنا قولت اجي اقعد مكان جوزي لحد ما يرجع، حضرتك عارف إن لا هو ولا عمار هنا حاليًا، يعني نيتي خير، وماتقلقش، أنا عندي خلفية عن شغل مهران كويس، هو كان بيفهمني كل حاجة، يعني الموضوع مش محتاج الحدة دي. 


يراها تتلون كالحرباء، ولا يشتري بضاعتها الفاسدة، ولكنه حزن من أجل ابنه الذي وقع في شباكها، كان يظنه ناضجًا بما يكفي ليفهم نواياها الواضحة له . 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية 

تنفس يهدئ من غضبه واتجه يجلس على الأريكة بأريحية، وحدق بها بنظرات تفصيلية ثم نطق  : 


- اسمعيني زين يابنت امبارح، انتِ بالنسبالي بنت غريبة ادحلبت كيف الحية ولفت على ولدي ولدغته، أصل لساته بيتعلم، بس أني حاوي وفاهم زين حركاتك وأفعالك دي كلها، ماحيخلش عليا حديتك ده، دلوك تاخدي بعضك وتجومي ترچعي على شجتك وتستني چوزك لحد ما يرچع  . 


إذا هو لا يعلم بالطلاق، ويبدو أنه لم يعلم بالحمل، ليمر شبح ابتسامة على شفتيها، وتسخر من كلماته قبل أن تنطق بهدوء  : 


- تمام، بس مين اللي هيهتم بالشغل هنا؟ أكيد حضرتك ماتفهمش في المواضيع دي  . 


استقام وتحرك نحوها حتى توقف أمامها فازداد منسوب التوتر داخلها وهي تراه يفوقها حجمًا، ليمد عصاه نحوها ويزيحها قليلًا بها، ثم خطا يجلس على مقعد ابنه بهيمنة أطاحت بكبريائها عرض الحائط، ثم التقط الهاتف الداخلي ورفعه يطلب الاتصال بالموظفة التي أجابت فنطق بجمود  :


- تعالي عشان عايزك.


أغلق ورفع نظره يحدجها بنظرة تشفي مستطردًا  :


- يالا اتوكلي على الله انتِ .


غضبت وحولت غضبها سريعًا إلى عبرات خداعة وهي تنطق مستفسرة  :


- هو حضرتك بتتعامل معايا كدة ليه؟ من غير حتى ماتعرفني؟ أنا عارفة إنك زعلان علشان نهاد وانك بتحبها، بس بردو أنا مرات ابنك ومهران بيحبني واختارني برغبته مش أنا اللي لفيت عليه زي ما بتقول، إزاي بتتعامل معايا بالطريقة دي مع إن كل اللي بيتقال عنك إنك عادل، هو كدة عدل؟

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية 

نطقت وانتظرت ردة فعله، ولكنه تجاهلها تمامًا، كأنها لم تعد موجودة، بل بات يدعي بنجاح تدقيقه في الحاسوب الخاص بالمكتب، حتى أتت الموظفة تلقي السلام وتنظر إلى تيا بتشفٍ قابلته الأخرى بتوعد، ووقفت تنتظر ألا يستطيع عبدالوهاب التعامل مع تفاصيل العمل، ولكنه نظر إلى الموظفة وتساءل بترقب  :


- لو فيه أوراج محتاچة مراجعة أو توجيع حاتيهالي  . 


نطقت توضح بابتسامة لطيفة  :


- يافندم مهران بيه طلبهم وحولتهم كلهم على إيميله الخاص وهو قال حيتعامل بنفسه وممنوع حد غيره يفتح الملفات دي، وأكد علينا إن مدام تيا ملهاش علاقة بأي شغل خاص بالإدارة  . 


نطقتها الموظفة تشير نحوها، فباتت في موقفٍ لا تحسد عليه، ومع ذلك استمرت في الوقوف تأبى مغادرة المكتب بهذه الحالة، ولكن عبد الوهاب لم يرأف بها بل نطق متشفيًا :

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية 

- الظاهر ولدي اتعلم درسه زين، ع العموم هو أحسن مني في المواضيع دي وأني كدة مطمن.


نظر إلى الموظفة يستطرد  :


- اتفضلي انتِ يابنتي على مكتبك  .


غادرت وظلت تيا فنظر لها بتمعن يتابع  :


- وانتِ كمان روحي، ومرة تانية ماتجربيش من الشركة غير لما چوزك يرچع ويشوف حل وياكي، واللي عملتيه ده لو اتكرر ماتلوميش غير حالك  .


لم تعد تجد أي حبالٍ تتمسك بها للبقاء، خاصةً وأنها لا تعلم إلى الآن سبب غضب مهران ورحيله وتأبى أن تسأل فيكشف أمرها، لذا اندفعت تغادر بغيظٍ مكبوت كاد أن يأكل الأخضر واليابس، خاصةً وأنها منذ أمس ترافق الجنون والغضب. 


أما هو فجلس يتنفس مطولًا ويتساءل داخله، هل هي حامل بالفعل كما أخبرته صابحة؟ أم أنها ادعت ذلك؟ وإن كانت حاملًا فلمَ لم تخبره وهي على يقين أن هذا الخبر سيؤهلها لامتيازات عدة؟ هل خدعت ابنة أخيه بحملٍ كاذب؟ أم أن حدته معها منعتها من إخباره؟ 


❈-❈-❈


وصل إلى منزل تلك السيدة المسنة، وطرق الباب ينتظر ردها، لتمر ثوانٍ قبل أن تفتح الباب وتطالعه من أسفل نظارتها الطبية متسائلة  : 


- اتفضل يا ولدي؟ إنت مين؟ 


طالعها بتفحص، لقد تغيرت ملامحها وظهر الكبر بوضوحٍ على وجهها، وانحنى ظهرها من ويلات الزمن ، ولكنها تحافظ على بشاشة ملامحها، لذا مال قليلًا باتجاهها يجيب بهدوء  : 


- أني چابر آل حانا يا ست شمس، عاملة إيه يا جمر؟ 


ابتهجت برؤيته ونطقت مرحبة بلهفة : 


- يا حبيب جلبي، الغالي ولد الغالي، تعالى يا حبيبي ادخل  . 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية 

قالتها وهي تسحبه بيدها نحو الداخل، فهو منذ سنوات وأثناء دراسته اعتاد أن يأتي إليها ويسلمها شهرية كان يرسلها لها عبد الوهاب من خلاله، خاصةً وأنه من تعرف عليها حينما ذهبت إلى جامعتهم لتأخذ حق حفيدتها ممن أحزنوها وضايقوها آنذاك، وكيف كانت تدافع عنها وتبكي بأنها وحيدتها في الحياة بعدما ماتت ابنتها، وحينما علم جابر بحالتها وظروفها قرر أن يساعدها وأخبر لوالده عنها فبات عبد الوهاب يرسل لها المساعدة معه. 


دلف مبتهجًا بترحيبها، واتجه يجلس على الأريكة ووقفت تطالعه بحنين وعاطفة ونطقت مستفسرة  : 


- عامل إيه يا حبيبي؟ إكدة تجطع ستك؟ هونت عليك يا چابر؟ 


نطق معتذرًا يبرر ما حدث معه  : 


- حجك تزعلي وتاخدي على خاطرك كمان، بس أني سافرت روسيا ادرس ووصيت أبوي عليكي جبل ما اسافر . 


أومأت مؤكدة تنطق  : 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية 

- ربنا يعمر بيته ويكرمه في ذريته، الحاچ عبد الوهاب خيره ع الكل . 


- ماتجوليش اكدة، الخير خير ربنا، تعالي اجعدي  . 


نطقها يشير نحو جواره فنطقت وهي تتحرك نحو المطبخ  : 


- لما اجبلك حاچة تاكلها لاول  . 


أسرع يوقفها ونهض يدفعها بخفة نحو الأريكة فجلست وجلس بالقرب منها ينظر لها وينطق  : 


- ماتعمليش أي حاچة، أني چاي اشوفك وامشي  . 


نظرت إليه بملامحها المشرقة برغم خطوط التجاعيد التي تملأ وجهها، ونطقت وقد امتلأت مقلتيها بالدموع  : 


- شافتك ألف عافية يا ولدي، أهو الحمد لله على كل حال، عايشة ومستنية أمر ربنا، الوحدة مُرة جوي  . 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية 

لا ينكر أنه جاء إليها لهدفٍ ما، ولكنه بالفعل حزن من أجلها، ومن وضعها، لذا نطق يستفسر  : 


- ماحدش من أهلك بياچي يا أمي؟ أولاد أخواتك مابيزروكيش؟ 


لوحت برأسها بلا تسرد  : 


- الدنيا لهياهم يا حبة عيني، بيسألو كل أسبوع مرة، بس الچيران إهنة مابيهملونيش لحالي، بيخافو لموت چوة الدار واعفن من غير ما حد يدرى، بجينا نسمع عن حاچات غريبة يا ولدي عمرها ما كانت عندينا، صلة الرحم اتجطعت، ومن بعد ليان مابجاش حاچة في الدنيا ليها طعم . 


انهمرت دموعها حينما ذكرت سيرة حفيدتها، فباتت تجفف عيناها بعبائتها وأسرع جابر يدس يده في جيبه ويخرج منه مناديل ورقية، ينتشل أحداهن ويناولها إياها قائلًا بحزن  : 


- ماتبكيش بجى وتزعليني، ربنا يرحمها ويغفرلها  . 


نطقت بنبرة نبعت من جوفها بصدق  : 


- يــــــــــارب، يـــارب ياولدي، دي دعوتي كل يوم وكل ساعة وكل فچرية، إن ربنا يرحمها، جلبي لحد اللحظة مامصدجش إنها عملت إكدة في حالها  . 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية 

انتشلته الذكريات سريعًا، يتذكر تلك الشابة الجميلة التي وقعت في حبه، ولكنه لم يكن يراها بعين الحبيب، ربما فسرت تعاطفه معها آنذاك على أنه اهتمام، أحبته بشدة ولم تحب سواه، وأحبها سواه ولم يحصل على محبتها برغم محاولاته المتكررة للاستحواذ عليها، لذا كان لموتها أثرًا سلبيًا عليه وعلى ضميره الذي أنبه كثيرًا، ولكنه لم يعدها بأي شيء، لقد كان حبًا من طرفٍ واحدٍ فقط، حبًا جعل معتز يحاربه ويعاديه لمجرد أنها تفضل جابر عليه في كل مرة، برغم أنه وضع أمامها إغراءات لا حصر لها، برغم أنه وعدها أن ينتشلها من الفقر ويجعلها تعيش كالملكات، ولكنها رفضت كل هذا على أمل أن يحبها جابر يومًا  . 


تحمحم جابر وحاول أن يهدأ بعدما عم الحزن تقاسيم وجهه، ونظر لها ينطق بترقب  : 


- يبجى صدجي إحساسك يا أمي، حفيدتك كانت ونعم البنات، واللي حصل ده الله أعلم سببه إيه، هي ماجلتلكيش أي حاچة جبلها ؟ 


يدرك أنه سيفتح جراحًا لم تندمل، ولكنه يشتهي معرفة الحقيقة، فهناك دومًا شعورًا يراوده بأن معتز خلف هذه الجريمة، وأن هذه الفتاة تعرضت للعنف والتهديد أو الابتزاز لهذا قامت بإنهاء حياتها. 


هزت السيدة رأسها ونطقت بحشرجة حزينة  : 


- ولا أي حاچة، كانت زي الفل، كنا بنتحدت ويا بعض بليل، نمت وصحيت على اللي حصل، ومن وجتها الشمس ماطلعتش على جلبي ياولدي، آااااه يا جلبي يا ليان، عملتي في نفسك إكدة ليه يابتي  . 


نظر نحو غرفتها ثم عاد إلى السيدة يتساءل وهو يربت على ظهرها يهدئها  : 


- وحدي الله يا أمي، أني حاسس إن ربنا حيطمن جلبك عليها جريب، وأني چاي النهاردة عشان اكدة. 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية 

أسرعت تطالعه وتقبض على كفيه باستنجاد كأن هذا ما تتمناه، لذا تساءلت مستفسرة  : 


- صحيح يا ولدي؟ طب جول، يمكن يطلع إحساسي صح، مع إن الحكومة فتشت في كل حاچة وأكدو اللي حصل .


ازدرد ريقه وتساءل بترقب :


- طيب تليفونها معاكي؟ 


أومأت مرارًا تجيبه وهي تشير نحو غرفتها  : 


- كل حاچة ليها موچودة، لما رچعولي حاچتها حطيتها في أوضتها كانها معايا، كتبها وتليفونها چوة، ومجفول من وجتها، استنى حچبهولك  . 


أسرعت تنهض لتحضره له بالفعل، وهو ينظر لأثرها بحزن، فهي تتأمل بعد كل تلك الحقائق بأن حفيدتها لم تنتحر، وهو يدرك أنها فعلت، ولكنه يدرك جيدًا أن خلف فعلتها تلك حقائق لم تكشف بعد، ويجب أن يعرفها  . 


❈-❈-❈


تجمعت عائلة آل حامد في بهو منزلهم، واتجه أيوب يجلس مجاورًا يونس ليقصده في طلبه، وشعر الآخر به لذا ابتعد قليلًا عن نوارة التي كان يتحدث معها  بينما هي كانت تحتضن نور الصغير الذي غفا على الأريكة. 


نطق أيوب بخفوت وهو يميل عليه ويسترق النظر إلى عمه خلسة  : 


- أني عايزك في موضوع ضروري يا يونس، بس بيني وبينك. 


قطب جبينه وحدق به وحينما لمح تصميمه أومأ ونهض يردف بترقب  : 


- حنجوم أني وأيوب نتمشى شوية لحد ما العشا يچهز  . 


تعجبت نوارة ترفع رأسها إليه، فغمز لها فهدأت، ونطقت منصورة مستفسرة  : 


- خير يا ولدي طالعين برا ليه دلوك؟ 


نظر حسان إلى ابن أخيه بترقب ولم يعلق، بينما أجاب يونس والدته باختصار وهو يتحرك نحو الخارج مع أيوب  : 


- حديت شباب ياما، هملونا بجى.. 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية 

خرجا وجلست سجود تبتسم وتميل على منصورة قائلة بتطفل بغيض: 


- أجولك أني ياخالتي الحديت اللي حيجولوه، اصل أيوب حيموت ويتحدت ويا البت مروة الحزينة وهي مامعبرهوش، شافت حالها بعد ما خالي رفضه، والنهاردة وأني راچعة من الچامعة شوفته وهو كان واجف يراجبها في السوج، وأني متأكدة زي اسمي أنه عايز يونس يتوسطله عند خالي  . 


- اسمه الشيخ يونس. 


نطقتها نوارة بجدية تحدجها بها، فالتفتت تناظرها بنظرة ماكرة ونطقت بنبرة لعوب تدعي المزاح  : 


- جصدي ولدك الشيخ يونس يا خالتي  . 


ابتسمت منصورة عليها وتقبلت حديثها ظنًا منها أنها تتصف بالحماس الزائد تجاه تصرفات الآخرين، ولكن نوارة نطقت بنبرة ثاقبة  : 


- عيب لما تدخلي في اللي مالكيش فيه، لو أيوب كان عايز يجول كان جال بنفسه. 


نطق حسان بنبرة صلدة يوضح بها عدم رغبته بهذا النسب  : 


- يعني بردك مصمم بعد ماترفض؟ ع العموم هو حر، أني مامدخلوش في حاچة تاني بعد إكدة، يروح يطلبها لحاله بلا جلة جيمة  . 


يرى أن رفض عبد الوهاب له إهانة يجب ألا يتعرض لها أيوب مجددًا، بل يجب أن يبتعد عن تلك الفتاة بشكلٍ نهائي، ولكن ماذا سيفعل حيال رغبة ابن أخيه الأبله؟ 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية 

في الحديقة اتجها يجلسان عند ركنٍ مهيءٍ للجلوس، ثم نطق يونس يحثه باهتمام  : 


- جول يا أيوب كل اللي في خاطرك، سامعك زين. 


نطق أيوب يعبر عما به وعن موقف عمه وعن محاولاته وحزنه  : 


- أني عايزك تتحدت ويا خالك يا يونس وتحاول تجنعه بارتباطي أني ومروة، عمي كانه ماصدق أنه رفض وكل ماجي اتحدت وياه يجفل الحديت، وأني بحبها ورايدها في الحلال، وحاولت اتواصل معاها لاجل ما اعرف نيتها من ناحيتي يمكن تساعدني في الحكاية دي بس هي رفضت أي تواصل بيني وبينها، وصممت لو رايدها صوح حدخل البيت من بابه واحاول مرة واتنين وعشرة، وجطعت معايا، حتى الزيارة اللي كانت بتاچيها لمرتك جطعتها، وأني خلاص رفعت الراية ومابجتش جادر على البعد ده، جولت مافيش غيرك تجدر تجنعه يتمم الموضوع ده بجى.


ابتهج يونس بإلحاحه على هذا الارتباط، وهذا دليلٌ على حبه الحقيقي لتلك الفتاة الخلوقة، لذا نطق داعمًا  : 


- ومالو، اتحدت وياه ونحاول نجنعه ولو ماجتعنش نحاول تاني، بس إيدك على كتفي في كل حاچة، حنروح سوا ونتحدت وياه تاني، وتعرفه إنك شاريها صُح وماحتتنازلش عنها  . 


- معاك يا يونس  . 


نطقها بحماس عاد إليه من جديد، سيحاول ولن ييأس، إنها تستحق محاولاته المتكررة، لقد تسللت إلى قلبه واستعمرته كملكة عصية لم يستطع مقاومتها . 




❈-❈-❈


جلس عبد الله مع ولديه أمام شاشة التلفاز الكبيرة يشاهدون باستمتاع سويًا إحدى مباريات كرة القدم . 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية 

لم يركز عبدالله مع هذه المباراة، عقله منشغلٌ بكلمات حسنين وعرضه، ولكنه يشاركهما ما يحبانه، نظر إلى ندى التي كانت منغمسة في المشاهدة برغم تمسكها بكوب القهوة المحلاه ووضعه على فمها منذ أكثر من 10 ثوانٍ ولم تنتبه له بل تصب كل تركيزها على الجول المحتمل حدوثه، ليناديها بترقب : 


- ندى ! 


انتهبت له وللكوب فأبعدته عن فمها وطالعته تتساءل : 


- نعم يا بابا؟ 


- ممكن تطلعي تنادي خالتو نهاد . 


ضجرت لأنها لا تريد أن تنفصل عن المباراة، ولكنها نطقت باحترام وهي تضع الكوب على الطاولة وتنهض : 


- حاضر . 


خطت خطوة وعيناها معلقة عند التلفاز، ولكنها وجدت شقيقها يمد يده لينتشل كوبها فأسرعت تركض عائدة وتلحقه قبل أن يأخذه وتنطق بقهقهة منتصرة : 


- قولتلك اعملك واحد قعدت تتريق ع المج بتاعي، مش هدوق منه تنتوفة حتة. 


أخذته معها أسفل نظرات والدها المبتسم، وشقيقها المتوعد وعبرت خارج الغرفة، بينما دلفت بعدها بثوانٍ زوجة شقيقه تطالعهما وتنطق بضيق ساخرة من جلوسهما في القصر بهذه الأريحية : 


- تحبوا اعملكو حاچة تشربوها؟ 


نظر لها عبدالله بهدوء ونطق شاكرًا بمغزى : 


- شكرًا يا أم عادل، تعالي اقعدي اتفرچي معانا، البيت بيتك بردو. 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية 

اغتاظت منه ومن ابنه الذي أعطاها نظرة سريعة ولم يجِبها، فاتجهت تجلس قبالتهما وانحنت تلتقط جهاز التحكم، ثم اعتدلت تبدل القناة بلا مبالاة كادت أن تدفع علي على الاعتراض، ولكن والده أشار له بألا يفعل ونظر لها يردف بنبرة ثاقبة وواضحة : 


- لاء لو كدة بقى يبقى معلش اتفرچي في أوضتك چوة، أنا قولتلك تعالي اتفرچي معانا على الماتش، ماينفعش تقلبي القناة واحنا قاعدين، هاتي بعد اذنك الريموت . 


نطقها وهو يميل ويمد يده إليها فما كان منها إلا أن ناولته الجهاز ونطقت ببرود يخفي اشتعال فتيل حقدها : 


- اتفضل، مهو البيت بيتكو صحيح، بس مش إنت جولت إنكو حتسافرو النهاردة؟ حصل حاچة كفا الله الشر؟ 


مال يلتقط طبق الفواكه الذي قطعته له صغيرته، والتقط منه حبات من العنب يلتهمها أولًا قبل أن يجيبها ببرود مشابه وعيناه تباغتها بنظرة استفزازية : 


- أچلناه كام يوم، أچبلك عنب؟ 


- لاء شكرًا . 


❈-❈-❈


في الأعلى 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية 

كانت تجلس تقرأ وردها اليومي، وعقلها كالعادة يفكر في صغيرها وكيف تنقضي ليلته الثانية بدونها، وكالعادة يؤلمها موضع الرضاعة من حنين حليبها له، زفرت مطولًا وأغلقت المصحف بعد أن انتهت ونهضت تضعه على الطاولة وتخلع عنها إسدالها. 


تحركت تجلس على طرف الفراش وتمسكت بهاتفها، هل تهاتف صابحة وتطمئن عليه الآن؟ تشتاق صوته وعناقه ونظراته، قلبها يتآكل اشتياقًا له، لذا عاد البكاء يطل من نافذة مقلتيها، وكأنه يتركها. 


نظرت حولها تفكر، لا يمكنها أن تقضي الأيام و الليالي هكذا، لا يمكنها أن تترك الأفكار تأسرها هكذا، يجب أن تبحث عن مخرج، يجب أن تفعل شيئًا تلتهي به عن كل هذه الفوضى التي حاوطتها، ويجب أن تسترد صغيرها وقبل ذلك لن تترك الأقصر مطلقًا، لن تغادر بدونه، وهذا ما ستخبر عبدالله به . 


طرقات على باب غرفتها جعلتها تنتفض وتسرع نحو إسدالها لترتديه وهي تتساءل : 


- مين؟ 


- أنا ندى يا خالتو . 


ازدردت ريقها وهدأت تتمسك بالإسدال وعادت تستطرد : 


- لحالك؟ 


- أيوا . 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية 

اطمأنت وتركته واتجهت تفتح الباب لها وتدخلها وتغلق، وقفت ندى تطالعها لبرهة قبل أن تلمح الدموع في مقلتيها لذا نطقت بحنين وهي تحاول تجفيفهما بيدها والكوب في يدها الأخرى : 


- إنتِ كنتِ بتعيطي يا خالتو؟ تاني؟ علشان حمزة صح؟ 


شعرت بالاختناق وبرغبة قوية في عناقها، وبالفعل عانقتها تومئ فانفطر قلب الصغيرة وربتت بكفها على ظهرها ثم ابتعدت قليلًا تشاركها الحزن قائلة : 


- أنا كمان زعلانة أوي على فكرة، وعلي زعلان جدًا، إحنا نزلنا السوق النهاردة نشتري حاجات وعلي كان عايز يجبله لعبة ونروح نشوفه بس بابا قال لنا بلاش نروح هناك دلوقتي. 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية 

أومأت متفهمة تبتسم وتجيبها : 


- أبوكي معاه حج يا ندى، أني بإذن الله حبجى اخدكم تشوفوه وجت تاني، بس دلوك مش حينفع . 


أومأت متفهمة ثم حاولت أن تلهيها فنطقت حسب رؤيتها تعرض عليها الكوب الذي ابتاعته وتسرد لها قصته : 


- شوفتي اشتريت إيه النهاردة، ده معمول يدوي على فكرة، لقيت واحدة قاعدة وشكلها مسكينة أوي وعندها حاجات جميلة، مجات وسلاسل وحاجات عملاها بالخرز وكلها شكلها حلو اوي، اشتريت منها ده وسألتها، طلعت هي وبناتها اللي بيعملوا الشغل ده بإيدهم وهي بتنزل السوق تبيعهم علشان جوزها متوفي، بجد صعبت عليا أوي، حتى اشتريته بأكتر من سعره، وعلي فضل يتريق عليا بس أنا عملت كدة علشان اساعدها . 


في كل مرة تستكشف صفات مميزة في ندى وشقيقها علي، ومن المؤكد أن هذه الصفات تأسست بفضل تربية أب وأم عظيمة، حتى أنها تمنت لو كانت تعرفت عليها واستلهمت منها الكثير. 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية 

ابتسمت تطالعها بفخر، ونطقت مشجعة : 


- برافو عليكي يا حبيبتي، عملتي الصح يا ندى. 


ابتهجت ندى ونطقت وهي تتمسك بكفها وتحثها على التحرك : 


- طب يالا تعالي اقعدي معانا تحت، بنتفرج ع الماتش ويارب مصر تكون جابت جول . 


استطاعت بالفعل التخفيف عنها ونجحت في جعلها تقبل بالنزول ولكنها نطقت : 


- طب استني ألبس الاسدال لاول . 


ارتدته وغسلت وجهها وبالفعل تحركت معها نحو الأسفل، ودلفت تلقي السلام عليهم فطالعها عبد الله بنظرة متفحصة علم بها أنها كانت تبكي، لذا نطق بهدوء : 


- اتفضلي يا أم حمزة . 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية 

جلست تجاور ندى، وزوجة أخيه تباغتها بعداء يتوارى خلف ملامح ثابتة، بينما حمل عبدالله طبق الفاكهة ومال يناوله إلى علي قائلًا : 


- خد ياعلي ناوله لخالتك نهاد . 


التقطه علي وناولها إياه وقبل أن يعاود الجلوس أعلن المعلق عن الجول الأول للمنتخب لذا صرخ علي وتبعته ندى يرددان بعلو وسعادة : 


- جــــــــــــــــــول . 


ابتسمت نهاد عليهما رغمًا عنها، وتلقائيًا التقت عيناها بعيني عبدالله المهتم لأمرها، لذا بادلها ابتسامة هادئة، وأشار له بيده نحو فمه أن تأكل فأومأت بخجل، وبدأت تتناول قطعة من التفاح ... 


تعيش الآن أجواء كانت بحاجتها، ترى من هذا الغريب اهتمامًا تمنت لو رأت من حبيبها الحد الأدنى منه. 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية 

يناديها، يعاملها باحترام، يهتم لأمرها، ويقدم لها الفواكه، وينظر في عينيها كأنه يخبرها بألا تحزن مادام هو هنا، إذًا لمَ يحتل مهران عقلها الآن؟ كأنها تود صفعه بقوة على ما أضاعه من حياتهما معًا، على فرص تبخرت ولم تعد محتملة الحدوث، عقلها يتساءل عن كيفية انتزاعه من قلبها والمضي قدمًا في طريقٍ لن تشاركه مع أحدٍ سوى طفلها فقط. 


انشغلت بالأفكار ولم تلحَظ تلك النظرات الخبيثة نحوها، نظرات لا تود السلام معها مطلقًا، نظرات تنتظر فرصة ضئيلة لتفيض بما يعتليها من حقدٍ لسنوات .. 




❈-❈-❈


جلس يتناول الطعام الذي أرسله له صديقه . 


بعض اللقيمات البسيطة التي تبقيه على قيد الحياة، يباشر العمل عبر الحاسوب ويتحدث إلى مديرة مكتبه التي أخبرته بكل ما حدث اليوم، وكيف اقتحمت تيا المكتب، وكيف تعامل معها والده . 


أنهى الاتصال بها، وقرر التواصل مع المحامي لينهي هذا الأمر ويطلقها غيابيًا ليوقفها عند حدها، فمن المؤكد لها يدًا في تلك الزيجة بزيارتها لنهاد آنذاك. 


التقط هاتفه من الجوار وعبث به، ولكنه تفاجأ بإشعارٍ من برنامج المراقبة الذي يربط هاتفها به، ليجدها عادت تتواصل اليوم مع صديقتها تلك بعد انقطاع وخلاف دام لأسابيع بسبب شعورها بالغيرة منها عليه حينما أتت إلى الأقصر آنذاك، ورحلت قبل أن تفتعل تيا المزيد من المشكلات . 


ولكن لحظة، يبدو أن صديقتها هي من حاولت التواصل معها، لذا فتح التطبيق يستمع إلى المحادثة التي دارت بينهما، ولكنه لم يجد سوى رسالة صوتية واحدة صادرة من تلك الفتاة، ففتحها يستمع بإنصات ليجدها تنطق بنبرتها الماكرة : 


- مرحبًا تيا، كيف الحال؟ لدي مفاجأة لكِ، هل تعلمين من معي الآن، استمعي بنفسك. 


ليأتي بعدها صوتًا ذكوريًا ينطق بخفوت : 


- مرحبًا تيا، ما رأيك في هذه المفاجأة؟ أنا مازلت هنا لم أمت، بل عدتُ لأنتقم منكِ برغم اشتياقي لكِ أيتها ال ***** ، هل تقبلك زوجكِ الشرقي كونك لست عذراء؟ أم أخبره حينما أراه قريبًا؟ 



انتهى الفويس، ولم تجِب تيا عليها، بل لم تشاهده من الأساس، ليتفشى غضبًا حادًا على تقاسيم وجهه، وشكه آنذاك جاء الآن ليصفعه ويخبره أنه أكثر البشر تغفيلًا، هل استغفلته حقًا؟ أيعقل أن يصل به الحال إلى هذا الحد؟ ما هذا العقاب الذي حط فوق رأسه دفعةً واحدةً حتى باتت معبأة بالهموم. 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية 

من بين صدمته قرر حذف المقطع كي لا تراه، وعاود العبث بهاتفه مجددًا ليتحدث إلى ذلك المخبر الذي أخبره أن يكف عن البحث، ليتواصل معه عبر إيميله، فأجاب الرجل مستعلمًا : 


- مرحبًا، تفضل أسمعك . 


نطق بملامح مكفهرة متوعدة بحرقها ما إن يثبت له ذلك، وكأنه يبحث عن دليلٍ يؤكد له أنه لم يتم خداعه، ولم يُعامل بهذا الكم من التغفيل والسوء : 


- لتعاود البحث من حيث توقفت، وسأرسل لك المستحقات الآن، أعطني تفاصيل كل شيءٍ متعلق بالمدعوة تيا بدران في أقرب وقت .


« السابق

جميع الفصول

التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (آية العربي)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

إرسال تعليق

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل