قراءة رواية بين الرفض والقدر (عريس قيد الرفض) كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: بين الرفض والقدر
(عريس قيد الرفض)
رواية جديدة قيد النشر
الكاتبة: ( عفاف شريف) | الفصل: (38)
ظننتَ أنني طعنتُك بخنجر الغدر،
وخنتُ العهد والوعد،
ونسيتُ حبَّك، وربما تناسيتُه.
خذلتُك،
وآلمتُ قلبَك.
لكنَّك غفلت... أو تغافلت.
فلم ترَ حيرتي وتخبُّطي،
رأيتَ الخنجر،
ولم ترَ أن دمائي تقطر منه.
لم ترَ دموعي حتى جفَّت عيناي.
رأيتَ ألمَك،
وغفلتَ عن ألمي.
وها أنا أُخبرك...
إنني وجَّهتُ خنجري إليَّ قبلَك،
فسمَّمتُ نفسي
وأهلكتُ روحي.
وخسرتُك،
فلم أخسر سوى نفسي.
أفهمت؟
أم ربما لن تفهم أبدًا؟
❈-❈-❈
وبعد تلك المحادثة المؤلمة،
مرت ساعة كاملة في ثرثرة طويلة جمعتهم كالمعتاد.
استطاع بها تميم نزع تلك المخاوف من قلبها،
احتضنها.
وشاكسها حتى انفرجت ضاحكةً عدةَ مرات.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
وقد استغل وجود أحد المحلات الصغيرة بجانبهم، حيث لن يضطروا للابتعاد وترك الصغار،
وأعطاها الكارت الأخضر لشراء كل ما تريد،
وحقًّا يقصد كل ما تريد.
وهنا، وفي تلك اللحظة، رأى تميم آلاء أخرى،
ليست الأم،
ولا الشقيقة.
هنا انطلقت آلاء الطفلة الصغيرة.
وخلال خمس وعشرين دقيقة،
وبعد أن كادت أن تقتلع المحل بذاته،
خرجت تحمل الكثير من الحقائب الكبيرة، تحتوي كل ما تشتهي نفسها فعلًا.
خرجت مبتهجة، بابتسامة بلهاء عريضة، تضم إحدى الحقائب بتملك، ويحمل العامل الباقي خلفها بعد أن طلبت ذالك منه بلطف.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
لم يرفض لها أي طلب أبدًا،
عاملها كما يعامل صغارها بالضبط.
وأيضًا لم ينسَ أن يشتري لها غزل البنات،
والذرة المشوية،
والكبدة والسجق من إحدى العربات بالشارع والتي يرفضها في المعتاد.
وكسرت القواعد لأجلها تلك المرة ومن جديد.
وجلس يناظرها بتوجس، وعين متسعة،
فقد كانت تجلس وأمامها عشرون شطيرة.
وحينما سألها مستنكرًا:
مين اللي هياكل كل ده؟
إنتِ اتجننتِ؟ كل ده؟
هيجيلك تسمم يا متخلفة.
وقبل أن ترد،
أتاه رد البائع مستنكرًا، وهو يضع أمامهم طبقًا ضخمًا من المخلل قائلا بفخر:
عيب عليك يا بيه،
ده أنا بستخدم كبدة وسجق مستورد فاخر.
هز تميم له رأسه بحرج،
محدجًا بآلاء شزرًا،
التي بررت قائلة بابتسامة، وفم ممتلئ:
أنا جبت دول بس معملتش حسابك.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
وجلست تأكل باستمتاع، كالمحرومين من الطعام،
قبل أن تمد له يدها بإحدى الشطائر، تناظره بخبث واستعطاف أن يتذوق.
ناظرها بقرف،
ولكن بعد الكثير من المحايلات،
أخذ الشطيرة مجهولة المصدر، ذات الرائحة الطيبة،
هادمًا كل قواعده،
وتناولها باستمتاع حقيقي.
لتناظره الأخرى بفخر،
مرددة بزهو:
شفت؟ حلو إزاي؟
ضحك، وهو يهز رأسه يائسًا،
والتفت يراقب الصغار في السيارة.
وقد لفت انتباهه أن تميم الصغير قد استيقظ، ينظر حوله بضيق.
تحرك سريعًا، مشيرًا لآلاء بالانتظار.
فتح الباب، والتقط الصغير من مقعده الخاص قبل أن يهم بالبكاء،
واضعًا حوله إحدى الأغطية الخفيفة لكي يحفظه من برودة الطقس.
وأغلق السيارة مرة أخرى، بعد أن اطمأن على باقي الصغار،
وعاد بالصغير حيث تجلس آلاء.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
مال الصغير نحو أمه، مقبلًا إياها، بعد أن أماله تميم قليلًا،
وعاد يريح رأسه على صدر خاله،
بعين ناعسة تناظر كل ما حوله بضيق وعدم راحة،
متسائلًا أين هم الآن.
ربت تميم على ظهره بحنان، وهو يسأله إن كان يريد شيئًا،
وباليد الأخرى كان قد فتح زجاجة ماء، وقد هدأت برودتها قليلًا، قبل أن يعطيها للصغير ليرتشف منها القليل.
شرب الصغير، وعاد يطالع كل ما حوله بضيق،
قبل أن تتسع عيناه،
وهو يرى إحدى الحقائب الكبيرة بجانب أمه.
رفع يده بسرعة، وعيناه تلمعان بقوة، مشيرًا نحو الحقيبة الورقية المليئة بالحلوى، يريد منها.
رفعت آلاء رأسها تناظره شزرًا،
وقد انتهت من تناول طعامها
قبل أن تردف بحزم، وقد رفعت إصبعها تحركه أمامه في إشارةٍ حازمة تدل علي الرفض :
لا يا تميم.
مفيش حلويات تاني النهارده أبداً
إنت كلت كثير أوي النهارده.
وكان رده نظرة غاضبة مستنكرة،
وعين دامعة متسعة بقهر،
ووجه أحمر مختنق، يبشر بموجة بكاء تاريخية.
وفي النهاية...
نظرة خبيثة لم تفهمها،
قبل أن يرفع رأسه لخاله،
يناظره بنظرة مقهورة، مظلومة، كمن استولى على ميراثه.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
وبالطبع، وفي تلك اللحظة،
رق قلب تميم.
وكل ما قلت عليه "لا"،
سيجعل تميم ينفذه له في التو والحال.
وبالفعل،
مد تميم يده باتجاه الحقيبة،
مرددًا بحزم:
مش هنزعله في يوم زي ده يا آلاء.
معلش... مجتش من واحدة كمان.
هنا على قلبه.
وقبل أن تصل يد تميم للحلوى،
كانت آلاء تضرب يده بقوة، مرددة بغضب طفولي:
دي الحاجة الحلوة بتاعتي أنا يا تميم.
محدش هياكل منها.
إنت جبتهالي ليا أنا لوحدي.
اتسعت عينا تميم بصدمة،
وهو يهز رأسه يائسًا،
لا يفهم من منهم أصغر من الآخر.
قبل أن يقوم حاملًا الصغير نحو المحل الصغير،
تحت أنظار آلاء المستنكرة المغتاظة،
تحديدًا لذلك الصغير الذي التفت يناظرها بابتسامة متسعة.
وظلت هي هكذا لبعض الوقت،
حتى عادا مرة أخرى،
وتميم يحمل بين يديه،
في جهة الصغير ممسكًا بحلوى،
وفي الأخرى حقيبة كبيرة تماثل حقائبها.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
وعاد للجلوس بجانبها،
لتصيح به بعصبية:
يا تميم، كفاية حلويات بجد، غلط.
صح، عندك حق.
قالها بهدوء،
قبل أن يلتفت للصغير، مرددًا بحزم حانٍ:
دي آخر حاجة حاجة هتاكلها النهارده يا تيمو،
وبعد كده، قبل ما ناخد حاجة حلوة،
لازم ناخد إذن ماما.
تمام؟
أومأ له الصغير بطاعة وأدب،
وفم ممتلئ بالحلوى،
جعلت كلاهما يتفجران ضاحكين.
فالصغير تنازل ووافق أخيرًا على شيء،
وقد عرف الأدب طريقه إليه.
يا للهول!
❈-❈-❈
مرَّ اليوم، لكن ليته كان مرَّ سريعًا كما يحدث دائمًا.
فقد مرَّ ببطء السلحفاة، إن صحَّ التعبير.
وبين همزاتٍ ولمزات، ووابلٍ من الأوامر والطلبات، التي رفضت بعضها وأجابت الآخر مضطرةً، كانت تدور حول نفسها كالنحلة، بين بيتٍ تحوَّل إلى زريبة، كوصفٍ دقيقٍ بمظهره في تلك اللحظة.
وكان جيشٌ من البشر اقتحمه ليخرِّبه، وليس فقط مجرد شابة وامرأة عجوز، أي إن ما حدث للبيت ليس بمنطقيٍّ أبدًا.
نظَّفته للآن ثلاث مرات، وبكل مرة تدخل لتفعل شيئًا بالمطبخ أو للوزة وصغارها، لتخرج لتجد كل شيءٍ مقلوبًا رأسًا على عقب.
وبين طلبات الغداء، والدواء، والتعليقات السخيفة التي لا حصر لها...
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
إنها لا تعرف الطهي.
إنها مهملة.
إنها غير نظيفة.
غير محترمة حينما ترد.
أممم...
والكثير، الحقيقة لا تتذكره، فقد تجاهلت الكثير منه.
ولن تنسى، لقد كان يومًا مليئًا بـ"حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا عمر".
انفلتت منها ضحكةٌ ساخرةٌ مريرة، وهي تنظف الحوض بعد الانتهاء من غسيل الصحون.
والغريب أنه تقريبًا لم يكن هناك ولا ملعقةٌ واحدةٌ حتى نظيفة.
فتلك سلمى تشرب الماء كل مرة بكوبٍ مختلف، ولا تعرف فيما استخدمت كل تلك الملاعق والأطباق والأكواب حتى.
تنهدت بضيق وهي تمسح السطح الرخامي، قبل أن تبدأ بتسخين الطعام.
فعمر على وشك الوصول في أي لحظة، وهي أيضًا ستسقط من شدة الإرهاق، وكل ما تريد الحصول عليه في تلك اللحظة هو وجبة هادئة قبل أن تلقي بنفسها على الفراش لتغط في نومٍ عميق.
فيا ليت اقتصر الأمر على إرهاقها الجسدي، لكن إرهاقها النفسي كان أقوى وأقسى.
يومٌ طويل، تحملت فيه الكثير، تغافلت، وصمتت، ومررت المواقف لعله يمر.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
لكن هل مرَّ؟
يا ليته يمر.
أغمضت عينيها بإرهاق.
وبالفعل، ما هي إلا ثوانٍ، وسمعت صوت جرس الباب.
التقطت أنفاسها بعمق قبل أن تتوجه للخارج، لكنها وجدت أخرى تسبقها.
وهي ترى سلمى تستقبل عمر، تحمل منه الأكياس بحماس، وتثرثر فوق رأسه بصخب، قائلة:جبتلي كل اللي قلتلك عليه؟
أوعي تكون نسيت حاجة.
والكورن فليكس، وعصير الأناناس، والجبنة الرومي كمان.
حرك عمر رأسه بإرهاق وهو يسير خلفها، متمتمًا بتعب:
جبتلك كل حاجة طلبتها، سوا من أكل أو لبس، ناقص بس حاجات بسيطة.
قالها وقد جلس بجانب عمته، التي قبَّل يديها، وربتت هي على رأسه بحنان.
رفع عينيه ليستقبله وجهها.
تنهدت بضيق قبل أن تردد برقة:
حمد لله على سلامتك.
أومأ لها بصمت وابتسامه صغيره، والتفت حيث سلمى التي تفتش في الحقائب.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
ليمسك أحدها مرددًا بهدوء لعمته:
جبتلك عبايات أهي يا حبيبتي، مقاساتها واسعة ومريحة، وكمان شبشب عشان رجلك.
جبتلك كل طلباتك، وأدويتك الناقصة.
محتاجة حاجة تانية يا حبيبتي؟
ابتسمت له عمته بحنان، محتضنةً إياه بحب، قائلةً بحب:تسلم يا حبيبي.
ربنا يباركلك ويوسع رزقك يا ابني.
ابتسم لها بهدوء، قبل أن يلتفت إلى صيحة سلمى السعيدة، وهي تخرج إحدى المنامات الرقيقة، تحتضنها بقوة، مرددةً بسعادة:حلوة أوي أوي يا عمر.
بجد أكثر واحدة عجباني.
بس مقاسها هيبقى كبير شوية عليا.
ابقى بدلها لو سمحت بمقاس أصغر.
هز رأسه نافيًا، مرددًا بهدوء:
دي مش بتاعتك يا حبيبتي، دي بتاعة فريدة.
عجبتني، وجايبها كبيرة عشان الحمل.
تجهمت عمته، وناظرته بضيق، مشيحةً بوجهها عنه.
قبل أن تصيح سلمى بغضب:
لا طبعًا، أنا اللي محتاجة هدوم، مش هي.
ما هي أكيد عندها هدوم قد كده.
ابقى هتلها بعدين.
أنا دلوقتي اللي محتاجة.
تنهد عمر بضيق، مرددًا بغضب:
في إيه يا سلمى؟
أنا جيبلك هدوم كتير جدًا.
دي بيجامة، وواحدة ليها.
في إيه؟ مالِك؟
بطلي الأسلوب ده، قلتلك قبل كده مبحبش كده.
دي لفريدة، والموضوع انتهى.
إلا أن الأخرى هزت رأسها بغضب وغيظ، وهي تناظر فريدة بقرف، مرددةً بتمرد:
لا، منتهـاش.
وأنا بقولك أهو، مش هتاخد حاجة.
أقسم بالله ما هتاخد حاجة.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
وحملت الحقائب سريعًا، وأسرعت بالفرار نحو غرفتهم، مغلقةً إياها على نفسها.
تحت أنظار فريدة متسعة العين بصدمة.
لحقها عمر، قائلًا بغضب وهو يضرب على الباب:
سلمى، افتحي الباب، وبطلي شغل عيال.
بقولك افتحي.
مش هفتح.
أقسم بالله مش هتاخدها.
دول كلهم بتوعي أنا وبس.
أنت بتفضلها عليا.
دي هدومي أنا.
هدومي!
قالتها صارخةً بقوة، حتى إن فريدة وضعت يدها تحتضن جنينها، شاعرةً بالضيق والقرف من تلك المسرحيه الهزليه.
عجبك كده يا عمتي؟
قالها وهو يلتفت نحو عمته التي تناظره بضيق ووجوم.
خلاص بقى يا عمر.
مكنتش حتة بيجامة دي.
سيبهاله طالما عجبتها.
عادي يا حبيبي.
وثم ما أظنش فريدة يعني هتزعل.
صح يا فريدة؟
قالتها وعيناها تحدجان الأخرى بخبث.
فهي في كل الحالات، وأيًا كان ردها، ستفتعل مشكلةً تليق بها.
لذا ناظرتها فريدة ببرودٍ وقرف، قبل أن تلتفت لعمر، مرددةً بهدوء:
أنا دقائق، والأكل يكون جاهز.
خد شاور وغير هدومك.
أكون خلصت.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
وغادرت تاركةً إياه دون رد.
فهي لا تستحق.
صاحت عمته بعصبية:
شوفت مراتك؟
شوف قلة أدبها.
تأفف بإرهاق، وتحرك مرددًا بتعب لها ولسلمى التي تسمعه:
عمتي، لو سمحتي...
وأنتِ يا سلمى، تخرجي حالًا.
أنا قلتلك أهو.
واللي عملتيه ده حسابه بعدين.
ودلف سريعًا لغرفته، شاعرًا بالإرهاق.
أغلق الباب، ووقف يتنهد بضيق.
قبل أن تتسع عيناه وهو يشاهد تلك اللوزة تجلس على فراشه.
صاح بها بعصبية للتحرك :
هش هش.
قومي من على السرير يا بتاعة إنتِ.
ناظرته بعينٍ ناعسة، وانقلبت على جانبها الآخر لتعطيه ظهرها بلا مبالاة.
اتسعت عيناه من وقاحة تلك القطة عديمة التربية والأخلاق.
وفتح الخزانة سريعًا ليأخذ ملابسه، وهو يقرر أن يطردها وصغارها المزعجين ولن يمرر الأمر ابدا .
وعند ذكر صغارها، انتفض وهو يشاهد أحدهم بداخل أحد أدراج ملابسه الخاصة.
عض على شفتيه بغيظ، وهو يراها تتقلب بسعادة، تناظره ببراءةٍ ولطافةٍ مستفزة.
هز رأسه بيأس، وأخذ أغراضه بسرعة، وخرج سريعًا للحصول على حمام.
وفي الداخل زمجرت لوزة في وجه لوليتا، آمرةً إياها بالتحرك فورًا من درج الملابس.
لِتتحرك الصغيرة سريعًا، عابسةً، شاعرةً بالظلم في هذا البيت المقرف.
❈-❈-❈
تزامن خروجه من الحمام مع خروج فريدة من المطبخ، تحمل بين يديها طعامًا يبدو أنه طعامٌ للقطط.
قبل أن تردف بهدوء:كويس إنك خلصت.
هحط أكل القطط، وآجي ناكل على طول.
وفي نفس اللحظة أعلنت سلمى عن خروجها من غرفتها، مرتديةً نفس المنامة التي أحضرها عمر لفريدة، متحديةً الجميع بعينٍ وقحة وابتسامةٍ خبيثة.
أخفضت فريدة ناظرتها، تشد على طبق الطعام بغضبٍ وسخط، قبل أن ترفعها، تناظر عمر بخيبة أملٍ وحزنٍ واضح، مغادرةً سريعًا نحو غرفتها.
وما إن اختفت عن الأعين، حتى كاد عمر أن يصيح في سلمى بغضب، إلا أن عمته أوقفته، مرددةً بحزم :عمر.
إيه، هتزعقلها تاني قدامي؟
إنت ناسي اللي حصلنا؟
مش كفاية اللي مرينا بيه؟
في إيه؟ مكنتش بيجامة يعني اللي هتعمل عليها كل الزعيق ده.
زفر بقوة، وهو يمسد جبهته، مرددًا بقوة:
أنا مش بتكلم على موقف.
بتكلم عن رد فعل مينفعش يحصل يا عمتي.
عيب أوي اللي سلمى عملته ده.
هو إيه شغل العيال ده؟
حاجة وجيبها لمراتي، تاخديها هي بأي حق؟
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
ولا عيب ولا حاجة.
عادي، إحنا أهل في بعض.
وثم فيها إيه يعني يا عمر؟
جايبها لمراتي، جايبها لمراتي.
عرفنا إنك جايبهالها.
بس عادي يعني.
إنت اللي محبكها أوي على حتة بيجامة.
وتابعت بمسكنة:شوفي، بتعيط إزاي.
الله يسامحك يا عمر.
قالتها وهي تشير لسلمى، التي ترقرقت الدموع في عينيها، وأسرعت نحو أمها تحتضنها وتبكي.
مرر كفَّه على وجهه بغضب، ولم يجد ما يقوله.
وقد عجز لسانه عن صياغة الحروف في تلك اللحظة.
ووقف مترددًا، يقدم قدمًا ويؤخر الأخرى.
وبين نارين.
أحدهما لزوجته، والأخرى لمن في مقام شقيقته.
رقَّ قلبه أخيرًا لبكائها، وتحرك نحوهم، ليجلس بجانبهم، قائلًا بحنانٍ رغم ضيقه:
خلاص يا سلمى، متزعليش.
خديها، مبروكين عليكي.
مفيش مشكلة.
بجد يا عمر؟
بجد؟
قالتها وهي تنتفض من أحضان أمها، تصفق بيدها، وهي تهتف بحماس:
بحبك أوي يا عمر.
شكرًا، شكرًا.
قالتها تزامنًا مع خروج فريدة من غرفتها.
وقبل أن يسعفه عقله بأي رد فعل أو تبرير، وقفت تناظرهم بنظراتٍ خاويةٍ جامدة، ووجهٍ خالٍ من المشاعر، قبل أن تنسحب نحو المطبخ بصمت، ونظرةٌ أثقلت قلبه أكثر من أي عتابٍ أو كلمات.
ولم يرَ دموعها.
ولن يرى.
❈-❈-❈
وقفت تستند على مغسلة الأطباق، تلتقط أنفاسها، تكتم دمعتها، شاعرةً بجبلٍ ثقيل يجثم على صدرها.
ماذا يحدث؟
ماذا يحدث حقًا؟
هل هي في الكاميرا الخفية أم ماذا؟
كيف سمح لنفسه أن يوافق على تلك المهزلة الرخيصة؟
أتلك الفتاة أغلى منها هي؟
كيف؟
هي زوجته.
لا تهمها المنامة ولا ألف غيرها.
يهمها موقفه.
وما تراه أنه لا موقف لعمر أمامهم.
هو فقط يسير خلفهم معصوب العينين والقلب.
ويا لها من مغفلة إن صدقت غير ذلك.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
انتفضت وهي تشعر بيده تمس ظهرها بحذر، لتنفضها بصمت، قبل أن تلتف له تناظره بصمت.
ليسارع هو مبررًا:
صدقيني يا فريدة، أنا بس مش عايز أضغط عليهم بسبب اللي حصل.
مش مهم يا حبيبتي، هجبلك الأحلى والأحسن منها.
معلش، سامحيني.
مش هقدر أزعلهم.
معلش، دول برضو في بيتنا.
بيتنا؟
متأكد إنه بيتنا إحنا؟
الحقيقة أنا لوهلة حسيت إنه بيتهم هما، وأنا مجرد ضيفة.
فريدة، لو سمحتي.
قالها بتعب.
صاحت به بعصبية:
فريدة؟
فريدة؟
فريدة؟
ده من أول يوم يا عمر.
إنت متخيل؟
أول يوم بس.
إنت عارف إن اللي حصل بره ده نقطة في بحر اللي حصلي طول اليوم؟
إنت متخيل كمية الضغط النفسي والعصبي اللي أنا فيه؟
أنا بتعامل بتهميش وقلة ذوق غريبة.
بتعامل إني ولا حاجة.
أنا...
مراتك.
وأم ابنك.
سمعت كلام زي السم ويكسر.
والمفروض أسكت عشان الظروف؟
ظروف إيه اللي بتخلي الاحترام في خبر كان؟
ده طبع.
دي شخصية.
ومش هتتغير لا دلوقتي ولا بعدين.
قلة الذوق اللي حصلت دي مش هتكون الأولى ولا الأخيرة يا عمر.
صدقني...
أنا نفسي تصدق.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
أصدق إيه يا فريدة؟
إن عمتك مش متقبلاني.
ولا عمرها هتتقبل وجودي.
ولو جبتلها الدنيا تحت رجلها.
افهم بقى...
افهم.
وتابعت بهمس مرير:
عمتك عايزة الخراب للبيت ده.
وباين من أول دقيقة.
بس محتاج اللي يشوف.
وإنت مش شايف للأسف.
فريدة، كفاية.
عايزاني أعمل إيه يعني؟
أروح أطردهم بره البيت عشان ترتاحي؟
عارف يا عمر؟
مشكلتك إنك عارف الحقيقة، بس بتدعي العكس.
أنا عمري ما هقولك كده.
لكن في فرق بين إنك تجيب حقي من غير ما تيجي عليهم.
تتعلم تمسك العصاية من النص.
مبقولش تعالى عليهم.
بس متجيش عليا.
حط حدود.
حدود تجبر اللي قدامك يحترمها.
لوحدي هبان دايمًا أنا الوحشة... لكن إنت هيكون الوضع مختلف.
مش بس بتيجي عليا عشان الدنيا تمشي.
ومش مهم أنا.
أولع أنا.
كفاية يا فريدة.
قالها بغضب، وقد بدأت أعصابه في الانفلات.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
ظلت تناظره بغضب، وأنفاس لاهثة، قبل أن تدير ظهرها له، تضع يدها على وجهها، منفجرةً في بكاءٍ متألم.
هي تنهار.
ماذا يحدث معها؟
أين ذهبت قوتها وتحملها؟
شدد على خصلاته بغضب.
أي الطرفين يرضي؟
أيرضي زوجته أم أهله؟
أهي محقة أم مخطئة؟
وفي تلك اللحظة هو لا يعرف.
وللحق، هو لا يريد أن يعرف بعد.
تركها لثوانٍ تفرغ شحنة غضبها، ثم اقترب منها يضمها إلى صدره بحنان، قائلًا بخفوت:
طيب اهدي.
عشان خاطري.
معلش، سامحيني.
والله غصب عني.
أنا بين نارين.
صدقيني، غصب عني.
والله أنا مش قادر أجي عليهم.
إنتِ عارفة الوضع.
عارفة... عارفة.
قالتها من بين شهقاتها.
بس يا ترى إنت عارف؟
عارف والله يا حبيبتي.
عارف والله.
سامحيني.
أدارها نحوه، ويداه تمسحان دموعها.
وطال الصمت بينهما.
إلا أنها همست بخفوتٍ متألم:
لو في يوم من الأيام مبقتش ركن الأمان ليا...
لو يوم خذلتني، وكسرت الثقة اللي حطتها فيك...
مش هتلاقيني يا عمر.
هتدور على فريدة...
بس مش هتلاقيها.
لأن اللي بيتكسر مرة...
عمره ما هيتصلح، ولو عملت إيه.
لو في يوم كسرت قلبي...
لم يسمح لها أن تكمل، قبل أن يدسها بين أحضانه، وشفتاه تهمسان بجانب أذنها:
عمري...
عمري ما أعملها.
إنتِ روحي.
قلبي.
حبيبتي وبنتي.
وأم ابني.
مستحيل.
سامحيني يا حبيبتي.
سامحيني.
أغمضت عينيها تحبس دمعتها، وتركته يحتضنها، بينما قلبها يهمس في صمت:
ليتها لا تضطر يومًا لتريه معاني تلك الكلمات...
❈-❈-❈
ما إن خفت صوتهم،
حتى اندفعت سلمي للخلف تركض نحو أمها، قائلةً بهمس:
مسكوا في بعض، والخناقة شكلها كبرت.
اتسعت ابتسامة أمها بسعادة،
فقد أرسلتها خلفهم لتتنصت على ما يحدث بالداخل، ولا تسمعه هي.
وكم هي سعيدة في تلك اللحظة.
هنعمل إيه يا مامتي؟
ولا حاجة.
هنقعد نتفرج وبس.
هي هتعمل كل حاجة.
قالتها أمها بتأكيد وكره.
مش فاهمة.
همست بها سلمي بغباء.
لتجيبها أمها بلا مبالاة:
مش مهم.
قومي شغللنا فيلم حلو نتفرج عليه.
وروحي يلا هاتيلي كوباية ماية من جوه.
تأففت سلمي بضيق،
وردت بضجر:
ما تقوليلها هي تجيبلك، ما هي في المطبخ.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
اسمعي الكلام، وبطلي طول لسان.
ادخلي يلا، وبالمرة شوفيهم بيعملوا إيه.
تحركت سلمي على مضض،
لتحضر الماء،
تاركةً أمها تكاد تطير من السعادة.
❈-❈-❈
بالداخل
انتفض وابتعد عنها حينما استمعا لصوت سلمي تصيح بعصبية:
إنتوا بتعملوا إيه؟
ناظرتها فريدة بصمت وقوة،
أما عمر فرد بهدوء وحزم :
ولا حاجة، كنتِ محتاجة حاجة؟
زمت شفتيها، وردت بضيق:
ماما عايزة ماية.
ماشي، خدي.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
قالها وهو يعطيها أحد الأكواب ويضع لها الماء.
وحينما ظلت كما هي ولم تتحرك،
أشار لها عمر برأسه للخروج.
وبالفعل خرجت تضرب الأرض بقدمها.
أما هو فسارع بتلطيف الأجواء، قائلًا بحنان:
يلا عشان ناكل يا ديدا.
أنا جعان أوي.
ووحشني أكلك.
أهدته ابتسامة مهتزة،
قبل أن تتحرك لتسخين الطعام مرة أخرى.
ووقف هو ليساعدها.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
وضعت طبقين من كل نوع،
ليردف هو باستغراب:
طبقين بس؟
أومأت له بصمت، وهي تضع طبق السلطة:
طنط وسلمى اتغدوا من شوية.
وسألتهم لو عايزين يتعشوا.
قالولي لما يجوعوا هيقولولي.
أومأ لها،
وحمل الطعام متوجهًا للخارج.
لتردف بهدوء:
هجيب العصير وآجي.
وخرج منتظرًا منها أن تتبعه.
وضع الطعام.
وقد طهت فريدة اليوم
طاجن البطاطس بالدجاج الشهي،
ويعتبره هو وجبته المفضلة.
أشار لعمته قائلًا بذوق:
تعالي كلي معانا يا عمتي.
ماشي يا حبيبي.
قالتها سريعًا، وهي تستند على ابنتها لتذهب حيث يجلس.
احتقن وجهه بحرج، وهو ينظر للطعام، والذي يستحيل أن يكفيهم جميعا.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
حتى الدجاج لا يوجد سوى ثلاث قطع.
وقبل أن يفكر في أي حل،
حضرت فريدة تحمل بين يديها أكواب العصير لهم جميعًا،
متعجبةً وجودهم على طاولة الطعام،
إلا أنها لم تنطق.
وما إن جلست حتى مدت عمته يديها،
أخذت طبق الأرز الآخر،
واتجهت يدها الأخرى نحو الدجاج،
لتضع لعمر قطعة،
ولها قطعة،
ولسلمى قطعة،
وهي... ولا أي شيء.
رمشت فريدة بعينيها عدة مرات.
وفي تلك اللحظة،
كانت حقًا لا تدري ماذا تقول أو تفعل.
وقبل أن تقوم وتترك الطاولة،
سارع عمر
بدفع طبقه بينهما،
قبل أن يقسم قطعته بينهما بصمت،
مشيرًا لها أن تأكل، بأسف واعتذار شديد.
وصمتت.
وأكلت.
وغص الطعام في حلقها،
وغصة اقسي في قلبها.
ولا تدري
لِمَ شعرت في تلك اللحظة أن شيئًا بداخلها يحتضر.
❈-❈-❈
صفَّ سيارته أمام المنزل أخيرًا.
حمد لله على السلامة.
الله يسلِّمك.
قالتها آلاء بابتسامة مرتاحة،
وهي تناظره بهدوء.
ليهبط هو حاملًا الصغير تميم، وقد غفا بين يديه طوال الطريق، بعد أن رفض وبشدة أن يجلس بالخلف مع إخوته.
عادت آلاء للخلف لتحمل صغارها،
ليشير لها تميم بحزم:
خدي عز وروحي، وأنا هجيب تميم والبنات وآجي.
أساعدك طيب؟
قالتها بهدوء.
مش مشكلة، روحي، وأنا هجيب البنات وآجي، يلا.
وفي نفس الوقت خرج مدحت، يردف بهدوء:
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
حمد لله على سلامتكم يا ولاد.
الله يسلمك يا حبيبي.
قالتها آلاء، وهي تستطيل لتقبل وجنته،
قبل أن تدلف للداخل.
ليقترب مدحت من تميم حاملًا عنه آية.
ليبتسم له تميم، ويتجه ليحمل إيلا بيد، وتميم الصغير على الأخرى.
ودخلوا جميعًا.
وضعوا الصغار جميعًا في أسرَّتهم،
إلا الصغير تميم،
وقد احتفظ به تميم بين أحضانه، وهو يردد بهدوء:
إيه رأيك أخليه ينام معايا النهارده؟
يعني أكيد مرهقة، كفاية عليكي عز والبنات.
أومأت له آلاء بهدوء، وهي تعطيه ملابسه واحتياجاته:
تمام يا حبيبي.
زي ما تحب.
ولو عيط بالليل، ابقى هاتهولي.
أومأ لها بابتسامة، وهو يميل ليقبل رأسها،
ويد والده الذي دعا له.
ليأخذه ويخرج متجهًا لغرفته.
لتظل هي ومدحت ينظران إلى بعضهما البعض،
وفكرة واحدة لا تفارقهما.
فكرة أصبحت يجب أن تُنفذ.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
تميم بحاجة لزوجة.
❈-❈-❈
دلف للغرفة،
بدَّل ثياب الصغير، ونظف له يده وفمه من أثر الحلوى،
ودثَّره في الفراش ليتدفأ،
ليسرع هو بالحصول على حمام سريع، وتبديل ثيابه هو الآخر،
وبحرص كي لا يوقظه.
ودقائق قليلة،
وانضم له بالفراش،
يناظره بعين أب يحب بصدق،
لا بعين خال فقط.
لم يرَ هذا الصغير سوى ابنٍ له،
قطعة صغيرة من قلبه،
كإخوته تمامًا،
لكن هذا بالذات حصل على الجزء الأكبر.
رفع إصبعه يمشط خصلاته الناعمة،
متسائلًا بداخله:
هل سيكون له نصيب أن يحصل على صغير يشبهه؟
لربما كان يحمل صغيره في مثل هذا الوقت، إذا لم يتأخر في انتظار الوقت المناسب.
تبًّا له...
تأخر.
وها هو يحيا متجرعًا مرارة تأخره بكل قسوة.
تسطح على ظهره، زافرًا بألم لا يغادر صدره.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
وضع القرآن على هاتفه،
وضم الصغير،
وغفا سريعًا على غير العادة،
عكس كل ليلة يتجرع بها مرارة الأرق والخذلان.
خذلانٍ خذله لها قبل نفسه،
حتى وإن لم تعرف.
❈-❈-❈
انتهوا من العشاء الكارثي أخيرًا.
لتسرع هي إلى الغرفة، غير راغبة في أي شيء سوى النوم فقط.
لا يهمها طعام أو حديث.
فليذهب كل شيء للجحيم.
جمعت كرات الفرو، حيث لوزة،
ليغفوا بجانبها،
محاوطين أمهم في مشهد هو من أقرب المشاهد إلى قلبها.
تحركت تبدل ثيابها،
لتندس سريعًا في فراشها.
ودقائق،
ودلف عمر،
يلقي بنفسه على الفراش بإنهاك هو الآخر،
مرددًا بتعب: مش قادر.
عايز أنام كثير أوي.
أنام للصبح، ومش عايز حد يعمل صو...
وقبل أن يكمل،
قاطعه دق على الباب، وصوت سلمي يصدع خلفه، مرددةً بصوت عالٍ:
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
عمر، تعالى، ماما عايزاك تنزلها قناة المسلسل بتاعها عشان تشوفه في الإعادة.
التفت يناظر فريدة بعين متسعة.
وقبل أن ينطق،
قاطعه صوت سلمي مرة أخرى، قائلةً بتساؤل: عمر، إنت نمت ولا إيه؟
تعال، ماما عايزاك.
بسرعة يلا.
وسكن عمر.
وكاد أن ينجلط.
لكن في النهاية...
استسلم عمر.
وقام عمر.
وذهب عمر.
متهدل الأكتاف،
يسب سلمي،
وربما عمته.
وظلت هي محلها،
تهز رأسها بيأس وضحكة ساخرة.
قبل أن تنضم لها رومي، التي قفزت وتسلقت الفراش،
حتى وقفت على بطنها بفخر، تناظرها ببراءتها الآسرة للقلوب.
داعبتها فريدة بحب، وهي تردد بممازحة:
شكلك هتنامي جنبي النهارده يا ست يا رومي.
يا بنت المحظوظة.
وبالفعل نامت رومي.
لتتبعها
لوليتا،
وبندق،
وسكر.
وانضمت لهم في النهاية لوزة.
وعلى عمر السلام...
سلام.
❈-❈-❈
مع بزوغِ شمسِ يومٍ جديد، تُولدُ بداياتٌ جديدة، وتُطوى صفحاتٌ مضت، وتتبدلُ الأحوالُ على نحوٍ لم يكن في الحسبان.
فيتبدلُ الحالُ إلى آخرِ محالٍ؛
ذبلتِ الورود،
وسقطتِ القيود،
وخسرتُ نفسي... وإياكَ.
فوداعًا...
فقد انتهتِ الحكايةُ قبل أن تكتملَ فصولُها،
واحترقتْ أوراقُها،
وتناثرَ رمادُها مع الريح،
حتى غدتْ كأنها لم تكن يومًا.
لم يذهبْ للعملِ اليوم،
وقد قرر أن يحصلَ على عطلةٍ لعدةِ أيام.
قسطٌ هادئٌ من الراحة والهدوء له ولها.
لقد أمضى الليلةَ الماضيةَ كاملةً بجانبها،
يضمها وصغيرته شمس،
يضمهما بحنانٍ وحبٍّ بعد وصلةِ بكاءٍ طالت للغاية.
بكت بين أحضانه، مكررةً اعتذارًا خافتًا،
خائفةً مرتجفةً كفرخٍ صغير،
ليضمها إلى صدره، محاولًا إعطاءها كلَّ الأمان،
قاطعًا لها الكثيرَ من الوعد، لها ولصغيرته شمس، أنه لن يسمحَ لأحدٍ بالمساس بهما.
سيراعيهما،
وسيصلح تلك الفجوة،
ولن يسمحَ لأيِّ تدخلٍ من جهة أمها من جديد.
تريد الأموال؟
فلتأخذها.
فلتأخذْ كلَّ شيءٍ إلا سلامَهما النفسي.
فحورٌ أغلى لديه من كل ما يملك،
لذلك كان قراره الأخير والأصح، وإن تأخر،
أنه لا يهم أيُّ شيء،
لا شيء أهم من حور وحياتهما الزوجية،
لا شيء أهم من هذا البيت.
قالها لنفسه، وهو يسير ببطءٍ في المركز التجاري الكبير،
يشاهد المعروض بذهنٍ شاردٍ غائب،
حتى وصل أخيرًا لمتجرِ المجوهرات الذي يتعامل معه دائمًا في هداياه لحور وصغيرته شمس.
وبمجرد أن دلف،
رحب به ثابت، صاحبُ الصاغة، بحفاوةٍ كبيرة،
فحسام يعد من أهم عملائهم، الذي يتعامل معه منذ سنوات، قبل حتى أن يتزوج ويستقر هنا.
ابتسم له حسام بهدوء،
وردد بعض عبارات الترحيب المعتادة من كليهما:
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
روحتلك الفرع التاني، قلولي إنك النهارده هنا، فقلت أجيلك. إنت عارف إنت بس اللي بتعرف أنا عايز إيه.
- تنورني في كل الفروع، طلبك عندي إن شاء الله. قولي، في بالك إيه المرة دي؟ قالها ثابت باهتمام،وقد أشار للعامل لديه أن يجلب المشروبات سريعًا.
زمَّ حسام شفتيه قبل أن يقول:
عايز طقم ذهب تقيل وقيم يا ثابت، مش عايز حاجة خفيفة أبدًا. حاجة قيمة وتقيلة، أهم حاجة. إنت عارف إني مبحبش أتعامل مع حد غيرك، فعايز حاجة مميزة كده تشرف.
قالها بتأكيد.
إحنا عنينا ليك يا أبو شمس.
قالها ثابت مبتسمًا، فارتسمت على وجنته غمازةٌ صغيرة، نادرًا ما كانت تظهر، واختبأت أطرافها أسفل لحيته الكستنائية المائلة إلى الأشقر الذهبي. ورغم دفء ابتسامته، بقيت عيناه تحتفظان بصرامتهما المعتادة.
ولم يكن ثابت مجرد صائغٍ يتعامل معه،
بل صديقًا قديمًا جمعتْهما الأقدار منذ حادثٍ مضى.
ثم ازدادت علاقتُهما قربًا قبل خطبته لحور،
فلم يخرج خاتم زواجهما من واجهة المحلات، بل خرج من بين يدي ثابت.
صممه ونقشه يدويًا بدقةٍ وإبداعٍ أبهر كلَّ من رآه.
خاتمٌ مميزٌ انبهر به كلُّ من رآه.
لذا، ومنذ ذلك اليوم، لم يفكر في التعامل مع صائغٍ غيره.
صائغٌ مميز،
وصديقٌ وفيٌّ.
غريبة، أول مرة تطلب حاجة تقيلة.
قالها ثابت، وهو يتحرك من محله ليحضر له المطلوب.
أصلها هدية عروسة... أخت زوجتي، فعايزها قطعةً قيمةً تليق بيها.
تمتم بها حسام.
أومأ له الآخر بتفهم،
وهو يعرض عليه عدة أطقمٍ ثقيلة الوزن.
وبدون تفكير، كانت عينا حسام تذهبان للأثقل والأغلى،
ليس لأجل أمها،
بل لأجل زوجته الغالية...
حور.
فالغالي للغالي،
ولا أغلى من حبيبته.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
انتهى سريعًا، فلم يكن الاختيار صعبًا أبدًا.
لم يهتم بالشكل على قدر اهتمامه بثقل وقيمة الطقم،
لكن أيضًا لم يحضر إلا طقمًا ذا ذوقٍ رفيعٍ يليق بها.
أنهى الحساب سريعًا،
وجلس يتناول قهوته، وقد أحضرها العامل، كما طلب ثابت بمجرد دخوله،
وبجانبها حلوى مميزة تُصنع لثابت خصيصًا، تذوقها مرارًا وتكرارًا لديه.
وأخيرًا همَّ بالمغادرة بعدما أنهى كلَّ ما جاء لأجله،
إلا أن بريقًا مختلفًا استوقفه فجأة،
وقد دلف العامل يحمله لثابت.
كان طقمًا لوحةً من الضوء، لا قطعةً من الحُلِيِّ.
تألَّف من طوقٍ رقيقٍ ينساب حول العنق بنعومة، تتوسطه شمسٌ ذهبية، تُطوِّقها شمسٌ أخرى أكبر منها، في تصميمٍ يوحي بأن النور يحتضن النور. لم تكن أشعتها حادَّةً ولا متزاحمة، بل امتدت بانسيابٍ رقيق، كخيوط الفجر الأولى حين تعانق الأفق.
أما الخاتم، فجاء نسخةً مصغرةً من الطوق، يستقر فوق الإصبع برقةٍ آسرة، بينما تدلَّت الحَلْقان بخفةٍ، فتراقصت الشمسان مع كل حركة، وكأنهما تنثران وهجًا حيًّا لا يخبو.
ورُصِّعت القطع بألماساتٍ دقيقةٍ نقيَّة، وتوزعت بين تفاصيلها أحجارُ السيترين بلونها الذهبي الدافئ، فأضفت على الذهب بريقًا آسِرًا يخطف الأبصار دون صخب.
لم يكن جمال الطقم في كثرة زخارفه، بل في بساطةٍ ملكيةٍ جعلته يبدو وكأنه خُلق ليزيّن امرأةً لا تحتاج إلى المجوهرات لتلفت الأنظار، بل لتزيدها ألقًا وإشراقًا.
كأنه صُمم لأجل امرأةٍ واحدةٍ فقط،
وهي حور... شمسه الذهبية.
اتسعت ابتسامته، وهو يتخيله يطوق عنقها،
فيزيدها جمالًا فوق جمالها.
لذا اتخذ قراره سريعًا،
وهو يشير لثابت:
أنا عايز الطقم ده يا ثابت.
ابتسم الآخر بزهوٍ، قائلًا بهدوء، وهو يأخذه من العامل:
طول عمرك ذوقك راقي يا حسام.
قالها، وهو يضعه أمامه،
مرددًا بثقة: أقدملك آخر تصميماتي الجديدة... قطعة واحدة ملهاش مثيل.
اتسعت عينا حسام بإعجابٍ حقيقي،
فثابت لا يزال يبهره دائمًا بإبداعه في تصميم أبدع المجوهرات.
لم يكن مجرد صائغٍ ماهر، بل كان فنانًا ينسج من الذهب حكايات. تمتاز تصاميمه بلمسةٍ فريدة، يمزج فيها بين البساطة والفخامة، حتى غدت كل قطعةٍ تخرج من بين يديه تحفةً تنطق بالإبداع، وكأن الذهب خُلق ليطيع خياله.
- سنين وسنين بتعامل معاك، وفي كل مره كل تصميم بيكون أروع وأجمل من اللي قبله. حقيقي مش قادر أتعامل مع غيرك، وكل مرة بنبهر كأنها أول مرة. يا ترى بقى إيه حكاية التصميم ده؟
قالها حسام متسائلًا،
فثابت معروف بتصاميمه الفريدة، والتي تحمل دائمًا وراءها قصةً كبيرة،
مميزةً تعبر عن القطعة،
وكل قطعة بقصة.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
حين وقع سؤال حسام على مسامع ثابت، خبا بريق عينيه، وغرقتا في بحرٍ من الظلام، وكأنهما عادتا إلى ماضٍ لم يلتئم جرحه بعد.
ابتسم له ابتسامةً باهتة،
وتمتم بهدوء وجمود:
ليست كلُّ الذكرياتِ تستحقُّ أن تُبعث من رقادها يا حسام.
قطب حسام بين حاجبيه،
وصمت، ولم يعرف ماذا يقول،
فآثر الصمت، ولم يرد أن يضغط عليه في الحديث،
فليس وقته،
وعمومًا ليست المرة الأولى،
فثابت شخصٌ غامض،
ممتلئٌ بالندبات الغائرة الثابتة.
أنهى معاملات الشراء سريعًا،
وردد له بحزم:
أنا هنا في أي وقت تحب تتكلم.
استأذن أنا عشان اتاخرت
يلا، السلام عليكم.
قالها وغادر سريعًا،
تاركًا الآخر صامتًا في شروده.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
ولم ينسَ بالطبع أن يجلب لشمسه
طوقًا صغيرًا على هيئة شمسٍ هي الأخرى، تلائم رقتها وبراءتها الخاطفة للأنفاس.
وغادر سريعًا،
ولم ينسَ
قالبَ حلوى ضخمًا عليه صورةٌ تجمع ثلاثتهم في عيد ميلاد شمسه،
وفستانًا ذهبيًا رقيقًا يماثله آخر لشمس،
وبالطبع لم ينسَ بالأمس أن يحضر مبلغًا ماليًا ضخمًا من حسابه المصرفي،
ووضعه في الخزانة.
سيكون مناسبًا بجانب الهدية،
لترفع رأسها بلا حرجٍ أو خوفٍ أمام عائلتها.
وتحرَّك عائدًا إلى المنزل، مؤمنًا بأن الحياة قد منحته صفحةً وفرصةً جديدة.
ولم يدرك أن بعض الصفحات، مهما أُغلقت، تبقى حروفُها محفورةً في الروح، تنزف ألمًا كلما حاول المرء أن يبدأ من جديد، وتُذكِّره بكلِّ قسوةٍ أن الماضي لا يرحل، بل ينتظر اللحظة التي يُعيد فيها فتح جراحه.
❈-❈-❈
قطبت حاجبها بانزعاج، وهي تشعر بصوتٍ بعيدٍ للغاية ينتزعها انتزاعًا من نومها المُرهق والمليء بالكوابيس والقلق.
حاولت فتح عينيها مرارًا حتى استطاعت أخيرًا.
وصداعٌ قوي يضرب رأسها، حتى كادت أن تشعر بأنها ستنفجر بأي لحظة من شدة الألم.
تحسست بيدها تبحث عن الهاتف المزعج، لتُصمت رنينه المتكرر.
وما إن وجدته حتى وضعته على أذنها، بوجهٍ منهك، أحمرَ منتفخ، وعينٍ غائمة لا ترى فعليًا أمامها من شدة التشوش.
لكن ما لم تحسب حسابه، هو وابل الصراخ والدعاء الذي اندفع في أذنها بصوتٍ عالٍ وصاخب، حتى إنه وصل إلى الصغيرة شمس، التي انتفضت بفزع بجانب أمها، تبكي بقوةٍ وذعر.
أبعدت الهاتف عن أذنها بانزعاجٍ وصدمةٍ وارتباكٍ من هول ما تسمعه.
قبل أن تلتقط الصغيرة شمس، تحتضنها، تحاول تهدئة روعها ونفسها دون جدوى.
في إيه ... في إيه؟
قالتها محاولةً استيعاب ما يحدث.
ثم تابعت بصوتٍ مرتجفٍ منهك:
في إيه يا ماما؟
إيه كمية الصويت والزعيق دي على الصبح؟
صحيتِني مفزوعة أنا وشمس.
حرام عليكي، أقسم بالله حرام.
أقسم بالله أنا تعبت.
والله تعبت.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
قالتها بصراخٍ هي الأخرى، شاعرةً بالانهيار، علَّ أمها تنتبه لما تفعله بها، وما تضعه فوق كاهلها من ضغطٍ لا يتحمله أحد.
وإن كان ظنها أنها ستشعر بالتأثر بعد ما قالت، فقد خاب ظنها.
وخلال ثوانٍ كان صوتها ينطلق أعلى وأقسى، مرددةً بصراخٍ وحقد:
حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا شيخة.
منكِ لله يا بعيدة.
نوم إيه يا أم نوم!
نامت عليكي حيطة يا رب.
نايمة...
نايمة، وأنا هنا قاعدة بهري وأنكت في نفسي.
حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا شيخة.
الله يخرب بيتك زي ما هتخربي حياة أختك المطلقة.
ده أنا ما صدقت لقيت عريس يرضى بيها ويوافق عليها بعيبها.
ويوم ما ييجي اللي يشيل الشيلة، عشان تغور في ستين داهية هي التانية.
بسبب بخلك واستخسارك فينا شوية فلوس من فلوس جوزك، اللي على قلبه هو وأهله قد كده.
أهو...
أهو خطيبها هيفسخ الخطوبة.
عشان متأخرين في الطلبات.
مش مسامحك.
مش مسامحاكي أبدًا.
الله ينتقم منك على قهرتي.
حسبي الله فيكي يا بنت بطني.
لا إنتِ بنتي ولا أعرفك.
تتقهري قهرتي يا بعيدة.
متحضريش غسلي، ولا تقفي في عزايا.
منكِ لله.
ووابلٌ من الدعاء.
والسب.
والصراخ.
والكثير من القسوة.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
قسوةٌ تجاوزت قدرتها على الاستيعاب.
ولم يرها أحد، وهي تسقط أرضًا تضم ابنتها الصارخة، ووجهها شاحبٌ كالموتى، يملؤه الدموع.
وقد نُحر قلبها بكل قسوة، معلنًا استسلامه.
❈-❈-❈
دلف للمصعد ينظر إلى هيئته بسعادة.
عيناه تلمعان.
منذ الكثير لم يرَ ذاك الحماس بعينه.
سعيد.
لن ينكر.
حبيبته، تلك التي خفق قلبه حينما وقعت عيناه عليها منذ أول لحظة.
وأدرك يومها أنها ستكون نصفه الآخر.
نصف روحه، وكل قلبه.
زوجته، وحبيبته، وأم ابنته.
اليوم سيذيب الجليد بينهم.
سيحطم كل شيء يعوق حياتهم.
ناظر حقيبة المجوهرات بعين مرتاحة.
وقلب مطمئن.
فدا عيناها كل ما يملك.
وصل للدور المنشود.
ترجل من المصعد.
حتى وقف أمام شقتهم.
وقف لهوله.
يناظر الباب بنظرات شاردة، وابتسامة صغيرة مرتسمة على شفتيه.
وعقله يعيده لحياتهم معًا.
تجهيزات منزلهم.
أول يوم لهما في هذا المنزل.
لحظاتهم المميزة، وعشقهم الدافئ.
إعلانها لحملها بصغيرتهم شمس.
ولحظات انتظارهم لصغيرتهم.
مرت كل تلك اللحظات أمام عينيه كمشهد سينمائي متسارع سعيد.
وهنا...
اتسعت ابتسامته أكثر.
وبهدوء شديد...
دس المفتاح في الباب، تاركًا كل ما حدث خلفه، معلنًا لنفسه أن يبدأ صفحة جديدة.
وداعًا لكل ما حدث.
فتح الباب بحرص شديد.
ودلف يمشي على أطراف أصابعه.
مشطت عيناه الشقة سريعًا.
ليدرك أنها، وبكل تأكيد، في غرفتهم مع صغيرتهم شمس.
تحرك سريعًا
لكن...
وقبل أن يصل الغرفة...
تسمر محله.
على صوت صراخ صغيرته.
ثم صوت صراخها.
سقطت ابتسامته.
ووقع قلبه بين قدميه.
ركض.
لكنه توقف فجأة.
تجمد.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
تحطم.
وفقد بريق عينيه.
فقدها.
❈-❈-❈
قبل السقوط الأخير
خواءٌ تام.
طنينٌ مزعج، رؤيةٌ مشوشة،
ودموعٌ تُذرف بانتهاك.
تساءلت كثيرًا عن معنى كلمة انهزام.
كلمةٌ ثقيلةٌ مقيتة، لكن ما لم تُدركه أنها ستحيا يومًا كل معاني الانهزام.
خطواتٌ فاصلةٌ نحو الهاوية.
خطوة.
اثنين.
وسقوط.
لِمَ لا تموت؟
لِمَ طال الانتظار؟
فلتمت.
هي لا ترى الانتظار.
لا تريد ذلك الألم.
الترقب.
الرعب.
عجيبةٌ تلك المشاعر.
هل من الممكن أن يحيا المرء وهو يحتضر حتى الموت؟
أن يشعر بكل تلك الطعنات تُسدد إليه، وما زالت أنفاسه تتردد في صدره؟
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
لم يتوقف القلب،
ولم تسقط فاقدةً للحياة.
لكن لماذا تشعر أنها فقدتها منذ الكثير؟
سقط هاتفها من يدها المرتعشة،
وطال صمتها وجمود ملامحها،
كصنمٍ من طين.
وأخيرًا تحركت،
محاولةً الاستناد بكل قوتها الواهية على الفراش لتقوم.
سقطت.
خذلتها ساقها مرةً تلو الأخرى،
حتى وقفت أخيرًا تترنح، معلنًا جسدها هوانه وسقوطه في أي لحظة.
لم تهتم بالرنين المستمر للهاتف،
ولم تهتم، ولأول مرة، ببكاء صغيرها.
خفتت الأصوات.
اختفى كل شيء.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
أبيض.
أسود.
رمادي.
لماذا لا ترى الألوان؟
لماذا لا ترى سوى تلك الخزانة؟
سارت إليها بخطواتٍ مرتعشة،
وعينٍ تأبى أن تتوقف عن ذرف الدموع.
بوجهٍ محتقن،
وقلبٍ منفطر.
مات ألف مرةٍ بكل خطوة.
أخيرًا وقفت أمامها.
مالت برأسها تبكي وتنتفض بقوة.
مدت يدها التي تراجعت ألف مرة.
فتحتها في لحظة يأس، ضعف، خوف.
ناظرت الأموال.
تلك التي سلبتها راحة البال.
سلبتها استقرار نفسها وبيتها وزواجها.
تلك التي بسببها انهالت عليها الدعوات،
بالموت، والخراب، وسوء الحال.
تلك الورقات.
بضع ورقات لا تعني لها شيئًا.
سلبتها كل شيء.
مدت يدها المرتعشة،
تلامسها.
فانتفضت تبكي، وتغطي أذنيها،
عن تلك الكلمات، عن تلك الدعوات.
بكت أكثر وأكثر،
حتى ما عادت ترى أمامها من خلال دموعها المنهمرة كالشلال.
مدت يدها مرةً أخرى.
وهنا ارتعشت كمن تعرض للصعق.
لامستها بخِزيٍ ويأس.
أمسكتهم.
رزمةً تلو الأخرى،
حتى حصلت عليهم جميعًا.
ضمتهم لصدرها،
شاعرةً بجمرٍ يحرقه.
وفي الخلفية،
صوت صراخ صغيرتها،
يغطيه رنين هاتفها.
وهي بين ألف جحيم.
وليتها تموت ألف مرة.
لكن، ألم تمت؟!
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
بلى، ولم تمت مرة، بل ذاقتها ألف مرة، واحدةً تلو الأخرى.
التفتت تضم المال إلى صدرها بوهن.
كجبلٍ ثقيلٍ يجثم فوق صدرها.
كخنجرٍ يندس بين طيات قلبها بكل لحظة.
رنين.
صراخ.
رنين.
صراخ.
وصمت.
صمتٌ طويل، فقدت فيه كل الشعور.
فقدت فيه نفسها.
وأخيرًا مالت بساقين هلاميتين حيث تجلس صغيرتها.
لكن يدها لم تحملها وتضمها لصدرها.
لم تقربها.
فقط ناظرتها بعينٍ معتذرةٍ معذبة.
التقطت هاتفها.
ترد عليها.
تسمع الصراخ.
العويل.
الدعاء.
كأنها لم تكتفِ.
لكن هي...
حور اكتفت.
فتحت فمها.
جسدها يرتعش.
ولسانها لا يقوى على النطق.
لحظة.
اثنين.
ثلاثة.
وفي الرابعة...
نطقت بحكم الإعدام:
أنا جبتلك الفلوس.
وأغلقت.
وفي اللحظة التالية،
رفعت عينها قليلًا بيأسٍ وقهر،
لترى تلك الساقين.
ولم تكن سوى ساقي حسام...
زوجها.
وبعينيه كل معاني الانهزام.
خسرته.
وخسرت نفسها.
❈-❈-❈
تجمد.
وتجمدت.
تحطم.
وتحطمت.
تحاملت على ساقها لتقف، مواجهةً إياه.
تحمل بين يديها أمواله.
تناظره.
ويناظرها.
اقترب.
تجمدت.
اقترب أكثر.
احتضرت.
شحب لونها، وجفت دموعها.
وماتت ألف مرة.
حتى وقف أمامها.
يناظرها بعينٍ حمراء، بها الكثير من النظرات.
عتاب.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
خذلان.
انكسار.
خيبة أمل.
وأخيرًا انطفاء.
قرأتها كلها بعينيه.
كانت واضحةً للأعمى.
وهي ليست بعمياء.
وبعد الكثير من اللحظات القاسية،
همست بقهرٍ وعدم تصديق:
كنت عارف.
بادلها النظر بصمت.
حتى همست باختناق، باكيةً متوسلة:
حسام.
وساد صمتٌ طويلٌ قاتم.
حتى فتح فمه.
تلقفتها عيناها بلهفةٍ وقهر.
حاول الكلام.
مرة.
واثنتين.
وثلاثة.
وعشرة.
كان عاجزًا عن النطق.
كان مطعونًا.
وأخيرًا أغمض عينيه، يحبس تلك الدمعة التي أبت أن تسقط.
وفتحهما.
وأخيرًا...
ردد بهمسٍ خافت، قاتل، محتضر:
انتي طالق يا حور.
| « السابق |
جميع الفصول |
التالي » |
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (عفاف شريف)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية
