قراءة رواية (أحفاد إلياس) كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: (أحفاد إلياس)
رواية جديدة قيد النشر
الكاتبة: ( زيب سعيد القاضي) |الفصل: (16)
هل سمعت يومًا عن الجحيم؟
لا
لم أسمع عنه. ولكن سمعت عن أحفاد إلياس. وأعلم أنهم الجحيم بذاته. كل منهم يمثل
ضلع قوي يكمل الآخر، اتحادهم قوة لا يعلمها سوى هم.
من يقف في مواجهتهم فقد كتب على نفسه الهلاك. لا تستطيع
مواجهة أي واحد منهم، فالواحد منهم بقوتهم جميعًا.
الخوف ليس من شخص واحد منهم، إنما الخوف الحقيقي من
اتحادهم، وهم على يقين من قوتهم. طباعهم هادئة ومن يراهم ينخدع في في هدوئهم، ولكن
ما أن يتقرب منهم يجد أبواب الجحيم قد فتحت في وجهه ولا يستطيع الهروب منها.
❈-❈-❈
كانت العواصف تدور في الخفاء، بينما الوجوه تُظهر ثباتًا زائدًا يشبه الجليد. في كل ليلة، كانت الأسئلة المعلقة تملأ الغرف المظلمة بلا إجابة، تفتش عن دربٍ قديم يعيد ترتيب ما هدمه الغياب، أو ربما عن بدايةٍ جديدة تليق بحجم الانكسار الذي خلفه وراءه ذلك اليوم الأخير.
أشرقت شمس الصباح فأضفت على الوجود جمالاً وبهاءً،
وبعثت في الأرواح أملاً جديدًا ونشاطًا لتنطق الحياة بحمد
الله وشكره، معلنةً بداية يوم جديد مليء بالخير والبركات.
استيقظ إلياس من نومه مبكرًا كعادته، نهض من فوق فراش
بتثاقل شديد، دلف إلى المرحاض أخذ حمامًا بارد وبعدها خرج براحة شديد، قام بفرد
سجادة الصلاة وأدى فرضه، وبعدها توجه إلى غرفة الملابس وارتدى حلة سوداء أسفلها
قميص ناصه البياض، وكرافت من اللون الأسود.
انتهى سريعًا وتحرك تجاه المرآة ووقف أمامها يصفف شعره
بعناية وينثر عطره بانتعاش، قطع اندماجه دق على باب الغرفة.
ترك ما بيده وتوجه إلى باب الغرفة، وقام بفتحه وجد شقيقه
آصف أمامه وعلى ما يبدوا أنه استيقظ للتو ولم يغير ملابس النوم بعد.
قطب جبينه بحيرة، وتساءل باهتمام:
– آصف خير يا حبيبي في إيه؟
تخطى شقيقه وولج إلى داخل وألقى بثقل جسده فوق فراشه، أغلق
الباب وتوجه إليّه ووقف أمامه وقام بطوي ذراعيه فوق صدره:
– خير يا باشا هتفضل ساكت كده كتير؟
رفع رأسه إلى شقيقه وهتف برجاء:
– ينفع متروحش الشغل النهاردة؟
جعد إلياس ما بين حاجبيه، وتدارك مستفهمًا:
– ليه حاجة تاني حصلت؟
هز رأسه بنفي، واسترسل شارحًا:
– لا بس أنا مش هروح النهاردة ومحتاج منك
تتكلم مع ماما زي ما اتفاقنا وكمان جدو.
حرك رأسه بايجاب:
– طيب مبدئيًا جدي المفروض إنتَ إللي تتكلم
معاه وتقنعه، أما ماما حاضر هتكلم معاها قبل ما أمشي وطالما إنتَ واخد إجازة فتكلم
معاها براحتك.
صمت لثوانٍ ثم استطرد قائلًا:
– عارف مين هيساعدك؟
ردد بلهفة:
– مين؟
أجاب ببساطة:
– نوح ابن عمك.
استنكر حديثه:
– نعم يا أخويا؟! نوح؟! لا والله يا حبيبي
الحاجة الوحيدة إللي نوح هيقعد يقولها الجوازة باظت الجوازة باظت.
انفجر ضاحكًا وبعدها توجه إلى المرآة مرة أخرى، وهو يردد
باللامبالاة:
– والله أنا ده رأي هيخفف حدة الحوار بينكم.
رمقه شقيقه بتشكك، وتساءل بريبة:
– إنتَ واقف تتذوق كده ليه؟
استدار إليّه نصف استدارة ورفع حاجبه مستنكرًا وهتف بنبرة
حادة:
– بتذوق؟ ليه شايفني بحط بحط أحمر ولا أخضر.
تبسم بدروه ونهض من مكانه مربتًا على كتفه بخفة:
– قصدي إنك حلو النهاردة بزيادة؟
عدل من لياقة قميصه وتحدث بنبرة هادئة:
– ده العادي بتاعي.
هز رأسه بيأس وردد:
– Egotist.
رفع رأسه بغرور وقال:
– ويليق بيا الغرور..
❈-❈-❈
تململت في غفوتها من صوت الضوضاء في الغرفة، وأيضًا من شدة الإنارة المنبعثة، فتحت عينيها بصعوبة طالعت زوجها الواقف أمام المرآة يرتدي قميصه الأسود.
اعتدلت في رقدتها بضيق وهي تطالعه بنظرات مشتعلة، انعكس
وجهها في المرآة التي ينظر فتبسم بسخرية وردد:
– مش معقول سيرين هانم صاحية بدري ده من إيه؟
ابتعلت سخريته وهتفت بنفاذ صبر:
– من الدوشة إللي إنتَ عاملها.
تبسم باستخفاف، والتفت إليها ووضع يده في جيبه يطالعها من
أعلى إلى أسفل بنظرة ثاقبة:
– والله محدش قالي تيجي تنامي هنا في أوضتي.
أعتقد إن الهانم ليها أوضة تانية بتنام فيها.
نهضت من مكانها واقتربت منه وهي تتهادى في خطواتها برقة
شديدة، ورفعت يدها كي تطوق عنقه بدلع ولكنه تراجع إلى الخلف وهو ينظر إليّها
باشمئزاز.
بهت وجهها من فعلته فتوقفت في مكانها تحفظ ما تبقى من ماء
وجهها، وطوت ذراعيها فوق صدرها:
– مش المفروض يكون مكاني في أوضة زوجي ولا
إيه يا أوس باشا؟
تبسم باستخفاف وقال:
– لا مش المفروض وأعملي حسابك مكانك في أوضتك
يا هانم.
عاد بظهره يكمل ارتداء ملابسه لكن توقف مكانه يستمع إلى
صيحتها:
– هتفضل لغاية إمتى تعاملني ببرود كده؟! ليه
عمرك ما حبتني يا أوس؟ ليه حبيتها هي وأنا لا؟
أغمض عينيه في محاولة بائسة منه في تهدئة حاله ولكن انتفض
بفزع وهو يستمع ما أخرجته من جعبتها.
– أنا عارفة إنك كنت بتحبها من زمان من وقت
ما كانت متجوزة فريد. كنت بتسمح لنفسك تحب واحدة متجوزة . أشمعنى هي؟ المفروض
تحبني أنا مراتك أم ابنك، بس أعمل حسابك بقى يا أوس الجوازة دي مش هتم على جثتي إن
اتجوزتها وهروح لجدك وأقوله إنك كنت على علاقة بيها وهي متجوزة فريد.
اتسعت مقلتيه بصدمة ولم يدري بنفسه سوى، وهو يهبط على
وجنتيها بصفعة مدوية سقطت على أثرها أرضًا، وهي تشهق بألم.
لم يتوقف عند هذا الحد بل اقترب منها وقام بجذبها من
خصلات شعرها، وتحدث بفحيح من بين أسنانه:
– اخرسي يا زبالة إللي بتتكلمي عنها دي ضفرها
برقبتك وأشرف منك ومن مليون واحدة زي.
استدارت بوجهها المرتجف والدموع تترقرق في عينيها، بينما
كانت تحاول التقاط أنفاسها المقطوعة من شدة الصدمة والألم. نظرت إليه نظرة امتزجت
فيها خيبة الأمل القاتلة بكسرة نفس عميقة، وصوتها يرتجف قائلة بوهن:
– للدرجة دي؟ للدرجة دي أنا ولا حاجة في
نظرك؟ هي إللي أهم مني؟ طب ليه.. ليه دست على قلبي عشانها؟
أفلت خصلات شعرها بقسوة وكأنه يتخلص من شيء مقزز، ودفعها
بكتفها لتبتعد عنه خطوات إلى الوراء، ثم رمقها بنظرة محملة بالاحتقار والبرود،
وصرخ بصوت هز أرجاء الغرفة:
– إنتِ إللي رخصتي نفسك بنفسك! وعمري ما هسمح
لك تجيبي سيرتها تاني على لسانك الوسخ ده تاني. اطلعي بره، ومش عايز أشوف وشك تاني
قدامي. الحاجة الوحيدة إللي بتشفعلك عندي هي ابني وبس، لكن الله في سماه لو غلطي
في مرام تاني وقتها متلوميش غير نفسك يا سيرين.
نهضت من مكانها بخزي وهي تلملم شتات نفسها، وخرجت من
الغرفة سريعًا دون أن تلتفت إليّه وتوجهت إلى الغرفة الملاصقة بالجناح.
أطلق هو زفيرًا حادٍ ونظر لنفسه داخل المرآة وعاد بعدها
لاستكمال ارتداء ملابسه فلديه عمل هام اليوم يجب ألا يتأخر عليه يكفي الصفقة التي
سلبت منهم دون وجه حق.
❈-❈-❈
دق باب الغرفة بلباقة ودلف بعد أن استمع إلى الإذن ولج إلى داخل الغرفة وجد والدته تجلس على مقعدها الهزاز مغمضة العينين على ما يبدوا أنها تحاول الاسترخاء.
اقترب منها وقبل جبهتها بحب:
– يا صباح الورد يا ست الكل.
ردت باقتضاب:
– صباح النور.
حمحم باحراج وأجلى حنجرته وتحدث:
– هو أنا كنت حابب أتكلم مع حضرتك في موضوع.
تبسمت ساخرة وقالت:
– في موضوع آصف مش كده؟ على العموم أنا
موافقة.
قطب جبينه بحيرة وتساءل:
– بجد؟
فتحت عينيها بصعوبة ورددت بصوت متحشرج:
– مع الأسف بجد لأن حتى لو رفضت هينفذ إللي
في دماغه كل واحد فيكم بقى ياخد قراره ونسي إن ليه أم يرجع لها.
حاول التحدث والتبرير لها، لكن رفعت يدها لأعلى وتحدثت
بنبرة قاطعة:
– مش عايزة أسمع حاجة. روح شوف شغلك أحسن يا
سيادة المستشار وقتك معايا خلص اتفضل.
تنهد بقلة حيلة وغادر الغرفة دون أن يعارضها ولا يقول شيء
فوالدته معها كل الحق بالفعل فهو لا يلوم عليها، لكن ما باليد حيلة فهذا هو القدر
والنصيب لكل واحد منهم لا يمكن أن يغيروه.
خرج من الغرفة وجد شقيقه يقف في انتظاره بترقب شديد، اتجه
نحوه ووقف أمامه وربت على كتفه بلطف:
– مبارك يا حبيبي ماما وافقت.
فتح عينيه على وسعهما وردد بلهفة:
– بتتكلم جد يا إلياس؟
حرك رأسه بايجاب:
– أيوه يا حبيبي بس بلاش تتكلم مع ماما
حاليًا في حاجة تاني سيبها مع نفسها لغاية ما تروق وتهدى اتفاقنا؟
أومأ بتفهم:
– تمام.
استأذن منهم بلباقة:
– يلا بعد إذنك هستأذن أنا عشان هعدي على
وتين الأول.
تبسم بدوره وقال:
– ماشي يا حبيبي ربنا يتمملك بخير.
❈-❈-❈
بعد مرور نصف ساعة كان يهبط آصف الدرج وهو يدندن براحة وسعادة، لفت انتباهه صوت التلفاز يأتي من غرفة الريسبشن. تعجب من ذلك وتوجه ناحية الغرفة وكانت الصدمة فقد وجد نوح يجلس فوق الأريكة مربتًا قدميه وفقها طبق من الفاكهة وبين يديه اليمنى ساندويتش وبيدها اليسرى كأس من الحليب ويشاهد كارتون توم وجيري.
هز رأسه بيأس وتوجه إليه ووقف جوار التلفاز واضعًا ساق
فوق ساق، وكتف ساعديه فوق صدره وطالعه بسخرية:
– يا أختي كميلة؟! بتتفرجي على كارتون يا
صغننة؟! تحبي أجهزلك الرضعة ولا أغير لك البامبرز أحسن؟!
رمقه شذرًا وهتف بنبرة حادة:
– أستغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم. نعم
عايز إيه مني على الصبح؟
تنهد آصف عندما لاحظ ضيقه، وجلس جواره وردد باختصار:
– مش عايز حاجة بس إللي بتعمله ده مينفعش.
نفترض جدي شافك أو عمي أو مرات عمي أو ماما أو سيرين.. مرام نفترض شكلك هيكون إيه
قدامهم؟!
قلب عينيه بنفاذ صبر وغمغم بملل:
– وماله شكلي؟! إيه بأكل في ضوافري؟! بتفرج
على حاجة تكسف ما هو كارتون أهو؟!
صاح آصف بغيظ:
– هو يا دكتور يا محترم شايف إنه عادي تسمع
كارتون؟!
أجاب ببساطة وهو يرتشف من كأس الحليب خاصته:
– مش شايف فيها حاجة. أفعل ما شئت طالما لا
تضر. أنا بعمل الحاجة إللي بحبها وطالما مش بتضر حد خلاص أنا حر مش مهم نظرة الناس
ليّ ولا حتى رأيهم طالما مش حاجة غلط.
تنهد بقلة حيلة وقال:
– على راحتك أنا بتكلم عشانك بس إنتَ مقتنع
بوجهة نظرك معتقدش هتسمع ليّ من الأساس.
أومأ بايجاب:
– أيوه شاطر سيبني بقى أسمع الكارتون.
اندمج مرة أخرى مع التلفاز بينما هز آصف رأسه بيأس وتمتم
بهمس:
– عايش في عالم موازي يا نوح يا بختك.
❈-❈-❈
نهض من مكانه وتحرك بخفة متوجهًا إلى غرفة المكتب دق الباب بترقب وانتظر سماع الإذن، دلف إلى داخل الغرفة وجد جده يجلس على المكتب أغلق الباب خلفه، وولج إلى داخل الغرفة وخطى بخطوات ثابتة تجاه جده سحب المقعد المواجه إليّه وجلس فوقه بصمت تام.
اعتدل الجد في جلسته، واستند بمرفقيه فوق سطح المكتب:
– هتفضل ساكت كتير؟
أجلى صوته وتحدث بحرج:
– أنا كنت حابب اتكلم مع حضرتك يا جدو في
موضوعي.
تبسم بتريث وقال:
– جاي تتناقش معايا في موضوعك؟ ولا إنتَ واخد
قرارك وبتبلغنا به؟
أطرق رأسه أرضًا بخجل وأجاب:
– حضرتك عارف إني بحب موچ.
رمقه باستخفاف وعقب قائلًا:
– وعارف بردوا إللي حصلك بسببها.
أطلق زفيرًا حادٍ، ونظر إلى حفيده وتحدث بحسم:
– مش هقف في طريقك يا آصف عارف ليه؟
ظل صامتًا فأكمل هو:
– عشان إنتَ إللي اتوجعت قبل كده، ولو حاجة
حصلت تاني إنتَ إللي هتتوجع تاني يا ابن هالة فهمت؟ المرة إللي فاتت كنا كلنا جنبك
المرة دي هتبقى لوحدك.
هز رأسه بتفهم:
– تمام يا جدو شكرًا لحضرتك.
نبهه بخفة:
– أعمل حسابك لو ناوي تعمل فرح مش هيبقى مع
أوس وإلياس. هيبقى بعدهم.
أومأ بايجاب:
– إللي حضرتك شايفه يا دكتور.
❈-❈-❈
وصل أخيرًا إلى العقار الذي تقطن به وتين برفقة عمها، ركن السيارة جانبًا وهبط من السيارة بعد أن أخذ باقة الزهور البيضاء من المقعد المجاور.
صعد الدرج المتهالك برشاقة حتى وصل إلى الطابق المنشود
ووقف أمام باب الشقة بدأ يدق الباب برفق. فتح عمها الباب والذي ابتسم على الفور:
– يا أهلًا يا أهلًا منور يا باشا.
رد باقتضاب:
– أهلًا بيك وتين صاحية؟
أجاب بلهفة:
– ولو مش صاحية أصحيها ليك يا باشا هو إحنا
هيجيلنا أعز منك اتفضل اتفضل.
ولج إلى داخل الشقة ونظر إلى باقة الورد بخيبة أمل:
– يا باشا ما بلاها الورد الأبيض مفيش منه
منفعة أبقى هات ورد أحمر أحسن نعمل منه فراولة ولا أقولك أبقى هات أحسن اتنين كيلو
فراولة.
لم يقدر أن ينطق ولا يرد عليه من الأساس، أفضل شيء في
المعاملة مع أمثاله هو أن يصمت. جلس على أقرب مقعد في انتظار وتين بعد أن ذهب
لنادئها ولم يمر سوى دقائق وطلت عليه مرتدية إسدالها وحجابها ووتحرك نحوه على
استحياء.
استقام على الفور واستقبلها وقدم لها باقة الزهور:
– صباحك ورد أبيض يا وتيني.
أخذتها من باستحياء:
– صباح النور.
مدّ يده برفق وأجلسها على الكراسي الخشبية المطلة على
الشرفة، حيث تنعكس خيوط الشمس الأولى على جدران المنزل الدافئة. جلس مقابلها
وعيناه تفيضان حنانًا، ثم وضع كوب القهوة الدافئ أمامها وقال بصوت هادئ:
– عاملة إيه النهاردة؟
تبسمت بخجل وردت:
– الحمد لله.
وضع يده في جيبه وقام باخراج البطاقة البنكية الخاصة به:
– اتفضلي.
رمقته بعتاب وقالت:
– قلت ليك مش هاخدها.
تجاهل رفضها وهتف بإصرار:
– لا هتاخديها يا وتين بمزاجك كمان.
رفعت حاجبها باستنكار:
– نعم؟ وده إزاي إن شاء الله؟
أجاب بوداعة ذئب ماكر:
– ما هو يا توتا تاخديها بمزاجك يا إما
هتاخديها غصب عنك وأنا ليّ طرقي تحبي تجربي؟
وفرت بضيق وأخذتها منه على مضض وهي تردد:
– ماشي هاخدها بس مش هنزل ولا هشتري حاجة وده
آخر كلام عندي.
هز رأسه بيأس وهتف بنفاذ صبر:
–عنيدة بس ماشي براحتك بس اعملي حسابك أنا
بقى إللي هيجيلك الهدوم بتاعتك على ذوقي إيه رأيك بقى؟
بهت وجهها ورددت بخجل:
–لا طبعًا أكيد مش هتعمل كده.
ابتسم بتسلية:
– لا هعمل كده ونصف كمان إنتِ مشوفتيش غير
إلياس العاقل وبس.
نظرت إليه وتين بعينين تشتعلان غضبًا، وقد لون الخجل
والغيظ وجنتيها بحمرة قوية. حاولت كبح رغبتها في افتعال مشاجرة كبرى معه، فكتفت
يديها أمام صدرها بعناد قائلة بصوت حاد:
– إنت بتهزر صح؟ ولا فاكر نفسك في فيلم أبيض
وأسود؟ مستحيل تعملها!
تقدم إلياس خطوات بطيئة وثابتة نحوها، متجاهلًا نظرات
التحدي في عينيهما، حتى أصبح قريبًا بما يكفي لتشعر بعبطرته الرجولية الهادئة.
انحنى قليلاً ليصبح في مستوى نظرها، وابتسامة ساخرة تزين شفتيه:
– مجنونة، بتشكي في قدراتي كمان؟ اسألي عن
إلياس كويس قبل ما تتكلمي لو قلت هعمل حاجة بنفذها بالحرف، ومش هجيب مقاسات عادية،
ده أنا هختار أجرأ وأغرب الألوان عشان أعرفك قيمة التحدي معايا.
تراجع للخلف بخطوات واثقة، وأخرج هاتفه من جيبه ببرود تام
وكأنه لم يضرم النار في أعصابها للتو، ثم أضاف وهو يعبث بالشاشة:
– يلا هستأذن أنا وأسيبك عشان شغلي سلام يا توتا.
غادر تاركًا إياها في صدمتها وأغلق الباب خلفه بخفة،
أغمضت عينيها بيأس:
– شكلي داخلة حرب أنا مش قدها أسترها معايا
يارب مليش غيرك أنا مش قد إللي أنا فيه.
أغمضت عينيها بتحسر:
– لو بابا وماما كانوا جنبي أكيد مكنتش هوصل
للي وصلت ليه.
❈-❈-❈
منذ ما حدث وهي تجلس حبيسة غرفتها تبكِ وتنتحب فزوجها أن يتزوج أخرى فحسب، ولكن بعد ما حدث بينهم اليوم من المؤكد أنها خسرته إلى الأبد.
انتفضت من مكانها بفزع، وهي تمسح دموعها بأطراف أصابعها
وتمتمت بفحيح:
– بس لا مش أنا إللي أسيب. لو السماء اطربقت
على الأرض أوس بتاعي أنا وبس ومش هسمح للحقيرة دي تاخده مني.
صمت لثوانٍ واستطردت قائلة بشرود:
– زين هو الكارت الرابع روح أوس فيه. لازم
أقرب من ابني وأخليه في حضني ده الحل الوحيد إللي قدامي مش هيجي غير به.
ساد الصمت في الغرفة الداكنة، ولم يقطع وحشتها سوى صوت
أنفاسها المتقطعة ونبضات قلبها المتسارعة التي تكاد تهز ضلوعها. ركضت عيناها في
أرجاء المكان نظرات محمومة، كأنها تحاول استجماع شتات أفكارها وخططها التي بدأت
تتشكل ببطء في رأسها المشتعل بالغيرة والغضب.
اقتربت ببطء من المرآة المعلقة على الحائط،
نظرت إلى وجهها الشاحب وعينيها المتورمتين من البكاء، فمسحت آثار الدموع بخشونة،
وتحولت ملامح وجهها تدريجيًا من الانكسار والضعف إلى قناع حديدي مفعم بالدهاء
والبرود.
قالت بصوت هامس يحمل وعيدًا وثقة عمياء:
– أنت بتاعي يا أوس ولعبة المكر دي أنا اللي
هقفلها في النهاية.
❈-❈-❈
بعد مرور يومين تقف في غرفتها تتأمل الحقائب التي أمامها بذهن شارد، هي لم ترغب بشراء أي شيء، لكن مع إصرار إلياس عليها رضخت إلى أوامره فمن هي لتجرؤ للوقوف في وجه إلياس. لكن المفاجأة هو إرساله لحقائب عديدة تتضمن ملابس نسائية وأحذية وحقائب ومستحضرات تجميل تعجبت من داخلها فكيف لرجل قانون مثله كل حياته تقتصر على العمل فقط أن يستطيع شراء هذه الأغراض بنفسه.
اقتحمت زوجة عمها باب الغرفة ودلفت وهي تطالع الحقائب
بانبهار:
– اللهم صلي على النبي. هو بعت شنط تاني وأنا
في السوق؟
هزت رأسها بايجاب:
– أيوه. شوفيهم لو عايزة.
لم تنتظر إذنها من الأساس فقد ركضت تجاه الحقائب وبدأت في
فتحها، وتفحص محتوياتها بلهفة وهي تردد:
– مش هتزعلي طبعًا يا وتين يا حبيبتي لو اخدت
شوية حاجات؟!
ابتسامة ساخرة ارتسمت على زاوية فمها فمنذ متى وزوجة عمها
تعاملها بكل هذا الحنان، تنهدت بقلة حيلة وقالت:
– تقدري تاخدي إللي حضرتك عايزاه يا مرات
عمي.
اتسعت ابتسامة الأخرى بفرحة شديدة:
– يخيلكي ليّ يا حبيبتي.
اندمجت في فحص الحقائب وأخذ ما يحلو لها، بينما توجهت
وتين إلى شرفة وجلست جوارها، وهي تتأمل السماء بشرود تام تفكر فيما هو أتِ.
❈-❈-❈
في مبنى النيابة العامة، يجلس إلياس على مكتبه بوقار يتابع أوراق القضية بإمعان شديد، رفع رأسه ببطء بعدما لفت انتباهه بند دقيق في تقرير المعمل الجنائي، وتحديدًا في تلك الصفحات التي أُرسلت للتو من الأدلة الجنائية. التقط قلمه الأسود، وخط ملاحظة سريعة بخط متسق على هامش الملف، ثم استند بظهره إلى كرسيه الجلدي مأخوذاً بتسلسل الأحداث الغامض.
في تلك اللحظة، طرق مساعده الشاب الباب بخفة قبل أن يفتحه
ويدخل بخطوات سريعة، ممسكًا ظرف بني اللون بدا مثقوبًا بعناية من زاويته.
– اتفضل يا باشا التقرير إللي حضرتك طالبه.
أخذه منه بابتسامة:
– هايل يا أحمد مفيش مرة أطلب منك حاجة غير
بتكون قدها وبتنفذها.
تبسم الرجل باحترام وردد:
– تحت أمرك في أي وقت يا إلياس باشا. حضرتك
تؤمرني بحاجة تانية؟
رد بنفي:
– لا تقدر تتفضل.
رحل الرجل وفتح إلياس الظرف بابتسامة وبدأ في تفحص
محتوياته وعلى وجهه نظرة رضا فقد تأكد حدسه بالفعل.
استرخى على مقعده براحة وتمتم:
– الحمد لله تخميني طلع صح. كده القضية دي
خلصت وأفوق بقى للفرح بإذن الله .
نهض من مكانه بارهاق وقام بجذب سترته السوداء وارتداها
على عجل فلديه موعد هام مع وتين اليوم .
❈-❈-❈
بعد مرور ساعة ونصف كان يستقل سيارته وهي تجلس إلى جواره
على استحياء تطالع النافذة جوارها بشرود.
توقف بسيارته في أمام إحدى العقارات في منطقة سكنية
راقية. انتبهت لتوقفه والتفتت إليه متسائلة:
– وقفت ليه؟
أجاب بوداعة:
– وصلنا.
قطبت جبينها بحيرة وتساءلت:
– وصلنا فين مش فاهمة؟ وبعدين إنتَ ليه مش
راضي تقول إحنا رايحين فين؟
رد باختصار:
– عشان لو قلت ليكِ إحنا رايحين فين كنتِ
هترفضي تيجي.
ضيقت عينيها وهتفت مستفسرة:
– ليه هو إحنا فين هنا؟
نظر في عينيها بنظرة ثاقبة وتحدث بحزم:
– عند دكتورة نفسية.
| « السابق |
جميع الفصول |
التالي » |
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (زينب سعيدالقاضي)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية
