بين دروب العقل ومتاهات الروح - الفصل 6 | نونا أحمد

قراءة رواية (بين دروب العقل ومتاهات الروح) كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى



رواية: (بين دروب العقل ومتاهات الروح)

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: ( نونا أحمد) | الفصل: (6)



في صحراء قاحلة، تمتد على مرمى البصر، تخضبها السماء الزرقاء الصافية، وتتلألأ الرمال الواسعة الرحبة بنعومة ذهيبة.

تتماوج الكثبان الرملية، تشكل تلالًا ووديانًا، تتخلللها بعض النباتات الصحراوية الصغيرة التي تتحدى الجفاف، ولا تُسمع فيها سوى صوت همسات الرياح الخفيفة التي تنسج حكايات الزمن القديم.

يسير شاب طويل، عريض المنكبين، اكتسبت بشرته من رمال الصحراء لونًا مميزًا أضفى على ملامحه الرجولية وسامة خلابة، سبحان من خلقه.

كان العرق يتصبب من جبينه، يغمر وجهه، ويغشى عينيه مع أشعة الشمس الملتهبة.

يرفع يده كل لحظة وأخرى بمحرمة قماشية مخططة طوليًا باللون الأخضر، يجفف بها عرقه الغزير.

حتى وصل أخيرًا، وبعد مسيرة دامت أكثر من ثلاثة أيام، إلى مجموعة من الخيام.

مر من بينهم على ظهر جواده العربي الأصيل بخيلاء وثقة لا تنم عن مشقة الطريق، أكمل سيره وسط الهمهمات والاستفسارات عن عودة الغائب: وهل هو حقًا أم أنه وحي خيال؟

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

سار بين الخيام حتى وصل إلى أكبرها، وترجل من على حصانه تاركًا سرجه ليصهل الحصان مهللًا بعودته إلى وطنه.

دخل إلى الخيمة كاشفًا عن غطاء وجهه، لتنكشف لحيته الخفيفة وشاربه الأسود الكثيف.

نهض رجل كبير في السن مرحبًا بحبور وعدم تصديق لعودة الغائب المنتظر، محتضنًا إياه ومهللًا:


"يا مرحبًا بابن أخي الغالي، حللت أهلًا، ونزلت سهلًا، مرحبًا بعودتك إلى الديار يافارس الهيجا."

قهقه الشاب بقوة، مبادلًا عمه الأحضان ومقبلًا كفه بتوقير، ثم أردف وهو يأخذ بيده ليجلسه موضعه بإجلال:


"مرحبًا بك ياعماه، ولكن أما زلت تذكر هذا اللقب(فارس الهيجا)؟"


أجابه العم بحنين لذكريات مضت: "وكيف أنسى؟ أنا وأبوك اتفقنا يوم مولدك على تسميتك عليًا، تيمنًا بفارس الهيجا علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، فقد توسمنا فيك الرجولة والنخوة والبأس الشديد منذ يوم مولدك."


تنهد علي باشتياق حزين للوالد، متمتمًا بحنين: "رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، وبارك الله لنا في عمرك ياعماه."


كاد العم أن يتحدث إلا أن قاطعته دخول فتاة شابة ذات ملامح بدوية جميلة، حيث البشرة السمراء المتألقة كشمس الظهيرة، وعينين اتخذت منهما حبات القهوة اللذيذة موطنًا.

كانت ترتدي زيًا بدويًا رقيقًا ووشاحًا يتطاير من أسفله بعض الخصلات التى تعبر عن جموح صاحبتها.

كانت كأنها شعاع الصباح الذي يشرق على من حولها بوجودها. دخلت الفتاة بصخبها المعتاد:


"ما هذا الذي يحدث يا أبي؟"


تنهد الأب واضعًا يديه يفرك جبينه، متنهدًا بروية لما يمكن أن يكون سبب ضجيج ابنته:

"ماذا هناك ياضيّ العين، ماذا حدث اليوم أيضًا ياقرة عين أبيكِ؟" اقتربت منه الأخيرة بانكسار مزيف وبكاء مصطنع، ليرق قلب الأب لها مع علمه بأنها تستميله بهذه الطريقة دومًا، ربت على كتفها بحنان، متمتمًا برقة:


"لا تبكي ياضيّ العين، ماذا أحزنكِ يا ابنتي؟"


مسحت دموعها المزيفة التي لطالما أتقنتها، ورفعت نظرات بريئة بمكر محبب للنفوس، ماجعل قلب الشاب المغرم ينتفض، ليسمعها تتمتم بحزن مزيف:


"إن أمي لا تريد أن أذهب إلى المدينة كي أكمل تعليمي الجامعي"

ثم أكملت بدموع حقيقية هذه المرة:

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

"ألم توعدني يا أبي أنني سأكمل تعليمي؟ وأنا لست أول فتاة تخرج من البدو إلى المدينة لتتعلم. منذ أن ورثتَ زعامة القبيلة، وأنت تحبذ التعليم للإناث كما تحبذه للرجال ولا تفرق بينهم."


أومأ الأب بموافقة، مكفكفًا دموع غاليته، مجيبًا بوعد أبوي صادق: "لن أخلف بوعدي معكِ ياصغيرتي، ولكن أنتِ تعلمين أنه ما من فتاة خرجت من هنا بدون عائلتها، وإن لم تكن العائلة فإنها تتزوج وتخرج مع زوجها."

ثم أكمل الأب عندما لاحظ نظرات ابنته المستنكرة: "وأنا كما تعلمين، لن أستطيع ترك القبيلة أنا وأمكِ، وأنتِ ترفضين الزواج، فماذا تقترحين لحل تلك المعضلة؟"


صمتت الفتاة بضع لحظات تستوعب الحقائق التي كانت غائبة عن ذهنها في خضم رغبتها في إكمال التعليم، ثم أجابت بصدق بعد لحظات من التردد:


"إني لا أرفض الزواج مطلقًا يا أبي، ولكنك خير من يعلم أنه لم يتقدم لي شاب مناسب"

ثم أكملت مسرعة توضح مقصدها بعدما رأت نظرات الأب المستهجنة:


"لا أقصد التقليل من شأنهم، فجميعهم أبناء عمومتي وعصبتي، ولكن.." أطرقت نظراتها أرضًا بخجل.


فهم الأب وابتسم ابتسامة ماكرة، ناظرًا بطرف عينه إلى الفتى الذي يجاوره من الناحية الأخرى، والذي لم تلحظه ضيّ حتى الآن في موجة غضبها من رفض والدتها لخروجها من القبيلة.

لفت الأب نظر ابنته بدهاء:

"اتركي الأمر لله ياحبيبتي، ولن يحدث إلا الخير بإذنه"، 

ثم أكمل بدهشة مصطنعة: "ضيّ، كيف يا بنيتي لم ترحبي بابن عمك العائد؟ سامحكِ الله يا ابنتي، لقد أنسيتني وجوده."

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

صُدمت ضيّ مما قال أبيها، ورفعت نظراتها بسرعة نحوه، لتتفاجأ بوجوده.

هذا يعني أنه شهد جنونها واندفاعها! لكن مهلًا، متى عاد حب الطفولة والصبا؟ كيف لم تخبرها صديقتها بوجود نصف القلب الآخر في القبيلة؟ نهرت نفسها بقسوة على اندفاعها الدائم الذي يجعل منها بلهاء، ثم اندفعت خارج الخيمة كشهاب ثاقب سقط من السماء في أرض خلاء.


كان عليّ يلاحظ تغيرات ملامحها وعبوسها تارة، وابتسامتها تارة أخرى، حتى جرت إلى الخارج كريحٍ عاصف.

عندها انطلقت ضحكاته لتسمع ضيّ صدى ضحكاته من خارج الخيمة، فتضع يدها على قلبها منتشية بعودته.

تذكرت عدم إخبار صديقتها بمجيئه، فركضت نحو خيمتها تنوي أن تبرحها ضربًا على ماحدث لها من إحراج أمام فارس الهيجا.


داخل خيمة الشيخ عبدالقادر، شيخ القبيلة، وبعد أن تمالك علي نفسه، التفت إلى عمه محدثًاإياه، وطلب منه برجاء أن يوافق على طلبه:


"من بعد إذنك ياعماه، أنت تعلم أني أرغب في الزواج من ضيّ منذ زمن، ولكنها كانت صغيرة آنذاك. والآن، أجدد طلبي للزواج منها مرة أخرى إذا كنت تراني مناسبًا لها، فما رأيك ياشيخنا؟"


فرح الشيخ بسعادة حقيقية، فهو أعلم الناس بما تكنه ابنته لهذا الرجل الماثل أمامه، كما أنه لن يجد من هو أفضل منه نسبًا وأخلاقًا وعلمًا ليئتمنه على ابنته العنيدة، ذات الرأس الصلب وكأنها قُدت من حجر. فأجاب بموافقة:


"إني لا أمانع يا بُني، ولكم أتمنى أن يحدث هذا اليوم قبل الغد، ولكن.."

توقف الشيخ قليلًا محاولًا صياغة عباراته بطريقة مناسبة.

في تلك اللحظات القصيرة، شعر علي بتوقف دقات قلبه وانحسار الدماء في عروقه، لكنه استعاد أنفاسه وعادت دقات قلبه حين أكمل عمه:


"الشرع يأمرنا باستئذان الفتاة فى أمر زواجها، ولا أستطيع أن أعطيك إجابة نهائية إلا بعد سؤالها وموافقتها."


أومأ علي بتفهم وتقدير لهذا الرجل الذي يحافظ على حقوق الله، وقال بسعادة لموافقة عمه الأولية:


"والنعم منك ياعماه، وإني أرجو الله أن توافق ضيّ على أن تكون خليلتي، ونصفي الحنون، وشريكة العمر، ومهجة الفؤاد الدائمة."


نطق عليّ آخر كلماته بتمني وحب نادرين في تلك البيئة القاسية التي جعلت من الأطفال رجالًا أشداء، وجعلت من الرجال الأشداء أسودًا لا يهابون الموت في سبيل الزود عن العرض والأهل.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

انقضى النهار في تلك الصحراء مابين وفود مرحبة بعودة الغائب، وبين مشاكل وقضايا ونزاعات بين أفراد القبيلة وحتى بين القبيلة والقبائل الأخرى.

الجميع كان يأتي للشيخ يطلب منه النصح والمشورة، حيث الرأى السديد، والحكم بكتاب الله، والحكم لوجه الله.

فالشيخ لا يريد من الدنيا عرضًا زائلًا، ولا غرضًا مزيفًا، إنما يبغي الدار الآخرة وحسن الختام.

انقضى اليوم ككل يوم بين الصراعات والأفراح وحتى الأحزان متشاركين، متحابين.

ولكن المختلف اليوم كان وجود عليّ، الذي برغم مشقة سفره، امتثل لأوامر عمه بالجلوس معه والحكم بما يمليه عليه عقله، مساندًا عمه بالمشورة، ومراجعته إن لزم الأمر.

شعر علي بالكبرياء، والعزة وهو يرى عمه لايحكم إلا بعد الرجوع لرأيه أولًا، كما شعر العم بالقوة والفخر بابن أخيه صاحب العقل الرشيد والكلمة القوية الصائبة التي تخرج من فمه كسهم أُطلق من قوسه، فيصيب الهدف بثقة وإعجاب دون خطأ.

شعر رجال القبيلة أيضا بقوة الفتى العائد، وأنه سيكون خير خلف لخير سلف، حيث أخذ من العلم نصيبًا وافرًا، بالإضافة إلى أصالة النسب، وعراقة المنشأ.


جنى الليل لينتهي اليوم بمهامه ومشاقه على الرجال والنساء.

استأذن علي من عمه بالذهاب إلى خيمته ليرتاح من عناء السفر، فأذن له العم مع وعد بلقاء في الغد إن شاء الله.

قام الشيخ متوجهًا إلى خيمته، وكانت كغالب الخيام، مصنوعة من القماش السميك، مثبتة على أعمدة خشبية.

لا يوجد بداخلها سوى بعض الفرش البسيط، والسجاد اليدوي، وبها العديد من الوسائد للجلوس، وفراش أرضي بسيط للنوم.

 وجد كما اعتاد زوجته تجهز له ماء الاغتسال لتريح عن كاهله مشقة اليوم.

بعد الانتهاء، تناول معها بضع لقيمات وتسامرا قليلًا قبل النوم.

كان حديث اليوم عن علي وطلبه الزواج من ابنتهما.

سمعت الأم ذلك وكادت تقوم لإطلاق الصيحات المهللة بهذا الخبر، لكن يزجرها زوجها بقوة:

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

"حشاكِ يا امرأة، فإني لم أستشر الفتاة أولًا."


استنكرت زوجته ذلك الفعل المخالف لعاداتهم، وتمتمت باعتراض داخلي:

 "كيف هذا ياشيخ عبدالقادر؟ أنت تعلم عاداتنا، فإن الفتاة البكر لا تُسأل في أمر زواجها"

وأكملت بغضب لم تستطع السيطرة عليه:


"كما أن ابنتنا صعبة المراس، يابسة العقل، وأنت لا ترفض لها طلبًا، وعليٌّ فتى لن يجود الزمان بمثله. كنتُ أصمت مجبرة في كل مرة حيث أن كل من تقدم لها سابقًا لايرقى لمكانة ابنة شيخ القبيلة، وإن كان من أبناء عمومتها. أما عليّ فإن حاولت ابنتك رفضه، فأقسم بمالك الملك..."


قاطعها الشيخ بقوة، ناهضًا بغضب من أمامها عندما رأى تعنتها، وأردف بحسم وهو يذهب إلى مضجعه:


"أجننتِ يا امرأة؟ تقسمين أمامي؟"

كادت أن تقاطعه باعتذار وندم صادق، لكنه أشار لها بكف يده لتصمت، فسكتت تنظر أرضًا بخزي من تطاولها أمام زوجها، ليكمل بحزم:


"أنا لا أهتم بأي عادات ولا بأي تقاليد عقيمة تقتل حرية الفتاة التي كفلها الله لها. إني أحكم بشرع الله مع جميع الناس، فكيف لا أفعل مع ابنتي؟ هل ترينني منافقًا؟" 

نطق سؤاله الأخير مستنكرًا طلبها بأن يجبرا ابنتهما على الزواج دون موافقتها، اتباعًا لعادات ولت منذ فجر الإسلام.


اقتربت زوجته منه، وجلست تحت قدميه بتوقير، تعتذر بصدق:


"حاشا لله يا شيخنا، إني لا أزكي على الله أحدًا، ولكنك والله يعلم أنك خير من يطبق سنته وسنة رسوله."


رفعها الشيخ من كتفيها بحنان يوأجلسها بجواره مدللًا لها فهى حبيبته منذ الصبا، وأردف بنظرات عاشقة لا تنضب، ولا تشيخ مع مرور الزمن:


"ياجوهرة البيت، إننا نعلم ماتكنه ابنتنا لإبن عمها، وأن رفضها لكل من تقدم لخطبتها ليس بسبب عدم استحقاقهم لشرف نسبنا، وإنما لأن للقلب سلطانًا. فترفقي بالفتاة، فإنها نعم الفتيات، ولا تنظري للعادات والتقاليد، وانظري لشرع الله."

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

أراحت جوهرة رأسها على كتف زوجها بدلال فطري رغم مرور الزمن، وأومأت له بالإيجاب متمتمة بصوت خافت:


"كما تأمر يا زوجي. سأتحدث معها غدًا بإذن الله وأتقبل رأيها كيفما كان، وإني لأدعو الله أن توافق، فإني أريد أن اطمئن عليها بجوار رجل ورث من أخلاق أبيها وقوته " 

قبل الشيخ جبهتها بتقدير، شاكرًا الله على هذه الزوجة الحنونة.


  

على جانب آخر، وعند دخول عليّ لخيمته، شعر بالسعادة تتغلغل في قلبه عندما رأى ترتيب خيمته بدقة كما كان يحب قبل سفره.

وما زاد شعوره باللذة هو رائحة العطر الأنثوية النفاذة، والتي يعرف صاحبتها جيدًا، موقنًا بداخله أنها هي من اهتمت بفراشه عندما علمت بمجيئه.

وجد أيضًا بجوار فراشه طاولة مسطحة مستديرة تحتوي على ما لذ وطاب من المأكولات التي يحبها ويفضلها، كما وجد في الجانب الآخر من الغرفة وعاءً وإبريقًا للإغتسال وإزالة عناء السفر.

وجد على فراشه ملابس نظيفة موضوعة بعناية، اقترب منها واشتمها فوجدها ممزوجة برائحة العطر كما يحب.

غمرت الفرحة كيانه حتى شعر بأنه لا يعيش على الأرض، وإنما يحلق بأجنحة السعادة في الكون الفسيح.

دعا الله أن تقبل به ضيّ زوجًا لها، فهو لا يشعر بطعم الحياة بدون وجودها، تلون أيامه، وترسم بأناملها الحنونة على صفحات قلبه الخالية إلا من عشقها.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية


في خيمة ضيّ، كانت تجلس باسترخاء تلعب في خصلات شعرها بدلال، تتذكر ملامحه، صوت ضحكاته الرخيمة، نظراته الحادة المليئة بالهيبة، والمغلفة بعشق لا يظهر إلا لها.

تذكرت وقت انقضاضها على صديقتها(وجد)، وهي تصرخ بها بخجل:

"وجد، أيتها الحمقاء، كيف لم تخبريني بعودة عليّ وجلوسه مع والدي؟"

ثم أكملت ببكاء مصطنع من خجلها من موقفها:


"لقد رآني وأنا أدخل على أبي مثل عاصفة الصحراء. لقد كنت بلهاء حقًا"،

 نطقت ضيّ آخر كلماتها ثم سقطت على ركبتيها تبكي بصوت مزعج: 

"لقد رآني بعد فترة غياب دامت لثلاث سنوات، وأنا مازلت كما أنا: مندفعة وطفولية في تصرفاتي"، 

التفتت إلى صديقتها تسألها بنظرات طفلة بريئة:

"وجد، هل يمكن أن ينفر مني ويرى أني طفلة لاتليق به وبمكانته كوريث لأبي أطال الله عمره في زعامة القبيلة؟" 

لم تدع لصديقتها الفرصة للرد عليها لتكمل بنواح حقيقي، وبألم يمزق نياط قلبها:


"أنا حتى لا أعلم هل مازال يتذكرني، أم أن حياة المدينة أنسته ضيّ لياليه، كما كان يناديني."


كانت تتحدث وتبكي وتنوح، ووجد تنظر لها بدهشة حقيقية ولا تجد الفرصة المناسبة لمواساتها.

لم تدم دهشة وجد طويلًا، حيث استفاقت على حالها فجذبت ضيّ من ذراعيها برفق، تحتويها بين أحضانها وتربت على كتفيها تخبرها بصدق وصوت حنون:


"إنكِ فعلا حمقاء إن ظننتِ أن عليًّا يمكن له أن ينساكِ. كيف هذا واسمكِ موسوم على جدار قلبه؟ أنتِ ضيّ لياليه، ودليل أيامه إلى السعادة"

استكانت ضيّ لكلمات صديقتها الغالية.

أبعدتها وجد عن أحضانها تكفكف دمعاتها بحنو تردف بمزاح:


"هيا نذهب إلى خيمته ننظفها كما أمرتني أمي." وغمزتها لتكمل: "وضعي لمساتك الفنية العطرة بها,"

وأكملت متذكرة:


"ولا تنسي يافتاة أني كنت قادمة إليكِ لأخبركِ بعودته، ولكنك اندفعتِ إلى خيمة والدكِ الشيخ لممارسة هوايتك اليومية في التدلل عليه."


دفعتها ضيّ في كتفيها بمزاح، وخرجتا متوجهتين إلى خيمته، مرورًا بجانب خيمة أبيها الشيخ عبدالقادر، ليستمعا طلب عليّ الزواج منها. فرحت الفتاتان بشدة وكادتا ترقصان من السعادة، إلا أنهما تماسكتا حتى دخلتا الخيمة، وعندها انطلقت منهما رقصات السعادة والسرور.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية


في صباح اليوم التالي، ومع انبلاج أول ضوء للفجر، كانت النساء كعادتهن يقمن بالأعمال اليومية الموكلة إليهن، أما اليوم فاختلف مع جوهرة وابنتها، حيث أنه بعد خروج الشيخ لأداء الفريضة، هرولت زوجته من فورها إلى غرفة ابنتها التي كانت تنهي صلاتها.

رفعت يديها إلى السماء بدعاء صادق يخرج من قلبها لربها بأن يتم عليها السعادة ويتمم زيجتها على خير.

أنهت صلاتها والتفتت لأمها المبتسمة بحبور، تخبرها أنها ستأتي خلفها، لترفض الأم وتطلب الحديث معها أولًا.

أخذتها بيدها وجلستا سويًا على بعض الوسائد المصفوفة أرضًا بعناية تدل على رقة صاحبتها.

جلستا بصمت لبضع دقائق حاولت جوهرة ترتيب أفكارها وكلماتها، وابنتها تناظرها بلهفة مشتاقة لما ستلقيه على مسامعها.

قطعت الأولى الصمت بسرعة:


"لقد تقدم لخطبتك من أبيكِ عليّ، ابن عمك الراحل. وأبيكِ بانتظار إبداء رأيكِ."


أطرقت ضيّ برأسها أرضًا بخجل وحياء، وتصبغت وجنتاها على الفور باللون الأحمر ولم تقوَ على الرد بأي كلمة.

استحثتها جوهرة وهي ترفع وجهها لتنظر حمرة خجلها، وسألت:


"بماذا أخبر الشيخ؟ هل أنتِ موافقة يا ابنتي أما لا؟"


ابتلعت الأخيرة لعابها تحاول إخراج الكلمات من حلقها، وأردفت بخجل:

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

"ما يراه أبي الشيخ مناسبًا فأنا طوع أمره وملكه."


احتضنتها الأم بفرحة حقيقية نابعة من قلبها بقبول ابنتها للزواج من عليّ، سألتها للمرة الأخيرة:


"أخبرينى يا بنيتي، هل توافقين بكامل رغبتك على ابن عمك؟"


أومأت الأخيرة بالإيجاب، فتركتها الأم وعادت إلى خيمتها تزف بشرى الموافقة للشيخ.

دخلت جوهرة خيمتها باندفاع مشوب بالفرح لتجد الشيخ عبدالقادر يذكر الله، فأخبرته بسرعة وسعادة:

"لقد وافقت ضيّ ياشيخ على الزواج من ابن عمها عليّ."

نظر لها زوجها بسعادة حقيقة ثم استدرك سائلًا:


"هل وافقت بكامل رغبتها، أم.."


قاطعته وهي تقترب منه تجلس بجواره: "يشهد الله أني لم أحاول استمالتها له أبدًا، فقلبها ملكه منذ الطفولة يا شيخنا".


أومأ الأخير بجدية، ثم نهض عاقدًا العزم على أن يتم عقد الزفاف في أسرع وقت حتى يجمع بينهما بالحلال. 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

كان العمل يتم في القبيلة على قدم وساق، حيث أمر الشيخ عبدالقادر منذ الأمس بإقامة مأدبة احتفالًا بعودة عليّ، ودعا إليها كل القبائل المجاورة.

انقضى اليوم مابين عمل للنساء في إعداد الوليمة، وبين جلسات صلح ووفود للرجال.

حاول عليّ خلال اليوم أن يلتقي بضيّ أكثر من مرة، ولكن الأمر كان أصعب من كسر الماس.


حل الليل سريعًا على تلك الصحراء، فألقت النجوم ضوءها على الرمال الناعمة لتصنع لوحة فنية طبيعية ازدادت جمالًا بالمشاعل الحجرية المضاءه في تلك القبيلة العريقة.

توافدت القبائل، يستقبلهم الشيخ عبدالقادر ويجواره عليّ.

وانطلقت أصوات الحاضرين بالضحك والحديث المتبادل، حتى اكتمل عدد الحضور.

صعد الشيخ على صخرة قريبة قد اتخذها منصة لإلقاء خطاباته. سكت الجميع توقيرًا في انتظار كلمة الشيخ عبدالقادر، ليحمحم الأخير مجليًا حلقه، ويردف بقوة وشموخ:

"بسم الله الرحمن الرحيم، الحمدلله الذى أكرمني بهذا الشرف، وهو أن أكون شيخ هذه القبيلة الأصيلة." 

هلل أهل القبيلة بتكبير لكلامه العذب، أومأ بتواضع ثم أكمل بإجلال:


"ولله الحمد في الأولى والآخرة على أنه جعلني سببًا في فض النزاعات بين القبائل العظيمة المجاورة لنا." 

انطلق التهليل مرة أخرى مع صيحات التوقير لهذا الرجل صاحب الكلمة المنمقة.

أشار لهم بالصمت ليكمل مرة أخرى:


"إن عليًّا ابن أخي رحمة الله عليه عاد من دراسته بالمدينة بعد أكثر من ثلاث سنوات."

قاطع حديثه همهمات الحاضرين داعين بالرحمة لفقيدهم الراحل شيخ القبيلة السابق.

هز الشيخ عبدالقادر رأسه بأسى، مستعيدًا ذكرى أخيه، ثم نظر إلى ابنه عليّ بجواره، فرأى دموعه التي تأبى النزول، متوقفة عند أطراف عينيه، رفع الشيخ رأسه وأكمل حديثه قائلًا:

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

"قبل رحيل عليّ، طلب مني يد ابنتي وكريمتي ضيّ، لكنها كانت صغيرة من وجهة نظري، فلم أوافق حينها. وبعد عودته، جدد الفارس الشجاع طلبه، وقد استخرت الله واستشرت ابنتي كما أمر الله ورسوله، وقد قبلنا طلبه بالزواج من كريمتنا."


ما إن أنهى الشيخ عبدالقادر كلماته حتى انتفض عليّ بقوة إثر وقع هذا الخبر السعيد على قلبه، كان وقع الخبر على قلبه كأثر ضوء القمر في ليلة حالكة ينير ظلمة السماء.

وقف عليّ مقبلًا جبين عمه بقوة، ليضمه عمه إلى أحضانه مباركًا الزواج، وتقدمت الوفود تهنئ الزواج السعيد، متمنين لهما الذرية الصالحة.


وقف عليّ يستقبل المباركات بسعادة لا يمكن وصفها.

وعلى الجانب الآخر، كانت النساء تستمعن إلى كلامات الشيخ عبدالقادر حتى أعلن زواج ابنته من الفتى الواعد، فتهافتن حولها، يشكلن حلقات نسائية، يتمايلن بغناء وطرب بدوي أصيل، مهنئات بسرور.


وقف الشيخ عبدالقادر مرة أخرى ليلعن أن بداية الحفل ستكون يوم الخميس القادم، وستستمر الاحتفالات لسبعة أيام متتالية.


مرت الأيام تلو الأيام، والاحتفالات مستمرة. حتى كان اليوم السابع وفي منتصف الليل، انطلقت الأعيرة النارية، تخالطها دقات الدفوف، ليتقدم عليّ بصحبة عمه إلى داخل خيمة العروس.

استقبلته نساء القبيلة بالطيب والبخور عند باب الخيمة، تقدم العريس إلى داخل خيمته برفقة عمه والنساء اللائي كن على الباب، يدعون لهما بالتوفيق، لتنتهي بذلك رسميًا مراسم الزواج.

عند إنفراد عليّ بزوجته، اقترب منها مسرعاً، فابتعدت عنه بخجل وكلما اقترب منها، ازدادت ابتعادًا حتى حاصرها بين ذراعيه ضاحكًا:


"لا تحاولي الابتعاد عني ياضيّ الليالي، فقربك يمحو ألم الوحشة، ويعين القلب على الحياة".

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

اقترب منها أكثر، ورفع وشاحها المغطى به وجهها، متأملًا حسنها وبهاء طلتها.

مرر يديه على وجهها المتورد من فرط الخجل، ورفع ذقنها بيديه، ثم ضمها لأحضانه بقوة، فشعرت ضيّ بألم يسحق عظامها إثر قوته عليها، وما كادت أن تبعده عنها حتى سمعته يتمتم بهمس عاشق، وهو يستنشق عبيرها:


"لا أصدق أني أضمكِ إلى صدري. أكاد أُجن من فرط سعادتي. ها قد تحقق حلم طفولتي وصباي بالزواج منك. كنتِ دائمًا ربيبة قلبي، وبطلة أحلامي."

أبعدها عنه بلطف ونظر لعينيها الحنونة:


"وجودك في قلبي هو ما أعانني على وحشة الغربة. عقلي لم يرَ إلا ضيّ، وقلبي لا ينبض إلا باسمك".


ضمها بقوة أكبر، مستمتعًا بقربها، غير مصدق حتى الآن أنها أصبحت زوجته، وهمس:


"ضيّ الليالي ومناها... عشق الأيام وصباها...

سهم عينيكِ أصاب قلبي بجرح لا يبرأ، ولا يلتئم إلا بوجودك. أدعو الله ألا نفترق أبد الدهر."

 أمنت ضيّ على دعائه، ترجو من صميم قلبها أن يديمه الله تاجًا فوق رأسها.

نطقت اسمه بدلال فطري، وخجل ناعم، ليقترب منها عليّ ويبدأان حياة جديدة برباط وميثاق دائم، يكلل قصة حبهما، ويزيدها عشقًا.

انقضى ليل البادية، مبددًا ظلمة السماء، معلنًا ظهور أول ضوء للفجر وأول يوم جديد فى حياة عليّ وضيّ لياليه.

تململت ضيّ برقة ودلال، وحاولت النهوض لتجد نفسها بين ذراعي زوجها وحبيبها، محاطة برعايته وحنانه حتى في أثناء نومه.

مررت عينيها على ملامحه التي تعشقها، لتنتفض خجلة على صوته الأجش من أثر النوم:

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

"لم أكن أعلم أني أملك من الوسامة قدرًا كبيرًا إلا عندما نظرتِ إليّ بنظراتكِ التي تذيب أعتى الصخور برقتها."


دفنت رأسها في صدره بحياء محبب إلى قلبه، فقبّل أعلى رأسها يغمغم بهمس دافئ:


"هل أنتِ مستعدة للسفر اليوم يا أحلى عروس في البادية."


اومأت بإيجاب دون القدرة على إخراج حرف واحد، ضحك عليها بقوة، ضامًا إياها بين ذراعيه، حامدًا الله في كل لحظة أنه استجاب دعائه ومنَّ عليه بنعمة وجودها في حياته.


مرَّ النهار سريعًا ليحل الليل، وتجتمع القبيلة بأكملها لتوديع العروسين، حيث سينطلقان إلى عشّهما السعيد في المدينة.


ركبت ضيّ بجوار زوجها في سيارته الحديثة الطراز، محاوِلةً خلق حديث بينهما. سألت بصوت خافت من شدة خجلها:


"هل لي أن أسألك عن شيء؟"


نظر إليها بطرف عينيه، مستمتعًا بخجلها، ومال عليها ناطقًا بهمس:

"إني وما أملك رهن إشارتك، فاسألي عما شئتِ!"


نظرت إليه بعشق خالص، وانتفض قلبها بين ضلوعها ككل مرة كانت تتخيل نظراته المحبة لها.

ارتجف جسدها رجفة خفيفة من شدة التأثر بمشاعره تجاهها، ليخرج سؤالها بعيدًا كل البعد عما توقع. قالت:


"إذا كنت تملك سيارة، وأيضًا من النوع الذي يمكن أن يمشي في رمال الصحراء الكثيفة، لماذا تكبدت عناء ومشقة السفر وأتيت إلى القبيلة بالخيل؟!"


نظر إليها زوجها بدهشة شديدة، وكاد قلبه أن يُصاب بالمرض.

لم يتوقع منها في أول يوم للزواج مثل هذا السؤال، بل كان يتوقع أن تعبر في كل طرفة عين عن مشاعرها وعشقها له منذ الصغر.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

أفاق من دهشته على نظراتها المترقبة لإجابته بجدية حقيقية، ليضحك في نفسه، مذكرًا ذاته بأن هذه هي ضيّ، حتى في أجمل اللحظات، قادرة على أن تفاجئك بما لم يخطر على عقلك من أفعال وأقوال.


كتم ضحكاته الساخرة من نفسه على توقعاته، فكيف يتوقع من يابسة الرأس هذه أن تعبر عما في قلبها بسهولة؟ ثم أردف مجيبًا:


"أحببتُ أن أسترجع ذكريات الصبا مع أبناء عمومتي وسباقاتنا بالخيل، وأردت استرجاع ذكرى عندما كنت أجوب الصحراء ذهابًا وإيابًا في أي وقت بخيلي النجيبة دون أن أخشى شيئًا."


أومأت بتفهم، مبتسمة بفخر وحب لهذا الفارس، نظر إليها، فرأى ابتسامتها الجميلة ونظراتها العاشقة التي تخصه بها.

فبادلها البسمة بضحكة نابعة من ثنايا القلب، أمسك كف يدها، قبله بحب، وانطلق في طريقه المظلم، لا يبدد عتمته إلا ضوء السيارة، كما بددت ضيّ عتمة قلبه بوجودها، راجيًا من الله أن تظل ضيّ ساكنة بقلبه، تضوي بعشقها كل خلية مظلمة بداخله.


« السابق

جميع الفصول

التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (نونا أحمد)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

إرسال تعليق

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل