صياد النايا آل حنايا جـ2 - الفصل 1 | آية العربي

قراءة رواية (صياد النايا آل حنايا جـ2 ) كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية: (صياد النايا آل حنايا جـ2)

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: (آية العربي ) | الفصل: (1)



نعم أراك

ولكنني أقف على شاطئ البر الثاني، بيني وبينك بحرٌ جارٍ

بحرٌ من خيباتٍ وكسور، وصخور معاناتي تصفع أمواج غدرك فتثور، وتبتلع في ثورتها سفن الأمل والأصول.

​نعم أراك

وأرى خيانتك العظمى تعبر أمامي، يرفرف فوقها علم التكبر والغرور، تتبعها قوارب تبرير يأسر العقول .

​نعم أتألم

ولكن رمال صدماتي أهدتني أقنعة من جليدٍ وحبور، فعزمت على صيد راحتي من بحرٍ آخر، فالراحة في بحرك تشبه راحة القبور.

بقلم آية العربي 



❈-❈-❈



فشلٌ جديد ينضم إلى قائمته، ضربة قاضية كانت جزاء ثقته في من أحب، وأولهم والده.


ضاقت الأرض عليه رحبًا وهو يقود بلا هدى، فقط يسعى للابتعاد كأنه يفر من الاختناق .


طُعن في أغلى ما كان يظن أنه يملكه، كبرياءه، وبيد والده، وسلاح نظراتها الباردة نحوه. 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

تزوجت بآخر، وذلك الآخر يعد قريبًا، وأتت المباركة من أبيه، ثلاثة خيانات في آنٍ واحد، كقهوةٍ مرّة، كقلبٍ صار فتاتًا، وكروحٍ دُهست تحت عجلات القدر. 

كيف استطاعت أن تمنح لغيره ما كان وطنه ؟ وكيف لعدلِ الحياة أن يجعله يتذوق اليوم من نفس الكأس الذي سقاه لها بالأمس؟


سيلمسها آخر؟ سيقترب منها؟ سيعاشرها؟ ستسلمه نفسها؟ كيف استطاعت أن تفعلها؟ كيف يمكنها أن تعطيه ما هو ملكًا له؟ 


ألا يفترض أن يكون كل شيء بها عائدٌ إليه؟ كيف ستتقبل أن يضع ذلك الرجل يده عليها؟ 


استعمر الجنون عقله، حتى أنه لم يعد يرى الطريق أمامه واضحًا، يتمنى أن ينهي هذا الطريق، أو أن ينهي الطريق وجودَه . 


هل هكذا عاقبته؟ هل أرادت أن تذيقه ما فعله بها؟ هل هكذا شعرت حينما تزوج تيا وابتعد عنها؟ هل هذه هي الخيبة التي عاشتها حينما وقف في المكان ذاته الذي وقفت فيه اليوم، ونطق أنها لم تكن اختياره؟ هل اختارت عبدالله وفضلته عليه لترد له الصفعة؟ 


هل هكذا تدور الدوائر؟ هل هذا هو العدل؟ هل الوقوف على عتبة الموت انتقامًا صالحًا؟ 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

حسنًا هل الندم سيعيدها إليه قبل أن يلمس ذلك العبدالله ظفرها؟ 

يشعر أنه على عتبةِ الموت، يريد أن يهرب من مشهدٍ ينهش ما تبقى من رجولته. 

رحلت، وأخذت معها كل شيء، تاركةً خلفها مهران المحطم، الذي أدرك أخيرًا و بعد فوات الأوان أن الدوائر تدور، وأن خذلانه لها بالأمس، هو ذاته الخنجر الذي يغرس في صدره اليوم. 


عادت الأفكار تلتهم عقله دون رحمة، يتخيل مشاهد قادرة على نحر روحه ونزعها من بين أضلعه، تتملكه طاقة بالعودة إليهم وتدمير كل شيء، بات يشبه بركانًا سُدت فوهته بعدما رأى كل أبراج آماله التي شيدها تنهار أمامه واحدًا تلو الآخر، وهو يقف يشاهد الهزيمة بعجزٍ تلفّح به، وماذا بعد؟


ليعود بذاكرته قبل أسبوعين وقبل سفره خارج البلاد 


( ترجل أمام المبنى، ودلف يستقل المصعد ليراها ويرى صغيره قبل سفره  . 

لقد أوشك صبره على النفاذ، مر شهر ونصف على العمل في الشركة، ولم تخبره هل تنوي العودة، كلما يسألها تتملص هربًا، ولا تجيب على اتصالاته فيضطر إلى التواصل مع الخادمة أو الحارس ليسألهما عنها، يراها تبتعد شيئًا فشيئًا، يراها تتجرد من جلبابه منذ أن أتت، وترتدي عباءة التمرد عليه وهذا يزعجه، ويخيفه, خاصة مع تودد عبدالله الزائد والملحوظ برغم تحذيراته له، وتقرب ولديه منها للدرجة التي جعلتهما يأتيان لزيارتها باستمرار،حتى حينما أتى الاسبوع الماضي وجدهما عندها.


طرق الباب وانتظر ثوانٍ حتى فُتح له، ولكنه وقف متجهمًا وقد ظهر عليه الضيق حينما وجد ندى أمامه، تبتسم له وتردف بلطف :


- أهلًا بحضرتك يا أونكل، اتفضل.


تفضل؟ هل أخطأ في العنوان وجاء إلى منزلهما؟ ولماذا لم تخبره الخادمة بوجودها؟


دلف ممتعضًا ولم يعطِها اهتمامًا، ليصدمه المشهد التالي وهو يرى شقيقها يجلس مع حمزة ويلاعبه مبتهجًا بتفاعل الصغير معه، والمشهد الذي يليه نهاد تخرج من المطبخ وتحمل في يدها طبق الكيك وتتبعها الخادمة تحمل صينية العصير في مشهد أسري رائع لا ينقصه سوى خروج عبدالله من غرفة النوم للدرجة التي جعلته يشعر بأنه دخيلٌ عليهم.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

لمحته نهاد فوقفت مكانها تطالعه بتعجب قرأه جيدًا وأدرك ما يدور في خلدها، فهذا ليس موعد مجيئه الأسبوعي، وكيف يأتي هكذا دون اتصالٍ مسبق؟


حقًا لم تعد تطيق أفعاله الاستحقاقية والمتسلطة هذه، لم تعد تتحمل ضغطه عليها في كل محيطٍ لها، لم تعد تحتمل تحذيراته المستمرة لها بألا تقترب من هذا وذاك، ومن المؤكد أن رؤيته لـ علي وندى ستزيد الوضع سوءًا، فهي لم تنسَ ماحدث الأسبوع الماضي حينما أمرها أن تضع الحدود، ولكنها لم تفعل، خاصةً مع تعلقهما بها وبالصغير، وبافتقادهما للاهتمام بتفاصيل كانت تهتم بها والدتهما ووجداها عند نهاد، كاهتمامها بحكاويهما حتى لو كانت ليست مهمة، نعم ربما كونها امرأة صعيدية لا تحبذ مجيئهما إليها باستمرار، ولكنها لا تستطيع صدهما مهما حدث. 


نطقت بخفوت على مضض  : 


- مهران؟ حُصل حاچة؟ 


حدجها بضيق، ثم تحرك نحو صغيره يحمله ويقبله، وجلس ينظر نحوهم حتى استقر عندها وهي تقف مكانها قبل أن تتحرك وتضع مافي يدها على الطاولة، ثم اتجهت تجلس قبالته واستطردت وهي تنظر إلى ندى التي التهمها الخجل  : 


- اجعدي يا ندى  . 


تحركت تجلس بتوتر وتنظر لشقيقها الذي شعر بالإهانة لذا نهض يردف  : 


- لاء يالا يا ندى نمشي علشان اتأخرنا  . 


أومأت ونهضت معه لتوقفه نهاد تنطق بعفوية  : 


- ماحتنزلوش غير لما تاكلو الكيك، داني عملاه عشانكم. 


ازدرد ريقه ولم يعد يرغب في تناول شيء خاصة بعد تجاهل مهران له ولشقيقته لذا نطق بتصميم وهو ينوي التحرك  : 


- معلش يا خالتو نهاد هنمشي دلوقتي ومرة تانية نبقى ناكل، عن اذنكو  . 


أمسك بكف شقيقته وتحركا يغادران تحت أنظارها العابسة وأنظار الخادمة التي تقف لا حيلة لها بعدما وضعت صينية العصير وكادت أن تتحرك نحو المطبخ، ولكن مهران أوقفها ينطق بجمود غير مبالٍ برحيل الشقيقان : 


- تعالي خدي حمزة وانزلي اشتريله حاچة من تحت. 


التفتت نهاد تحدجه بضيق من أفعاله ونطقت معترضة  : 


- ماينفعش تنزل، خدي حمزة يا سمر وادخلي چوا. 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

نطق بتصميم بعدما تملك منه الغيرة والغضب  : 


- جولت خديه وانزلي دلوك. 


لم تستطع الخادمة إلا أن تنفذ رغبته، لذا تحركت تحمل الصغير أمام نهاد التي وقفت عاجزة وغاضبة، تشاهد سيطرته بقلة حيلة لا تعلم كيف تنفضها عنها، فهي لا تحب الصوت العالي، لا تحب الضجيج، ولا تحب إثارة البلبلة من حولها، لذا كبتت غضبها إلى أن رحلت الخادمة وأغلقت الباب فالتفتت تطالعه ولم تنبس بحرف، تنتظره ليبوح بما لديه، وبالفعل نطق بنبرة خرجت من أسفل أنقاض غيرته  : 


- فهميني الحكاية إيه ورايحة على فين عشان اني مانيش مغفل. 


تساءلت بعدم استيعاب لمقصده  : 


- يعني إيه؟ 


نطق مهتاجًا  : 


- يعني اللي شايفه إن اولاد عبدالله واخدين راحتهم وياكي ع الآخر، بنته تفتحلي الباب، وابنه جاعد يهزر مع ولدي، وكان ناجص الاجي ابوهم خارج من چوة ياكل كيك من يدك كنكو عيلة مثالية مافيش زيها . 


لو يعلم وقع كلماته على روحها لما نطق بها، وهل ترك لها حياة لتبنيها؟ هل جعلها تبني معه عائلة مثالية لتبنيها مع غيره؟ 


نطقت بهدوء ظاهري  : 


- إنت شايف اكدة؟ 


هدوءها أصابه في مقتل، حيث ظنه لا مبالاة، لم يرَ البركان المشتعل بداخلها، فزاد من حدته بشكٍ خبيث، ينطق وهو يضرب جانبي مقعده بيديه  : 


- ماتچنننيش، جولتي حسافر واشتغل واهدى من اللي حُصل ونرچع، واللي شايفه دلوك إنك بتبعدي ومرحبة بالبعد ده، لتكوني كنتِ واخداني كوبري عشان توصلي لحاچة في دماغك، ولا لتكوني متفجة مع اللي اسمه عبدالله ده على حاچة ماعرفهاش؟ إنتِ عايزة إيه بالظبط؟ 


من يراها يظنها سيدة تتلحف بالاستفزاز عن عمد، ومن يفهمها يدرك أنها استُنزفت كليًا، ومن يحبها يفترض أن يسعى لإطفاء لهيب قلبها، ولكنه يجلس أمامها ويفعل العكس، لذا نطقت وهي على وتيرة الهدوء ذاتها  : 


- عايزاك تبعد عني، ايوة أني سايسيتك عشان ابعد عن محيطك واچي على اهنة، بس انت مش عاتجني ومابجتش جادرة اتحمل افعالك وحديتك  .... أني چيبت أخري يا مهران  . 


جن جنونه حينما أخبرته أنها راوغته من البداية حتى تأتي إلى هنا، تخبره أنها استغفلته واستهزأت به، ليراوده ذلك الشعور مجددًا، وتعود إلى حضنه العقدة النفسية التي اتخذها ذريعة لهدم حياته، كأن الخراب يتحداه، لذا لم يعد يعرف ماذا يقول، فبدأ يقذف كلمات قاسية مبعثرة تستهدف خاطرها وروحها وضلوع صدرها وعيناه مشتعلتان كأنهما سماء تعانقان ألعابًا نارية : 


- اكدة ماطلعتش أني اللي خاين، على الأجل أني اتچوزت وچيت جولت جدام الكل ولا لفيت ولا دورت، إنما انتِ بينتي وشك التاني دلوك، وشك الغدار الخاين، بينتي جد إيه مكانش ينفع أأمنلك. 


نهض يسترسل غاضبًا وشيطانه يقنعه بأن ما سيقوله هو الحل الأمثل لترويضها ورضوخها  : 


- أني دلوك حاخد ولدي وارچع ع الصعيد، وانتِ اعملي اللي رايداه، ححل عنك كيف مانتِ عايزة، وماحتشوفيش وشنا تاني واصل. 


تحرك خطوات يقوده غضبه العاصف، بينما مشاعره تحاول منعه، ولكنه تجمد والتفت حينما رطمت المزهرية المجاورة لها أرضًا فتهشمت إلى قطعٍ متناثرة، فانحنت سريعًا تلتقط قطعة زجاج مدببة، قبضت عليها ووضعتها على معصمها الأيسر قائلة بعيون غائرة وروحٍ تحلق في سماء الاستسلام المُلبدة بالعجز، وقد غابت شمس الأمل عنها حينما شعرت أنها ستفقد صغيرها :


- لو خرجت دلوك حجتل حالي، أني عايشة ومتحملة كل اللي شوفته عشان ولدي، لو اخدته مني ماحيبجاش عندي حاچة اخسرها، إنت ماسبتنيش حتى اعرف اداوي اللي اتكسر چوايا، انت وصلتني لطريج مجفول مافيش منه مفر، أني خلاص استسلمت. 


انخمد بركانه وكأن السماء انهمرت بالمطر الغزير، وتبخر غضبه حينما وجد الانهيار يعانقها، فأسرع يرفع كفيه أمامها وينطق بخوف تجسد في نظرته ونبرته : 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

- ارمي اللي في يدك ده يا نهاد واعجلي، أني لا رايح ولا چاي، اجعدي وحنتحدت زين . 


ابتسمت بسخرية مؤلمة، تسخر من خوفه واهتمامه اللذان لم تعد تشعر بهما ولو بمقدار ذرة، زواجه جعلها لا تصدق أية مشاعر تصدر منه نحوها، وبالفعل كانت تجز القطعة الحادة على معصمها، وقد تسبب الضغط عليها في جرح يدها، فظهرت الدماء أمامه وهو يراها بالفعل تنفذ تهديدها، لذا لا يعلم كيف التهم المسافة بينهما وأسرع يقبض على كفها وينتشل منها الزجاجة ويلقيها بعيدًا. 


وقف يفحص كفها ليطمئن ثم انحنى سريعًا ينتشل محرمة ورقية وعاد يلف بها يدها المُدَمَّاةُ.. 


رفع نظره إليها ليجدها تنظر نحو يدها بخواء، كأنها ذهبت إلى عالم آخر، عالم تمنت أن تجد فيه من يرحمها، ويفهمها، ويسمح لها بالتقاط أنفاسها، يسمح لها بالتعبير عن أوجاعها. 


استغل حالها وسحبها إليه يعانقها بتردد ولأول مرة لم تمنعه، لم تشعر حتى بوجوده كأن روحها نُزعت من جسدها، وقفت متبلدة من أي مشاعر بعدما أدركت أنها كانت على وشك إنهاء حياتها، وكيف سقطت في بؤرة يأسٍ لحظية قادتها إلى هذا الفعل، وكادت أن تكلفها الكثير. 


برغم أنه تمنى عناقها منذ أن طلقها، ورغب في احتوائها الآن بكل جوارحه، ولكن تبلد مشاعرها جعله يبتعد ويزفر مطولًا بحزن على ما أوصلها إليه، ليدرك خطأه واندفاعه خلف غيرته وغضبه على شيء لا يستحق ما حدث، إنها لم تفعل أي شيء. 


أجلسها وجلس يرنو منها ويقبض على كفيها قائلًا بأسفٍ صريح : 


- حجك عليا، ماكنش ينفع اجول اللي جولته دلوك، أني اتسرعت وغيرتي عمتني، أني عارفك زين بس غصب عني مابتحملش اشوف اهتمامك رايح لغيري خصوصًا عبد الله وعياله اللي طلعولي في البخت دول، ومش معبراني واصل وبجيتي تشوفيني تضايجي، عشان اكدة جولت حديت ماسخ، بس أني عمري ما اخد منك حمزة مهما حُصل، ده كان تهديد في لحظة غضب لاجل ما تجبلي ترچعي ويايا. 


لم تعطِ أي ردة فعل سوى النظر لكفها والصمت، كل ما يدور في عقلها أنها كادت أن تنهي حياتها، أنها تغضب ربها للمرة الثانية وبسببه أيضًا، أنها يجب أن تُعاقب نفسها، ولكنها التقطت من بين أفكارها كلماته وهو يخبرها  : 


- أني بحبك جوي يا نهاد، وبغير عليكِ جوي، حتى حديتك مع عبدالله لمجرد الشغل بيخليني جاعد بعيد وعجلي كله معاكي اهنة، ولا بجيت مركز في شغل، ولا عارف اجعد على بعضي، عشان اكدة بتلجيني جدامك كل شوية. 


رفعت نظرها بعدما اخترقت كلماته عقلها المنهك، و طالعته باستنكار بغيض فشعر بما يدور في خلدها لذا ازدرد ريقه ونطق : 


- جولي اللي بيدور في راسك، اطلبي اللي إنتِ رايداه وأني حنفذهولك، لو عندك شروط للرچوع جوليها واني حنفذها مهما كانت. 


هزت رأسها بلا، تخبره بصمتها أنها لا ترغب في العودة، أنها لم تعد ترغب في حياة زوجية تدرك جيدًا تكرار نمطها معه، أنها تذوقت الجفاء منه لعامين وادعت أنها تتذوق شهدًا، ولكن بعد زواجه بأخرى قال أنها اختياره، لا يمكنها أن تدعي التعايش، بينما هو يرتدي قفاز الندم ويُشرّح مشاعرها دون أي وسيلة تخدير. 


زفر بقوة واحتوى وجهها فحاولت إزاحته ولكنه لم يفعل بل نطق وهو يقترب منها كثيرًا  : 


- حجك عليا، اوعدك ماحضغطش عليكي تاني واصل، أني اصلا مسافر اسبوعين شغل وحتاخدي راحتك مني وتفكري فيهم زين، وبعدها حعملك اللي إنتِ رايداه، وحمزة حيفضل وياكي مهما حُصل، بس اوعديني انك ماحتعمليش اللي عملتيه ده تاني واصل، مهما حُصل يا نهاد اوعي. 


حاولت الابتعاد عنه، ولكنه اقترب يطبع قبلة على جبهتها، شعرت بها كمن يوقع على ورقة عابرة تليها أخرى بتوقيع آخر . 


ابتعد يتنفس مطولًا والتقط هاتفه يهاتف الخادمة ويخبرها بالعودة وقلبه يتآكل قلقًا وخوفًا عليها ولكنه سينفذ وعده ويحررها من قيوده.. قليلًا  .. وإلى أن يعود من سفره ) 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

عودة للواقع  .. 


إذًا هي كانت تنوي الزواج بعبدالله منذ وقت، وخدعته، فعلت به ما لم يفعله هو بها، إذًا كانت كاذبة حينما أوهمته أنها تحبه، لم تحبه ولو بقدرٍ ضئيل، وكيف تحبه وهو يبدو أمامها مغفلًا؟


 صدقها، وثق بها، لم يضعها في خانة شكه مطلقًا مثلما وضع تيا. 


تيا التي استقطعت جزءًا من رحلته، خاصةً بعدما رحلت صديقتها دون أن تخبره شيئًا لا يعرفه، لذا قرر أن يبحث بنفسه واستغل سفره إلى أمريكا ليفعل، وقد لجأ إلى أحد المخبرين ليأتيه بأخبارٍ مفصلة، ولكنه لم يعد يرغب بمعرفة شيء، لم يعد يرغب باستمرار العلاقة بينه وبينها، كذب حينما قال أنها اختياره، لم تكن كذلك بل كانت عقابًا له قبل أن تكون عقابًا لوالده ونهاد، لم يعد يرغب في توريط نفسه في أي علاقة، ولم يعد يرغب في كونه ابن عائلة آل حانا، عليه أن يبحث عن نفسه فقط. 


التقط هاتفه وعبث به ليهاتف ذلك المخبر الذي كلفه بالبحث عن تيا، ليجيبه بعد ثوانٍ، لذا نطق بصوتٍ متجرد من أي مشاعر بالإنجليزية : 


- توقف عن البحث، لم أعد أرغب في معرفة شيء . 


أغلق الاتصال، و أغلق هاتفه، وزاد سرعته في هذا الطريق الخالي تاركًا خلفه حطامًا يستحيل جمعه مجددًا. 


❈-❈-❈


سحبها إلى السيارة، وظل عقلها وقلبها داخل القصر عند صغيرها، لا تستوعب أن عمها أخذه منها، فقد كان كل شيء بموافقته، هل أخذه إرضاءً لحالة ابنه؟ أم لأجل زوجته؟ أم للاعتراف بعادات وتقاليد كان قد تجاوزها لأجل استرداد الحقوق؟ 


أليس من حقها البحث عن السلام دون التخلي عن صغيرها الرضيع؟ كيف يمكنهم تجاوز مصلحته، كيف يمكنهم حرمانها منه؟ هل راهنت على محبة وعدل ترنحا نسبةً لألم ولدهما؟ 


كان عبدالله ينظر لحالتها بضيق، ليس عليها أن تشعر بهذا الضعف والتيه، عليها أن تتحلى بالقوة وتواجه، لذا نطق داعمًا  : 


- نهاد ممكن تركزي شوية وماتوهيش كدة، إنتِ ماعملتيش حاچة غلط، ارفعي راسك، قولي اللي إنتِ عايزاه وأنا حعملهولك. 


نطقت بنبرة متقطعة من الشهيق ووجهٍ محتقن من شدة البكاء والخوف  : 


- ماعايزاش غير ولدي، مش حسيبه يبعد عني بعد العذاب ده كله. 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

يفهمها جيدًا، ولكنه يدرك أنها ستواجه صعوبة، خاصةً بعد قرار عبد الوهاب المفاجيء لكليهما، بعدما أوهمهما بأنه لن يفعل، لذا زفر وشرد لثوانٍ يبحث عن حلول، ثم عاد يتطلع عليها لبرهة قبل أن ينطق  : 


- وأنا معاكي طبعًا، بس على الأقل استني كام يوم لما الأمور تهدى، إنتِ شوفتي اللي حصل وأكيد الأعصاب دلوقتي مشدودة، خلينا نمشي واوعدك إني حتكلم مع عمي واحاول اقنعه. 


هزت رأسها بلا، عقلها لا يستوعب أن ترحل بدونه، لذا نطقت وهي تستعد للترجل  : 


- لاء، ماحروحش من غيره  . 


أوقفها ليلحق بها ولكنها ترجلت والتفتت تطالعه وتنطق بترجٍ  : 


- خليك هنا لو سمحت، خليني اتحدت وياهم لحالي. 


دقق النظر في عينيها لبرهة، يخشى عليها، ولكنه احترم رغبتها، لذا أومأ ونطق بتريث  : 


- تمام، حستناكي هنا  . 


تحركت عائدة إلى القصر، وقلبها ينبض بعنف، ولكنها لن تتركه، تحاول فهم ما يمران به، خاصة بعد حالة مهران التي تسببت في تعقيد الأمور، هي نفسها لم تكن تتوقع أن تحدث كل تلك الفوضى، وأن تصل الأحوال إلى هنا، وإن أتى أحدهم قبل عامٍ واحد وأخبرها بأنها ستتزوج من رجل آخر غير مهران لكانت انقضت عليه وضربته ضربًا مبرحًا، ولكنها الآن تدرك أن كلمة مستحيل يستحيل الوثوق بها. 


دلفت فلم تجد عمها، بل وجدت حسناء ترتب المكان، فاقتربت منها تتساءل  : 


- عمي راح فين؟ 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

باغتتها بنظرة نفور، ثم أشارت برأسها نحو المكتب دون أن تنطق، تجاهلتها نهاد وتحركت نحو غرفة صابحة وطرقت الباب فسمحت لها بالدخول، دلفت تصب عيناها على الصغير الذي يضحك مع جدته التي تجاريه برغم ألم قلبها مما حدث. 


التفتت تطالعها بضيق ونطقت وهي تضرب كفًا فوق الآخر: 


- خير؟ رجعتي ليه؟ 


تحركت تجلس أمامها وتحدق بها علها تتأثر، تعلمها جيدًا، وتدرك سبب قسوتها، ولكنها تتمنى أن تفهمها. 


عادت تنظر إلى حمزة الذي ترجل يحبو إليها، فالتقطته تعانقه بشدة، ونطقت  : 


- ماحجدرش اسيب ولدي يا مرت عمي، مش بعد العذاب اللي شوفته اسيبه وامشي. 


تكتفت صابحة ونطقت بقسوة  : 


- ومافكرتيش في ولدك ليه جبل ما تتچوزي من الخاين اللي ماطمرش فيه العيش والملح؟ 


نطقت تدافع بدموعٍ منهمرة وصدر ملكوم  : 


-عبدالله مهواش خاين يا مرات عمي، عبدالله لحجني من الموت، ماكنش جدامه حل تاني. 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

هاجت صابحة تردف  : 


- بس انتِ كان جدامك يا نهاد، عشان خاطر ولدك كنتِ اختارتي الأهون من الموت ورچعتي لولدي، كنتِ تجدري تخليه يعملك اللي إنتِ رايداه، وهو ندم وعرف أنه غلط واعترف إنه بيحبك  . 


انتحبت بصوتٍ مؤلم تتوسلها: 


- أبوس يدك ماتجوليش إكدة، مكانش ينفع ارچعله، إحنا لاتنين جلوبنا مشوهة، إحنا لاتنين رچوعنا لبعض حيبجى تعب لينا ولولدنا وليكو يا مرت عمي، أبوس يدك افهميني واعتبريني بنتك  . 


رأف قلبها لحالتها سريعًا، ولكنها احتفظت بمشاعرها داخلها ونطقت بجدية  : 


- اعتبرتك بنتي، ووجفت في وش ولدي ورفضت چوازه، وماسمحناش إنه يدخل بيها اهنة، وطلجناكي منه مع إن ده ضد عُرفنا اللي ماشيين عليه من سنين، وعمك جال نهاد تشتغل في شركتنا وتجوى وتصلب طولها، ماحدش في الدنيا عمل اللي إحنا عملناه وياكي يانهاد، وفي الآخر أول ما دوستي دوستي علينا وكسرتي خاطرنا، يا شيخة على الأجل كنتِ رچعتيله بالاسم وبس لو مستصعبة جربه منك، لكن انتِ عملتي اللي ماحدش عمله، عشان إكدة حفيدي ماحيطلعش برا الجصر واصل، حيفضل إهنة وسط عيلته، وانتِ الله يسهلك في طريجك. 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

تحترق من كل حدب وصوب، ولا شيء يطفيء نيرانها، بل تزداد بوقود كلمات صابحة.


 تركت صغيرها يترجل أرضًا، وعيناه معلقةً عليها كأنه يشعر بها، وهي تحاول محاولة أخيرة باستجداء  : 


- الرحمة يا مرات عمي، أبوس يدك ماتعاملنيش بالعدل عامليني بالرحمة، أني مانيش زي غيري، ماعرفش ارچعله واتچاهل نار جلبي، إذا كان وأني مرته وهو ملكي لحالي ماكنتش جادرة ماشركوش وچعي وحزني من أهلي ومنه لما كان مهملني، تفتكري حجدر اتحمل ارچعله واعيش وياه طبيعي بعد ما جال إنه اختار لنفسه اللي رايدها؟ حجدر اتحمل مرواحه ليها؟ حجدر اتحمل جربه مني وهو كان مع غيري؟ ومطلوب مني اعيش كل ده واكتم وماشتكيش عشان شكوتي بتزعله، ولو حصل واشتكيت وجتها حيكون عنده البديل، حيروحلها وهي اللي حتراضيه من كآبتي ونكدي، مهو مافيش حد فينا عالچ ندوبه، إحنا بس واخدين مسكّن عشان بعدنا عن بعض، مهران لساته هو مهران ماتغيرش، وأني لسة چوايا چروح من سنين ومهياش حتداوى بسهولة، رچوعنا لبعض كان حيبقى مرار يا مرت عمي، وانتو كنتو حتعانو ويانا، أني كان عندي طلجة أخوي في راسي ارحم من رچوعي لمهران وإني اموت كل يوم بالبطيء من الجهر والكتمة، مهران ضربني بسهم في نص جلبي ولسة لحد اللحظة دي السهم موچود ورچوعي ليه إعلان مني إني ماجبلاش اتعافى .


لم تجِبها، تنظر إليها فقط وهي تبكي وتبوح بما تشعر، فاستطردت بألم  :


- أني ماوافجتش على عبدالله خوف من الموت، ولا عشان ادوّج مهران من نفس الكاس، ولا عشان اعمل اللي ماحدش عمله وابجى نهاد اللي خالفت عادات أهلها وچابتلهم العار، ولا لاجل ماچرب حب چديد، أني وافجت لاجل ما اجدر اتعالچ من الخوف والكسرة والضعف اللي معششين چوايا، وافجت لاجل ماجدر اجف على رچلي واعرف اربي ولدي صُح، أني كنت حعمل إكدة لحالي ولا چواز ولا نيلة، بس لا ولدك سابني اعمله ولا أهلي سابوني، عشان اكدة وافجت اتچوز عبدالله يا مرت عمي، ومش ندمانة إني عملت اكدة، الحاچة الوحيدة اللي ندمانة عليها وحفضل ندمانة عليها طول عمري إني حبيت مهران حب استنجاد، اتعلجت بيه كيف المركب اللي لحجني من الغرج، بس طلعت مركب صيد، بتصطاد الجلوب وبتكسرها عشان ترميها طعم لصيد عليه الجيمة، أني ماطعلتش عليا الجيمة يا مرات عمي، الامريكية هي اللي عليها الجيمة عني، مهواش من حجي اشتري نفسي ولو مرة واحدة؟ جوليلي يا حاچة صابحة؟ 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

حدقت فيها وحاولت أن تنظر إليها كما لو كانت نوارة، وأن تعزل ما أصاب مهران اليوم جانبًا، وأن تتجاوز مشاعر أمومتها ورغبتها في جمعهما تحت أي ظرف، حاولت أن تراها بعين الأنثى، لتجدها محقة، لتجدها تجاوزت التفكير بطريقة اعتيادية ، رأت فيها جانبًا آخر لم تكن تتوقع أن تراه في نهاد، جانبًا أعمق بكثير من العادات والأعراف والحياة النمطية المتعارف عليها هنا، إنها تتحدث عن عمق المشاعر القادرة على قيادة صاحبها إلى حافة الهاوية، إما أن تسقط وتصبح مثل والدتها التي ماتت قهرًا، حينئذ تترك خلفها أولادًا مشوهين نفسيًا كحال أشقائها، أو تحاول العيش فوق منحدر غير آمن يجعلها تلقي من فوقه كل من يدعس على طرفها دون رحمة. 


هي اختارت أن تجمد مشاعرها وتجنبها القيادة، ولكنها لم تتوقع أن يؤخد منها صغيرها، ظنت أن عبد الوهاب سيسمح لها ببقاءه معها مثلمها فعل حينما ذهبت للاسكندرية، ولكن الأوضاع اختلفت تمامًا، الآن باتت متزوجة من ابن عمهم، ولا يجوز أن يُربى الصغير معه. 


نظرت لها فوجدتها شاردة تنظر إلى الصغير، تتذكر حينما طلبت من ابنها تطليق تيا وإعادة نهاد وحمزة إلى الصعيد، فأخبرها حينها أنه لن يفعل ما يريده الآخرون، سيفعل ما يريده هو فقط، ولن يطلق تيا إلا إذا أراد هو أن يفعل. 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

انحنت نهاد تحمل الصغير واستقامت تطالعها بترقب وتنطق بآخر ما تبقى لديها من أمل : 


- خليني اخده وامشي يا مرات عمي، أني ماتبجاش ليا حد غيره، وانتو جريب حيبجى عندكم حفيد تاني . 


رفعت نظرها تستفهم لتسترسل نهاد بعيون باكية  : 


- جصدي من مرات مهران الچديدة  . 


نطقت بصدمة واستنكار : 


- لهي حامل؟ 


تذكرت زيارتها وحديثها السام لها قبل أن توميء بصمتٍ مؤلم، يشبه صمت القبور، وتحركت لتغادر، ولكن صابحة أبت أن تتقبل ذهاب حمزة، ومعاشرته لرجلٍ آخر دونًا عن والده المحطم، لذا نهضت تقف أمامها ونزعته منها تحتضنه ونطقت بصلابة متأرجحة بين العادات والضمير  : 


- حمزة حيفضل إهنة يا نهاد، ماحيترباش ويا راچل غريب، لو مهواش حيكبر وسط أبوه وامه سوا يبجى يتربى معايا أني وچده، وانتِ تجدري تيچي تشوفيه وجت ما تعوزي، غير إكدة مافيش حديت يتجال . 


أخذته وتحركت تغادر الغرفة، وتركتها تقف تطالعهما كأنها تطالع روحها التي نزعتها صابحة منها، ولم تعد تمتلك سُبلًا تسلكها للحصول عليه، وسؤالًا يتردد داخلها، لماذا لم يخبرها عمها بذلك قبل أن يقبل بزواجها؟ لماذا خدعها؟ كيف ستعيش بدونه؟ 


❈-❈-❈


في جزيرتهما، وعالمهما البعيد عمّا يحدث في النجع، وبعد تأكيد خبر الحمل. 


دلفا الكاسيتا الخاصة بهما، وهي عبارة عن وحدة مستوحاة من المنازل الفليبنية التقليدية، تتميز بأسقف مصنوعة من القش، وديكورات من الخشب الطبيعي. 


ما إن أغلق الباب حتى التف لها، يعانقها بفيضٍ من السعادة، يكافئها على هذا الخبر المبهج، والذي جاء في توقيته المناسب، أيعقل أن عمار آل حانا سيصبح أبًا من الفتاة التي ظن أنّ قربها مستحيل؟ 


عانقها يحتويها وينطق بتحشرج مكتوم داخل ثنايا عنقها: 


- مبروك يا فرحة جلبي، دي أحلى وأغلى هدية چاتلي في حياتي كلها. 


ابتعد قليلًا يحدق بها ليجدها تطالعه بلمعان لم يخفِ سعادتها، فتابع بحب  : 


- من اهنة ورايح تاخدي بالك زين، وترتاحي ع الآخر، وتدلعي كيف مابدك يا رمانة. 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

ربتت بكفيها على صدره، وحاولت التحكم في غيومها وهي تجيبه بنبرتها المبتهجة : 


- ادلع اكتر من اكدة؟ يبجى دلع ماسخ ماحبوش. 


- أني بحبه . 


نطقها وهو يعيد ميلانه نحوها ليقبل ويقضم وجنتها بحبٍ فاض منسوبه، فضحكت برضا ثم نطقت وهي تبتعد عنه قليلًا  : 


- طب اخرج اجعد برا ثواني لحد ما اعمل حاچة. 


غمز لها يبتسم بخبث متسائلًا  : 


- حاچة إيه؟ خليني إهنة چارك واني لا أرى ولا اسمع ولا أتحدت. 


ابتسمت وهزت رأسها بلا غير مقتنعة، ثم تابعت وهي تدفعه بخفة تجاه الشرفة المطلة على الشاطئ : 


- لاء، أنت تجعد جدام البحر شوية لحد ما اخلص، ولما اجولك تعالى تيچي. 


زفر ملبيًا على مضض، ونطق وهو يتوعد لها بالعشق  : 


- حنفذ حديتك، بس بكيفي، لاجل ماعرف إيه هي المفاچأة دي، مع إنك الليلة فاجئتيني بأچمل مفاچأة في عمري كله. 


ابتسمت، وارتفعت تقبل صدغه بحب، ثم ابتعدت تشير له بيدها بعدما عبر إلى الشرفة، وأغلقت الباب الزجاجي وسحبت الستائر كي تحجب عنه الرؤية. 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

أسرعت تخطو نحو الحقيبة الخاصة بهما، لتفتحها وتلتقط منها ثوب الرقص الذي ابتاعته أثناء تسوقها قبل الرحلة. 


تحركت نحو الحمام بخطى حماسية لترتديه، لتمر دقيقتين حتى خرجت تخطو بحذرٍ وتمهل كي لا تصدر عن ثوبها الأصوات الرنانة، خطت نحو مرآة الزينة، ووقفت تنزع عن شعرها قيوده، وتفرده بيديها عدة مرات متتالية، حتى انسدل مموجًا على طول ظهرها، لتحيطه من حول رأسها برباطٍ يشبه ثوبها الكريمي ، وتلتقط من على ضفتي جبهتها خصلتين قررت أن تميزهما عن باقي الخصلات، ثم وقفت تتجمل من أجله أولًا  . 


إنه يستحق أن يعيش الحياة، يستحق أن يتذوق حلوها، ويرى الراحة والمتعة كما يجب.


ليلة أمس رأته وهو يقوم بتحويل المبلغ المستحق شهريًا لتلك الأسر التي يكفلها من خلال الجمعية الخيرية المسماة باسم شقيقها، حتى بعدما تأكد أنه لم يرتكب تلك الجريمة مازال مستمرًا في إظهار نبله وكرمه، يغرقها بحبه وليونته، يؤكد لها مع كل ثانية أنه الرجل الذي استحق كل معاناتها وحزنها، لذا هي الآن تريد أن تهبه أطنانًا من السعادة. 


وضعت أحمر الشفاه، وتجملت وأبرزت عيناها الزيتونيتين بالكحل الأسود، ثم تناولت زجاجة عطرها وأغرقت نفسها به حتى وصلت الرائحة إلى من يجلس في الخارج يتآكل حماسًا لرؤيتها  . 


وقفت تحدق لنفسها برضا، ويداها تسيران على الثوب تهندمه، ولكنها لم تستطع هندمة نبضاتها المتسارعة من فرط حماسها وعشقها له. 


تحركت نحو الباب الفاصل بينهما، وفتحته ببطء واختبأت خلفه تنادي بتوتر  : 


- عمار؟ 


نهض وتحرك نحوها على الفور، وما إن دلف ورآها حتى توقف مكانه لبرهة، يطوف حول كل إنشٍ بها، من أعلى رأسها حتى أخمص قدميها، كل ما بها رائعًا، ناعمًا، منعشًا، قابلًا للالتهام، يفتح الشهية على الحياة. 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

نطقت لتخرجه من ثباته  : 


- إيه رأيك؟ 


رفع كفاه يعبر بهما عن رأيه حيث لم يسعفه لسانه للحديث ، بينما ساعدته نظراته في البوح عن رأيه وإعجابه الشديد بما يراه. 


 تقدم خطوتان حتى بات أمامها مباشرةً، وتساءل بترقب وهو يحيطها بتملك ومشاعر تتعارك داخله : 


- حترجصيلي؟ 


أومأت مبتسمة وهي تحدق في عينيه، فاستطرد بترقب وقلق  : 


- ولون كان نفسي في اكدة من زمان، بس يعني حبكت دلوك؟ سيبتي الليالي كلياتها وچيتي بعد خبر الحمل؟ خايف على رمانتي من الهز بردك . 


طمأنته وهي تستند بكفيها على منكبيه، ترفع نفسها لمستواه، وتدلك أنفها في خاصته تارة، وتهمس أمام شفتيه تارةً أخرى قائلة  : 


- ماتحبكهاش بجى يا عمار، أني مابحبش دلع الحمل اللي بيجوله عليه ده، طول ماني حاسى إني زينة يبجى افرح وافرّح حبيب جلبي، ولا إنت ليك رأي تاني  . 


نطق بحماس وهو يستعد ليندمج معها في رغبتها  : 


- حيث كدة بجى يبجى اشوفلك غنوة صعيدي صُح تظبط الأداء. 


تحرك نحو الكومود يلتقط هاتفه، وعبث به يبحث عن أغنية مناسبة، وبالفعل وجدها، وبدأت تتمايل بمهارة اندهش منها، وجانبًا جديدًا ممتعًا رآه بها، وبهجة تتوغل إلى روحه كما يتوغل الفيتامين إلى الدم فينعشه، ليشعر كما لو أن حياته كانت قاحلة، جافة، ومشققة، وجاءت فرحة بأفعالها رطبتها وجعلت منها أرضًا خصبة نقية تفيد مشاعره بطرحها الطبيعي . 



❈-❈-❈


يجلس في مكتبه بعد أن غادر الجميع، ولم يبقَ معه سوى صديقه وشريكه كامل الذي أثبت دعمه الشديد له، ومع ذلك لم يعد جابر يثق بسهولة فيمن حوله، ما حدث معه كان كضربةٍ تلقاها فوق رأسه، لم تنهِ حياته ولكنها أنهت صحفًا كثيرةً منها، وجعلته يبدأ من منتصف الكتاب، ويضع في صفحاته قوانين جديدة يتبعها.


 ما تعرض له لم يكن خيبة بقدر ما كان درسًا قرر ألا يمر عليه مرةً أخرى، خاصةً مع ردة فعل والده وخيبته فيه، لن ينسى ذلك اليوم قط  


عودة إلى ما حدث آنذاك 


( ترجل يحمل صدمته وصفعته وتوبيخه فوق أكتافه، حتى شعر أنه لم يعد قادرًا على السير.


 وصل إلى سيارته بصعوبة بالغة، وعقله لا يستوعب ما فعله صديقه به، وما تعرض له أمامها، بالنسبة له هذه خيانة عظمى. 


لمح والده يجلس ينتظره، برأسٍ مكسورة، وعينين تستأجرهما الخيبة، وقلبٍ لا يعلم ما به إلا الله. 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

خطا يستقل مقعده، والتفت ينظر إلى والده ولم يسعفه لسانه بنطق حرف، وكأن الحروف ابتعدت عن كوكب الأرض، وتركته يبحث عن تبريرٍ أو توضيحٍ عبثًا، لذا التفت يقود بصمتٍ ينافي صخب عقله الذي كاد أن يصرخ. 


وصل إلى القصر بحالٍ يصعب شرحه، ووالده أشد بؤسًا منه.


فتح عبد الوهاب الباب وترجل متجهًا إلى الداخل، وهو يردد على عقله سؤالًا أجهده التكرار، متى وكيف انتُزع الضمير من أولاده؟ ألم يزرعه ويرعاه  داخلهم جيدًا؟ كيف اقتلعوه خفيةً؟ ومتى حدث ذلك؟ وكيف يمارسان الظلم والخديعة دون أي شعور بالذنب أو الندم؟ هل زرع داخلهما بذورًا فاسدة بجهلٍ ودون عمد؟ هل أطعمهما مالًا حرامًا؟ ما هذا الذي يعيشه الآن؟ 


أغلق السيارة وتبع والده ليتحدث إليه خوفًا عليه من صدمته، وما إن دلفا من البوابة إلى بهو القصر، ونطق وهو يتبعه قبل أن يذهب إلى غرفته  : 


- استنى يابوي، لازمن تسمعني. 


التفت عبد الوهاب حينها، وتهاوى على صدغه بصفعة قوية تبخر بها كل ما كان ينوي قوله، وتركه يقف مجبورًا على مواجهة هذه الحالة اللعينة التي تشبه جاثومًا خبيثًا تملك منه، ليستفيض عبد الوهاب بقلبٍ يتألم : 


- اسمع إيه؟ عندك إيه تجوله؟ أني لا طايج اسمعك ولا اشوفك ولا عارف اعاجبك ولا اعاجب حالي، إنت واخوك خلتوني احس لأول مرة إني مغفل، ماشي عامل حالي إني كبير وفي لمح البصر جم عيالي اللي تعبت فيهم صغروني وجلو مني وخلوني ماليش أي جيمة وسط الخلج. 


نكس رأسه بخجل، وللمرة الأولى يبكي ويكظم ما به من حرقة وقهر وهو يستمع إلى كلمات والده التي تجلده بقسوة، ليستطرد عبد الوهاب متمنيًا بما يدرك أنه لن يحدث وهو يلكزه بعصاه في صدره  : 


- الصوت والصورة اللي شوفتهم دول مش إنت؟ الضحكة والفخر اللي ظهرو لما ضحكت ع البنتة واستغليت مشاعرها مش إنت؟ انطج وجول إن اللي شوفناه ده كذب وتزوير؟ 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

كان جسده يتردد مع دفع العصا له دون أن يعطي أي ردة فعل سوى الانكسار والخجل والعجز عن تبرير موقفه، وكيف يبرر ما فعله؟ وكيف يواري مساوءه؟ 


لذا أسدل عبد الوهاب عصاه، وتنفس من ثقب إبرة، يسترسل بحزنٍ حاد  : 


- لسانك مايخاطبش لساني غير لما تصلح اللي كسرته، اعتبر أبوك مات واندفن، لحد ما تيچي تجف جدامي كيف الرچال وتجول يابوي أني صلحت كل حاچة، وترد للبنت دي جيمتها وخاطرها، غير إكدة ماتجفش جدامي وتنادي عليا واصل، بعد عن سكتي)


عودة للوقت الحالي 


جلس يعبث بحاسوبه بمهارته المعتادة، وبتركيزٍ تام، يبحث عن أي مصدرٍ يعرف من خلاله كيف يعالج مشكلته، ويحقق رغبة والده، ويرد إليه ريم مهما كلفه الأمر، فلابد أن يترك معتز خلفه ثغرة، و لابد أن هناك شيئًا لم يظهر بعد، وهو من سيجده .


جلس كامل أمامه يطالعه وهو منغمسٌ في أمره، يحاول أن يجعله يتمهل، فنطق بترقب  :


- يا چابر بزيادة النهاردة، الموظفين كلهم روّحو وانت حجك ترتاح، بجالك اكتر من شهر بتدور وراه، معتز مهواش غبي علشان يسيب وراه دليل، ده لو كان فعلًا له يد في الحكاية دي .


توقف جابر عن العبث بحاسوبه، وصوب نظراته نحو كامل ينطق بتأكيد  :


- له يد، أني واثج مليون في المية إنه له يد يا كامل، زي ماني واثج إنه عارف إني بدور وراه ومأمن نفسه زين، بس مابجاش چابر إن ماوجعته في شر أعماله هو والكلب اللي اسمه احمد.


زفر كامل، ولم يرد أن يسأل كيف سيتم ذلك حتى لا يفهمه جابر بشكلٍ خاطئ، فهو يدرك رغبته في عدم البوح عن خطة بحثه، ولكنه تساءل بفضول عن مسألته الأخرى فنطق :


- وحتعمل إيه مع ريم بعد ما الشراكة انفضت؟ تفتكر معتز حيحاول يرچعها تاني تشتغل وياه؟

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

لن يبوح له بما ينويه تجاه ريم، ولكنه يدرك أنها لن تقبل العمل مع أحمد في ذات المكان، حتى لو حاول معتز معها مرارًا، فهي تمتلك مبدئًا ثابتًا لا يتزعزع، ولكنه أيضًا يدرك أن معتز يمكنه التضحية بأحمد من أجل الحصول على ريم، حيث يعلم جيدًا أنه بذلك سيضربه في مقتل، ويتمنى ألا تفعل، لتنتظره فقط إلى أن يأتي بدليل إدانة معتز، ليبرر لها سبب تصميمه على استقطابها، ويؤكد لها حبه الكبير.


نطق بنظرات باردة وهو يعاود العبث في حاسوبه  :


- ماعيزش افكر دلوك يا كامل، سيبها بظروفها يا صاحبي.


❈-❈-❈  


إضاءة حادة آتية من سيارة نقل اخترقت عقله المتناثر، فارتعشت يداه حول عجلة القيادة ولم يستطع التحكم بها، ولولا رحمة الله به لكان في عداد الموتى.


 انحرفت السيارة يسارًا حيث الصحراء لتتوقف بعد لفة كاملة أثارت سكينة الرمال. 


توغلته حزمة من الذعر للحظات، قبل أن تقتلها أفكاره، وهو يستعيد ما حدث سريعًا، ويفكر كيف لهذه الليلة أن تمر؟ وهل يمكن أن يأتي بعدها صباح؟ هل يمكن أن تسطع شمسٌ جديدة على أحلامه؟ 


ماذا تفعل الآن؟ هل ذهبت معه إلى منزلٍ خاصٍ بهما؟ في غرفةٍ خاصة بهما؟ هل وضع يده عليها؟ 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

أسئلة كنصول حادة تقطع روحه إربًا، وتترك جروحه دون اندمال، نزع ربطة عنقه، ولم يحل عنه الاختناق، لذا ظل يلكم بقبضته الطارة علها تنجده، ولم تفعل. 


لم يصرخ برغم أنه يتمنى لو تسمعه الرمال، ولكنه أبى أن يفعل، وكأن عناد الصعيد كله يتعارك مع نزيف روحه الحاد. 


أرجع رأسه للخلف، وظل كما هو داخل سيارته، وسط الصحراء الحالكة، وبين وحوش أفكاره، كفريسة تنتظر الذبح. 


مر وقتٌ عليه، استعاد فيه الماضي البائس ، والواقع المؤلم، فاعتدل ليواجه المستقبل المجهول، والتقط هاتفه وعبث به بروحٍ خاوية. 


طلب رقم أحدهم، ورفعه إلى أذنه، ففتح الخط ونطق الطرف الآخر :


- يامرحب بالعزيز الغالي  .


حاول أن يتنفس قليلًا، ونطق بنبرة بدت صلدة ولكنها مختنقة: 


- كيفك يا محمود، أني رايد منك خدمة  . 


❈-❈-❈


عاد يونس إلى المنزل في تمام العاشرة. 


دلف ليجد والدته تجلس وتميل على سجود تتحدث إليها، تعطي لها بعض الإرشادات التي ستتعامل بها في جامعتها الجديدة بعدما حل عبد الوهاب تلك المسألة، والأخرى تظهر اهتمامًا وإنصاتًا خداعان جعلا منصورة تبتهج وتظنها استفادت. 


ألقى يونس السلام، فردتا عليه وابتسمت منصورة تطالعه وتتساءل بحنان  : 


- اجوم ياولدي اچهزلك العشا؟ 


أشار لها وهو يقف أمامهما وينطق بهدوء  : 


- ارتاحي إنتِ ياما وأسماء تچهزه. 


نهضت سجود تنطق بحماس بدا عفويًا لدى منصورة  : 


- أچهزهولك أني يا يونس؟ 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

نظرة عابرة منه نحوها ثم لف نحو المطبخ تزامنًا مع إشارة يده لها بأن تعاود الجلوس ونطق  : 


- أسماء. 


جاءت أسماء من المطبخ تطالعه بابتسامة مستفسرة  : 


- أؤمر يا شيخ يونس  . 


نطق بنبرة ثاقبة  : 


- چهزيلنا العشا أني ونوارة وهاتيه على فوج . 


أومأت وتحركت تنفذ طلبه، بينما هو تحرك نحو والدته وانحنى يقبل رأسها ثم اعتدل يسترسل موجهًا حديثه إلى تلك الخبيثة : 


- بكرة بإذن الله أول يوم ليكي في الچامعة الچديدة يا سچود، عايزك تبدئي بداية چديدة وتفرحينا بنچاحك، إنتِ جدها. 


أومأت مؤكدة بابتسامة لعوب، ولكنه استطرد بثقب  : 


- صحيح طريج المشاكل سهل ومغري، وطريج النچاح صعب ومجهد، بس النتايچ مختلفة، وإنتِ خابرة زين أنهي نتيچة هي اللي حتفيدك بعد اكدة، استعيني بالله واختاري وإحنا كلنا معاكي مادام حتختاري صُح. 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

نبش القلق جدران مكرها حينما وجدته يقرأها ببينة، ولكنها حاولت أن تبتسم وتجمل نيتها ، لذا نطقت تومئ : 


- إن شاء الله حعمل الصح يا يونس  . 


- خليها شيخ يونس، عن اذنك ياما  . 


نطقها بثبات، وتحرك يصعد إلى غرفته ليرى نوارته حيث يدرك جيدًا أنها مستاءة من وجودها هنا  . 


طرق الباب ودلف فوجدها تنام في سريرها ، تحرك نحوها وجلس يمد يده ويتلمس وجنتها ويسير عليها بحنانٍ مناديًا بحب  : 


- نوارة، جومي اتعشي ويايا  . 


تململت وحاولت أن تستمر في إظهار نومها، ولكنه أبى أن يتركها، مال عليها يهمس لها بمكره المحبب  : 


- حتعملي فيها زعلانة حعمل فيها شيخ وامارس عليكي حجوجي الشرعية، يالا جومي وبزياداكي نوم، البنت زمانها طالعة بالوكل . 


لكمت قلبها كلمة البنت، وجعلتها تفتح عيناها وتحدق به متسائلة بغيرة وتملك  : 


- بنت مين؟ 


عاد يميل على أذنها ويهمس ببطئ مفتعل : 


- أسمــــــــــــــاء يا بجلاوة. 


نهضت تلكزه في كتفه بخفة، ونطقت بتهكم وملامح عابثة  : 


- ماتجول اسماء دوغري، من امتى وانت بتجول البنت. 


ابتسم عليها ومد يده يلف وجهها له حينما ابتعدت، ونطق بصدق ومحبة  : 


- مافيش حاچة في الدنيا دي تخلي جلبي وعجلي مع غيرك يا نوارة، أني سلمتهم لك بطيب خاطر وكلي رضا، ماتخليش أي حاچة تعكر صفونا بجى . 


حدقت به لبرهة، ثم التمعت مقلتيها بالدموع، ونطقت بحزنٍ اختلط مع هرموناتها  : 


- أني واثجة فيك يا يونس وعارفة كويس مجدار حبك ليا وماعنديش شك في اكدة، بس أني خايفة من أذاها، من اللي شوفته من عمتي وإزاي جدرت تمثل عليا الحب والحنية والاهتمام مخلييني اخاف منها جوي، واخاف على علاجتنا من جربها ده، خصوصي إن عمتي منصورة مصدجاها وبتحبها. 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

احتواها يعانقها ويعانق خوفها ويحاول بث الطمأنينة داخلها وهو يربت على ظهرها قائلًا بتوعد  : 


- وعد مني لو صدر منها أي تصرف يعمل مشكلة بينا أني حمشيها من إهنة، صدجيني ماحسمحش لأي مخلوج يتدخل مابينا ويعمل مشاكل لو مين ماكان  . 


حاولت أن تهدأ، فتنفست مطولًا، وبات يكفكف لها دموعها ويدللها قبل أن يميل ويقبل وجنتها قائلًا  : 


- يالا جومي اغسلي وشك وتعالي نتعشى، أني ميت من الچوع. 


أومأت ونطقت قبل أن تنهض  : 


- حاضر، حاكل وياك لُجمة صغيرة لان عمتي چابت لي من شوية طبج عزيزية وصممت إني اكله. 


نطق بنبرة مرحة لينة يناغشها بها : 


- وه؟ تاكلي عزيزية وحبيب جلبك ماحطش لجمة في حنكه من العصرية؟ 


ابتسمت ونجح في مناغشتها، فنطقت توضح : 


- ماكنتش حاكل ولا كان ليا نفس لأي حاچة بسبب موضوع مهران أخوي ونهاد، بس عمتي هونت عليا شوية. 


عاد يحتوي وجنتيها وينطق مترويًا  : 


- خالي ماحيغلطش يا نوارة، حيتصرف زين. 


لم يصل إليهما خبر الزواج بعد، لذا نطقت تعبر عن أمنيتها  : 


- أني كان نفسي يرچعوا لبعض ويطلج التانية خرابة البيوت، نهاد كانت بتحبه جوي، بس مهران أخوي عنيد جوي  . 


أومأ بتفهم، يؤيد حديثها، ولكنه لم يرغب بالتوغل في هذا الأمر أكثر، فنطق ويداه تعمل على هندمة خصلاتها للأعلى على شكل كعكة  : 


- ما علينا غير إننا ندعيلهم بصلاح الحال، يالا بجى جومي يا أم الزين عصافير بطني صوصوت . 


امتص ضيقها وغضبها وانزعاجها بكلماته وجعلها تنطق بصدق  : 


- أنا بحبك جوي يا يونس ، ربنا يباركلي فيك يا حبيبي . 


أهداها قبلة لطيفة ونطق وهو يسافر عبر ملامحها الجميلة  : 


- وأني كمان بحبك يا بجلاوة  . 


❈-❈-❈


دلفت معه قصر عائلته، حيث كان ينتظرهما ولداه، وزوجة شقيقه الذي يعمل في إحدى الدول الأجنبية .


لم يكن دخولها إلى هذا القصر سوى انقيادًا إلى مشرحة جديدة، خاصةً وأنها لم تستطع أخذ صغيرها وباءت محاولاتها بالفشل، وسؤالا يتردد صداه على ذهنها، لماذا لم يخبرها عبد الوهاب أنه سيحرمها من ابنها؟ وكيف ستسترده؟


- يا أهلا وسهلًا، نورتو.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

نطقتها تهاني زوجة شقيقه،فنطق عبدالله بهدوء وهو يبحث بعينيه عن ولديه  :


- ده نورك يا ام عادل، اومال علي وندى فين؟


أشارت برأسها نحو الأعلى تنطق وعيناها مسلطة على نهاد :


- بينهم نامو لما انتو غيبتو.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

استطردت بمغزى خبيث  :


- مالك يا أم حمزة كفا الله الشر؟ المفروض تكوني فرحانة، دانتِ عروسة چديدة بردك.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

لم تجِبها، كأنها قررت سد أذنيها عن أي حديث سيقال لها اليوم، لينطق عبد الله بنبرة صارمة  :


- سيبي نهاد في حالها يا ام عادل، واحنا مش حنعملك أي ازعاچ، مسافة الليل بس وحنمشي، ماتقلقيش.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

ابتسمت ونطقت بتبجح  :


- ولا اجلج ولا حاچة، ماني عارفة إنكو حتمشوا الصبح، مهو مايصحش بردك تجعدوا اهنة بعد اللي حُصل، الحنانوة ماحيجبلوش بـ اكدة واصل، يالا حفوتكم أني وادخل انام، تصبحوا على خير  . 


تحركت تغادر وتركته ينفض عنه حديثها اللاذع.


 وقف يوجه نظراته إلى نهاد التي ذهب عقلها مع صغيرها، وبقيت هناك، حيث تقف جسدًا بلا روح  . 


نطق بنبرة لينة : 


- نهاد، يالا نطلع، ارتاحي الليلة والصبح حنمشي  . 


تحركت معه بصمت، وصعدا حتى وصلا أمام إحدى الغرف، ففتح بابها ونطق  : 


- ادخلي هنا، وخدي راحتك ماحدش حيزعچك  .

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

نظرت إليه بامتنان، فهذا جُل ما تريده الآن، وتحمد ربها أنه فهم عليها، لذا دلفت فأغلق الباب وتوجه إلى غرفته المجاورة . 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

دلفت تنظر حولها، واتجهت تجلس على طرف الفراش وتغلق عيناها، لترى وجه صغيرها فيزداد اشتياقها وتآكل فؤادها عليه، وتخشى أن تكون اشترت ما تبقى من عمرها ودفعت صغيرها ثمنًا لذلك، كانت طامعة في وسط محيطٍ عُرف بسلب الحقوق، طمعت بأن تنجو بنفسها وبصغيرها، طمعت في أدنى حقوقها، والحق في بيئتها جريمة، يُعاقب عليها العُرف، حتى لو كان طفلًا صغيرًا ما زال بحاجة حضن أمه كل ليلة . 


جلست تستعيد تلك الزيارة التي لم تكن في الحسبان، والتي ساهمت في اتخاذ أصعب قرارات حياتها، ولأول مرة يخيروها بين الموت بالرصاص، والموت قهرًا. 


عودة إلى ما قبل 10 أيام 


( طرقات على الباب بعدما ذهبت الخادمة إلى التسوق، فاتجهت تلتقط حجابها وتغطي رأسها به، ثم خطت تفتح بابها لتجد أمامها آخر من تود رؤيته. 


ابتسمت لها الأخرى باستفزازٍ سافر ، ونطقت وهي تتجاوزها بنظراتها المصوبة نحو الداخل  : 


- إيه، مش هتقوليلي ادخل؟ 


تكتفت نهاد وتساءلت بتهكم  : 


- خير؟ چاية ليه؟ 


نطقت تيا بهدوء ظاهري وتحضر مخادع  : 


- خلينا نتكلم شوية يا نهاد، وهمشي علطول ماتقلقيش  . 


كان بإمكانها أن ترفض، أو أن تغلق الباب أمامها، وألا تعير حديثها أي اهتمام، ولكنها سمحت لها بالدخول، كأنها أرادت أن تضع ملحًا فوق جراحها، برغبتها، أرادت أن تعيش ألمًا جديدًا، فأحيانًا بعض الآلام تساعد على الشفاء، وهي تتلهف لتُشفى . 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

أفسحت لها المجال، فدلفت تطوف المكان بعينيها، واتجهت تجلس على إحدى الأرائك، حيث علمت أن هذه الشقة تابعة لزوجها بعدما نجحت في البحث عن ذلك داخل مكتبه. 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

اتجهت نهاد تجلس قبالتها وتساءلت بترقب  : 


- جولي اللي عندك  . 


تحمحمت تيا وسلطت عيناها عليها تواري غيرتها منها، فنطقت ببرود  : 


- أنا عارفة إن مهران سمح لك تيجي هنا وتشتغلي علشان انتِ وعدتيه ترجعيله، بصراحة في الأول كان عندي مشكلة جامدة في رجوعكم لبعض، بس دلوقتي بما إن دي رغبة حبيبي وهو شايف إن دي مصلحة ابنه فأنا ماقدرش اعترض، بالعكس أنا لما فكرت فيها لقيت إني لازم افرح إنه مهتم بمستقبل ابنه ومش هيخاطر بيه في علاقة ممكن جدًا تسبب له أذى نفسي لما يكبر. 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

حدقت فيها تقرأ تأثير الكلمات عليها، ولكنها وجدت صقيعًا لا يتأثر، لذا اغتاظت ولكنها لم تظهر ذلك، مثلها كمثل نهاد التي لم تظهر احتراق روحها كالرمال المنصهرة، لتستطرد بترقب  : 


- أنا جاية علشان اقولك إني خلاص مش رافضة رجوعكم، وإن عادي إنك تبقي في حياتنا، كدة كدة مهران ملكي لوحدي حتى لو رجعك، وده طبعًا ماحصلش فجأة كدة، بس يمكن لإني دلوقتي بقى عندي اللي اخاف عليه، ويأكد قوة علاقتي بمهران. 


نطقتها وهي تتحسس بطنها بكفها، وتخفض بصرها تناظرها، ثم عادت تطالع نهاد الصامتة وتتابع : 


- أنا كمان هكون أم قريب، ولازم اقدر إن مهران مش عايز يبعد أولاده عن بعضهم، خلينا أنا وانتِ نفتح صفحة جديدة، لإن عداوتنا هتأثر جامد على حالة مهران النفسية، وكمان هتأثر على أطفالنا وعلاقتهم ببعض، وأظن بما إنك ست صعيدية هتكوني مُقدرة جدًا لكلامي وفاهمة يعني إيه الترابط الأسري، زي علاقتك بأهلك مثلًا . 


ذبحتها بالطريقة التي تريدها، وجلست تنتظر طلوع روحها، برغم البرود الظاهر، إلا أنها تدرك جيدًا أن هذه الكلمات كانت سهامًا ثاقبة، اخترقت هدفها  . 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

كادت أن تسألها عن رأيها، وتستفزها أكثر من ذلك، ولكن رنين هاتفها منعها، لذا التقطته سريعًا، فوجدته مهران، فتوغل الخوف إليها، ولكنها تظاهرت بالثبات، وفتحت تجيب أمام أعينها  : 


- ألو، حبيبي؟ 


نطق بنبرة هجومية حادة  : 


- إنتِ بتعملي إيه عند نهاد؟ 


صُدمت من معرفته، واستغرقت صدمتها ثوانٍ قبل أن تردف  : 


- زي ما اتفقنا يا مهران، أنا أهم حاجة عندي راحتك، ماتقلقش. 


نطق بتهديد قاسي  : 


- جدامك دجيجة، لو ماجومتيش مشيتي دلوك، ماتلوميش غير حالك . 


أغلقت معه ونهضت تبتسم وتنطق بتوتر ملحوظ  : 


- انا قولت اللي عندي يا نهاد، وجيت اعرض الصلح بيني وبينك، بس تقريبا مهران فاهم رد فعلك اكتر مني، وطلب مني امشي حالًا، اللي بعد كدة ده بتاعك إنتِ، عن اذنك . 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

قالتها ورحلت تبتسم على الدور الذي أدته بإتقان، والتي تطمح بأن يؤتي بثماره عاجلًا، وألا تقبل نهاد بالعودة مهما حدث) 


عودة للوقت الحالي 


جلست تكفكف دموعها بيديها، وتتحسر على ما وصلت إليه من ضعفٍ وخضوعٍ فرضا عليها، ليتها كانت قاسية، ليتها ورثت عن والدها قلبه،أو امتلكت قلبًا يشبه قلب شقيقتها، لما تجرعت كل هذا الألم الآن. 


تنفست بحرقة، ونطقت تؤكد لنفسها وتومئ مرارًا : 


- حنساك يا مهران، حطلعك من جلبي وحدوس عليه لو فكر فيك تاني، وحاخد ولدي وابعد عن كل اللي أذوني.


« السابق

جميع الفصول

التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (آية العربي)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

إرسال تعليق

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل