قراءة رواية بين الرفض والقدر (عريس قيد الرفض) كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: بين الرفض والقدر
(عريس قيد الرفض)
رواية جديدة قيد النشر
الكاتبة: ( عفاف شريف) | الفصل: (37)
هناك مواقف لا تكسر القلب بل تطفئه
❈-❈-❈
خذلان الحبيب، أَقسى أم خسارته؟
أعتقد، وفي تلك اللحظة، أنه لم يعد يهم،
فكلاهما كـهشيمٍ يُضرَم في القلب.
وفي كل الأحوال، لم تنتهِ تلك المعركة،
إلّا وقد ذاق الأمرّين حتى اكتفى.
تجرّع الخيانة، وتَبِعَها خسارة.
وكم كان أحمق، حينما كان يظنّ يومًا
أن من حقّ الجميع فرصةً ثانية،
ليتّضح له فيما بعد
أنه كان مغفّلًا،
والحياة لا تحمي المغفّلين.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
فهنيئًا لك بصفعةً جديدة،
استحققتها بجدارة،
لتتعلّم أن نهاية الثقة
خنجرٌ وطعنةٌ بيد من نحب.
ويظلّ السؤال الأقسى
هل حقًّا كان حبًّا؟
وستظلّ الإجابة أقسى من أن تُنطَق وتُقال.
فالصمتُ في حضرةِ الألم... حنان
بقلمي عفاف شريف
❈-❈-❈
التفتت سَلْمى تنظر إلى أُمِّها الشاردة بوجوم، قبل أن تُردد بغيظ وملامح محتقنة وقد تركت الشطيرة جانبًا:
عجبك اللي حصل يا ستّ ماما؟
شفتي اتكلِّمت معانا إزاي؟
وتابعت بهمسٍ خافت:
أي قلّة الذوق دي؟ هو أنا يعني دخلت أوضتها أعمل إيه يعني؟ مش دخلت أصحيها عشان تفطِّرك وتقعد معاكي؟ مش ده واجبها؟
وعُمر قال إن مراته هتكون معانا وتعملنا اللي إحنا عايزين.
وصمتت لثوانٍ، قبل أن تتابع بحدّة:
وثُمّ إنتي إزاي أصلًا تسكتلها على طريقتها دي معانا؟ كان المفروض تقومي تديها على دماغها عشان تحترم نفسها.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
إلّا أن أُمَّها لم ترد عليها كأنها لم تسمعها من الأساس، وإن فعلت، كانت ساكنة صامتة، إلّا أنها لم تكن كذلك أبدًا، بل كانت تغلي كقِدْرٍ على موقد، تُفكِّر
ألا يكفيها ما مرّت به خسارتها للمنزل وضعهم الحالي؟ بل وأيضًا يجب عليها أن تتحمّل فريدة تلك المُدللة قليلة التربية؟
وببساطة، يجب أن تُلجِم لسانها وغيظها.
وحقًّا كانت تُحاول... تُحاول التحكم بكل هذا الغضب والرَّفض بداخلها، وإن كانت تُريد أن تفعل الكثير، كثير تعرف نهايته جيّدًا، إلّا أنها لن تفعله.
ولِما تفعل؟ لِما تشقى في أمر سيُقدَّم لها على طبقٍ من ذهب؟ فقط فلتصمت... ولتنتظر.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
وطال صمتها حتى صار أثقل من الكلام، وسَلْمى تُناظرها بوجوم وضيق هي الأخرى، قبل أن تُردد بهمسٍ خافتٍ مغتاظ:
ماما... هنعمِل إيه؟
مش هنعمل حاجة.
قالتها أُمها بحسم، قبل أن تتابع بتأكيد وعيناها تنظر بعيدًا: خليها هي تعمل.
لم تفهم سَلْمى مقصد أُمها، وللحق لا طاقة لها لتفهم. لا تُريد... ففي النهاية هي لا تهتم سوى بأن تحصل على ما تُريد، فقط ما تُريد.
لذا حملت شطيرتها مرةً أخرى، تقضمها بصمت، قبل أن تُغمغم بعبوس وتزمجر:
طيب أنا دلوقتي عايزة شاي بلبن... مين هيعملي بقى؟
والهانم دخلت أوضتها ولا كأننا هنا! أنا عايزة شاي بلبن، ماليش دعوة.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
رفعت أُمها عينيها تُناظرها بصمت، وفي تلك اللحظة، وللحق، كانت تستحق سلمي أن تُضرَب بالوسادة في وجهها.
وحدث بالفعل... لأنها ببساطة تستحق.
❈-❈-❈
جبنة بيضا
عسل أبيض
عسل أسود
قِشطة
بيض
جبنة قديمة
طحينة
وبوكسات كبيرة متقسِّمة
معالق
مناديل
وبالنسبة للفواكه: تفاح، موز، برتقال،
طبق من كل صنف فيهم.
ها أي تاني؟
قالتها آلاء بتساؤل وهي تقف بجانب تميم تقراء ما دونته،
وقد كان ما زال يُكمِل خبز باقي الفطير المتبقي،
وهو يُملي عليها ما سيتم طلبه لتجهيز وتوزيع الإطعام.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
همهم بتفكير قبل أن يردد بهدوء وهو يضع فطيرة جديدة بجانبه إخواتها:
أظن مش ناقص حاجة، بس أهم حاجة تكون الأحجام الكبيرة من الكيلو مثلًا،
إحنا مش هنحط كمية تكفي وجبة لشخص واحد بس،
لأ إحنا هنحط أكثر، بحيث لو حد حابب يروح بيه بالاكل لبيته وولاده يفرحهم بيه،
ميحسش بالحرج من الكمية القليلة،
لا بالعكس تكون كتير إن شاء الله عشان يقدر يشاركها معاهم.
أومأت له آلاء باستحسان للفكرة وهي تدوّن خلفه،
ليتابع هو بتأكيد وحرص، وقد التفت لينظر لها مرددًا:
– من أنضف الأنواع يا آلاء، إياكي تِسترخصي أبدًا،
هاتي أحسن حاجة موجودة عنده،
مش مهم الفلوس، المهم الحاجة تروح لناس بأفضل شكل ممكن وأحسن جودة،
والأفضل تقوليله: إنتِ الماركات المعروفة أحسن.
وخليكي فاكرة دايمًا قول النبي ﷺ حينما قال:
«ما تصدق أحد بصدقة من طيّب، ولا يقبل الله إلا الطيب، إلا أخذها الرحمن بيمينه، فيُربيها له كما يُربي أحدكم فَلُوَّه».
فاللي يطلع لله يطلع بأحسن وأفضل شكل وصورة يا لولو.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
أومأت له آلاء بتأكيد مرددة بموافقة:
– عندك حق، طبعًا ده لله، يعني الأحسن.
لا تقلق أبدًا، أنا إن شاء الله هوصّيه يبعت أفضل حاجة عنده.
ابتسم لها وصمت، قبل أن يتابع عمله، ثم التفت لها سريعًا قائلًا بتحذير حازم وقد تذكر أمرًا هامًا:
– منتجات مصرية يا آلاء، مصرية، أوعي تنسي، أوعي!
نظرت له بصمت، قبل أن تتسع ابتسامتها وهي تومئ له بتأكيد وثقة قائلة:
– متقلقش يا تميم، ده أكيد في كل الأحوال.
إزاي هنسي حاجة زي دي؟ لا طبعًا مش ناسية، الحمد لله.
وغامت عيناها بحزن مفكرة، وكيف تنسى؟
هذا تحديدًا لا يمكن نسيانه، لا يمكن أبدًا مهما حدث ومهما طال.
أومأ لها هو الآخر بصمت، قبل أن يتابع بتفكير، وقد ترك ما بيده ووقف بجانبها:
– أقولك، عندي فكرة أحسن.
نظرت له باهتمام منتظرة أن يتابع،
ليتابع باقتراح:
– طيب بدل ما تحتاري في أنواع الماركات، استغلي الوقت وهاتي نفس الأنواع اللي إحنا بنستخدمها.
كده كده إحنا عارفين إنها حلوة ونظيفة ومناسبة للكل، وبرضه إحنا هنا بنستخدم كله مصري.
أنا مأكّد على منير، وهو مش مقصر أبدًا في النقطة دي، ربنا يبارك له.
هزّت رأسها مغمغمة بهدوء وموافقة:
– فكرة حلوة، تمام خلاص، أنا هروح أكلم السوبر يبعت الطلبات قبل ما الوقت يتأخر.
رفع يده يُربّت على وجنتها بحنان ورِقّة،
قابلته هي بابتسامة ممتنّة،
ممتنّة له لكل شيء.
لم يكن بحاجة للحديث معها هي تحديدًا،
كانت عيناه تدعم قلبها المنهك دون حديث،
كانت تعلم ما يفعل لأجلها،
كانت تعلم ما يفعل ويقدّم، حتى إن كانت رسائل مبطنة.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
ابتسمت تُغالِب تلك الدمعات بعينيها، قبل أن تتابع بهمس وهي تمسحها في الخفاء:
– طيب، وبالنسبة للكمية، هنجيب قد إيه؟
– بصي، إحنا هنحط في كل بوكس ثلاث فطيرات كبار، فأظن هاتي ٧٠ قطعة من كل حاجة.
قالها بهدوء وتأكيد.
قطبت حاجبيها باستغراب من العدد، وكادت أن تنبّهه لعدم توفر تلك الكمية من الفطير،
إلا أنه تابع بابتسامة وهو يرفع عيناه لها وقد علم ما تود قوله:
– عارف إن الكمية اللي هنا أقل من اللي أنا بتكلم عنه،
بس أنا اتصلت بالمخبز اللي بنتعامل معاه وإنتي فوق،
وطلبت منه ١٠٠ فطيرة مخصوص بالسمنة البلدي كمان غير اللي هنا،
وهو طبعًا وافق وحاليًا شغال فيهم.
– عايزين نعمل أكبر عدد ممكن يا آلاء، حتى لو احتجنا فطير أكتر أو حتى جبنة أو أي حاجة،
إن شاء الله هيكون متاح نطلب عادي ونزود، والمخبز كمان مش هيتأخر علينا إن شاء الله.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
ابتسمت له ليبادلها بأخرى حنونة، ولسانه يردد برجاء:
اللهم تقبل منا يا رب العالمين، اللهم تقبل.
دعوة من قلبه، من أعماق قلبه للحق.
❈-❈-❈
دلفت للغرفة شاعرة...
دقيقة، بماذا تشعر في تلك اللحظة؟
كان سؤالًا هي حتى لا تملك إجابته.
هل هو توتر، خوف، أم لوم،
أم... أم ماذا؟
خائفة منهم. هل من الطبيعي أصلًا أن تخافهم؟
لكن لا، هي لا تخافهم هم،
بل تخاف تلك التصرفات والنظرات.
واهٍ من نظراتهم، ولن تنسى الهمزات واللمزات...
تشعر أن بكل نظرة، وكل حرف يخرج من فمهم، يحمل أكثر بكثير مما يظهر. لماذا تشعر بنفسها ضعيفة هكذا؟
لم يكن الخوف وحده ما ينهشها...
بل لومها لنفسها أشد وأقسى.
وهناك تلك الحيرة متسائلة بداخلها هل أخطأت بردة فعلها؟
هل يُعتبر رد فعل مبالغًا فيه؟
أم أنها فقط لم تفعل سوى الأصح والصحيح؟
لكن لماذا يجب عليها أن تصمت، متغاضية عن حقها، فقط لأنهم أهله؟
هل يجب أن تضع الحذاء في فمها لأجل مكانتهم فقط؟
هي تقدر الموقف، تقدر ألمهم، خسارتهم، لكنها تشعر أنها، وإن أنارت أصابعها العشر لهم، لن يعجبهم حتى.
استندت على الباب، شاعرة بالوهن والتوتر. حتى صغيرها شاركها إياه.
أغمضت عيناها، طالبة للراحة، وبعض الهدوء، وربما لحلول لطريقة...
ماذا تفعل مع هؤلاء؟
إنهم كتلة متحركة من الاستفزاز وقلة الذوق.
كيف لها أن تمرر ما يحدث؟
هل عليها أن تصمت فقط لتمر الأيام سريعًا؟ أم تظل تصرخ على كل شيء؟ ماذا تفعل؟ تصبر لحرق أعصابها، أم تحرقهم وتحرق نفسها؟
حتى هؤلاء لن يجدي معهم خير الأمور الوسط.
رنين هاتفها أخرجها من شرودها. قبل أن تتحرك، ملتقطة إياه، ناظرة للمتصل بصمت وجمود.
قبل أن ترفعه على أذنها، مستمعة إلى صوته وهو يردد بسرعة "طمِّنيني يا فريدة، عمتي فطرتِ واديتيها الدوا؟"
همهمت بإجابات مختصرة،
قبل أن تكمل "لسه مخدتش الدوا، هخرج أدهولها دلوقتي، إن شاء الله.
صمت لثوانٍ معدودة، قبل أن تنتفض على صوته، وقد علت نبرته قليلًا، وهو يردد بعصبية وتوتر "ليه لحد دلوقتي يا فريدة؟
أنا بعتلك رسالة بنبهك فيها. عمتي لازم تاخد الأدوية في مواعيدها، مينفعش تتأخر.
قلتلك اظبطي منبه، واثنين، وعشرة حتى إيه المشكلة؟
إنتي وراكي إيه أهم منها ومن صحتها؟ أنا مش فاهم، كلامي مش بيتسمع ليه؟
قال الأخيرة بنزق وضيق، وصوت يزداد علوًا.
أما هي، فكانت تسمعه بملامح صامتة جامدة، وهي تضغط على شفتيها بقوة، حتى كادت أن تدميها.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
فهي ببساطة على وشك الانفجار به، وتحطيم الهاتف فوق رؤوسهم جميعًا إن استطاعت.
إلا أنها تماسكت، وهي تعد حتى عشرة، لكي لا تنطق بما لا يصح أن يقال.
قبل أن ترد ببرود مصطنع، غير قادرة على الجدال في تلك اللحظة، ولا سماع صوته حتى: اقفل يا عمر... اقفل عشان أروح أديها الأدوية. سلام.
وأغلقت. وفي وجهه... ويستحق.
ألقت بالهاتف على الفراش، قبل أن تجلس عليه، وهي تضم رأسها بيدها، بإرهاق شديد، وقد تحجرت الدموع بعينها، تأبى أن تسمح لها بالتحرر.
وظلت هكذا لعدة دقائق، قبل أن ترخي جسدها على الفراش بوهن، حتى تمددت، تنظر للسقف، ويدها تمس طفلها...
ذالك الذي أتى للحياة، ظنًا منها أنها ستمنحه حياة أسعد وأنقى، حياة لم تُمنح لها، سعادة لم تحصل عليها، ومشاعر لم يروا أنها تستحقها أبدًا.
ربتت بحنان أكبر، وخوف، وهي تفكر أيمكن أن تخرج للحياة فريدة أخرى؟ فريدة مقهورة، مكسورة، محطمة؟ أخرى ذاقت اليتم ووالداها على قيد الحياة؟
أن يحيا صغيرها ما حيت هي...
وهنا سمحت لدمعاتها بالتحرر، شاعرة بحجر ثقيل يجثم على قلبها، ولسان حالها يردد بكل قوة ورفض: لا... لا... وألف لا.
لن تسمح، لن تسمح أبدًا، مهما كان الثمن... مهما كان الثمن يا فريدة.
التقطت أنفاسها، قبل أن تهمس بحب، مخاطبة صغيرها: أنا هحميك بقلبي وروحي، هحبك، ومستحيل أكون سبب في نزول دمعة من عينك. هديك كل الحب والاهتمام والعوض، هديك كل اللي أنا اتحرمت منه، هديك حياة حقيقية، هديك نفسك، روحك، هحضنك... هحضنك كتير أوي...
هحضنك الحضن اللي أنا اتحرمت منه، وخدوا حقي اللي ملهومش حق.
سقطت دمعة أخرى، قبل أن تتابع
عارف ليه بحبك اوي كدة ليه خايفة عليك ومرعوبة كده ؟ قالتها مخاطبة صغيرها، عشان أنا بقيت مؤمنة إن إنت عوضي... أو إنتي... وانا مستحيل اسمح تعيش اللي عشته ابدا
يمكن
يمكن في يوم من الأيام مش هيكون ليا غيرك... محدش عارف بكرة مخبيلنا إيه أبدًا..."
همست بها، مختنقة بدموعها، واعدة إياه ونفسها
صغيرها سيحيا، سيضحك، سيركض، ويحقق كل ما يريد بإذن الله. لن تسمح لأي حد بمسه بسوء، ومن يجرؤ على التفكير فقط، عليه أن يرديها قتيلة قبلها.
لذا... ستحافظ على نفسها لأجله، لأجل أن يكون قويًا وسعيدًا وبخير، يجب عليها أن تكون هي هكذا أولًا.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
رفعت يدها، تمسح دموعها، قبل أن تتحرك من محلها، متفقدة لوزة والصغار، قبل مغادرة الغرفة، لبداية حرب جديدة ربما...
وبداخلها... هي لا تريد... لا تريد أبدًا...
لكن يا ليت الخيارات كانت بين أيدينا دائمًا... لكنها لم تكن.
فكلها اقدار وستحدث لا محال
❈-❈-❈
تحركت في الشقة ترتّبها ببطء، شاعرةً بالثقل والوهن يمْلآن جسدها المتعب.
وعلي الارض كانت الصغيرة شمس تجلس صارخة بكل قوتها دون توقف، مطالبةً بحملها على وجه السرعة.
لا تريد ألعابًا ولا تلفازًا،
لا تريد سوى أمها،
أن تندس بين أحضانها.
تأفّفت حور باختناق وضيق، وهي تقف تنظر نحوها، غير قادرةٍ حتى على التحرك لحملها.
ولم تدرِ كم ظلت تطالعها بألم،
حتى تحركت أخيرًا بتثاقل، ولم يعد قلبها قادرًا على التحمل، لتلتقطها حاملةً إياها، وهي تضمّها إلى صدرها بصمت.
قبل أن تلقي بنفسها على الأريكة، شاعرةً بالاختناق.
أحجارٌ أم جبال تلك التي تجثم فوق قلبها؟
أفكارٌ أم أشواك؟
أحلامٌ أم فقط كوابيس لا تريد أن تنتهي؟
أنزلت عيناها تنظران إلى الصغير وهي تدس نفسها أكثر بين أحضان أمها، مطالبةً بغفوتها المسائية،
مطالبةً بالكثير من الأمان والدلال والغناء الذي أصبحت تفقده بشدة من أمها.
أصبحت تفتقد كل شيء،
فلم تعد أمها كما كانت أبدًا.
أما حور فكانت تنظر نحوها بشفقة، وشعورها بالذنب يزداد ثقلًا وألمًا،
وكأنها ينقصها المزيد من الألم.
وظلت هكذا تراقبها،
حتى غفت الصغيرة.
وهنا لم تشعر بنفسها كعادتها سوى وهي تنفصل عن كل شيء،
كأنها جسدٌ يحيا بلا روح،
قد يكون هذا أدق وصفٍ وأقساهم لما تشعر به في تلك اللحظة.
لحظة… بل لحظات… دقائق… ساعات… وأيام.
لم تعد تحصي أيامها.
أصبحت صامتةً خاوية، جاهلةً هي بالطريق الصحيح.
لا هي قادرة على متابعة حياتها،
ولا أن تخطو خطوةً لن تسامح نفسها أبداً بعدها، وربما هو أيضًا لن يسامحها.
وكيف تتابع حياتها وأمها لا تكف عن الحديث في نفس الأمر؟
مكالمات كثيرة طويلة،
مرارًا وتكرارًا،
ومهما أرادت الهروب والتجاهل،
ترضخ في النهاية وترد.
كلماتٌ سامة قاسية قاتلة…
دعواتٌ تقشعر لها الأبدان،
بخراب الحياة،
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
بتذوّق الحسرة وكسر النفس،
دعواتٌ تجعلها تبكي حتى تنضب عيناها.
لا أحد يفهم… لن يفهم.
هل أمها تفهم؟ هل حسام سيفهم؟ هل هي تفهم؟
لا أحد يفهم.
ماذا تفعل؟ ماذا بيدها؟
وكلا الطريقين بأشواكٍ حارقة سامة حتى الموت، وكم هذا قاسٍ.
وهناك…
وقف هو.
كان قد أتى منذ عدة دقائق ولم تشعر به كعادتها.
تلك أصبحت حياتهم باهتة، بلا لون، بلا طعم، بلا حور.
وهل هذه حياة؟
تحرك أخيرًا حتى وقف أمامها، ينظر إليها وهي ما زالت لم تشعر به بعد.
كانت في عالمٍ آخر، يعرفه جيدًا.
رفع يده يمس وجنتها، فانتفضت تنظر إليه بصدمه.
تطلعت إليه، ثم التفتت تنظر إلى الساعة، متسائلةً متى أتى.
هل حان موعد عودته دون أن تدرك؟
ولم يمنحها فرصة للتفكير أو اللوم،
بل مدّ يده الأخرى وجذبها لتقف،
ودسها بين أحضانه، هي وصغيرته.
ضمّهما بقوة، غامرًا إياهما بالكثير من المشاعر والدعم وإن لم تنطقها الكلمات.
حتى قرّب رأسه بشدة، ناظرًا في عينيها بثبات، مرددًا بقوة: عيطي يا حور…
أنا هنا.
أنا هنا يا حور.
وهنا لم تقدر هي أن تتماسك أكثر،
فبكت…
بكت وتحاملت بكل جسدها عليه،
فاحتواها هو والصغيرة بصدرٍ رحب.
بكت كأنها ستكون المرة الأخيرة التي تبكي بها حتى تنتهي دموعها.
ولم ترَ عينيه هو…
عينان تحملان تصميمًا وقوة.
وقد قرر أخيرًا، دون رجعة
سينهي ما بدأته أمها،
سيحل الأمر لأجل عينيها،
كفّي، لن يمسح بأكثر من هذا،
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
هي زوجته، حبيبته، ونور عينه، وأم ابنته.
كفّى، لن يتحمّل أكثر من هذا.
يفدي دموع عينيها بكنوز الدنيا وما فيها.
لكن…
يظل السؤال الذي لن يُنطق: هل ما زال هناك وقتٌ يُدرك فيه ما أفسده العناد والتأخر؟
أم أن بعض الأشياء، إذا انكسرت في صمتٍ طويل، لا يُصلحها حضورٌ متأخر، ولا تنقذها رغبةٌ جاءت أخيرًا…
❈-❈-❈
خرجت بخطواتٍ هادئة، على عكس الفوضى التي تعصف بداخلها.
توجهت نحو طاولة الطعام، متجاهلةً إياهم تمامًا كأنهم غير متواجدين.
التقطت أكياس الدواء، ودلفت للمطبخ بصمت، أمام أنظار سلمي اللامبالية،
ونظرات عمته المتفحصة الغاضبة.
في الداخل،
أحضرت الماء والعصير، وجلست تطالع الأدوية، تتفحص مواعيدها بدقة،
وبدأت تفصلهم بالفعل إلى حقائب منفصلة
أدوية بعد الإفطار،
وأخرى قبل الغداء،
وهناك أيضًا قبل النوم.
مالت بجسدها قليلًا تفتح أحد الجوارير،
تُخرج قلمًا وورقة من دفترها الخاص بوصفات الطبخ،
تكتب المواعيد والجرعات لكل دواء، حتى لا تخطئ… أو يخطئوا.
ستفعل معها كما تفعل مع نفسها.
وبالفعل، أخذت الحقيبة الخاصة ببعد الإفطار، ووضعت حباتها على طبق صغير بجانب الماء والعصير،
وتوجهت للخارج حيث تجلس عمته وسلمي،
ووضعته أمامها.
ناظرتها عمته بامتعاض وهي تردد بسخرية: إيه ده.
ناظرتها فريدة لوهلة، قبل أن ترفع الكوب بيدٍ، والطبق الصغير بالأخرى،
تناولتها إياه قائلةً بهدوء، متجاهلةً نبرتها الساخرة:الأدوية بتاعة حضرتك،
دي الأدوية اللي بعد الفطار،
اتفضلي.
ثانية،
اثنين،
وفي التلاتة.
مدت يدها بامتعاض، تلتقط منها كوب الماء، وتلقي بالحبوب في فمها دفعةً واحدة.
تنهدت فريدة بارتياح، تحمد الله، لا تصدق أن الوضع مرّ دون دراما وصراخ،
لذا زفرت براحة وهي تشير نحو كوب العصير، مرددة بهدوء وهي تلتفت لتغادر وقد انتهت مهمتها: يا ريت تشربي العصير زي ما عمر قال،
عند إذنكم.
استني عندك.
قالتها عمته بتسلط وقوة، موقِفةً إياها محلها.
استدارت فريدة تناظرها بعينٍ متسائلة،
قبل أن تقول عمة عمر بهدوء: ادخلي اعمليلي شاي يلا.
وأنا عايزة نسكافيه يا ماما.
قالتها سلمي بسرعة، وهي تقضم من الشطيرة، متابعة التلفاز بتركيز.
لتردد أمها خلفها بابتسامة خبيثة:
ونسكافيه لسلمي،
بس بسرعة يلا،
وهاتيلنا كمان أي حاجة حلوة جنبها،
أهو نتسلى شوية،
لحد ما تبدأي تحضري الغدا.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
وصمتت لثوانٍ قبل أن تتابع:
وشيلي يلا الصينية دي، أنا خلصت أكل.
كل هذا وفريدة تقف تناظرها بعينٍ متسعة، وحاجب يزداد ارتفاعًا بصدمة،
وقد فغرت شفتاها كأنها على وشك قول شيء،
ولم تدرِ في تلك اللحظة
هل تصمت وتنفذ فعلًا،
أم تنفجر وتحطم
ويحدث ما يحدث.
ولو كان الخيار لها، لاستدارت مغادرة المنزل ليحرقوه إن شاؤوا،
لكن…
لم يكن هذا متاحًا أبدًا في تلك اللحظة،
وليته كان.
لذا التقطت أنفاسها، وقد مست جنينها تطالبه أن يمدها بالقوة،
وظلت تعد حتى العشرة،
قبل أن تتحرك لتقف أمامها،
ترفع الطعام مرددة بصوت هادئ دون أن تنظر لها حتى: الشاي والقهوة لحضرتك مش قبل ساعتين على الأقل، زي ما عمر بلغني،
حضرتك تقدري تشربي عصائر وتاكلي فواكه زي ما تحبي.
اتسعت عينا عمته بغضب، وفتحت فمها لتقذفها بكل سوء،
إلا أن فريدة لم تسمح لها بالرد، وهي ترفع عينيها لها، مرددة بحزم وقوة:
ده بالنسبة لحضرتك،
أما بقى بالنسبة لنسكافيه بتاع سلمي…
وتابعت وهي ترفع إصبعها، مشيرة للمطبخ، موضحة بهدوء:
المطبخ على بعد دقيقة من هنا،
تقدر هي تقوم تتحرك وتدخل تعمل بنفسها،
وزي ما حضرتك قلتيلي البيت بيتكم،
وبنت حضرتك عندها رجلين زيي بالظبط.
قالتها بتهكم ساخر،
وتحركت مغادرة،
تاركًا إياهم خلفها يناظرونها بعينٍ غاضبة ناقمة
منها وعليها.
ولم تعلم، أو علمت، أنه وفي كل الأحوال،
هي غير مرحب بها،
لا الآن، ولا غدًا، ولا في أي يوم.
هي فريدة،
ربما كُتب لها أن تحيا غريبة في كل البيوت…
حتى في ذاك الذي سُمّي يومًا بيتها.
❈-❈-❈
في منزل تميم
اجتمعوا جميعًا في جلسةٍ أرضية بجانب بعضهما البعض، للمساعدة على إنهاء تعبئة وتغليف الوجبات سريعًا قبل توزيعها.
تميم يقطع الفطير لقطعٍ متساوية متناسقة، ويضعها في أكياس شفافة خاصة، ويضعه بداخل العلبة،
يسلمها لآلاء التي يساعدها مدحت، ومساعدة منير،
ليتابعا وضع باقي مكونات الإطعام والتغليف الأخيرة، وظرف صغير به مبلغ مالي كان فكرة مدحت كمساهمة بسيطة منه بنية الفرج القريب،
ليخرج أخيرًا وجبة وهدية معدة بحب وعلى أكمل وجهة لتذهب لصاحب نصيبها.
وأمامهم يجلس الثلاثة صغار بأدبٍ مصطنع وعلي مضض، يأكل كل منهم قطعة فطير، وأمامهم طبق الجبن والعسل، حتى يحين موعد الحصول على الحلوى التي وعد بها الخال تميم الحبيب.
باستثناء تميم الصغير الجالس فوق كتف خاله غصبًا واقتدارًا، فهذا الصغير الذي لم يسمع عن الأدب حتى مجرد سمع،
ولم يمر من أمام بيته يومًا حتى معنى التربية،
مدلل فاسد قليل الأدب كما تصفه آلاء،
تلك التي تناظره شرزًا، يقابله هو إياها بلا مبالاة، متلاعبًا بصلعة خاله باحدي يديه، يعجبه النعومة حقا ،
متسائلًا بداخل نفسه بطفولية بحتة:
لماذا لا يوجد شعر لدى خاله؟
وأنه أيضًا لمكان مناسب جدا للعب بسيارته الحمراء ذات الخطوط السوداء.
قضم من قطعة الفطير الصغير بيده الأخرى مفكراً في الأمر بشكل جدي ،
قبل أن يداهمه النعاس ليميل على رأس خاله بكسل، مقررًا أن يحظى بغفوة سريعة لحين موعد الحلوى،
وقد وعده تميم أنه سيحظى بكل ما يريد دون رفض.
هزت آلاء رأسها بيأس، مرددة بجنونٍ وعصبية:
يا تميم خليه ينام على الكنبة، حتى ده نام فوق دماغك،
هو فاكر نفسه مين ابن.... استغفر الله العظيم يا رب
دماغك هتصدع،
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
هو أنت فاكره خفيف يعني؟
ناظرها شرزًا، مرددًا بحزم : أولًا صلّي على النبي حرام عليكي .
وتابع ما يفعل، مغمغمًا بتأكيد:
مش هينفع أنقله، هو صاحي من بدري، وطالما نام دلوقتي يبقى مجرد ما هحركه هيصحى ويفتح السِرينة ومش هيوقف،
وابنك ما شاء الله طالع زي أمه في الزن.
قالها وعيناه تناظرها بنظرات ذات مغزى،
فاستني شوية كمان يكون راح خالص في النوم.
ضحكت رغمًا عنها،
فرغم غيظها من هذا الاتهام القاسي،
إلا أنه للأسف صادق.
تابعت عملها بصمت وابتسامة هادئة،
وشعور راحة غريب يداهمها منذ بداية اليوم،
تحديدًا منذ قرر تميم أن يتم تجهيز هذا الإطعام،
وهي تشعر بسعادة وراحة تتسلل لها لتمس قلبها لحظة بلحظة،
راحة لطالما افتقدها منذ ما حدث،
منذ تلك الليلة المشؤومة.
اليوم كان اليوم الأول الذي يعود لها شعور أنها بخير،
أنها قد تعود حيث توقف كل شيء،
حيث فقدت نفسها،
ربما هو حلم بعيد للغاية،
لكن أهلًا بحلم بعيد، لعل برحمة رب العباد يصبح واقعًا قريبًا.
أفاقت على يدٍ صغيرة تربت على ساقها،
وصغيرها عز يسعى لدس نفسه بين أحضانها، يطالبها بالنوم هو الآخر بعينٍ ناعسة،
تركت ما بيدها سريعًا،
وحملته بحنان ليرح رأسه على صدرها راغبًا في النوم، مغمغمًا بنعاس: نام نام.
لتردد هي بهدوء: أنا هروح أنيم عز في أوضته وأجي يا بابا.
أومأ لها مدحت بهدوء،
وتابعت وهي تقترب من أخيها: هات تيمو أنيمه جنبه بالمرة.
إلا أن تميم أبعد رأسه عن متناول يدها، قائلًا بهدوء:روحي إنتِ،
أنا هجيب تيمو وأجي،
لما أخلص اللي في إيدي،
أنا خلاص قربت.
أومأت له وغادرت سريعًا تحت أنظار أبيها،
ولم تدرِ أو يدرِ أحد، أو ربما أدركوا وابتلعوا تلك الغصة في قلوبهم،
أن تعلق أخيها بتميم الصغير
لم يكن فقط لحاجة الصغير لأب يراعه ويحب،
بل حاجة أخيها نفسه لابن،
حاجته لذاك الصخب والصراخ والضحك،
حاجته لقطعة منه،
هو يريد هذا.
ببساطة، كلاهما بحاجة للآخر،
بحاجة لما ينقصه،
لما يملأ ذاك الجزء الفارغ بداخل قلبه وروحه المنهكة.
تميم بحاجة للزواج،
ولم يعد الأمر رفاهية أبدًا،
أبدًا أبدًا.
❈-❈-❈
أسدل الليل ستائره،
لينتهي اليوم سريعًا.
صعد لسيارته بعد توزيع آخر وجبة إطعام بنجاح أخيرًا،
وقد تمَّ مُراضاة الجميع.
حتى إنه قرر أن يزيد عدد أظرف المال،
من ماله الخاص،
خالصةً لوجه الله تعالى،
بنية الجبر له ولإخوته.
ولم ينسَ أن يكون هناك جزء على روح أمه الطاهرة، رحمها الله.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
ولم يعلم أحدهم أن هناك نيةً أخرى خفيةً كانت داخله،
تلك التي ربما لن يفصح عنها يومًا أبدًا.
فكفاه ما يراه بأعين أحبته،
فليصبر، لعل الله يُحدث بعد ذلك أمرًا.
تنهد براحة، فبالرغم من صعوبة ومشقة اليوم، والتجهيزات الكثيرة والطويلة،
إلا أن شعوره في تلك اللحظة، وتلك الراحة والسعادة على وجوه العاملين ومتعففي الأنفس، كانت بالدنيا وما فيها.
ولو كان الأمر بيده، ما ترك محتاجًا يومًا،
ولفعلها كل ساعة، وكل يوم إن أمكن.
الحمد لله، الحمد لله دائمًا وأبدًا،
ربنا يراضي قلوبنا ويجبر خاطرنا.
همس بها برضا وراحة.
التفت يناظر آلاء الجالسة بجانبه، وعيناها تحملان كل تلك السعادة والراحة،
وكم كان مفتقدًا أن يرى تلك الراحة بعينيها بعد ما حدث.
وتلك اللمعة في حد ذاتها تعني له الكثير،
تعني أن أخته بخير.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
مد يده يربت على يدها، مشددًا عليها، مرددًا بهدوء، وتساءل:
مبسوطة يا حبيبتي؟
أوي، أوي، أوي يا تميم.
مش متخيل فرحتي وأنا شايفة فرحتهم،
وسامعة دعاءهم الجميل والصادق.
كل دعوة، وكل بسمة، كانت بتهز روحي،
كانت بتلمس قلبي.
كل دعوة بتقولي إن ربنا بيحبنا أوي، عشان كده ألهمنا نهدي الناس الطيبة دي، ولو هدية بسيطة.
الحمد لله،
الفضل لله.
قالتها بعين لامعة متأثرة،
وهو أكثر من يعرف سبب هذا التأثير.
قد يكون للبعض رد فعلهم مبالغةً فيه، لكن لا...
لا والله، ليست بمبالغة.
أن تُسعد قلب أحدهم،
أن تكون سببًا في نومه براحة، ولو لليلة واحدة، وسعادة بوجبة ربما لم يحصل عليها منذ الكثير.
وجبة نظيفة صنعت بحب، ومن أفضل ما يكون.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
ولم ينسَ فضل أمه، رحمها الله وغفر لها ذنبها،
وقد كانت تذكره وتقولها له دائمًا:
قال تعالى في كتابه الكريم:
﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾.
وقال رسول الله ﷺ:
"خَيَارُكُمْ مَنْ أَطْعَمَ الطَّعَامَ."
"اللهم اجعل يدنا هي العليا، ولا تجعلها هي السفلى، وأغننا بفضلك عمَّن سواك."
اللهم ارزقنا رزقًا واسعًا حلالًا طيبًا، واجعلنا من المنفقين في سبيلك، ولا تجعلنا من المحتاجين إلى أحد من خلقك.
اللهم أغننا بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمَّن سواك.
اللهم ارزقنا من واسع فضلك، واجعلنا سببًا في قضاء حوائج الناس.
اللهم آمين.
آمين يا رب العالمين.
أنهى دعاءه، والتي كانت دائمًا تردده على مسامعه، وقرب رأسه من شقيقته، هامسًا بخفوت ومشاغبة، يداري تأثره بذكرى أمه وحبيبته الأولى، رحمها الله:
تيجي أخطفك ساعتين؟ هوديكي مكاني السري.
كتمت ضحكاتها بيدها، وهي تشير برأسها للخلف بسخرية:
ودول هنعمل فيهم إيه؟
قالتها مشيرةً على صغارها الأربعة في الخلفية،
وقد أتوا معهم بعد وصلة صراخ وبكاء دامت نصف ساعة كاملة،
غير قابلين أبدًا بالجلوس مع مدحت في المنزل حتى يعودوا.
حاولت آلاء بالرقة تارة، وبالحزم تارة،
إلا أن بكاءهم كان أقوى منها،
ليرق قلب تميم لهم في النهاية،
غير قادر على تحمل دموعهم،
ليقنع آلاء التي وافقت على مضض،
ويقرروا أخذهم معهم، وأمرهم لله.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
وفي النهاية، نام الأربعة في الخلفية مثل الدجاج بعد نصف ساعة.
أغمضت عينيها، غير قادرة على كتم ضحكتها، مرددة بصوت مكتوم، وعين دامعة من شدة الضحك:
مشكلتي الطبية الزيادة.
ناظرها شرزًا،
وقد أدار السيارة لتنطلق بهم، مرددًا بغيظ وتهكم، ضاحكًا هو الآخر:
تبًا للتربية الحديثة وسنينها.
تبًا لقلبي الطيب.
قالها ساخرًا،
وضحكات آلاء تزين الخلفية.
❈-❈-❈
حمل كوبي حمص الشام، متوجهًا لتلك الواقفة، تناظر أطفالها بنظرات شاردة، وغصة ثقيلة شائكة، وفكر ربما لن يفهمه سواه في تلك اللحظة.
يعرف هو كيف يكون النظر نحو مجهول،
النظر نحو طريق دلفت إليه بنفسك، وأنت لا تدري، هل حقًّا كنت على حق،
أم هو فقط مجرد خطأ جديد لقائمة أخطاء الماضي التي لا تذهب سدى،
بل تحرق أرواحنا بكل قسوة عقابًا لنا.
آلاء.
قالها وهو يمد يده بالكوب لها.
ناظرته بابتسامة هادئة، قبل أن تمد يدها لتأخذه، وتضمه بين كفيها، مستندة على حافة الكورنيش خلفها، وأمامها حيث سيارة تميم، النائم بها صغارها الأربعة،
والمفتوح منها جزء من نافذة واحدة،
حيث مقعد السائق فقط، للاطمئنان على دخول هواء مناسب للصغار، وإبعاد عنهم أيادي المتطفلين المزعجين.
سرحانة في إيه؟
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
تمتم بها وهو يضع كوبه هو الآخر بجانب خاصتها، بعد أن وضعته على حافة الكورنيش.
فيهم.
همست بها بصوت خافت خائف،
وعيناها لا تتركان صغارها،
قبل أن تتابع بصوت يقطر ألمًا:
في اللي حصل،
وفي اللي هيجي،
في كل حاجة تخصهم،
تخص حياتهم، مستقبلهم، تربيتهم.
يمكن أنا دائمًا كنت ليهم أم وأب في غياب أبوهم،
بس...
قالتها ممتنعة حتى عن ذكر اسمه،
وتابعت بمرارة:
لكن أهو كان موجود،
ولو حتى على سبيل خيال المآتة.
يعني على رأي المثل: ضل راجل ولا ضل حيطة.
خايفة عليهم يا تميم،
خايفة أظلمهم وأنا بحاول أحميهم.
تظن يا تميم... أنا غلطت؟
قالتها متسائلة بترقب حذر،
وتابعت بقهر وحسرة:
تظن كان لازم أسكت وأستحمل، وأحط جزمة في بقي وأعيش؟
أتحمل ذكر بيكدب ويخون ويهين،
علشان بس المركب تمشي،
عشان العيال تتربى في بيت أبوهم، حتى لو كان وحش وميستحقش يكون أب،
وإني أمشي الدنيا زي ما كتير الستات مستحملة وراضية،
وبتزق في أيامها عشان الحياة تمشي.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
كان يسمعها بصمت تام،
تاركًا لها المساحة بالكامل لتفريغ خوفها، وقلقها، وصراعاتها الداخلية،
التي ربما تتكرر بداخلها بكل لحظة.
بكل لحظة هي تشعر بالخوف، ليس لضعفها، بل لأنها أم تخشى على صغارها.
وعلى الرغم من ثقته أنها بداخلها مؤمنة أنها لم تخطئ،
إلا أن خوفها كان منصبًّا أكثر في جهة أنها ربما أخطأت في الحصول على حقها.
مد يده يضم يدها بقوة ودعم،
وباليد الأخرى رفع ذقنها، قبل أن يردد بحزم وحسم:
اسمعي الكلمتين دول.
ومش بقولهم بصفتي أخوكي بس،
لا،
أنا في اللحظة دي هكلمك بصفتي
راجل،
ابن،
أخ،
وفي يوم من الأيام هيكون زوج وأب، إن شاء الله.
وإجابتي اللي مش هتتغير،
لا قبل كده، ولا دلوقتي، ولا بعدين.
إلا إنك مش غلطانة يا آلاء،
مش غلطانة عشان رفضتي حياة هي أصلًا مش حياة،
مش غلطانة عشان رفضتي أقل مما تستحقي.
مش لازم تستحملي لو مش قادرة،
مش لازم تصبري لو اللي قدامك بيستغلك ويستغل صبرك.
قالها بتأكيد وثقة،
وأضاف بنبرة حازمة:
وسيبك بقى من كلمة إنتِ ست مش أصيلة، ومش زي أمهات زمان،
اللي استحملوا أكثر وسكتوا وو...
اسمحيلي أقولك إن ده كلام غبي،
كلام عقيم، بمعنى أصح، وهو هو اللي وصلنا للي إحنا فيه دلوقتي،
واللي بسببه بنات، وستات، وأمهات اتظلموا، وهيفضلوا يتظلموا بدون وجه حق، وبحجج غبية.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
صمت، يتنفس بغضب وضيق،
قبل أن يتابع حديثه مرددًا بضيق:
ده كلام بيحب الناس يقولوه لبعض، متباهين بتعب وكسرة ستات صبرت، عشان للأسف مكنش قدامها حل غيره وقتها،
سواء بقى ملهاش مكان تروحه، أو معندهاش دخل يعيلها، أو راجل بيهدد إنه مش هيصرف ولا جنيه لو اتطلقت،
وكثير مواقف أسوأ بكثير.
والله أعلم بحال كل بيت، والمستخبي جواه.
ليه نقارن أصلًا بين البيوت؟
كل حياة مختلفة.
وتابع مستنكرًا:
وثم أصلًا هو إيه علاقة الأصل إني أستحمل وجع، وقلة قيمة، وأخلاق، من ذكر لا يستحق لقب راجل أصلًا، عشان أمشي المركب؟
أنهي مركب دي اللي هتمشي وهي مليانة خرام؟
هي ببساطة مركب محكوم عليها بالغرق عاجلًا أم آجلًا،
عايش فيها أصحابها في خوف دائمًا،
خوف من إنها تغرق بكل لحظة،
خوف إن النهاية كده كده جاية،
يا منها وصلت لبر الأمان، يا منها غرقت بسرعة، ورحمت صاحبها من لحظات رعب قاسية قاتلة.
يعني ببساطة بتموت كل دقيقة.
وهل هي بقى دي حياة؟
قالها وهو يهز رأسه مستنكرًا.
امتقع وجهه، زافرًا بضيق، متابعًا:
ساعات كثير أوي بستغرب اللي بيدوروا على الست الأصيلة بمفهومهم العقيم.
ست تتحمل الإهمال، والإهانة، والمعاملة السيئة، والبخل، ومش بس البخل المادي، لكن كثير أوي بيكون بخل المشاعر،
مش بس هو، لا، كمان بشاعة أهله، سواء أب، أو أم، أو إخوات.
ولازم تتحمل عشان أهله.
معقول عايزها تزعل أهله؟
زعلها هي أهون بكثير،
زعلها هي أرخص بكثير.
ميثاق غليظ اتحول لمهزلة، بفعل بعض البشر المرضى النفسيين، اللي قرر أهلهم، بدل ما يعالجوهم، إنهم يجوزوهم.
قالها أسفًا.
الجوازة صابت؟ تمام.
الجوازة خابت؟ تمام برضه.
كلبه بقى وراح،
معروفة يعني.
منظومة الجواز كلها أصبحت منظومة معقدة،
مش لأنها كده،
لأن البشر هما اللي خلوها كده.
وعلى فكرة، مش طرف واحد،
الطرفين بقوا قاسيين أوي،
سواء زوج أو زوجة،
الاتنين بقى نشوف منهم العجب،
إلا من رحم ربي طبعًا،
لأن زي ما في الوحش، وكثير،
في اللي ربنا زرع في قلبهم مودة ورحمة، ودين، وخلق،
فاهمة يعني إيه زواج،
يعني إيه قوله تعالى
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
لكن خليني أقولك إن في قصتك إنتِ،
إنتِ مش غلطانة يا آلاء،
إنتِ كنتِ ضحية لزوج نرجسي،
لأب لا يستحق أصلًا.
رامي...
صفحة بقت محروقة في كتابك،
صفحة واتقفلت خلاص.
بصي لقدام،
لنفسك،
لولادك،
ولأهلك.
وكوني متأكدة إن الغلط مكنش غلطك.
ولادك في حضنك، والحياة لسه قدامك.
وتابع مشددًا على يدها:
أنا هنا،
ولادك في أمان وسطنا، ومستحيل ينقصهم حاجة، بأمر الله.
وأوعي تنسي، مستحيل أسمح لأي شخص يأذيكي أو يأذي الولاد، لحد آخر نفس فيا.
وحتى مع آخر نفس،
تأكدي إني هكون محاوطك بإيدين أمينة،
تنوب عني، تحميكي، وتخلي بالها منك.
بعد الشر عنك يا تميم.
متقولش كده بالله عليك.
ربنا يبارك لنا فيك، ويحفظك العمر كله يا رب يا حبيبي.
قالتها بعين دامعة، ووجه محتقن من شدة الاختناق.
شدد على يدها، لتدس نفسها بين أحضانه،
متمتعة بأمان طالما كان وطنها وملجأها.
تميم...
لم يكن مجرد أخ بالنسبة لها،
كان أعظم هبة لها في تلك الحياة.
حنانه وطن،
وقوته أمان.
رجل لا تُقاس قيمته بكلماته،
بل بأثره في قلوب من يحب.
بحبك يا أعظم أخ.
همست بها بخفوت،
وسمعها هو،
وكانت تلك من أغلى الكلمات على قلبه المنهك.
| « السابق |
جميع الفصول |
التالي » |
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (عفاف شريف)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية
