تم النشر في: 26 مايو 2026
قراءة رواية بين الرفض والقدر (عريس قيد الرفض) كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخر
رواية بين الرفض والقدر (عريس قيد الرفض)
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة عفاف شريف
الفصل السادس والثلاثون
تم النشر الثلاثاء
26/5/2026
حلمتُ ببيت الأحلام، بيت وردي اللون والأركان، ذاك الذي لم أسمع عنه سوى في الحكايات،
فكان نصيبي آخر مهتز، رمادي اللون.
بين الأبيض والأسود وقعتُ، تحطمت الآمال، وأحصد الخذلان.
فصارت الأحلام كلمة عابرة، أقولها ضاحكةٍ لمن ظنَّ أن الحب هو بر الأمان.
فكانت الحقيقة المرة
أن الحب…
أن الحب هو فقط للرجال.
وكان نصيبي ذكر ظننه من الرجال
بقلمي عفاف شريف
❈-❈-❈
عدة لحظات،
فقط عدّة لحظات،
كانت هي المدة التي قضتها في صمتٍ وسكون، وهي تشعر بتلك التهيؤات الغريبة تراودها، وقد كادت لوهلة أن تُصيبها بذبحةٍ صدرية،
قبل أن تتنهّد بتعب،
وهي تُغمض عينيها، راغبةً في إنهاء هذا الكابوس المريع.
وبعد عدّة ثوانٍ، ابتسمت ابتسامةً بلهاء صغيرة، ظنًّا منها أن الكابوس قد انتهى،
وانقلبت على جانبها مرة أخرى، تحتضن وسادتها الناعمة بشوق،
سعيدة بأنها أخيرًا ستنعم بنومٍ هانئ، وراحةٍ لظهرها المسكين.
لكن صفعة الواقع تأتي دائمًا أقسى مما يريده الإنسان،
وقد بدأت أذنها تلتقط نداءً بعيدًا،
نداءً متكررًا،
نداءً باسمها.
تخشّب جسدها،
وشعرت بتشنّج معدتها وارتجاف جسدها المتعب،
وقد ازداد ارتفاع الصوت بحدّة أكبر، مردّدًا: إنتي نمتي تاني ولا إيه؟!
وتابعت باستهجان: نمتي تاني؟!
لم تعلم كم ظلّت على وضعها المتشنج، وعيناها المغلقتان بقوة، كأنها حقًّا تخشي التصديق،
وظلّت هكذا لعدّة ثوانٍ، قبل أن تتنهّد بتعب، وهي تنقلب على ظهرها مرة أخرى،
تزمّ شفتيها بتعب، تكاد تبكي، وهي تفتح عينيها ببطءٍ شديد، تناظر السقف بجمود،
شاعرةً بنفسها على وشك الانهيار، وبكل عظمةٍ في جسدها تكاد تصرخ بها تطالبها بالراحة،
وبالقليل من النوم... فقط القليل،
وبعض الرحمة من قلوبٍ تقريبًا لا تعرف الرحمة.
ومع كل هذا،
لم يتوقف الصوت، بل كان يزداد علوًّا وإصرارًا،
إصرارٌ يُخبرها أنها لم تكن تحلم،
وما حدث ما هو إلا واقعها الجميل.
وبعد صمتٍ دام ثوانٍ،
انفرجت شفتاها في ابتسامةٍ صغيرة، باهتة، ساخرة، بالكاد تُرى،
وهي تردّد بهمـسٍ خافت، متعب، وساخر بمرارة:
يا أهلًا وسهلًا بالواقع.
أهلًا.
❈-❈-❈
اعتدلتْ في نومتها تجلس بتعب، قبل أن ترفع يدها المرتجفة تمسّ جبهتها بألم، تحاول أن تتماسك، مقاومةً شعورها المُلحّ بالبكاء، وقد ضرب الصداع رأسها فجأةً بقوةٍ ودون رحمة. كان كل شيءٍ كأنّه ضدّها في تلك اللحظة.
ورغم إرهاقها وما بها، إلا أنها لم تقدر على التفكير بنفسها حتى.
وكيف تفعل، وعمّة عمر بالخارج لا تتوقف عن الصياح بعصبية؟
لذا، لم تجد نفسها سوى وهي تتحرك من فراشها،
تلملم خصلاتها المبعثرة لتغادر الغرفة، بعد أن ألقت نظرة على لوزة وصغارها، تحمد الله أنهم ما زالوا نائمين.
فيبدو هكذا أنها لم تكن وحدها المرهقة.
غادرت وأغلقت الباب خلفها،
فيكفيها ما حدث أمس.
وما إن خرجت حتى وقفت لثوانٍ مستندةً على الباب، مغمضةً عينيها بإرهاقٍ حقيقي،
إلا أنها في النهاية اضطرت للتحرك.
وما إن خرجت ورفعت رأسها، حتي كان وجه عمّته الغاضب هو أول شيءٍ قابلته عيناها،
وعينا الأخرى تناظرانها بغيظٍ وعصبية، حتى إنها لم تقدر على التحكم بنفسها وهي تهتف بها بحدّة: إيه؟ كل ده نوم؟
بقالي ساعة بنادي عليكي،
وبعتلك سلمي،
تقومي حضرتِك نايمة تاني؟!
أغمضت فريدة عينيها، تجزّ على أسنانها بقوة،
محاولةً التحكم في غضبها،
وهي تكاد تصرخ بأعلى صوت من شدّة الضغط،
إلا أنها كانت تردّد لنفسها العديد من المبرّرات
خسرت منزلها،
متعبة ومتألمة،
أنها فقط تُنفّس عن غضبها...
فلْتصبر،
فلْتقدّر،
ولتلتمس لها ألف عذر،
لعلها تستحق أحدهم، وإن لم تكن كذلك.
وبالفعل، التقطت أنفاسها،
وهي ترفع رأسها مردّدةً بهدوءٍ وصبر:
معلش يا طنط، كنت نايمة مرهقه.
وتابعت بتأكيدٍ وتوضيح، وقد رفعت يدها تمسد ظهرها المتشنّج، وهي تشعر بالألم لا يتوقف أبدًا: أنا ملحقتش أنام ثلاث ساعات على بعض،
وكنت تعبانة، انتي عارفة من الحمل.
مصمصت الأخرى شفتيها بامتعاض،
وأشاحت بيدها بقرف،
جعل فريدة تناظرها بعيونٍ متسعة، وهي تعضّ على شفتها بغيظٍ حقيقي،
وقبل أن تنطق بحرف، كانت عمّة عمر تغمغم بحدّة: ها، هتفضلي تبصيلي كتير؟
ده إيه الهم ده، يا ربي؟
مش المفروض يا بنت الأصول،
لما تكون حماتك عندك، وأول مرة تبات،
تعملي حسابك تصحي بدري، عشان تعمليلها لقمة تاكلها وتشوفي محتاجة إيه؟
وتابعت بتأكيدٍ وتهكّم: بس مين بقى اللي هيعلّمك؟ يا حسرة...
حسرة عليك يا ابني في مراتك.
شحبت ملامح فريدة وهي ترتدّ قليلًا للخلف،
لا تصدق ما نطقت به للتو بكل وقاحة،
وقد بدأ عقلها يفكر ويتساءل عمّا تعلمه تلك المرأة عن عائلتها بالضبط.
ماذا تعرف عن حياتها الخاصة، ما يخصّها وأهلها؟
لذا، رفعت ذقنها وهي ترد بقوة، رغم شعورها بالدوار : لو سمحتي يا طنط،
أنا مسمحش لحد يتكلم معايا بالأسلوب ده أبدًا.
في خطوط حمراء، أنا مَقبّلش مين ما كان يكون يتعدّاها معايا. حضرتِك مش من حقك تتكلمي لا عن أهلي ولا عنّي أبدًا بالطريقة دي.
أنا في الأول وفي الآخر في مقام مرات ابنك، زي ما بتقولي.
وتابعت برفضٍ لما يحدث:
أتمنى يكون الاحترام بينّا متبادل.
وصمتت لثوانٍ تحاول التقاط أنفاسها الغاضبة، قبل أن تتابع دون أن تهتم بصدمة الأخرى، أو حتى تسمح لها بالرد، رغم ملامحها الحادة:
وبالنسبة للفطار...
وتحرّكت مسرعةً للمطبخ،
لتغيب ثواني،
قبل أن تعود تحمل بين يديها
صينيةً كبيرة، وهي تضعها على الطاولة أمامها مردّدةً بهدوء:
أنا مجهّزة لحضرتك الفطار قبل ما أنام، لأني معرفش حضرتك هتصحي إمتى،
لكن قلت صحيتِ قبلي أو بعدي،
فأكيد لازم تكون كل حاجة جاهزة،
زي ما حضرتك شايفة.
وبدأت تنزع الأغطية الصغيرة عن الأطباق،
وكانت ممتلئةً بكل ما لذّ وطاب.
قد أعدّت لهم تشكيلةً كبيرة من الجبن البيضاء والصفراء، وشرائح اللانشون، والمربى، والعسل،
ولم تنسَ أن تضع الخضراوات والفاكهة كما هي، وبجانبها سكينٌ صغير ليقطعوها كيفما أرادوا،
وبجانبهم سلّة الخبز تحمل النوعين.
لقد وضعت كل ما لديها، ولم تنسَ شيئًا تقريبًا،
لقد تعمّدت أن تحضر الإفطار قبل نومها،
خشيةً أن تطيل النوم دون قصد فيتحرّجوا ويظلوا دون افطار ،
رغم علمها أنهم لن يتحرّجوا،
لكن الحِرص واجب في كل الأحوال،
وهي اعتادت الحِرص.
كانت عيناها تراقبان عيني عمّتها المحتقنة الغاضبة بعدم فهمٍ حقيقي
ماذا تريد منها حقًّا؟
الأمر لا يخصّ الإفطار إذًا،
هي فقط تريد الشجار،
لكن لماذا؟
لماذا من أول يوم؟
توقّعت أن تكون أكثر هدوءًا ولينًا،
لم تتوقّع تلك الانفجارات منذ أول لحظة!
ماذا يحدث؟
كانت تحدّث نفسها بشرود،
ولم تلاحظ نظرات عمّتها الغامضة.
كانت غاضبة تماماً،
كانت ثائرة، رافضة.
وطال الصمت بينهما،
حتى تنهدت فريدة، محاولةً تخطي ما حدث، وهي تفتح فمها لتسألها عمّا تريد أن تشرب بجانب الفطور،
إلا أن الأخرى سبقتها، وهي تزيح الصينية بيدها، قائلةً برفض: بس أنا مش هفطر الفطار ده.
انعقد حاجبا فريدة بعدم فهم، وقد بدأت تشعر بعدم استقرار أنفاسها، كشيءٍ يجثم على صدرها وبقوة،
لتتابع الأخرى بهدوء:
أنا عايزة أفطر فول وطعمية.
وصمتت، قبل أن تنطق ببساطة وابتسامة صغيرة: انزلي هاتيلي من المطعم... يلا.
وفي نفس اللحظة، شعرت فريدة بحرارةٍ غريبة تداهم جسدها، تبعها غثيانٌ قوي ومفاجئ،
جعلها تترك ساقها للريح،
وهي تركض مسرعةً إلى الحمّام،
تفرغ ما في معدتها بقوةٍ .
ولم تعلم، أنه في تلك اللحظة، أن صغيرها كان يشاركها ألمها، وما يعتمل صدرها من رُعب،
رُعبٍ كان في محلّه،
وإن لم تكن تعلم،
ويا ليتها كانت تعلم .
❈-❈-❈
خارت قواها وهي تجلس أرضًا، بعد أن انتهت من إفراغ كل ما بمعدتها،
فجلست مكانها، واهنةً، متعبة، غير قادرة حتى على الحركة.
أغمضت عينيها تكتم دموعها،
قبل أن تتحرك محاولةً الوقوف... محاولات تبؤء بالفشل.
مرة،
واثنتين،
وفي الثالثة، وقفت متمسكةً بالمغسلة، تقاوم ذلك الدوار،
وظلت هكذا لدقيقة، حتى اتّضحت الرؤية أمامها،
فرفعت عينيها إلى المرآة، مصطدمةً بما رأته.
لم تكن هي.
بل كانت أخرى... غيرها.
أخرى بحالة يُرثى لها،
خصلات مشعثة، ووجه شاحب، رغم وجود احمرار طفيف بفعل الضغط،
وأخيرًا... عينان ذابلتان، منهكتان، يملؤهما التشوش.
كانت أُخرى... بفضلهم،
بفعل يديهم وفقط من أول يوم .
غامت عيناها، وغصّ قلبها شاعرةً بالإهانة،
نعم، والكثير منه.
ماذا تظنها؟
خادمة؟
خادمة لتوقظها وتأمرها بتلك الطريقة،
تاركةً ابنتها نائمةً في تَبَغْدُد؟!
وهي؟
هي صاحبة المنزل،
هي فريدة.
كيف سمحت لنفسها أن تعاملها بتلك الطريقة؟
هي تتحمّل فوق طاقتها فقط لتمرير الأمور،
واضعةً لهم ألف مبرر ومبرر،
تقديرًا للظروف وما حدث،
تصمتُ صاغرة.
لكن...
أتراها مخطئة؟
قالتها لنفسها، وهي تطالع صورتها الشاحبة،
وفي عقلها كان هناك سؤالٌ أثقل،يراودها،
والإجابة عليه قد تُثقِل قلبها أكثر
إن كانت تلك هي البداية...
فماذا سيقابلها بعد؟
وكيف ستكون النهاية؟
وصدقًا، هي أصبحت تخشى الإجابة.
❈-❈-❈
خرجت من الحمّام تسيرُ ببطء،
مُجبرةٌ قدماها على العودة مرةً أُخرى حيث لا تريد أن تكون.
زفرت بتعب، وهي تمسِدُ على بطنها برفق، تطمئنُ صغيرها ونفسها،
تُخبره أن يتحمّل ويصمُد.
شاعرةٌ بالإرهاق والكثير من التعب، حتى بعد أن غسلت وجهها مرارًا وتماسكت قليلًا.
تشعر بالقليل من التحسن،
والكثير من التوتر.
لا تريد الخروج، ولكن رغبتها في تلك اللحظة لم تكن ذات أهميةٍ كبيرة.
فللأسف الشديد،
هنا أرض الواقع، حيث لا تخضع الحياة لرغباتنا.
وفي الخارج، كانت عمته تجلسُ محلها بتحفزٍ وصمت، وما إن خرجت فريدة حتى تقابلتْ عيناهما في صمتٍ طويل.
ضمت يدها بقوة، وعيناها تُراقبها بتفحص، بدايةً من ملامحها الشاحبة وارتجاف جسدها، وقد كان واضحًا للأعمى كل شيء.
كانت ببساطةٍ أمامها كورقةٍ صفراء مُجهدة.
إلا أنها، وللغَرابة،
لم تتأثر، كأنها لا ترى، ولم تعرف لماذا حتى.
قبل أن تفتح فمها مرددةً بهدوء:
كنت داخلة أَبُصّ عليكي، افتكرت أُغمى عليكي ولا حاجة، لما سكتي فاجاة ومطلعلكيش صوت.
ازداد ارتجاف جسد الأخرى، شاعرةً بالبرودة تحتلّها رغم ارتفاع حرارة جسدها.
وران بينهم الصمت قليلًا،
حتى انفرجت شفتا فريدة في ابتسامةٍ ساخرة،
متهكمة، قبل أن تغمغم بجمودٍ وعصبيةٍ مكتومة: حقيقي يا طنط ،شكرًا لاهتمامك، مش عارفة أقولك إيه والله...
على العموم، أنا بخير، والحمد لله.
وتحرّكت من أمامها لتدخل غرفتها سريعًا،
ملتقطةً هاتفها لتطلب من المطعم بالأسفل أن يبعث لها ما تريد،
فهي غير قادرة على النزول،
وحتى إن كانت، ما كانت لتفعلها.
لن تعطيها ما تُريد.
كان من الممكن أن تفتعل مشكلةً بعد ما حدث،
لكنها لن تفعل.
أخفضت عيناها الشاردة، مفكرةً بغصة في قلبها،
وكيف تفعل؟
ولم يمرّ سوى نصف ساعة.
نصف ساعة وحدث كل هذا؟!
لأجل ماذا؟ كل هذا... لماذا؟
زمت شفتاها، وقد كادت أن تجلس مُنزوِيةً بأحد الأركان لتنفجر في بكاءٍ طويل،
إلا أنها هزّت رأسها نافية، وهي ترفع يدها لتمسح دمعةً أرادت الفرار، فمنعتها بقوة،
قبل أن تمسح وجهها بإرهاق، ولسانها لا يكف عن الاستغفار،
تُخبر نفسها بالصبر والصمت، ولتري ماذا سيحدث،
رغم أنها لا تُريد،
ببساطة ترفض كل ما يحدث،
لكن... أهناك خيار؟
ففي كل الأحوال، ما تواجهه أمرٌ واقع،
لا مفرّ منه، إلّا أن يُتاح البديل.
وبالفعل، أنهت المحادثة، وألقت بالهاتف إلى الفراش بإرهاق،
وهي تُسرع بإخراج ملابسها لتستحم،
فقد كانت حقًا بحاجةٍ لذلك.
وبالفعل، انتهت، وخرجت مرددةً لعمته، وهي تحمل الصينية من أمامها دون أن تُقابل عينيها:أنا طلبت لحضرتك الفطار، وعملت حساب سلمي كمان عشان تختار هتاكل منه ولا من الصينيه، لما تصحى إن شاء الله شوية ويطلع،
أكون أنا أخدت شاور سريع ورجعت على طول.
وقبل أن تتحرك، أوقفتها الأخرى، وهي تُردد بحدّةٍ وعصبية مفتعلة : طلبتي إيه؟
طلبتي ليه إن شاء الله؟
مش أنا قلتلك انزلي؟
إيه؟ مش قادرة تنزلي ولا مش عايزة تنزلي؟
ولا هو عشان مش فلوسك فمش فارق معاكي؟
فلوس ابني الشقيان اللي عمالة تِرميها يمين وشمال؟
مش فلوس التوصيل دي هو أَوْلى بيها؟
ولا هو مال سايب؟
تسمّرت فريدة محلها، وقد تشنج جسدها دفعةً واحدة، شاعرةً بنفسها على وشك الانفجار،
قبل أن ترفع عينيها الحمراء تُناظرها بصمت.
صمت متعجب وغاضب مما تفعله.
والسؤال المُلحّ في رأسها
ماذا تُريد منها؟
حقًا، ماذا تُريد؟
هي لا تفعل شيئًا سوى تصيُّد الأخطاء لها،
أخطاء من وجهة نظرها هي فقط.
لذا، أخذت نفسًا عميقًا، تلجم كل الغضب بداخلها، مشددةً على الصينية بين يديها بقوةٍ وغضب،
تحاول منع نفسها من الانفجار لكي لا تُطيح بها، محطمةً كل شيء فوق رؤوسهم جميعًا وبالطبع وعلي راس القائمة سيكون العزيز عمر،
قبل أن تلتقط أنفاسها مرددةً ببرودٍ مُصطنع:
إيه كل ده يا طنط؟
ده كله عشان طلبت الفطار يطلع، ومش أنا اللي هنزل أجيبه؟
وتابعت بسخريةٍ مريرة، وهي تكاد تنفجر بها بجنون: وعشان إيه؟
عشان تعبانة، وحامل، ومش نايمة، ومش قادرة أنزل، ولا أفتح عيني حتى؟
وتابعت بابتسامةٍ ساخرة:
لوهلة، حسيت إني طلبت عقد ألماس لنفسي،
مش فطار بسيط لحضرتك، والتوصيل أبسط بكثير وبمبلغ لا يذكر ابدا .
وصمتت.
صمتت لعدّة ثوانٍ، قبل أن تتابع بحزم، رغم هدوء صوتها، وقد كانت حقًا تُجاهد للحفاظ على كل آداب الحديث معها:
ولو حتى كنت قادرة، وكنت حابة أرتاح، ومش حابة أنزل، كنت هطلب،
لأن، وببساطة،
ربنا بيرزقنا بالفلوس عشان نسهّل ونبسط الحياة على نفسنا.
والحمد لله عمر مش محتاج،
الحمد لله حياتنا كويسة، وفلوس التوصيل دي مش اللي هتبَوّظ حياتنا، صدقيني.
وصمتت تتابع نظرات الأخرى،
قبل أن تُردد بتأكيد: فمتخافيش يا طنط على فلوس عمر.
وعمومًا، الفطار ده على حسابي أنا، كترحيب بسيط مني لحضرتك.
ورفعت كتفها متابعةً بتأكيد:
وعلى فكرة يا طنط، حتى لو كانت من فلوس عمر،
فهو موافق، لأن فلوسنا واحدة، وهو مديني المساحة والحرية لده،
فطالما هو موافق وراضي، حضرتك متزعليش نفسك، الموضوع مش مستاهل يعني.
استهدي بالله، وصَلِّي على النبي،
مَكَنش فطار يعني اللي هيعمل كل ده.
وتابعت بيأسٍ وتعب، وهي تتحرك بإرهاقٍ حقيقي، وقد فقدت قدرتها على متابعة هذا النقاش العقيم: أنا هروح أخد شاور... أحسن.
صدقيني... أحسن لينا إحنا الاتنين.
وغادرت من أمام أنظار الأخرى،
وهي تكتم غيظها والكثير من التشتت بداخلها.
وإحقاقًا للحق، كانت مُنهكة،
وكل خطوةٍ تأخذها تُحدِث صوتًا لا يسمعه أحد سواها...
صوتُ شيءٍ ما ينكسر بداخلها... ببطء.
شاعرةً بنفسها تقف على زجاجٍ مُهشَّم،
يؤلمها، دون أن تجد القدرة على الفرار.
فبكل خطوه ندبة جديدة.
❈-❈-❈
بعد عشر دقائق،
خرجت فريدة من الحمّام مسرعةً نحو غرفتها، بعد أن أنهت حمامها وأفاقت قليلًا، شاعرةً بالانتعاش رغم إرهاق جسدها من قلة النوم والضغط العصبي الذي تمرّ به،
وعطرها يسبقها نحو عمته، التي تجلس في انتظارها بجمود، تنظر للتلفاز تارةً بدون تركيز فعليا بما يعرض، ولباب الحمام تارة، منتظرةً خروجها،
حتى ظهرت أخيرًا أمامها بتلك المنامة الرقيقة المحتشمة، وقد تركت خصلاتها القصيرة المُبتلّة تنساب بنعومةٍ ورقة، مُلتصقةً في وجهها.
تنهدت بضيق، وهي تعوجّ فمها، تضرب على فخذها برتابة، مرددةً بغيظٍ وتهكم، ورأسها يكاد ينفجر من شدة الكبت بداخلها:
طيب ما طبيعي تاكل بعقله حلاوة، إذا كانت حلوة في اللبس العادي وكمان وهي تعبانة!
أومال وهي متشيّكة وبصحتها، عاملة إزاي؟
قالتها بغيظ، وهي تكاد تنفجر من شدة الغيظ،
بل... والكثير من الغضب.
غضب لا تعلم من أين يأتي دفعةً واحدة، ليخرج دون أن تقدر على منعه،
رغم محاولاتها للتحكم في نفسها وغضبها،
لكن لا تعلم لماذا لا تقدر.
منذ متى كانت سريعة الغضب بتلك الطريقة؟
لماذا لا تقدر على لجم لسانها الغبي؟
لماذا؟
لم تتوقع أن تنفجر بها بتلك الطريقة وتلك السرعة،
لكنها تشعر بنفسها كبالونٍ امتلأ لشهورٍ طويلة،
وحان موعد انفجاره.
تشعر بالغضب يزداد بداخلها كلما لمحت وجه تلك الفريدة،
فينتهي صبرها وجمودها بانفجارٍ لا تُريده.
تحكمت في نفسها لأشهرٍ طويلة،
أطول مما يجب...
فلتنظر القليل بعد.
ليس الآن، على الأقل.
ليس الآن.
لم يحن الوقت بعد، يا تحية...
إلى أن يحين.
رددتها لنفسها بصبر.
❈-❈-❈
رفعت فريدة يدها تمسُّ وجهها، وعيناها تمرّان على قسماته، تطالع صورتها الباهتة أمامها في المرآة بصمت.
من تلك؟
كأنها لم تعد تعرفها.
أخرى لم تكن يومًا هكذا، حتى فيما مضى.
المؤلم أنها تشعر بنفسها أكثر هشاشةً وضعفًا، وفي نفس الوقت أكثر قوةً ورفضًا،
وكلا الأمرين يتقاتلان بداخلها.
تنهدت بثقل، مفكّرة بقلق
أن كل هذا من يومٍ واحد فقط؟
كل تلك الجلبة والحدة في بضع ساعات قليلة.
رغم أنها أصبحت أفضل عما قليل،
إلا أنها ببساطة منهكة وتشعر بالكثير من الضغط،
ضغطٌ بات واقعًا منذ أول لحظة.
وتلك الخاطرة في حد ذاتها كانت أثقل بكثير.
تنهدت بثقل، تمسح وجهها، مستغفرةً ربها،
قبل أن تتحرك وهي تستمع إلى صوت الجرس يعلن عن وصول الإفطار.
ورغم أن المنامة لم تكن واصفة،
إلا أنها أسرعت بارتداء المئزر الخاص بها وجمع خصلاتها المبللة،
قبل أن تقوم بفتح الباب سريعًا.
ابتسمت بهدوء للصبي الصغير،
وهي تأخذ منه الفطور وتدفع له الحساب، ولم تنسَ مبلغه المعتاد منها له،
وابتسامة صغيرة شاكرة وممتنة.
أغلقت الباب،
والتفتت لتقابلها عين الأخرى المتربّصة لها.
تحركت سريعًا نحو المطبخ، تفرغ الأكياس في أطباق،
ووضعت بجانبه الماء والعصير،
وخرجت لتضعه أمامها بهدوء.
ناظرتها الأخرى بصمت،
ودون كلمة شكر حتى،
بدأت في الأكل.
طالعتها فريدة بصمت،
قبل أن تهزّ رأسها يائسة، وهي تعود إدراجها إلى المطبخ، مقررة أن تعدّ لنفسها شيئًا مختلفًا اشتهته وصغيرها.
وقفت في المطبخ تمس صغيرها، مرددةً بخفوت: أنا عارفة إيه اللي هيبسطك ويغيّر مودي.
وتحركت تُخرج المكونات.
نوع جبنها المفضل، وقد كانت القطع الأخيرة منه، ورغم وجود أنواع أخرى،
إلا أن تلك هي المفضلة إلى قلبها منذ بداية حملها.
شطيرة الجبن الذائب في الفرن، والكثير من الخضراوات،
كوب عصير برتقال طبيعي خالٍ من السكر.
ولم تنسَ بالطبع المكملات الغذائية الخاصة بها.
فطور صحي، رائع، وتحبّه.
وبعد عشر دقائق كانت قد انتهت.
وقفت تطالعه بابتسامةٍ صغيرة،
شاعرة بالسعادة وهي ترى ما صنعت يداها.
كان بسيطًا مثلها، حيث كانت أبسط الأمور تسعدها، وكان هذا كافيًا في تلك اللحظة لتعديل مزاجها المعكّر،
كمحاولة صغيرة منها لإصلاح اليوم،
والحصول على بداية جديدة وأكثر هدوءًا.
فحملته وتحركت للخارج،
شاعرة بالجوع، والرغبة في بعض الهدوء،
وربما بعض الراحة لظهرها المسكين.
لكن تسمرت قدماها قبل أن تخرج من باب المطبخ في تردد،
وهي تتساءل بداخلها إلى أين تذهب؟
أتجلس مع عمته؟
أم تدلف لغرفتها بصمت، متجنّبة أي تعليق أو حديث آخر؟
ماذا تفعل؟
لكن، وبعد حيرة دامت لدقيقة،
حرّكت قدميها بهدوء متوجهةً حيث تجلس عمته،
ففي النهاية، هي عمة عمر وبمنزلها،
ولها منها كل الاحترام والتقدير.
لن تنزوي عنها، تاركةً إياها بمفردها، تحديدًا وإن لا أحد سواهم متواجد ومستيقظ في تلك اللحظة.
وبالفعل، اقتربت منها لتجلس أمامها بصمت، تماثلها إياه الأخرى،
وقبل أن تمسّ فطورها،
قطبت حاجبيها بضيق، وهي تتحرك من محلّها وقد استمعت إلى صوت رنين هاتفها في الغرفة،
فغادرت سريعًا،
تحت أنظار عمته الممتعضة.
هي لا تحبها،
ولن تُنكر.
❈-❈-❈
دلفت للغرفة بسرعةٍ وحرصٍ لكي لا توقظَ لوزة أو الصغار ، فاستيقاظ أحدهم
لا يعني سوى انتشار الهرج والمرج في هذا المنزل .
وحقًا، هذا اخر ما ينقصها في هذا الوقت الحالي أبدًا.
لا تريد ولا طاقة لديها لفضّ نزاعات.
وبعد قليل، ستري ماذا ستفعل في هذا الأمر.
ولحُسن حظها، استيقظت لوزة بالفعل، لكن من رحمة الله بها أنها
ظلت كما هي، هادئة، تطالعها بعيون ناعسة لم تستفق بعد.
أهدتها فريدة ابتسامةً صغيرةً محبّةً تخصها بها وصغارها دائمًا،
وهي تلتقط هاتفها سريعًا وقد توقّف عن الرنين،
ليظهر أمامها إشعار الرسائل والمكالمات.
كانت المكالمة من سارة،
ولكن ما لفت انتباهها أكثر لم تكن المكالمة،
بل إشعار الرسائل،
تحديدًا وهي ترى رسالة من عمر.
متى أرسلها؟
همست بها لنفسها.
لكنها لم تفتح الرسالة،
بل مدّت إصبعها وسحبتها قليلاً للاسفل لتتّضح أسطرها كاملة،
لتستطيع القراءة من الخارج دون الدخول للدردشة،
وقد استوقفتها بدايتها
قبل أن تبدأ قراءتها بعين جامدة
فريدة،
أنا جبت الأدوية بتاعة عمتي وسبتها في الرسيبشن على السفرة.
أول ما تصحى، فطّريها،
فطار كويس كده وحلو،
كوباية لبن وجنبها العصير.
الاتنين، ولحّي عليها
عشان ما تاخدش الدوا على معدة فاضية.
وأعرضي عليها تاخد دش وتغير هدومها بأي حاجه من عندك، حتى لو ضيّقة، المهم تغير وترتاح.
لحد إن شاء الله لما آجي وأجيب معايا لبسها الجديد.
خلي بالك منها ومن مواعيد أدوِيتها.
أنا كتبتلك المواعيد في ورقة،
الزّقيها بقى على باب التلاجة عشان ما تنسيش،
واعملي منبه على موبايلك احتياطي عشان لو نسيتي لا قدّر الله.
وآه، صح، ممنوع تمامًا تشرب شاي او قهوة غير لما يعدي على الأدوية ساعتين على الأقل.
أوعي تنسي.
فريدة، أنا سايب عمتي وسلمى أمانة عندك.
ولو سمحتي يا فريدة، مش عايز مشاكل.
عدّي على قد ما تقدري،
عشان خاطري.
وانتهت الرسالة.
وخاطرها
كان سؤالًا قصيرًا يطرح نفسه.
ورغم كل شيء،
كان الغضب يزداد بداخلها منه ونحوه ومنها.
صمتت.
فماذا بيدها سوى الصمت؟
أتصرخ؟
تريد، لكن أتقدر؟
سيلحقها ألف اتهام،
وإن لم يكن حتى أحدهم صحيحًا.
هي تقدّر خوفه،
لكن ماذا يظنّها؟
حقًا، ماذا يظنّها بكل تلك المتطلبات منها هي؟
أنسي أن لعمته ابنة أحق بها وبرعايتها؟
أنسي؟ أم تناسى وقرّر تخطّي تلك النقطة؟
قدرت خوفه،
لكن أقدَر هو خوفها ؟
تريد أن تضمه لتخفف وتحمل ولو القليل عنه،
لكن أسيفعلها هو؟
العديد من الأسئلة،
ولا توجد حتى إجابة واحدة.
وإن وجدت،
تثق أنها ستكون قاسية، لاذعة.
لن تنكر أن الوقت لم يكن في صالحها أبدًا.
لايوجد هناك متّسع لعتابها، ولا حتى لحزنها،
ولا مجال لصراخها.
تنهدت شاعرةً بقلبها يكاد ينفجر،
وعيناها تقاومان دمعةً تأبى أن تسمح لها بالتحرر.
قلّبت الهاتف بين يديها بصمت
قبل أن تفتحه لتراسل سارة سريعًا،
تخبرها أنها ستعود لتحادثها لكن بعد قليل.
وبعد أن تأكدت من وجود ماء وطعام للقطط،
تحركت لتعود إدراجها،
محاولة الهدوء والتخطي،
والتخفيف عن نفسها، فلا مفرّ، حتى وإن حزنت لذا عليها فقط أن تحاول تمرير الأمور في الوضع الحالي علي الاقل ،
والان فلتخرج لتتناول فطورها،
ولتَرَ ماذا ستفعل بعدها إن شاء الله.
لكن، وما إن خرجت من الغرفة،
حتى تسمرت محلها،
وشعرت بشيء ثقيل يجثم على صدرها،
ونيران مشتعلة كمفرقعات نارية صغيرة
تدوي في رأسها حتى كاد أن ينفجر،
وهي تشاهد أمامها
سلمى تجلس حيث كانت تجلس هي تمامًا،
لكن بصورة أكثر راحة وهدوء،
وعلى ساقها صينية طعامها،
تتناول فطورها...
فطورها هي...
تتناول فطورها هي...
بكل وقاحة.
❈-❈-❈
رفع مدحت كوب الشاي بالنعناع، يرتشف منه بهدوء، محاولًا كبت ضحكاته وهو يشاهد ما يحدث أمامه بيأس، حيث يجلس تميم أرضًا أمام الفرن الكبير في حالة يُرثى لها، بملابس ووجه ملطخَين بالطحين، بعد أن أصرّ على إخراج الفرن للحديقة، للحصول على مساحة وراحة أكبر للخبز، وبجانبه آلاء تساعده، والصغار في الجانب الآخر، وقد أعطى تميم لكلٍّ منهم قطعة عجين صغيرة ليشكِّلها كيفما يشاء، وسيتم تسويتها في النهاية وتوزيع الهدايا على الجميع لكن...
هذا بشرط واحد وهو أن يحافظ الجميع على هدوئه.
وبالطبع، تلك الأمنيات محلُّها الوحيد في أحلامه بكل تأكيد.
هدوء؟ أيّ هدوء؟
قالها تميم لنفسه وهو يمد يده سريعًا، يمسك يد تميم الصغير قبل أن يدسّها في العجين، وينقلب بداخله وهو يهز رأسه مردِّدًا بحزم:
لا، لا، لا... كده غلط!
مينفعش تيمو يحط إيده غلط!
اتسعت عينا الصغير بصدمة وحزن مبالغ فيه، قبل أن يقلب شفتَيه بقهر.
أيُرفض له طلب؟!
أَيُحادَثه بحزم؟!
هو
هو مدلَّل هذا البيت!
دمعت عيناه بحسرة وظلم، وقبل أن ينفجر في البكاء، كان خاله يمسح يده سريعًا، قبل أن يمدها، ملتقطًا إياه بسرعة، ضامًّا إياه إلى صدره بقوة، مقبِّلًا إيّاه معتذرًا بأسفٍ وبغيظ.
ابتسم له الصغير برضا وسعادة، وهو يميل برأسه على صدر خاله براحة ورضا حقيقي وقد رضي عنه.
هزّ تميم رأسه يائسا بغيظ، وهو يعيد الصغير محلّه مرة أخرى، قبل أن يلتقط له قطعة صغيرة من العجين ليعطيها إيّاه.
أشرقت ملامح الصغير، ومال بسرعة يطبع قبلة سعيدة على وجنة خاله،
لمعت عينا الاخير بحنان وهو يردّها له بسعادة، وعيناه تلمعان بحب ذاك الصغير، بل بحبهم جميعًا إن كان صادقا...
قالها لنفسه، وعيناه تجول على الصغار، واحدًا تلو الآخر، بحنانٍ وصمت...
صمت كان ظاهريًا فقط للجميع، لكن لا يمتُّ لما بداخله بأي صلة.
رفع يده يمسّ خصلات الصغير تميم بشرود وحب حقيقي، تبعها تنهيدة ثقيلة...
كان...
كان ببساطة يشعر بخواء خانق، وعيناه تلمعان بأحلام كانت يومًا لصغير مثلهم...
صغيرة هو...
أن يضمه إلى صدره...
صغير، قطعة من قلبها وقلبه...
صغير، كان يظن أنه سيأتي قريبًا بعد أن تكون له.
وبلحظة واحدة، تحوّلت الأحلام إلى جبل من الركام،
فلا حصل عليها، واحترقت الأماني في الحصول على صغيرة منها،
ليكون من نصيبه أن يذوق الاحتراق بكل لحظة...
احتراق لم ولن يُغادره يومًا،
فشوقه وعشقه كان لواحدة،
وقدَره أنها لم تُكتب له،
بل من نصيب غيره.
رفع رأسه يطالع السماء بصمت،
تناثرت أحلامه كالهشيم أمام عينيه،
ببساطة خسرها... فكانت الخسارة قلبه.
أغمض عينيه بقوة، مقاومًا ذلك الشعور الحارق،
وبداخله الكثير ليقال،
إلا أنه وكالعادة سيصمت،
فلا الحديث سيشفي جراح قلبه،
ولا الوقت يتيح أن يزيد فوق أحمال الجميع ما بداخله...
فقط، فليدعُ أن يشفي الله قلبه،
أن يحصل على الراحة،
وكم باتت تلك أمنية عزيزة...
أن يغفو بسلام دون أن يفكر،
فعقله لا يرحمه.
الرحمة لقلبي يا رب استغفر الله العظيم استغفر الله العظيم سامحني يا رب مش بايدي يا ريت كان بايدي...
همس بها بخفوتٍ وثقل،
ولم يرَ عيني مدحت المتألّمة، المتابعة له بحزن...
ألا يعلم أنه يعلم؟
يشعر بقلبه المجروح؟
يعلم انه لن يتحدث ويبوح بما في قلبه...
بل يدّعي دائمًا أنه بخير،
يدّعي الابتسامة،
ويحمل فوق عاتقه الكثير،
لا يكلّ ولا يملّ،
ويقابل هو كل هذا بالمراقبة والدعم،
يخشى الضغط عليه فينفجر،
ربما صموده لَهو نعمة من الله.
رفع مدحت يده، يمسح وجهه مستغفرًا،
وداعيًا من الله أن يطمئن قلبه عليه،
وأن يرى صغاره هو الآخر، أن تقرّ عيناه،
ويجبر الله قلبه قبل أن يرحل من تلك الحياة.
والأهم من كل هذا...
أن يراه سعيدًا مطمئنًّا...
سعيدًا بحق،
دون تَلك الأقنعة حيث يخفي ما بداخل قلبه...
فقط، ليكن سعيدًا.
تنهد، ولسانه يردّد بالدعاء...
دعاء سيظل يلازم صغاره جميعًا،
حتى يقبض الله روحه، راحلًا من تلك الحياة، لاحقًا بزوجته الحبيبة، وقرّة عينه.
وضع كوب الشاي من يده وهو يغمغم بهدوء:
حاسِب اللي في الفرن يا تميم!
انتبه الآخر من شروده، وسارع بإخراج ما بالفرن قبل احتراقه...
كانت الدفعة الأولى، ورغم أنها كادت أن يحترق،
إلا أنه، ومع أول لقمة متذوّقًا طعمها،
كان يهزّ رأسه بإعجاب، بتقدير لفعل يداه،
وظهرت على شفتيه ابتسامة صغيرة...
لقد نجحوا في إعداد الفطير!
غمغمت آلاء بسعادة، وهي تتناول قطعتها هي الأخرى، مردِّدة بسعادة طفولية:
تُحفة يا تميم!
نجحنا، نجحنا!
تصفيق عالي لماما وخالو تيمو يا ولاد!
قالتها وهي تصفّق بيدها بسعادة،
ليتبعها الصغار في تصفيق حار، دون فهم حتى.
ضحك تميم بقوة، وهو يشير لوالده:
دوّقي، بابا!
قالها وهو يطعم الصغار هو الآخر واحدًا تلو الآخر.
تحرّكت من محلّها، تحمل قطعة لتضعها في فم والدها،
الذي هزّ رأسه باستحسان، قائلًا بهدوء:
جميل أوي يا ولاد، تسلم إيديكم...
نجح معاكم، تبارك الله...
وتابع بتساؤل: بس هتعملوا إيه بالكمية دي كلها؟
ده كتير أوي!
فعلاً هتطلّعوا منها ؟
نطقها متسائلًا،
هزّ تميم رأسه مؤكدًا، وهو يردّد بهدوء، متابعًا إطعام عز: طبعًا...
طالما طلعت حلوة كده،
هناخد بالنا من الباقي كويس جدًّا،
وإن شاء الله لازم يطلع الجزء الأكبر منها إطعامً لوجه الله...
الجزء الأحسن، والأنضف، بكل تأكيد.
قالها بتأكيد، ونظر إلى آلاء، متابعًا بهدوء:
يلا يا آلاء هاتي ورقة وقلم واكتبي الطلبات ورايا يا ست البنات...
ورانا مهمة لا تقبل التأجيل أبدًا،
وفطار لازم إن شاء الله يوصل لأصحاب نصيبه في أسرع وقت...
فاللهم تقبّل.
قالها بصدق ورجاء
❈-❈-❈
قبلَ عدّةِ دقائق
خرجت سلمي من غرفتِها تفركُ عينيها بنعاس، قبل أن تُلقي بنفسِها بجانبِ أمِّها التي تتناولُ فطورَها بصمت.
ابتسمت لها الأخرى وهي تردِّد بهدوء: صباح النور، كويس إنك صحيتي، قومي يلا افطري معايا. الأكل لسه سخن، فول وطعمية وباتنجان صابحين، قومي يلا.
همست بها بحنان وهي تدفع صينيةَ الطعام نحوها.
نظرت سلمي للفطور أمامَها بمللٍ ورفضٍ واضح، قبل أن تردِّد بدلال: لا، مش عايزة فول وطعمية يا ماما، شوفيلي حاجة غيرهم أفطر بيها.
وقبل أن تتابع، لمحت عيناها الصينية الأخرى، لتنتفض قائلةً بحماس: الله! إيه ده؟!
رددتها وهي تتفحّص الشطيرة ذات الرائحة والشكل الشهي.
هزّت أمُّها كتفَها بلا مبالاة، قبل أن تغمغم بتأكيد: دي مرات عمر كانت عاملاها لنفسها عشان تفطر، عايزاها؟
أومأت لها سلمي بسرعه.
لتتابع أمُّها بابتسامةٍ وتأكيد:خلاص حلال عليكي، افطري بيها. لما تخرج من أوضتها تبقى تعمل لنفسها واحدة غيرها وخلاص، ولا تبقى تاكل أي حاجة، مش مهم، كُلي إنتي يلا يا قلب امك واشربي العصير كمان.
وكأن ابنتها سلمي بحاجةٍ للإذن من الأساس، فقد كانت قد بدأت بالفعل في تناول الشطيرة بسعادة، قبل أن تغمغم بفمٍ ممتلئ: مش عايزة عصير دلوقتي، عايزة شاي بلبن.
أومأت لها أمُّها قائلةً برفق وهي تربت على فخذها بحنان وحب: اشربي العصير مع الأكل دلوقتي، ولما تخرج من الأوضة هبقى أخليها تعمل لك وتعملي أنا كمان ونشرب سوا وإحنا بنتفرج على المسلسل.
وقبل أن تنطق سلمي، انتفض كلاهما على صوت فريدة المستنكر، رغم هدوئه
❈-❈-❈
إنتي بتعملي إيه؟
قالتها فريدة بجمودٍ وتعب، وعيناها تنظران لهم بقلّة حيلةٍ وإرهاقٍ واضح، وكأنهم فعليًا يحاولون إخراج أسوأ ما بداخلها، أو ربما هي من أصبحت كبالون منتفخًا أوشك على الانفجار في أي لحظة علي اصغر الأسباب .
حرّكت قدميها المتسمّرتين لتقترب منهم، تناظر سلمي التي ناظرتها بغضبٍ هي الأخرى، قبل أن تتابع تناول طعامها بهدوءٍ ولا مبالاة، وتبتلع ما بفمها قبل أن تردِّد بتعجّبٍ وسخرية، مشيرةً إلى نفسها: إيه؟ مش شايفة ولا إيه؟! هكون بعمل إيه؟ بفطر.
عضّت فريدة شفتَيها بقوّة حتى كادت أن تُدميهما، قبل أن ترفع يدها لتمسح وجهها بغيظ، وحقًا، وفي تلك اللحظة، كانت تمارس أقصى درجات ضبط النفس لكي لا تنفجر بهم.
عقلها قد أُنهك من كثرة التفكير والسؤال المتكرّر طوال اليوم الذي لا ينتهي
ماذا يحدث؟
حقًا، ماذا سيحدث؟
ماذا يحاول أن يفعل هؤلاء؟
ما الهدف والغاية من تلك الأفعال المستفزّة؟
تحديدًا عمّتُه التي تطالعها بابتسامةٍ ساخرة، وكأنها تنتظر شيئًا ما تنتظر رد فعل معين مثلا ، إلا أنها ببساطة تجاهلتها، ليس لأنها تريد، بل لأنها لن تستطيع في تلك اللحظة أن تفعل ما تريد أن تفعله معها هي تحديدًا.
وقرّرت صبَّ انتباهها في جهةٍ واحدة
جهة تلك المدللة قليلة الذوق والأخلاق والتربيه.
ستفعل ما تأخّرت عن فعله، وإن لم يمر سوى يومٍ واحدٍ ولم ينتهِ بعد حتي ، والجميع يتصرّف معها بكل قلّة ذوق، متجاهلين وجودها كأنها مهمّشة، متجاهلين كونها زوجةَ رجل هذا البيت وحامل منهكة ومتعبة.
أليس من المفترض أن يكونوا هم في حالة تعبٍ وحزنٍ وانهيار؟! لماذا هي وحدها من تنهار في هذا المنزل؟!
قلتلها بداخلها بسخريه
يبدو هكذا أن بعض الأمور لا تُؤخذ إلّا غلبًا.
لذا التقطت أنفاسها الغاضبة، تحاول العدَّ حتى العشرة، تنظم كلماتها قبل أن تنطق بها، قبل أن تفتح فمها مردِّدةً بهدوءٍ مصطنع يتخلّله بعض الغضب وقد طفح كيلها: قصـدك بتفطري فطاري؟! فطاري أنا يا سلمي، فطاري اللي حضرته ودخلت أجيب موبايلي، وسمحتي إنتي لنفسك تاكليه، بدون أدنى اهتمام إنه لشخص غيرك، ليه؟ بجد مش فاهمة .
وفي تلك اللحظة، اختارت عمةُ عمر الوقت الخاطئ بكل تأكيد للتدخّل، وهي تصيح بحدّةٍ وغضب وقد تركت طعامها: إيه قلّة الأدب دي؟! إنتي بتتكلمي عن الأكل بجد؟ عن سندوتش بنتي كلته؟! إيه الجوع وقلّة القيمة دي؟!
اتسعت عينا فريدة بصدمة، لتتابع عمّتُه بقسوةٍ وحدة: لو إنتي ناسية، ده بيت ابني يعني بيتي وبيت بنتي، يعني تعمل اللي هي عايزاه، وهي ليها زي ما ليكي إنتي في البيت ده بالضبط، وأكثر كمان، أنا أمه. إنتي هتقارني نفسك بأمه ولا إيه؟!
صاحت بها بتهكّم قبل أن تتابع بعصبية: بيتي وبيت ابني يعني نعمل اللي إحنا عايزين. ده المفروض يحصل منك إنتي، ده لو تعرفي الأدب يعني، بس واضح إن محدّش علّمك حاجة عن إكرام الضيف واحترام الكبير، وبالذات أهل جوزك، أصل مين هيعلّمك؟!
لا، اتعلّمت!
هتفت بها بحسمٍ ومقاطعة، وتابعت بقوة: اتعلّمت الأصول والعيب والذوق واحترام الكبير والصغير، وعشان اتعلّمت بقول لحضرتك إني ما اسمحلكيش تقولي كده. قلتها مرة وهارجع أعيدها، مش من حقك تغلطي فيا بالطريقة دي أبدًا، مش كل كلمة والتانية تقولي لي مين هيعلّمك وتتريّقي عليّا. أنا ما اسمحش أبدًا بالإهانة دي.
إن حضرتك عمة عمر وفي مقام والدته، ده يديكي كل الاحترام والتقدير طبعًا، لكن أنا كمان زوجة عمر، يعني أستحق نفس كل الاحترام والتقدير، أستحق إني أتعامل زي ما بعامل.
وبما إني من يوم ما دخلت العيلة وأنا بعامل الكل بكل احترام، أبسط شيء إني أتعامل بالمثل، مش بتهكّم وتريقة مالهاش أي داعي. هجمتيني أوي عشان اتكلمت على فطاري، لكن خليني أوضّح لك إن ذوقيًا وأخلاقيًا، لما نشوف حاجة مش بتاعتنا نستأذن من باب الذوق والاحترام، حتى لو في بيتنا، حتى لو بين اثنين إخوات، لازم يكون في بينهم احترام لخصوصية بعض.
وتابعت بتأكيد: بيت ابنك؟ أيوة. وبيتي، بيتي أنا كمان يا طنط، وواضح كده إن حضرتك بتنسي المعلومة دي كثير للأسف.
وقبل ما تتهميني باتهامات جديدة، أحب أقول لك إن غضبي ده مش عشان سلمي كلت سندوتش، بكل تأكيد مش عشان أكل من الأساس. هنا على قلبها، التلاجة مليانة أكل الحمد لله، يعني تاكل زي ما تحب، بس لأن أولًا حضرتك كنتي عارفة إني عملته لنفسي، وإني حامل وتعبانة ومش قادرة فعليًا أقف تاني، وروحي كانت بتطلع من شوية في الحمام من كتر التعب قدامك.
ولأني برضه عملت حسابها في الفطار بتاعك عشان ما تقوليش إني نسيتها، لا، أنا عملت حسابها وقلت لما تصحى تفطر، ولأن برضه في صينية جوه مليانة حضرتك رفضتي تفطري منها، يعني الكلام مش على الأكل خالص، الكلام إن اللي بيحصل غلط، سواء اعترفتي بده أو لا.
الاحترام والذوق يا طنط، لأن في ست في البيت ده ليها شوية حقوق، ومن ضمنها احترام مساحتها الشخصية، ومراعاة حملها وتعبها .
صمتت تلتقط أنفاسها اللهثة من شدّة الضغط، قبل أن تتابع بتعب: أنا مقدّرة جدًا للظرف اللي حصل، مقدّرة إنكم في فترة صعبة وتقيلة، وكان الله في عونكم حقيقي من قلبي، ويعلم ربنا وحده أنا حزينة قد إيه،
بس أنا كمان تعبـانة والله .
قالتها بقلب مثقل ومتعب، وتابعت بانهاك: على العموم، البيت بيتكم يا طنط، وبالهنا، أنا ما بقيتش عايزة أكل.
وتحرّكت لتغادر، وبداخلها لم تكن تعلم إن كان انفجارها بتلك الطريقة صحيحًا أم خاطئًا، لكن ما تدركه في تلك اللحظة أنها تنهار منذ اليوم الأول، وإن كان هناك سبب واحد لتلك المحادثة الحادة، فهي أنّها لم تضع النقاط على الحروف منذ اليوم، فستكون المتضررة الأولى والأخيرة، ولن يكون هناك متضرر غيرها.
إلا أنها، وفجأة، تذكّرت شيئًا ما، لتتوقف قبل أن تدلف لغرفتها، لتلتفت مرة أخرى مرددةً بهدوء حازم قوي، وهي تقترب من سلمي التي تابعت تناول شطيرتها بكل هدوء، وكأن ما حدث منذ قليل لم يحدث أو لا يهم: آه، صح، نسيت.
بعد إذنك يا سلمي، أوضة نومي الخاصة خاصة بيا أنا وعمر، وأنا بحترم خصوصيتي جدًا جدًا، سواء صاحية أو نايمة.
طالما ما رديتش عليكي لما خبطتي على الباب ده إذا كنتي خبطتي من الأساس، فدخولك الأوضة عليا بالطريقة دي الصبح، لأي سبب، مهما كان مهم أو ضروري، مرفوض تمامًا. مينفعش ندخل على حد الأوضة وهو نايم ونصحيه بالطريقة دي أبدًا.
قالتها بابتسامةٍ حازمة ، قبل أن تتحرك لتختفي من أمامهم، دالفةً لغرفتها، شاعرةً بالتعب، بالكثير منه، وبالدليل القاطع أنها منهكة، هي تنهار منذ اليوم الأول.
يا للمصيبة.
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة عفاف الشريف، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية
