تم النشر في: 26 مايو 2026
قراءة رواية ما تبقى لدي الجزء الثاني من رواية ثنايا الروح كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: ما تبقى لدي
ثنايا الروح الجزء الثاني
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة: رانيا الخولي
الفصل الثاني عشر
تم النشر الثلاثاء
26/5/2026
كان جاسر يجلس خلف مكتبه يراجع بعض الأوراق تحت ضوء المصباح الأخضر
كان الهدوء يلف المكان هدوء يشبه هدوء ما قبل العاصفة، رن هاتفه وظهر اسم "فريد" على الشاشة اعتدل جاسر في جلسته وأجاب على الفور.
_فريد... وصلت لحاجة؟
جاء صوت فريد على الطرف الآخر متعبًا ومتحفظًا كمن يحمل أخبارًا لا يود قولها
_وصلت يا جاسر بيه وصلت لكل حاجة عن نادين فايز.
صمت جاسر ينتظر لم يكن هناك داعي للاستعجال
بدأ فريد يسرد وصوته كان كصوت راوي يقرأ من كتاب مأساة قديمة
_القصة بدأت من زمان أوي بعد ما فايز ساب المنطقة اللي كان عايش فيها... مراته أم نادين كانت من عيلة غنية ومتعودة على مستوى معين مقدرتش تستحمل الفقر اللي وقعوا فيه فجأة سابته وهربت واتخلت عن بنتها... بنتها اللي كان عمرها وقتها أقل من تلات سنين.
أكمل فريد وصوته يزداد انخفاضًا
_فايز أخد بنته ونقل من الولاية اللي كانوا فيها لإن الفلوس اللي كانت بتوصله انقطعت
اضطر يروح مكان تاني مكان أقل بكتير وعاش في حي شعبي، في شقة صغيرة يا دوبك تكفيهم وبعدها بفترة مرض مرض صعب كان بينهش في جسمه بالبطيء كان بيشتغل شغلانات يومية بالعافية عشان يوفر الأكل لبنته... عشان يوفر تمن دواه هو وهي كمان، لأنها كانت ديما بتعيا من قلة التغذية.
شعر جاسر بقبضة باردة تعتصر قلبه
فايز... ابن عمه كان يموت بالبطيء في بلد غريب ومعه طفلة صغيرة.
_لما المرض اشتد على أبوها ومبقاش قادر يتحرك البنت اضطرت تشتغل كان عمرها وقتها يا دوبك 13 أو 14 سنة كانت بتنضف في مطاعم بتغسل صحون... أي حاجة تجيب فلوس عشان تمن الدوا والأكل
كانت بترجع من الشغل تعمل كمادات لأبوها اللي بيكون بيصرخ من الألم.
تخيل جاسر المشهد طفلة صغيرة تحمل على كتفيها هموم رجل تقاتل وحدها في عالم لا يرحم
_كان ليها صديق واحد بس شاب جارهم اسمه آدم امه كانت المربية بتاعت بنته
كان أكبر منها بكام سنة آدم ده كان هو ضهرها وسندها كان هو اللي بيحميها وخصوصا إن البنت كانت جميلة... جمالها كان نقمة عليها في المكان اللي عايشة فيه
كانت بتتعرض للتحرش في كل خطوة نظرات، كلام، محاولات لمس... بس آدم كان ديما موجود كان بيمشي وراها زي ضلها، بيستناها تخلص شغل عشان يروحها كان بيقف لأي حد يفكر بس يقرب منها كان هو جيشها المكون من فرد واحد.
صوت "آدم" الذي كانت روزالين تردده في كوابيسها... لم يكن حبيبًا لقد كان حارسًا كان أمانها الوحيد.
صمت فريد للحظة كأنه يستجمع شجاعته ليقول الجزء الأصعب
_من حوالي سنة ونص أبوها مات البنت بقت لوحدها تمامًا صاحب البيت طردها عشان الإيجار المتأخر بقت في الشارع آدم أخدها تعيش مع أهله لأنهم كانوا بيعتبروها واحدة منهم
في يوم وهي راجعة من الشغل حاول واحد يعتدي عليها... بس قدرت تهربت منه وجريت على آدم، الراجل ده واحد من عصابة كبيرة في المنطقة دي وحاول كتير انها يوصلها بس آدم كان مخبيها واللي عرفته بعدها انها اختفت وإن آدم اتقتل بضرب ناري
ساد صمت مطبق صمت أثقل من الرصاص
_وفي حد قال إن آدم... مات بين إيديها مات وهو بيحاول يحميها آخر حاجة شافتها في حياتها القديمة هي دم الإنسان الوحيد اللي حبها بجد وهو بيغرق الأرض.
لم يعد جاسر يرى مكتبه لم يعد يرى الأوراق كل ما كان يراه هو وجه روزالين المذعور، يداها المرتعشتان صرختها المكتومة في الليل كل شيء أصبح منطقيًا الآن خوفها من اللمس رعشتها، كوابيسها... كلها كانت أشباحًا لماضي لم يمت.
أكمل فريد بصوت متهدج
_من وقتها محدش يعرف عنها حاجة اختفوا نادين وآدم... قصدي أهل آدم
واضح إنها هربت بالاسم المستعار هوية روزالين ميلر
البنت دي اللي عرفته عنها إنها مش خطر دي ضحية ضعيفة ومسالمة لدرجة تكسر القلب لو زورت ورق وجاتلكم فهي مجاتش عشان تنتقم... هي جات عشان تطلب الحماية
جات ترمي نفسها في حضن أهلها اللي متعرفهمش لأن معندهاش حضن تاني في الدنيا كلها.
أغلق فريد الخط وبقي جاسر جالسًا في مكانه متجمدًا
"جاسر التهامي" الصخرة التي لم تهزها المصائب الرجل الذي واجه الموت والخيانة بقلب من حديد... شعر بشيء دافئ ورطب يسيل على خده.
مد يده ببطء ليلمسه كانت دمعة
دمعة واحدة، حارة تمردت على عقود من القوة والصلابة ونزلت بصمت
لم تكن دمعة حزن على ابن عمه الذي لم يره منذ سنوات عديدة بل كانت دمعة ألم على تلك الطفلة ابنة اخيه قطعة من دمه التي ذاقت من العذاب ما لا يتحمله بشر، بينما كان هو يعيش في قصره غارقًا في النعيم، غافلًا عن صرختها الصامتة على الجانب الآخر من العالم.
في تلك اللحظة، أدرك جاسر أن هذه المعركة لم تعد معركة لكشف الأسرار، بل أصبحت معركة لرد الحقوق... ولشفاء روح حطمتها الحياة وخذلها أهلها.
لم يمسح جاسر دمعته تركها تجف على وجهه كعلامة محفورة شاهدة على اللحظة التي اهتز فيها عرش جبروته أمسك بالهاتف الداخلي وضغط على زر جناح تميم كانت يده ثابتة لكن صوته كان يحمل ثقلًا جديدًا
_تميم عايزك في المكتب حالًا.
لم تكن نبرة أمر بل كانت نبرة رجل يحمل عبئًا لا يستطيع حمله وحده بعد دقائق قليلة فتح الباب ودخل تميم
_خير يا أبويا؟ جلجتني.
رأى تميم والده جالسًا في الظل ووجهه لا يرى منه سوى نصفه المضاء بنور المصباح كان هناك شيء مختلف في هيئة جاسر، شيء لم يره تميم من قبل صمت ثقيل وهالة من الحزن تملأ الغرفة
أشار جاسر إلى الكرسي المقابل له
_اجعد يا تميم.
جلس تميم وشعر بالتوتر يتصاعد في صدره انتظر أن يتحدث والده لكن جاسر ظل صامتًا لبرهة كأنه يختار من أين يبدأ هذه الحكاية الموجعة
أخيرًا تحدث جاسر بصوت هادئ لكن كل كلمة كانت كقطعة زجاج مكسور
_فريد اتصل عرفنا كل حاجة عن نادين فايز التهامي.
انتبه تميم بكل حواسه مستعدًا لسماع ما يؤكد شكوكهم ما يكشف عن خطتها للانتقام لكن ما سمعه كان صاعقة حطمت كل توقعاته.
بدأ جاسر يسرد روى قصة الأم التي تخلت عن طفلتها ذات الثلاث سنوات قصة الأب المريض الذي يصارع الموت في بلد غريب قصة الطفلة التي تحولت إلى امرأة قبل الأوان تعمل في غسل الاطباق لتشتري الدواء والطعام.
كان تميم يستمع وكل كلمة كانت كصفعة على وجهه
بدأت الصور تتجمع في رأسه بوضوح مؤلم
خوفها وقلقها حتى من لمسة
تذكر رعشة يديها عندما حاول أن يطمئنها لم تكن تمثيلًا كانت صدى لسنوات من التحرش والمطاردة في أزقة مظلمة، سنوات قضتها تحمي جسدها من عيون الذئاب.
انهيارها ليلة عقد القران...
تذكر صرختها المكتومة وانهيارها التام بعد أن رآته يعانق اخوته
لقد كانت تعيش من جديد لحظة مقتل حارسها، سندها الوحيد وهو يموت بين يديها
"آدم"... لم يكن حبيبًا لقد كان هو جيشها درعها الذي تحطم.
شكهم فيها وأنها جاسوسة جاءت لتنتقم
شعر بالخزي يحرق وجهه كيف فكروا بهذا؟ كيف خططوا للإيقاع بها وتخيلوها شيطانة ماكرة، بينما كانت في الحقيقة مجرد طفلة جريحة تبحث عن ملجأ؟ لقد كانوا يبنون الفخاخ لغزال مذعور، لا لثعلب ماكر.
عندما وصل جاسر إلى نهاية الحكاية، إلى موت آدم بين ذراعيها واختفائها ثم استنتاج فريد بأنها لم تأتي لتنتقم بل لتبحث عن الأمان لم يعد تميم قادرًا على التحمل.
أغمض عينيه بقوة وأسند جبهته على يديه المرتعشتين لم يكن مجرد تأثر لقد كان شعورًا عميقًا بالذنب والندم
لقد ظلموها ظلموها بقسوة لا تغتفر.
هو تميم الرجل المتدين الذي يخشى الظلم قد شارك في ظلم فتاة يتيمة مكسورة لا حول لها ولا قوة لقد عاملها كعدو بينما كانت تستجير بهم من العالم
رفع رأسه ونظر إلى والده وكانت عيناه حمراوين
_إنا... إنا عملت فيها إيه يا أبويا؟
البنت كانت بتموت من الرعب كل ليلة، واحنا كنا بنشك فيها، كانت بتصرخ من وجعها وإحنا كنا بنجول عتمثل، أنا... أنا كنت جنبها وهي بتترعش من كابوسها وكل اللي كان في دماغي إزاي أكشفها مش إزاي أطمنها.
شعر بأن قلبه يتمزق كل لحظة شك كل نظرة اتهام، كل كلمة قاسية عادت لتطارده الآن كالأشباح
لقد أضاف جرحًا جديدًا إلى جراحها التي لم تندمل بعد.
أخذ نفس عميق يهدئ به من روعه
_انا حاسس إني في كابوس، مش جادر اتحمل فكرة اني كنت هظلم انسانة جات تتحامى فينا ياريت كانت الحجيجة غير، ياريتها كانت جاية بشر مكنتش هحس الاحساس ده.
كان يريد أن يركض إليها الآن، أن يخبرها بكل شيء أن يعتذر، أن يمحو كل الألم بكلمة واحدة هم بالخروج لكن صوت جاسر الهادئ والحازم أوقفه في مكانه كمرساة ألقيت في بحر هائج
_تميم.
توقف تميم والتفت إلى والده وعيناه لا تزالان تحملان ألم الندم
نهض جاسر من خلف مكتبه وتقدم ليقف أمام ابنه مباشرة لم يضع يده على كتفه هذه المرة
_اللي بتحس بيه ده صح ومطلوب، ده اللي بيفرجنا عن الوحوش لكن لو اتحركت بيه دلجقت هتخسر كل حاجة.
نظر إليه تميم بحيرة
_أخسر إيه يا أبويا؟ انت مش عارف انت عملت فيا ايه دلوجت.
رفع نظره إليه بضياع
_انا حاسس إني طعلت ندل أوي حكمت من غير ما اتأكد، انت متعرفش انا في البداية كنت ناوي أعمل ايه، مش عارف انا ازاي فكرت استجوى على حد ضعيف، كدة انا حاسس إني ضيعت كل حاجة، انا لازم اجولها الحجيجة.
هز جاسر رأسه ببطء
_لأ لسه مضيعتش كل حاجة اسمعني كويس... نادين دلوقت شايفة إيه؟ هي شايفة إن جدها صخر التهامي اتظلم واتسجن وإن إحنا أخدنا كل حاجة وعيشنا في النعيم وأبوها اترمي في الفجر والعذاب هو وبنته
هي شايفة إننا السبب في كل دمعة نزلت منها، وفي كل ليلة نامت فيها جعانة.
كانت كلمات جاسر كصفعة أخرى لكنها صفعة إفاقة
_لو روحتلها دلوجت وجولتلها الحقيقة كلها مرة واحدة عجلها هيرفض يصدق هتفتكر إن دي خدعة جديدة منك لعبة تانية عشان تكسرها بيها هتفتكرك بتبرر لنفسك، وبتشوه صورة جدها اللي هو رمزها المظلوم بدل ما تكسب ثقتها، هتدمر آخر ذرة أمل في بناء الثقة دي.
صمت تميم وبدأ يفهم منطق والده الجليدي العاطفة وحدها لن تشفي الجراح بل قد تزيدها عمقًا
أكمل جاسر وهو يرسم الخطة بصوته الهادئ
_عشان كده لازم نتعامل معاها بذكاء لازم نخليها هي اللي تكتشف الحقيقة مش إحنا اللي نقولهالها لازم نزرع الأدلة في طريقها حتة حتة زي.
أشار جاسر إلى خزانة حديدية ضخمة في زاوية المكتب
_أول حاجة لازم تعرفها هي إن حق أبوها محفوظ من يوم ما صخر اتحبس وأنا شايل نصيب فايز على جنب
أرباحه، أسهمه، أرضه... كل حاجة باسمه وموجودة لازم تلاجي الورج ده بالصدفة لازم تشوف بعنيها إننا كنا بندور عليهم، وإن حجهم متصان ومحدش لمسه.
ثم تحولت نبرته إلى جدية أعمق
_والحاجة التانية والأصعب... لازم تعرف حقيقة جدها مش مننا لازم تسمع قصص الناس اللي هو آذاهم لازم تشوف بعنيها حجم الشر اللي كان صخر بيمثله لازم هي اللي توصل بنفسها لقناعة إن حبسه كان عدل وموته في السجن كان نهاية مستحقة لأفعاله.
وضع جاسر يده أخيرًا على كتف تميم، وهذه المرة كانت لمسة أب حكيم يمرر خبرته لابنه
_ مهمتك دلوقتي اتغيرت يا تميم مجتش مهمة كشف جاسوسة بجت مهمة جسر من الثقة هتمشي عليه عشان توصلها للحقيقة هتفضل جوزها اللي بيحميها، وسندها اللي بتلجأله هتكون هو 'آدم' الجديد في حياتها وفي نفس الوجت، هتكون إنت اللي بتحط الأدلة في طريجها من غير ما تحس هتخليها تشوف الحقيقة بعنيها هي، مش بعنينا إحنا.
نظر تميم في عيني والده وشعر بأن العاصفة التي كانت في صدره قد بدأت تهدأ لقد أعطاه والده هدفًا واضحًا وخريطة طريق لم يعد الأمر متعلقًا بالندم بل أصبح متعلقًا بالإصلاح
أومأ تميم برأسه وقد عادت إليه صلابته المعهودة لكنها صلابة من نوع جديد، صلابة يغلفها الحنان والمسؤولية
_فاهم يا أبويا هكون الأمان اللي بتدور عليه وهكون النور اللي هيكشفلها الحقيقة.
❈-❈-❈
كان يامن منغمسًا في دراسة ملف قضية معقدة عندما سمع صوتًا مألوفًا يرتفع في الخارج يليه صوت أميرة سكرتيرته وهي تحاول تهدئة الموقف
يا دكتورة مينفعش كده... الأستاذ يامن عنده شغل... يا دكتورة لو سمحتي.
رفع يامن رأسه وقبل أن يستوعب ما يحدث فُتح باب مكتبه بقوة ودخلت حنين كالإعصار كانت عيناها تطلقان شررًا، ووجهها متورد من الغضب وفي يدها تمسك بعلبة المجوهرات الصغيرة بقبضة بيضاء تبعتها أميرة وهي في حالة من الارتباك والاعتذار
_أنا آسفة جدًا يا أستاذ يامن، حاولت أوقفها بس هي...
فهم يامن كل شيء في لحظة أشار بيده بهدوء إلى أميرة.
_خلاص يا أميرة سيبيها واعمليلنا اتنين قهوة.
نظرت أنيرة إلى حنين ثم إلى يامن وأومأت برأسها وانسحبت بهدوء، مغلقة الباب خلفها
وقفت حنين في منتصف المكتب تتنفس بصعوبة
_أنا مش جاية أتضايف ولا أشرب قهوة أنا جاية أعرف إيه ده.
نهض يامن من خلف مكتبه وتحرك بهدوء ووقار نحو الباب وقام باغلاقه
ثم أشار إلى المقاعد الجلدية أمام مكتبه
_ممكن نقعد الأول عشان نعرف نتكلم؟
ترددت حنين للحظة ثم جلست على حافة المقعد وظهرها مستقيم، في وضعية استعداد للمعركة
جلس يامن في المقعد المقابل لها ليس خلف مكتبه بل أمامها مباشرة، ليلغي أي حواجز بينهما
_أنا عارف إنك متضايقة بس ممكن أفهم إيه اللي حصل بالظبط؟
_اللي حصل إن حضرتك بتراقبني عرفت منين إني بعت الإسورة؟ رحت أنهي محل؟ إزاي؟
حافظ يامن على هدوئه ونظر في عينيها مباشرة
_أنا مش براقبك يا دكتورة الموضوع كله كان صدفة.
سخرت بمرارة
_صدفة؟ صدفة إنك تشوفني وأنا ببيع آخر حاجة فاضلالي من ريحة أبويا؟
_ أيوة صدفة كنت في طريقي للمكتب الصبح ولمحتك خارجة من محل الدهب شوفتك وإنتي بتحطي الفلوس في شنطتك، وشوفت الحزن اللي كان على وشك قلقت استنيت لما مشيتي ودخلت سألت الصايغ ولما عرفت إنك بعتيها عشان تدفعي الأتعاب... مقدرتش أقبل ده.
كانت صراحته وهدوؤه مفاجئين لم يحاول المراوغة أو الكذب
في تلك اللحظة طرق الباب بخفة ودخلت أميرة وهي تضع القهوة أمامهم ثم خرجت
نظرت حنين إلى الإسورة في يدها ثم إليه وعادت نبرة العناد إلى صوتها
_يبقى لازم تاخد الإسورة دي عندك، لحد ما أجهزلك تمنها تاني.
نظر يامن إلى الإسورة ثم إلى وجهها العنيد لقد أدرك أنها لن تتراجع عن كبريائها وفكر للحظة... إذا رفض ستنتهي القصة هنا لكن إذا قبل... فسيظل هناك شيء يربطهما معًا سبب آخر للقاء.
قرر أن يقبل
_موافق هخليها عندي أمانة.
ارتاحت ملامحها قليلًا وشعرت بانتصار صغير وبينما كانت تضع الإسورة على الطاولة، رن هاتفها المحمول بصوت حاد قاطعًا الصمت المتوتر.
نظرت إلى الشاشة وتغير لون وجهها في لحظة تحول الغضب إلى قلق شديد كان اسم أم سعيد جارتها.
ردت بسرعة ويدها ترتعش
_ألو؟ أيوه يا أم سعيد... خير؟
استمعت لثواني واتسعت عيناها برعب حقيقي وقفت فجأة وكادت أن تسقط
_إيه؟! تعبت إزاي؟! طب... طب هي كويسة؟ الضغط... طب اديتيها الدوا؟
كان صوتها يرتجف وبدأت الدموع تتجمع في عينيها
_مش عارفة تعملي إيه؟! طب أنا... أنا جاية حالًا جاية حالًا.
أغلقت الخط ووجهها شاحب كالأموات نظرت إلى يامن بنظرة ضائعة،وقد نسيت تمامًا سبب وجودها هنا كل ما كان في رأسها هو والدتها
_ماما... ماما تعبانة أوي... لازم... لازم أروحلها.
قالتها وتحركت بشكل غير متزن نحو الباب وكأنها لا ترى شيئًا أمامها
لكن قبل أن تصل إلى مقبض الباب كان يامن قد سبقها وفتح الباب ووقف في طريقها، ليس ليمنعها بل ليسندها
_استني أنا هوصلك.
هزت رأسها بالنفي وعيناها زائغتان
_لأ... لأ أنا هاخد تاكسي لازم أروح بسرعة.
أمسك بذراعها برفق لكن بحزم ليمنعها من الاندفاع إلى الشارع في هذه الحالة
_مفيش وقت للتاكسي عربيتي أسرع يلا بينا.
حاولت أن تسحب ذراعها
_مينفعش... سيبني لوحدي.
نظر في عينيها مباشرة وكانت نبرته لا تقبل أي نقاش نبرة القائد الذي يتولى زمام الأمور في وقت الأزمات
_دكتورة حنين مفيش وقت نضيعه في الكلام كل دقيقة بتفرق أنا هوصلك.
استسلمت له لم تعد تملك طاقة للمقاومة
طوال الطريق كانت حنين صامتة تتمتم بدعوات غير مسموعة ويداها متشابكتان بقوة حتى ابيضت مفاصلها
وصلوا إلى الحارة الضيقة في وقت قياسي ما إن أوقف يامن السيارة حتى فتحت حنين الباب وجرت نحو مدخل البناية نزل يامن وتبعها بسرعة وقلبه يخفق بقلق لم يعهده.
عند مدخل البناية كان المشهد فوضويًا مجموعة من الجيران كانوا يحملون والدة حنين التي كانت فاقدة للوعي تمامًا، جسدها رخو ومستسلم بين أيديهم
كان من بينهم ذلك الشاب البلطجي سيد الذي كان يحاول أن يظهر بمظهر البطل المنقذ
صرخت حنين وهي تجري نحوهم
_ماما مالها؟! في إيه؟!
ردت أم سعيد جارتها وهي تبكي
_معرفش يا بنتي فجأة لقيناها أغمى عليها ومبتفوقش.
قال سيد بنبرة استعراضية وهو يحاول أن يسيطر على الموقف
_متقلقيش يا دكتورة إحنا كنا واخدينها على المستشفى أهو.
في تلك اللحظة وصل يامن ووقف بجانب حنين بحضوره الطاغي وهدوئه الواثق صمت الجميع ونظروا إليه. قيم الموقف في ثانية ثم تحدث بصوت هادئ وحاسم، صوت رجل معتاد على إصدار الأوامر.
_هاتوها أنا هاخدها المستشفى بعربيتي.
نظر إليه سيد بتحدي وريبة
_وإنت مين يا جدع إنت عشان تاخدها؟ روح لحالك إنت، إحنا أهل المنطقة وهنوديها.
لم يلتفت إليه يامن حتى كان كل تركيزه على حنين وعلى والدتها تجاهل سيد تمامًا وكأنه غير موجود ووجه كلامه لحنين
_حنين يلا مفيش وقت خلينا نلحقها.
أومأت برأسها وساعدت يامن في توجيه الجيران لوضع والدتها برفق في المقعد الخلفي للسيارة
حاول سيد أن يعترض مرة أخرى لكن نظرة واحدة باردة وحادة من يامن كانت كفيلة بإسكاته تمامًا
سألها بهدوء وهو يقود
_هنروح أنهي مستشفى؟
ردت حنين بصوت مختنق وقد اتخذت قرارها
_على المستشفى اللي بشتغل فيها.
❈-❈-❈
بعد حديثه مع والده صعد تميم إلى جناحه وهو يحمل على كتفيه ثقل الحقيقة الجديدة كل خطوة كانت مختلفة
لم يعد يصعد إلى عرينه ليراقب فريسته بل كان يصعد إلى ملاذ يأوي روحًا جريحة، روحًا هو مدين لها بالكثير
فتح الباب بهدوء وتوقع أن يجدها وحيدة غارقة في أفكارها
لكنه تفاجئ بمشهد لم يكن يتوقعه كانت ليال وتاليا تجلسان على الأرض حول منضدة صغيرة مع روزالين، وأمامهن أوراق وأقلام تلوين
كانت ليال تحاول تعليم روزالين كتابة اسمها باللغة العربية بينما كانت تاليا ترسم كاريكاتيرًا مضحكًا لهن جميعًا.
كانت روزالين تبتسم لم تكن ابتسامة كاملة بل كانت شبه ابتسامة هشة ابتسامة تكافح لتظهر على وجه اعتاد الحزن
كانت تحاول أن تتجاوب مع مرحهما وتشارك في ضحكاتهما الخفيفة لكنها لم تستطع
وقف تميم عند الباب للحظة يراقب المشهد وقلبه يعتصره مزيج من المشاعر رأى فيها الآن "نادين" الطفلة التي لم تعش طفولتها، والتي حرمت من أبسط متع الحياة كجلسة ضحك بريئة مع فتيات في مثل عمرها ورأى في أختيه الدواء الذي تحتاجه روحها دون أن تدريان
شعر بموجة من الامتنان لأختيه، وفي نفس الوقت شعر بوخزة من الألم لأنه كان جزءًا من النظام الذي سلبها هذه اللحظات.
لاحظت تاليا وجوده أولًا فنهضت بسرعة وجرت نحوه.
_أبو التيم مبروك يا عريس
تبعها ليال وهي تضحك
_مبروك يا أحلى أخ في الدنيا وش السعد عليك يا روزا، خليتيه يضحك أهو.
نظر تميم إلى روزالين وابتسم لها ابتسامة دافئة وحقيقية ابتسامة لم ترها منه من قبل ثم نظر إلى أختيه بنظرة تحمل حنانًا ومرحًا في آن واحد
_بطلوا لماضة إنتوا الاتنين ويلا على أوضكم سيبوا العروسة ترتاح.
ضحكت تاليا
_بنونسها يا خوي بدل ما هي كاعدة لوحدها.
_أنا اللي هونسها دلوقيت يلا.
فهمت الفتاتان وبعد أن ودعتا روزالين بحرارة غادرتا الغرفة وهما يضحكان
أغلق تميم الباب خلفهما وعاد الهدوء ليسود الغرفة مرة أخرى لكنه لم يكن هدوءًا متوترًا كالأمس بل كان هدوءًا يحمل ترقبًا مختلفًا
اقترب منها وجلس على مقعد قريب محافظًا على مسافة مريحة
_مبسوطة مع البنات؟
نظرت روزالين إلى الباب الذي خرجتا منه وظهر على وجهها ظل من المرارة قبل أن تخفيه بسرعة
تحدثت باللغة العربية الفصحى لغتها الرسمية التي تبني حاجزًا بينها وبين العالم.
_إنهما لطيفتان جدًا تملكان روحًا جميلة.
كانت كلماتها صادقة لكن تميم سمع ما وراءها سمع حنينها إلى الصحبة ووحدتها التي لم تفارقها.
_تحبي تنزلي تحت شوية في الجنينة؟
هزت راسها بالنفي
_لا…لا اريد ذلك فقط أود أن اتصفح جهازي لكن اود ادخال إنترنت كي يعمل.
ابسم بثقة
_بس كدة هاتي الجهاز.
اقتربت من الخزانة وأخرجت الجهاز منه واخذه تميم منها وجلس على الأريكة ليدخل الرقم
ابتسمت بسعادة عندما اشتغل الحاسوب واخذته منه فتجد الجهاز يتلقى رسائل كثيرة
شعر تميم انها اصبحت في عالم آخر عندما أخذته وجلست به على الفراش
عالم آخر ليس به سواها هي وحاسوبها
كانت عيناها تهتز وهي تتطلع إليه واراد في تلك اللحظة أن يشاركها كل شيء حتى النفس الذي تتنفسه..
❈-❈-❈
كانت تاليا تراجع دروسها عندما أعلن هاتفها عن وصول رسالة
تطلعت إليها فإذا بها من رقم ليس مدون
وعندما فتحتها وجدت رسالة كان مفادها
"مجاتش الفرصة إني اشكرك على وقفتك معايا، شكراً يا دكتورة"
شعرت تاليا بالخوف، من الذي بعث لها هذه الرسالة؟
وما غرضه منها؟
قامت بحذف الرسالة متظاهرة بعدم الاهتمام ثم عادت لتداول دروسها لكن عقلها كان له رأي آخر عندما اخذها إلى ذلك المصاب.
❈-❈-❈
في اليوم التالي
استطاعت نادين أخيرًا الوصول لتوم صديق آدم والذي هربها يوم الحادث
اسرعت بالدخول له وسألته بلهفة
"توم كيف حالك؟"
لم يمر ثواني حتى جاءها الرد
" نادين؟ أين انتِ الآن وكيف حالك؟"
ردت بسرعة
"انا بخير لا تقلق علي الأهم ماذا حدث بعد ذهابي؟"
"للأسف نادين لقد مات آدم، حاولنا كثيرًا انقاذه لكن لا فائدة"
تدحرجت الدموع على خديها وقد تمزق قلبها حزناً على صديق طفولتها وشبابها الذي ضحى بكل شيء لأجل حمايتها
اغلقت الجهاز وسمحت لنفسها بالانهيار
رحل آدم وتركها في عالم قاسي لا يرحم
كان تميم يقف خلف باب المرحاض يسمع نحيبها وأراد أن يخرج إليها لطنه اراد ألا يشعرها بأنها مقيدة او مراقبة.
مر وقت طويل حتى هدئت حينها خرج من المرحاض فيجدها قد نامت والدموع مازالت على وجنتيها الشاحبة
تقدم منها ونزل لمستواها على الفراش وابعد خصلاتها التي التصقت بوجنتها المبللة وتمتم بوعد صادق
_أوعدك إني مش هسمح للدموع دي تجرب منك تاني
❈-❈-❈
في الصباح
كانت جالسة في الشرفة شاردة كعادتها
نظر إليها نظرة طويلة ثم قال بهدوء
_من أول يوم جيتي فيه القصر وإنتي متحركتيش من هنا محبوسة بين أربع حيطان.
صمت للحظة ثم فاجأها بعرضه
_إيه رأيك نخرج؟
رفعت عينيها إليه بدهشة لم تكن تتوقع هذا على الإطلاق
_نخرج؟ إلى أين؟
_أي مكان نتمشى شوية بره تشوفي البلد تشوفي النيل تغيري جو.
فكرت روزالين في عرضه فكرة الخروج من هذا القصر من هذا السجن الذهبي، كانت مغرية
كانت تحتاج بشدة إلى استنشاق هواء مختلف ورؤية وجوه جديدة والشعور بأنها ليست سجينة صحيح أن الخروج سيكون معه مع سجانها، لكنه أيضًا فرصتها الوحيدة للخروج.
أومأت برأسها ببطء
_موافقة أحتاج إلى تغيير الهواء بالفعل.
وقف تميم وشعر بأن هذه هي الخطوة الأولى الصحيحة في طريق طويل
_تمام جهزي نفسك نص ساعة وهنتحرك
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة رانيا الخولي، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية

❤️❤️❤️❤️