ما تبقى لدي - الجزء الثاني من ثنايا الروح - الفصل 11 | رانيا الخولي

تم النشر في: 21 مايو 2026

قراءة رواية ما تبقى لدي الجزء الثاني من رواية ثنايا الروح كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى




رواية: ما تبقى لدي 

ثنايا الروح الجزء الثاني 

رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات

الكاتبة: رانيا الخولي

الفصل الحادي عشر 

تم النشر الخميس 

 21/5/2026




تنهد بهدوء وتغيرت نبرته من البرود العملي إلى شيء أكثر ليونة شيء يشبه الطمأنة
_متخافيش.

قالها بهدوء لكن الكلمة لم تصل إليها فاقترب خطوة واحدة فقط وتوقف عندما رآها تتراجع لا إراديًا

_بصيلي يا روزالين.

رفعت عينيها المرتعشتين إليه
_أنا ممكن أكون أي حاجة في نظرك لكن عمري ما أكون ندل، ديني اللي اتربيت عليه بيمنعني إني ألمس شعرة من واحدة غصب عنها ده مش بس حرام ده شيء مقزز بالنسبة لي، كرامة الست عندي خط أحمر.

توقفت رعشة يديها فجأة لم تكن تتوقع هذه الكلمات، لم تكن تتوقع هذا المبدأ الذي يمثل القوة والسيطرة، يتحدث عن الدين كحصن للمرأة وليس كسيف عليها.

في عقلها:
 "دينه... يمنعه؟"
 كانت الكلمات غريبة على مسامعها
هي مسلمة بالاسم فقط، لم تعرف عن الإسلام سوى ما ورثته من شهادة ميلاد أبيها
 كل ما رأته في حياتها كان استغلال القوي للضعيف
 لكن هنا أمامها، يقف أقوى رجل قابلته ويقول لها إن قوته مقيدة بمبادئ تحميها هي.

أكمل تميم بنفس النبرة الهادئة، وقد لاحظ أن خوفها قد بدأ يتبدد
_طول ما إنتي هنا إنتي في أمان مني أنا شخصيًا تقدري تعتبري الأوضة دي مكانك، وليكي حريتك الكاملة في البيت خصوصًا وإنتي دلوقت مراتي محدش هيقدر يضايقك.

أومأت برأسها بصمت عاجزة عن الكلام لقد دخلت هذا العرين لتنتقم من صاحبه فلم تتوقع أبدًا أن يكون هو نفسه مصدر الأمان الذي كانت تبحث عنه بيأس منذ موت آدم.

استدار تميم وعاد إلى الشرفة معطيًا إياها مساحتها الخاصة تاركًا إياها تغرق في بحر من المشاعر المتناقضة وفي حيرة أكبر من أي وقت مضى.

❈-❈-❈


كانت نغم تتقلب في فراشها بقلق
 عيناها مفتوحتان في الظلام تحدقان في السقف دون أن تراه حقًا
 كان عقلها وقلبها في الجناح المجاور، مع ابنها
 أما جاسر فكان مستلقيًا بجانبها يشعر بكل حركة من حركاتها ويدرك تمامًا ما يؤرق نومها

أخيرًا لم يستطع الصمت أكثر مد يده في الظلام ليجد يدها وشبك أصابعه بأصابعها
_لسه قلقانة؟

التفتت إليه وكان صوتها خفيضًا ومبحوحًا من القلق
_قلبي واكلني على تميم يا جاسر أنا شوفت شكل روزالين وهي داخلة الأوضة كانت مرعوبة كأنها داخلة على حبل المشنقة مش على حياة زوجية.

صمتت للحظة ثم أكملت بصوت أكثر همسًا كأنها تخشى أن تسمعها الجدران
_خايفة... خايفة تميم يضعف ويطالب بحقه هو برضه شاب وممكن مشاعره تاخده لها 
وبعدين راجل وصعيدي وعزة نفسه فوق كل اعتبار لو رفضته في ليلة زي دي هتجرحه وتكسره.

ابتسم جاسر في الظلام كان يعرف الحقيقة يعرف أن هذا الزواج مجرد مسرحية وأن تميم نفسه لا يتوقع شيئًا
 هذا السر منحه هدوءًا لم تستطع نغم أن تشعر به قرر أن يطمئنها، ولكن بطريقته الخاصة طريقته التي دائمًا ما تعيدها إلى عالمهما هما فقط

اقترب منها أكثر وهمس بجانب أذنها
_وإنتي ليه ضيعتي عليا أول ليلة ليا؟ ليه صحيت من النوم لقيت السرير فاضي ومكنتيش موجودة؟

تغيرت نبرة صوتها على الفور واختلط الخجل بالذكرى
_جاسر... وضعنا كان غير أنت عارف كويس.

_غير إزاي يعني؟

سألها بمكر مستمتعًا بإعادتها إلى تلك الأيام
_ أنت كنت واخدني غصب عشان تار وكنت بتعاملني بقسوة كنت خايفة منك.

ضحك جاسر ضحكة خافتة وعميقة، ضحكة هزت صدره
_كنتي خايفة مني بس مقدرتش ألمسك إلا برضاكي ولما بقيتي مراتي بجد برضاكي... هربتي.

تنهدت نغم واستسلمت للذكرى التي أعادها إلى السطح ذكرى أول ليلة حقيقية بينهما وكيف استيقظ في الصباح ليجدها قد اختفت بعد أن علمت بخبر زواجه من الأخرى
 تذكرت توسلاته ورجاءه لتعود وكيف أدركت وقتها أن هذا الرجل القاسي الذي أجبرها على الزواج، قد وقع في حبها أعمق مما كان يتخيل.

أكمل جاسر بصوت أكثر حنانًا، صوت يحمل كل تاريخهما
_فاكرة كنت مستعد أعمل إيه عشان ترجعي؟ كنت مستعد أحرق الدنيا باللي فيها بس ألمح طيفك تاني، الحب الحقيقي يا نغم مش بيتهد من ليلة ولا بيتجرح من رفض
 الحب الحقيقي بيخلي الراجل يهد الدنيا عشان اللي بيحبها مش يزعل منها، وتميم ابني واخد الحتة دي مني اطمني عليه.

شعرت نغم بالهدوء يتسرب إلى قلبها
 دائمًا ما كان جاسر يعرف كيف يطفئ نيران قلقها بكلماته
 لقد ذكرها بقوة حبهما وبأن ابنهما هو قطعة من هذا الحب القوي
أمسكت بيده وقبلتها
_ ربنا يخليك ليا يا جاسر وميحرمنيش منك أبدًا.

صمت جاسر للحظة ثم عادت نبرته الماكرة للظهور وانقلب من الأب الحكيم إلى الزوج المشاغب
_بس فيه حاجة مش عدل خالص في الموضوع ده.

_إيه هي؟

غمز بعينيه بمكر 
_ اشمعنى تميم ينام مبسوط الليلة دي... وأنا لأ؟

ضحكت نغم ضحكة مكتومة وهي تفهم مقصده
اقترب منها أكثر حتى كاد يلامس شفتيها، وهمس
_لازم أنا كمان أنام مبسوط.

وفي لحظة تبدد كل قلق في الغرفة ولم يتبقى سوى حبهما الذي لا يشيخ والذي يجدد نفسه مع كل همسة وضحكة تحت سماء الليل.


❈-❈-❈

استيقظت روزالين على صوت نقرة خفيفة صوت باب يفتح ويغلق بهدوء
 فتحت عينيها ببطء، وشعرت بجسدها متصلبًا ومؤلمًا كأنها خاضت معركة طوال الليل
كان أول ما رأته هو سقف الغرفة المزخرف بنقوش شرقية بسيطة
 للحظة لم تعرف أين هي ثم تذكرت... القصر، الزواج، تميم.

جلست في الفراش بسرعة، وقلبها يخفق بقوة رأت خيال رجل يتحرك في شبه الظلام الذي يسبق الفجر تجمدت في مكانها وعاد الخوف البارد ليسري في عروقها
_من؟

 قالتها بصوت مرتعش وبالكاد يُسمع

توقف الخيال عن الحركة ثم اتجه نحو مصباح صغير بجانب الباب وأضاءه 
غمر الغرفة نور دافئ وخافت كشف عن وجه تميم 
_دا انا متخافيش.

تنفس الصعداء لكن سرعان ما حل الشك محل الخوف 
لكن صمتها لم يدم طويلًا تحدثت بنبرة تحمل اتهامًا مبطنًا وشكًا واضحًا بنبرتها التي تعلمتها من والدها
_إنت... إنت جاي منين في وقت زي ده؟

في عالمها الرجال الذين يعودون إلى المنزل في هذا التوقيت يكونون عائدين من مكان واحد فقط
 عقلها ترجم المشهد فورًا:
 رجل أعمال ثري متزوج حديثًا قضى ليلته في ملهى ليلي أو سهرة ماجنة وعاد مع أول ضوء للفجر.

فهم تميم نظرتها الاتهامية على الفور رأى في عينيها صورًا لحياة لم يعرفها قط، وأدرك حجم الفجوة بين عالميهما. 
اقترب منها خطوتين بهدوء ويداه مرفوعتان قليلًا في حركة مسالمة
_ اطمنى أنا مش جاي من مكان وحش.

ثم تحدث ببساطة كأنه يذكر حقيقة بديهية
_ أنا جاي من الجامع.

نظرت إليه بحيرة تامة الكلمة لم يكن لها أي معنى في قاموسها
_ جامع؟ ماذا تعني بالجامع؟

فوجئ تميم بسؤالها لكنه أخفى دهشته لقد نسي أنها رغم اسمها المسلم على أوراقها لا تعرف شيئ على الإطلاق
_ الجامع هو مكان الصلاة بتاعنا زي الكنيسة عند المسيحيين.

ثم أشار برأسه نحو النافذة التي بدأ يظهر فيها أول خيط من خيوط الفجر
_ فيه وقت معين قبل ما الشمس تطلع لازم نقوم من النوم ونخرج عشان نصلي فيه دي صلاة الفجر.

اتسعت عينا روزالين بدهشة حقيقية هذه المرة دهشة خالية من الخوف مليئة بالاستغراب
_ إذا إنت تقوم من نومك وترتدي ملابسك وتخرج من البيت في الظلمة هذه... فقط لأجل أن تصلي؟


_أه لإن ده أمر من ربنا ولازم ننفذه، ده أهم وقت بنقابل فيه ربنا في اليوم كله.

صمتت روزالين تمامًا تحاول استيعاب الفكرة فكرة أن يترك شخص دفء فراشه ويخرج في البرد والظلام، ليس من أجل المال أو السلطة بل من أجل "أمر من الله"
كانت فكرة غريبة عليها تمامًا وغريبة بشكل ساحر.

نظرت إليه ثم نظرت إلى يديها وشعرت بإحساس غريب من الخواء
دينها…
هي مسلمة بالاسم فقط، لم تعرف يومًا شيئًا عن الصلاة أو الجامع، أو الأوامر التي يتحدث عنها
 لقد أمضت حياتها كلها تقاتل من أجل البقاء، ولم يخطر ببالها يومًا أن هناك عالمًا آخر عالمًا روحيًا له قوانينه ومواعيده الخاصة.

لأول مرة لم تشعر بالخوف منه بل شعرت بالجهل
جهل مطبق بنفسها وبدينها، وبالرجل الهادئ الذي يقف أمامها والذي يبدو أن حياته كلها تدور حول محور هي لم تكن تعرف بوجوده أصلًا.

❈-❈-❈

"حكمت المحكمة... بعودة المدعية الدكتورة حنين عبد الرحمن إلى عملها، مع إلغاء قرار الفصل وإلزام المستشفى المدعى عليه بكافة المصاريف وأتعاب المحاماة.

ما إن نطق القاضي بكلماته الأخيرة حتى شعرت حنين بأن الأرض لا تحملها
 تجمدت في مكانها للحظة، غير مصدقة ما سمعته التفتت إلى يامن الذي كان يقف بجانبها، شامخًا وهادئًا كعادته لكن عينيه كانتا تلمعان ببريق النصر
_إحنا... إحنا كسبنا؟

ابتسم يامن ابتسامة واسعة وحقيقية ابتسامة نادرة لم ترها من قبل
_إحنا كسبنا يا دكتورة مبروك.

في تلك اللحظة انهار سد المشاعر الذي كانت تبنيه طوال الأسابيع الماضية ضحكت وبكت في آن واحد ووجدت نفسها تقول "شكرًا" مرارًا وتكرارًا بصوت يملؤه الامتنان الصادق
_شكرًا... شكرًا أوي يا أستاذ يامن أنا مش عارفة أقولك إيه لولاك مكنش كل ده حصل أنت رجعتلي حياتي.

كان يامن ينظر إليها سعيدًا ليس فقط لأنه كسب قضية صعبة بل لأنه يرى هذه الفرحة النقية على وجهها سعادتها كانت هي الانتصار الحقيقي
_ده شغلي يا دكتورة والأهم إن الحق كان معاكي.

ثم بنبرة أكثر دفئًا أضاف
_بس بصراحة انتصار زي ده... عايز فنجانين قهوة على رواق تسمحيلي أعزمك عندي في المكتب؟

أومأت برأسها بسرعة وحماس
_طبعًا أكيد وكمان عشان... عشان أدفع لحضرتك الأتعاب.

وصلوا إلى المكتب وطلبت السكرتيرة فنجانين من القهوة جلست حنين وفتحت حقيبتها وأخرجت منها ظرفًا سميكًا وضعته على الطاولة أمامه
_ده... ده المبلغ اللي اتفقنا عليه أنا عارفة إنه مش قد مقامك بس...

نظر يامن إلى الظرف ثم إليها وتلاشت ابتسامته وحل محلها الجدية
_شيليه يا دكتورة أنا مش هاخد حاجة.

تفاجأت حنين برده
_إزاي يعني؟ ده حقك أنا مستحيل أقبل.

_وأنا مستحيل آخد منك فلوس.

أصرت حنين ودفعت الظرف نحوه مرة أخرى بنبرة قوية لم يعتدها منها
_لو سمحت يا أستاذ يامن كرامتي متسمحليش أنت تعبت معايا ورجعتلي حقي وأقل حاجة أعملها إني أديك حقك.

نظر في عينيها ورأى الإصرار والعناد الذي لا يلين أدرك أنها لن تتراجع تنهد ثم ابتسم بمكر
_خلاص موافق هاخدهم.

ارتاحت ملامحها لكنه أكمل
_بس بشرط.

_ شرط إيه؟

_إنك تقبلي هديتي.

عقدت حاجبيها باستغراب
_هدية؟ هدية إيه؟

_هدية بسيطة بمناسبة إني كسبت القضية.

رفضت على الفور
_لأ طبعًا كفاية أوي اللي عملته معايا.

_يبقى أنا كمان مش هاخد الأتعاب.

ارتبكت حنين ولم تعرف ماذا تفعل لاحظ يامن حيرتها فقرر أن يوضح لها منطقه
_بصي يا دكتورة حنين كل قضية بكسبها خصوصًا قضية رأي عام زي دي بترفع اسمي أكتر يعني نجاحك ده هو نجاح ليا أنا كمان ومكسب ليا على المدى الطويل عشان كده أنا سعيد بالنتيجة دي زيي زيك بالظبط اعتبري الهدية دي مجرد تعبير عن سعادتي بالنجاح المشترك ده.

كانت حجته منطقية وطريقته في عرضها جعلت الأمر يبدو وكأنه صفقة عمل وليس معروفًا شخصيًا صمتت للحظة تفكر
إذا رفضت سيشعر بالإهانة وإذا قبلت فستكون هذه هي النهاية لن يكون هناك سبب لرؤيته مرة أخرى ستكون هذه الهدية هي الذكرى الأخيرة منها له.

أومأت برأسها على مضض
_موافقة.

ابتسم يامن بانتصار مد يده وأخذ الظرف ووضعه في درج مكتبه دون أن ينظر إليه فقط ليحفظ لها كرامتها ثم فتح هو درجًا آخر، وأخرج منه علبة مجوهرات صغيرة ومسطحة ومدها لها عبر الطاولة

أخذتها حنين بتردد وشعرت بإحراج شديد وضعتها في حقيبتها فورًا دون أن تفتحها

وصلت القهوة وبدأا في احتسائها حاول يامن أن يخفف من حدة الموقف
_ها ناوية تعملي إيه أول يوم في الشغل؟ هتدخلي عليهم إزاي؟

ضحكت حنين
_ "مش عارفة والله بفكر أدخل وأنا لابسة نضارة شمس وعاملة نفسي مشهورة.

ضحك يامن من قلبه هذه المرة
_فكرة حلوة أو ممكن تدخلي وتقوليلهم أنا رجعت عشان أعمل عمليات ببلاش تاني.

تلاشت ضحكة حنين قليلًا
_تفتكر هما اتعلموا الدرس؟

_اللي زي دول مش بيتعلموا بسهولة بس على الأقل المرة الجاية هيفكروا ألف مرة قبل ما يظلموا حد.

تحدثا لبعض الوقت عن المستقبل وعن المستشفى وعن الناس الطيبين الذين ساعدوها كان الحديث وديًا ومريحًا لكن كليهما كان يشعر بأن هذه هي لحظة الوداع.

أخيرًا نظرت حنين في ساعتها
_الوقت اتأخر لازم أستأذن أنا عشان أروح أطمن أمي.

وقف يامن عندما وقفت
_ألف مبروك مرة تانية يا دكتورة وأي حاجة تحتاجيها في المستقبل مكتبي مفتوح.

_شكرًا يا أستاذ يامن شكرًا على كل حاجة.

قالتها ثم استدارت وغادرت المكتب بهدوء أغلق الباب خلفها ووقف يامن في مكانه يشعر بفراغ غريب لم يكن يتوقعه، لقد انتهت القضية لكنه شعر بأن القصة الحقيقية لم تبدأ بعد.

❈-❈-❈


استيقظت روزالين وشعرت بأنها أفضل حالًا 

بعد أن غادر تميم لأداء صلاة الفجر وعاد غطت هي في نوم عميق وهادئ، خالي من الكوابيس لأول مرة منذ زمن عندما فتحت عينيها مرة أخرى كانت الشمس قد أشرقت، تملأ الغرفة بضوء دافئ

نهضت من السرير وشعرت بحاجة ملحة لتغيير ملابسها
العباءة التي كانت ترتديها منذ الأمس أصبحت ثقيلة ومزعجة اتجهت إلى خزانة الملابس الضخمة التي أشار إليها تميم سابقًا على أنها تحتوي على ملابس لها وفتحتها.

تجمدت في مكانها وهي تتأمل ما بداخلها كانت الخزانة مليئة بالملابس، لكنها لم تكن تشبه أي شيء ارتدته في حياتها
 فساتين طويلة بأكمام طويلة مصنوعة من أقمشة فاخرة وناعمة الملمس
 عباءات استقبال مطرزة بخيوط ذهبية وفضية تناسب حجمها وكأنها خصصت لها
 حتى ملابس المنزل كانت عبارة عن جلابيات قطنية أنيقة وطويلة كل قطعة كانت باهظة الثمن وذات ذوق رفيع، لكنها جميعًا تشترك في شيء واحد: 
الاحتشام الكامل.

مررت أصابعها على الأقمشة بحيرة
أين السراويل الجينز؟ أين القمصان القصيرة؟ أين الفساتين التي تظهر جمال الجسد وتبرزه؟ شعرت وكأنها تنظر إلى ملابس تخص كائنات من عالم آخر.

في تلك اللحظة خرج تميم من الحمام الملحق بالغرفة وقد ارتدى ملابس منزلية مريحة وكان يجفف شعره بمنشفة صغيرة
 رآها واقفة أمام الخزانة المفتوحة، وملامح الحيرة والضياع مرسومة على وجهها بوضوح.

اقترب منها بهدوء حتى وقف بجانبها
_مالك؟ مش عاجبك حاجة؟ أظن انك انتِ اللي اخترتيهم بنفسك.

التفتت إليه وقررت أن تكون صريحة لم يعد لديها طاقة للتظاهر
_ صراحةً هذه….

قاطعها تميم بلهجة يشوبها المرح
_مش قولنا نتعود على لهجتنا.

اومأت بابتسامة مصطنعة لأنها لم تجرب الابتسامة الحقيقية من قبل
_تمام…بصراحة... أنا لا افهم لما كل هذه الملابس الثقيلة؟ لقد اخترتهم لأجل..أقصد عشان اخواتك هذه الملابس لا تناسبني.

نظر تميم إلى الفساتين التي كانت تتأملها ثم نظر إليها
 أدرك أن هذه هي فرصته ليبني جسرًا نحو عالمها لا ليفرض عليها شيئًا بل ليفهمها
_عشان إنتي هنا في بيتي وفي الصعيد والست عندنا ليها مكانة خاصة، ومينفعش أي حد يشوفها.

قاطعته بنبرة فيها تحدي خفيف بلهجة عامية حاولت اكتسابها منهم
_يعني بتخبوها؟ زي ما تكونوا مكسوفين منها؟

هز تميم رأسه بالنفي واختار كلماته بعناية محاولًا أن يجد التشبيه الذي قد يصل إلى قلبها وعقلها
_لأ خالص بنخبيها عشان هي غالية أوي زي الجوهرة.

صمتت فتابع وهو يشير إلى العقد الذي اهداه لها جاسر وقررت الاحتفاظ به في الخزانة
_شايفة العقد ده؟ لو عندك جوهرة نادرة وغالية أوي بتخافي عليها هتعملي فيها إيه؟ هتسيبيها معروضة في الشارع لكل اللي رايح واللي جاي يتفرج عليها ويلمسها ولا هتحطيها في علبة قطيفة وتشيليها في خزنة ومحدش يشوفها إلا اللي يستحق بس؟

صمتت روزالين تفكر في تشبيهه لقد عاشت حياتها كلها معروضة، جسدها كان دائمًا هدفًا لنظرات الرجال الجائعة، كسلعة رخيصة في سوق مفتوح

أكمل تميم بنبرة أكثر عمقًا
_الإسلام بيتعامل مع المرأة على إنها الجوهرة دي بيقول إن جسمها مقدس وغالي ومينفعش يكون سلعة رخيصة لأي عين تشوفها، العين بتشتهي والنظرة بتجرح عشان كده أمرها إنها تغطي نفسها، مش عشان هي عيب أو حاجة وحشة بالعكس عشان هي ثمينة أوي ولازم تحافظ على قيمتها دي الحجاب واللبس الواسع ده مش سجن، ده الخزنة اللي بتحمي الجوهرة.

كانت كلماته تقع على مسامعها كشيء لم تسمعه من قبل
 في عالمها كان جسد المرأة إما أداة للإغراء وجذب الانتباه أو مصدر للخطر والعار، لم يخطر ببالها أبدًا أنه يمكن أن يكون شيئًا مقدسًا يستحق الحماية
_بس... بس ده بيمنعها من حريتها.

رد عليها بسرعة 
_ وبيمنحها حرية أكبر بيحررها من إنها تكون مجرد جسد، لما الست بتكون متغطية الناس بتضطر تتعامل معاها عشان عقلها عشان شخصيتها عشان كلامها، مش عشان شكلها أو مقاساتها، قيمتها بتيجي من جوهرها مش من مظهرها مش بتضطر كل يوم الصبح تفكر هتلبس إيه عشان تعجب الناس، هي بتلبس عشان ترضي ربنا وترضي نفسها دي قمة الحرية.

تذكرت روزالين كل المرات التي اضطرت فيها لارتداء ملابس معينة في المطعم لإرضاء الزبائن وكل النظرات الشهوانية التي كانت تخترقها وكل التعليقات المقززة تذكرت كيف كان جسدها دائمًا هو المشكلة، هو سبب الخطر والآن هذا الرجل يخبرها بأن دينها يرى هذا الجسد كنزًا يجب حمايته.

رأى تميم الصراع في عينيها فاقترب خطوة أخرى وتحدث بنبرة شخصية أكثر
_أنا كراجل لما بشوف ست محافظة على نفسها ومغطية جسمها، بحترمها غصب عني بحس إنها فرضت عليا احترامها، بتجبرني أتعامل معاها بعقلي مش بغريزتي
الدين هنا مش بيحمي الست بس، ده بيحمي الراجل كمان من نفسه وبيخلي المجتمع كله أنضف وأرقى 

تنهد وتابع بابتسامة 
_وعلى العموم يامن رجع القاهرة يعني تقدري تكوني بحريتك في الاوضة وتحت بس يكون بحدود، ممكن تنزلي من غير حجاب لو واثقة إن مفيش حد غير أبويا لإن ابويا يجوز تظهري بزينتك قدامه حد تاني لأ.

نظرت للحجاب بانواعه وألوانه وسألت
_إذا كان كذلك لما لا أرتدي ملابسي العا…..
قاطعها بلهجة حازمة نبعت من غيرته دون اي يشعر لكن بها أيضاً بعض اللين
_مش معنى كلامي إنك تنزلي متبرجة قدام أبويا انا بقولك ممكن تنزلي تحت من غير حجابك أكتر من كدة لأ، انما في جناحك وفي اوضتك البسي زي ما يعجبك، فهمتيني؟

صمتت روزالين تمامًا تستوعب هذا المنطق الجديد عليها دين يرفع من شأن المرأة، يعتبرها جوهرة يحررها من النظرة الشهوانية، ويفرض احترامها على الرجل كان هذا عكس كل ما عاشته ورأته 
لأول مرة شعرت بأن هذا "الدين المتشدد" الذي كانت تخشاه قد يكون هو الأمان الذي كانت تبحث عنه طوال حياتها.

❈-❈-❈

فتحت حنين باب الشقة بقوة لم تعتدها واندفعت إلى الداخل وهي تنادي بصوت يملؤه الفرح
_ماما…يا ماما…

كانت والدتها قد غفت على الأريكة لكنها استيقظت على صوت ابنتها المفعم بالحياة جلست بسرعة وقالت بقلق
_حنين؟ فيه إيه يا بنتي؟

لم تجب حنين بالكلمات بل ركضت نحوها وارتمت في حضنها تحتضنها بقوة وهي تضحك
_كسبنا يا ماما... كسبنا القضية أنا رجعت شغلي.

اتسعت عينا الأم بعدم تصديق ثم أغرورقتا بالدموع وهي تشدد من احتضان ابنتها
_بجد يا حنين؟ الحمد لله... الحمد لله يا رب ألف حمد وشكر ليك يا رب كنت عارفة إن ربنا مش هيسيبك.

ابتعدت حنين عن حضنها ومسحت دموع والدتها بيديها
_شوفتي؟ قولتلك ربنا كبير خلاص يا ست الكل مفيش هم تاني هرجع المستشفى وهرجع أعمل اللي بحبه.

بعد أن اطمأنت على والدتها استأذنت ودخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها تنهدت بارتياح وسعادة وأسندت ظهرها على الباب
 كان قلبها يفيض بالامتنان لذلك الرجل، يامن التهامي المحامي الذي لم يكن مجرد محامي بل كان فارسًا حقيقيًا في معركتها.

لكن مع هذا الامتنان تسلل شعور خفي بالحزن لقد انتهى كل شيء لقد دفعت أتعابه وانتهت القضية
لم يعد هناك أي سبب لرؤيته مرة أخرى ستعود إلى حياتها، وسيعود هو إلى حياته، وستبقى لقاءاتهما مجرد ذكرى.

على الأقل... ترك لي ذكرى منه.

تذكرت الهدية تقدمت نحو حقيبتها التي ألقتها على السرير وجلست ثم أخرجت منها العلبة المخملية الصغيرة كانت أنيقة وبسيطة ترددت للحظة ثم فتحتها ببطء وقلبها يخفق بترقب لا تعرف سببه.

ما رأته جعل أنفاسها تتوقف في حلقها
شهقت شهقة مكتومة واتسعت عيناها بعدم استيعاب لم تكن عقدًا أو قرطًا... كانت هي إسورتها إسورة والدها الذكرى الوحيدة المتبقية منه والتي باعتها صباح اليوم بقلب منفطر لتدفع ثمن كرامتها

رفعتها بيد مرتعشة وتأملتها تحت ضوء الغرفة الخافت إنها هي بنفس النقش الصغير الذي تعرفه بنفس الثقل بنفس الروح.

اجتاحتها موجة جارفة من السعادة سعادة لم تتخيل يومًا أنها قادرة على الشعور بها
 لم تكن مجرد قطعة ذهب لقد أعاد إليها جزءًا من روحها من تاريخها، من والدها
 ضمت الإسورة إلى صدرها بقوة، وضحكت بسعادة حقيقية سعادة جعلت الدموع تتلألأ في عينيها لقد فعل هذا من أجلها لقد فهم قيمتها الحقيقية بالنسبة لها.

لكن... وسط هذه السعادة الغامرة بزغ سؤال بارد كقطعة جليد
هو عرف منين؟

تلاشت الضحكة عن وجهها وحل محلها التفكير العميق ثم الشك كيف عرف أنها باعت الإسورة؟ وكيف عرف أي محل ذهبت إليه؟ لم تخبره، ولم يكن هناك أي طريقة ليعرف... إلا إذا...

إلا إذا كان يراقبني.

تغيرت مشاعرها في لحظة تحولت السعادة إلى غضب بارد
فكرة أنه كان يراقبها، يتبع خطواتها كانت فكرة مرعبة ومقلقة، هل كان يشفق عليها؟ هل يراها مجرد حالة إنسانية بائسة تحتاج إلى المراقبة والصدقة؟ لقد شعرت بأن كرمه هذا قد انتهك خصوصيتها، وحولها من موكلة قوية إلى مشروع خيري.

نهضت ووقفت في منتصف الغرفة والغضب يعصف بداخلها
_لا أنا مش شحاتة ومش هقبل ده.

قررت في تلك اللحظة أنها يجب أن تذهب إليه فورًا أن تعيد له هذه الهدية وتفهم منه الحقيقة كيف تجرأ على فعل ذلك؟

أمسكت بحقيبتها وكادت أن تخرج من الغرفة لكنها توقفت
 والدتها... لا يمكن أن تتركها وحدها الآن، خاصة بعد كل هذا التوتر.

تنهدت وحاولت أن تهدئ من غضبها
مش دلوقتي مش هينفع أسيب ماما لوحدها.

قررت أن تنتظر ستذهب إلى المستشفى غدًا تستعيد مكانها وفي طريق عودتها ستمر على مكتبه ستواجهه وستعرف الحقيقة كاملة. 

❈-❈-❈

بعد أن اختارت روزالين فستانًا طويلًا وبسيطًا من الخزانة شعرت بأنها ترتدي زيًا تنكريًا لكنها اعترفت في قرارة نفسها بأنه مريح بشكل مدهش
 خرجت من غرفة الملابس لتجد تميم جالسًا في الشرفة وأمامه فنجانان من القهوة التي تفوح منها رائحة قوية.

كانت أشعة الشمس دافئة والنسيم العليل يحرك أوراق الشجر في الحديقة الشاسعة الممتدة أمام القصر كان المشهد هادئًا وجميلًا بشكل مؤلم.

أشار تميم إلى المقعد المقابل له
_اتفضلي طلبتلك قهوة.

جلست روزالين بحذر وأمسكت بالفنجان الدافئ بين يديها المرتعشتين قليلًا.
صمتت للحظة ثم سألت السؤال الذي كان يدور في رأسها
_إنت... إنت مش بتروح الشغل؟

نظر إليها تميم نظرة طويلة
_ انا يعتبر يوم الصباحية ومينفعش أروح الشغل ف يوم زي ده.

أمسكت فنجانها بيدها المهتزة لكن برعشة خفيفة تكاد لا تلاحظ مما جعل تميم يحتار في سببها 

صمت ساد بينهما لعدة دقائق لم يقطعه سوى أصوات العصافير
كانت روزالين تتأمل الحديقة وتتأمل الهدوء الذي يحيط بها هذا الأمان الظاهري كان غريبًا عليها ومقلقًا في نفس الوقت.

فجأة رأت من بعيد أحد الحراس وهو يمسك بعامل بسيط في الحديقة ويتحدث معه بلهجة عنيفة كاد أن يدفعه
 تقلصت ملامح روزالين على الفور، وتوتر جسدها مستعدة لرؤية مشهد من الظلم والقسوة اعتادت عليه.

لكن قبل أن يتطور الموقف نهض تميم فجأة 
_في ايه يا عم حسين؟

توقف حسين ونظر لتميم
_الولد ده بوظ الزرع يا باشمهندس للمرة الرابعة وعلمته كتير ومفيش فايدة.

رد تميم بحزم
_يبقى تفضل معاه لحد ما يفهم بهدوء مش بمد ايدك عليه، ياريت اللي حصل ده ميتكررش تاني.

رد حسين وهو يخفض رأسه
_حاضر يا باشمهندس.

انصرف الحارس على الفور وعاد العامل إلى عمله بسلام
عادت روزالين تنظر إلى تميم الذي جلس مرة أخرى وكأن شيئًا لم يكن لقد حل الموقف بكل هدوء ولم يستعرض قوته لكن هيبته كانت كافية لفرض العدل والنظام.

لقد رأته يحمي الضعيف تمامًا كما وصفت ليال
نظرت إليه نظرة مختلفة هذه المرة نظرة خالية من الشك مليئة بالدهشة والفضول
_إنت... لما فعلت ذلك؟

نظر إليها باستغراب كأن سؤالها لا معنى له
_عملت إيه؟

_الحارس... والعامل أوقفته عند حده.

_لإن الظلم غلط ومسمحش انه يحصل في بيتي.

في تلك اللحظة شعرت روزالين بشيء غريب يتسلل إلى قلبها شعور لم تشعر به منذ وفاة آدم
 شعور بالأمان
 ليس الأمان الهش الذي يمنحه مكان هادئ بل الأمان الحقيقي الذي يمنحه وجود شخص قوي وعادل شخص لا يسمح بالظلم ويحمي الضعيف دون تردد.

لأول مرة لم تره "تميم التهامي" عدوها أو "زوجها" المفروض عليها رأته كرجل يمكن... يمكن الوثوق به.

وهذه الفكرة بالذات كانت أخطر وأكثر إرباكًا من كل خطط الانتقام التي رسمتها في رأسها.
التالي

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة رانياالخولي، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة‏

1 تعليقات

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل