تم النشر في: 22 مايو 2026
قراءة رواية ظلها في قلبه كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية ظلها في قلبه
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة علا السعدني
الفصل التاسع عشر
تم النشر الجمعة
22/5/2026
كان قد أخذ قراره منذ يومان وتحدث مع شقيقه الأصغر لم يكن يملك رفاهية الأختيار، اسند رأسه إلى راحتي كفاي يده وهو متكأ على فراشه، فمنذ يومين لم يذق طعم النوم، رغم انه لم يخبر (چوليا) بعد ولديه فرصة لعدم زواجه منها لكن فكرة التخلي عن (چوليا) في هذا التوقيت سيبدو كوغد، بل خائن لكلّ طفلٍ سيفقد حياته وهو بيده فعل شئ من أجل انقاذهم، خيانة لإنسانيته التي تلزمه يفعل ذلك ..
(چوليا) .. هي من مدت له يد العون منذ اللحظة الأولى التي وطئت قدمه فيها أرض إيطاليا، دون مقابل، دون انتظار كلمة شكر، ساعدته في كل شئ، وها هو الآن يتردّد في ردّ الجميل حينما صار الأمر حياةً أو موتًا ..
المشكلة ليست فى (چوليا) فقط .. بل هناك أرواحًا صغيرة تُباع وتموت في ذلك الملجأ الملعون، وهو الشاهد الوحيد الذي رآى تلك العربة السوداء، ولكن لن تُقبل شهادته دون إقامة؟ ومتى سيحصل على تلك الإقامة؟ بعد سنة أو اكثر؟ بعد طرد (چوليا)؟ بعد أن يُفرغ الملجأ من كل أطفاله؟ ..
نهض من مكانه واقترب من نافذة غرفته، نظر إلى السماء الرمادية فوق روما، قبض على حواف النافذة حتى ابيّضت مفاصله، يكاد رأسه ينفجر من احتدام التفكير ..
ودّ لو يصرخ .. لو يكسر الزجاج، ود لو يصرخ بأنه كان أحمقًا! ما كان يجب أن يقترض ذلك القرض الذي ما أن دخل حياته حتى تبدلت حياته للأسوء .. ما كان يجب أن يستدين .. ما كان يجب أن يترك وطنه ..
كل شيء تدهور منذ ذلك القرض فقد كان يعلم أنه أمر محرم وبه ربا ورغم ذلك أصر على فعله، لقد حذرته خطيبته من تلك اللعنة المسماة قرض، ولكنه فعلها، فلم يذق راحة منذ غادر أرضه، وها هو الآن بين نارين لا تبرد ..
كف به حب (سدرة)، تلك النقية التي وضعت فيه كل ثقتها، كيف سيُخبرها بأمر زواجه من امرأة أخرى؟
وعلى الكفّ الآخر (چوليا)، ومئات الأطفال الذين يُفقدون دون أن يعرف عنهم أحد ..
هو الآن مجبر .. أن يُنقذ أرواحًا، ولو دفع عمره ثمنًا ..
أما الحب .. سيبقيه أيضًا ليس عليها أن تعرف كل تلك الأمور لن تستطيع تحمل فكرة انه مع امراءة آخرى يعرف قلبها ويعرف أنها لن تتحمل الأمر ..
خرج (معتصم) من غرفته،لمحها، فتوقف عند العتبة، كانت ممددة على الأريكة، تتصفح هاتفها بملامح شاردة، إلا أن نظراته الثابتة عليها جعلتها تنتبه فجأة لوجوده، ارتبكت، واعتدلت في جلستها قليلًا، ثم أشاحت بنظرها عائدة إلى شاشة الهاتف، تمامًا كما فعلت مرارًا خلال اليومين الماضيين، فمنذ حديث المحامي عن الزواج، وهي تتجنب اللقاء بعينيه، لا ترغب في أن يشعر بأنها تضغط عليه، أو تُحمله عبئًا لا يريده، ظل واقفًا لحظات، ثم قال بصوت خفيض حمل جدية
- لقد تواصلت مع شقيقي، (عمار) ..
رفعت رأسها نحوه ببطء، وعيناها تحملان الدهشة ولا تفهم ما يقصده ليتابع حديثه دون أن يمنحها فرصة للمقاطعة
- شرحت له الأمر .. وطلبت منه أن يستخرج شهادة ميلادي الأصلية من السجل المدني في مصر، ويوثقها من وزارة الخارجية، بعدها سيرسلها لي بالبريد السريع بحيث أستطيع تقديمها هنا كمستند رسمي لإثبات هويتي، تمهيدًا لعقد الزواج
رفعت (چوليا) رأسها نحوه بدهشة، حدّقت في ملامحه الجامدة، ثم تمتمت
- لماذا فعلت ذلك؟ ظننت أننا .. أننا اتفقنا على نسيان الأمر
ظهر الارتباك على ملامحها من جديد، ترددت قبل أن تتابع حديثها
- لكن .. أنت تحب خطيبتك لا يمكنك أن تفعل شيئًا كهذا لا يمكنك أن ..
قاطَعها بصوت حاسم يحمل المرارة
- لم يعد هناك مجال للاختيار، (چوليا) .. إن لم يكن من أجلك، فهو من أجل الأطفال .. لا أستطيع أن أعلم بوجود هذا الجُرم أمام عينيّ وأنا لديّ القدرة على منعه أو على كشفه ثم أُدير ظهري وكأن شيئًا لم يكن إن فعلت ذلك .. لن أستحق أن أُسمى إنسانًا
توقفت الكلمات في حلقها، نظرت إليه مطولًا، كأنها تحاول أن تجد في ملامحه دليلًا يطمئنها أنه لا ينفر بذلك الشكل، لكنه أنهى الحديث بجمود
- لا يوجد حل آخر
ثم استدار ودلف إلى غرفته دون أن يمنحها فرصة للرد، جلست (چوليا) متسمّرة في مكانها، وعيناها معلّقتان بالباب الذي اغلقه للتو، شعرت بشيء يثقل صدرها، شعرت بالشفقة والذنب .. لقد أدخلته، دون قصد، في دوامة ليست من شأنه ..
❈-❈-❈
كان يوم العطلة الخاص به، المنزل هادئًا وهو مستلقي على الأريكة أمام شاشة التلفاز، يتابع فيلمًا قديمًا بلا اهتمام، عينه على الشاشة لكن ذهنه لم يكن هناك، أرسل لها باليومين الماضيين رسالتين عبر تطبيق الواتساب؛ يعتذر عن نبرته الحادة معها، ولكنها لم تجيب، في الحقيقة لم يعد يفهم حقيقة مشاعره نحوها، لا يعلم اهو فقط يخاف عليها .. أم أن ثمة مشاعر بدأت تنمو داخله دون أن يدري؟ لم يحب من قبل، ولم يعرف الحب ولم يتوقع عندما يحب وعندما ينبض قلبه تسرقه أنثى بكل ذلك العناد، هزّ رأسه نافيًا، ثم تمتم بداخل نفسه مستحيل أن يكون ذلك حب ..
دلف (مالك) إلى غرفة المعيشة، وجلس جواره دون أن ينبس بكلمة، راقب شقيقه في صمت، ثم قال بتنهيدة ساخرة حيث يرى أنه لا ينتبه للتفاز
- مالك يا واد؟ شكلك مش شايف الفيلم أصلاً
لم يجيب، اكتفى بنظرة طويلة شاردة نحو التلفاز، فرفع (مالك) حاجبيه بدهشة، وضرب كتفه بخفة وهو يقول
- الله؟ واضح أن فيك حاجة! باين عليك مخنوق
زفر (آسر) بضيق، ثم التقط بعض حبات اللب وأخذ يمضغها بعنف، وقال بصوت خافت
- زهقت يا (مالك) .. بحاول أنسى موضوع (هايدي) ومش قادر .. مش قادر أنسى إني خربت حياتها بالشكل ده
ضاقت عينا (مالك)، وانحنى نحوه قليلًا وهو يقول بحنان أخوي
- يا عم إحنا خلصنا من الموضوع ده! انت مهددتهاش ولا أجبرتها تمشي في السكة دي، اسمع بقى حتى لو كنت زينت معاها ربنا بيغفر المهم التوبة .. ربنا قال كده .. سيبك بقى ..انت ماجبرتهاش تمشي في السكة دي
نظر (آسر) له بطرف عينه وقال بسخرية مريرة
- مانا حاسس إن ربنا هيعاقبني .. ممكن ملاقيش واحدة محترمة تحبني .. أو هقابل واحدة تطلع عيني وشكلي لاقيتها فعلاً .. دي جاية مخلصة حق كل البنات اللي عرفتهم
ضحك (مالك) بمكر وهو يلتقط حفنة من اللب ويقشرها في فمه
- آه قولتلي .. وطلعت عينك في إيه؟ لا ده أنا كده هبدأ أحبها بقى .. وأبقى فان كبير ليها
قطب (آسر) حاجبيه بضيق وضرب قدمه بقدم شقيقه بخفة
- بس ياااض! ناقصك إنت كمان؟ دي عندها مليون متابع على التيك توك!
رد (مالك) وهو يضحك
- الله! هي كمان مشهورة؟
هز (آسر) رأسه وهو يقول
- أيوة .. والمشكلة بقى .. إني مش ستايلها يا (مالك) بتحب الراجل يكون ف الأربعين كده وانت طالع .. مغريات الشباب دي مش بتغريها
انفجر (مالك) ضاحكًا، حتى كاد أن يختنق، فأخذ (آسر) طبق اللب والقاه عليه قائلًا
- متضحكش! الموضوع ده بيعفرتني بجد
ازال (مالك) اللب عن ملابسه بامتعاض وقال بنبرة حزينة
- ومين سمعك! مانا كمان مش ستايلها .. بتحب الملونيين مخطوبة للملون أبو عيون زرقاء ده
مدّ (آسر) كوعه ووضعه على كتف أخيه ثم قال بحزن رغم انه حقيقي إلا أن النبرة مصطنعة
- إحنا بعاد أوي يا (مالك)
رد (مالك) وهو يهز رأسه ببطء
- أوي
رنّ الهاتف فجأة، فالتفت (آسر) بسرعة نحو هاتفه الموضوع بجانبه على الأريكة، نظر إلى الشاشة، واتسعت عيناه بدهشة وفرح، رفع الهاتف أمام عينيه كأنه لا يصدق ما يراه، ثم صاح
- اتصلت بيا .. اتصلت بيا!
قبّل (مالك) في وجنته وهو يركض نحو غرفته، تاركًا أخاه يمسح وجهه مشمئزًا منه ومن أفعاله الصبيانية ..
داخل الغرفة أجاب (آسر) على المكالمة وهو يقول
- يومين يا (أوهيلا) مترديش عليا؟!
جاءه صوتها ساخرًا على الطرف الآخر
- بنقعد أكتر من كده مبنكلمش يا (آسر) .. عادي يعني
تنهد وقال
- بس مبتبقيش زعلانة مني .. وانتِ طلع زعلك كبير أوي عندى
لكن صوتها هذه المرة جاء مختلفًا، متهدجًا ومضطربًا
- أنا في مصيبة يا (آسر)
تبدّلت ملامحه، وقال بقلق
- اهدي .. مالك؟ في إيه؟
بدأت تقص عليه كل ما دار بينها وبين (هيثم)، بالتفصيل، كل كلمة منها كانت كصفعة على وجهه، اتسعت عيناه حتى قاطعها فجأة بصدمة
- اتجوزتيه عرفي يا (أوهيلا)؟! .. اسيبك يومين تتجوزي؟! أومال لو سبتك أسبوع هتدخلي عليا بعيل؟!
ردّت بضيق
- بطل هبل يا (آسر) .. متجوزتوش! قولتله هفكر بس .. بس أنا مش فاهمة هو قال إن الجواز هيكون عند مأذون .. يبقى مش عرفي، صح؟!
عضّ (آسر) على شفتيه بغيظ، وقال
- انتِ يا بنتي كنتِ بتغيبي من حصة الدين؟ ولا كنتِ في مدرسة أبو لهب انترنشونال سكول؟! ولا ايه حكايتك؟!
قالت مستنكرة جملته
- تقصد ايه؟!
رد بنفاد صبر
- يا (أوهيلا) .. انتِ بكر؟ يعني ما اتجوزتيش قبل كده؟ يبقى مينفعش تتجوزي من ورا أبوكي .. لازم ولي لازم حد يوافق، الجواز اللي من ورا الأهل كده الجوازة تبقى باطلة! كان هيخدعك ويفهمك إنه شرعي!
شهقت وهي تضع يدها على فمها، صوتها جاء مرتجفًا
- يعني .. يعني مكنش هيبقى جواز؟!
أجابها بضيق وألم من طيشها ذاك
- أيوة يا أختي .. كان هيضحك عليكي!
لم تتمالك نفسها، وانفجرت في بكاء مرير على الهاتف، شعر بوغزة عميقة في قلبه، فقال بصوت حنون على غير عادته
- طب اهدي .. عشان خاطري .. الحمد لله إنك كلمتيني قبل ما يحصل حاجة
زاد بكاؤها، فشعر بالخوف، وسألها بلهفة
- انتِ اتجوزتيه ولا إيه يا بنتي؟!
هزّت رأسها نافية، وصوتها بالكاد يُسمع
- لا .. متجوزتوش .. هو مسافر أسبوعين .. وقال لما يرجع أرد عليه
كتم (آسر) غضبه وهو يقول بنبرة حنونة لكنها حازمة
- اهدي يا (أوهيلا) .. وأنا هاخدلك حقك من الكلب ده .. بس استني لما يرجع
صمتت، ثم قالت له فجأة، بضعف خالطته ابتسامة باكية
- بحبك أووي يا (آسر) .. بجد
ابتلع ريقه يعلم جيدًا أن تلك الكلمة ليست حبًا بالمعنى الحرفي له، لكن قلبه دقّ رغم ذلك، يود سماعها منها وها هو يسمعها حتى لو لم تقصدها فأجابها، بصوت صادق خافت
- وأنا كمان
❈-❈-❈
كان واقفًا عند ركن الاستقبال في بهو الفندق، يتبادل أطراف الحديث مع أحد زملائه، لم يكن منتبهًا لما حوله، حتى استقرت (شيرين) أمامه، تنتظره أن ينهي حديثه مع زميلهم، بمجرد أن أنهى حديثه، رفعت عينيها إليه وطلبت منه بهدوء أن تتحدث معه على انفراد، نظر إليها للحظة، بدا التردد في عينيه، لكنه أومأ بالموافقة، وأشار إلى أحد المقاعد الجانبية الخالية بالأستقبال، جلسا سويًا، أخذت نفسًا عميقًا، نظرت في عينيه، فهرب ببصره للأرض سريعًا، وتنحنح كأن شيئًا قد علِق بحنجرته ولم يخرج، لكنها كانت مصرة على الحديث
- بابا جابلي عريس
رفع (مالك) عينيه نحوها بخجل لا يستطع إخفاءه، وتلك النظرة كانت تحوى أيضًا على اندهاش، تابعت (شيرين) بسرعة وكأنها تسبق ردة فعله
- قبل ما تقول أي حاجة، أنا مش جاية أستعطفك ولا مستنياك تقولي روحي اتخطبي وابعدي عني برده أنا بس .. مش عارفة أعمل إيه أنا زهقت .. زهقت بجد مش قادرة أطلعك من دماغي ولا من قلبي .. لا لما كنت لازقة فيك قلبك حس ولا لما بعدت عنك وحشتك حتى! انت مش شايفني أصلاً يا (مالك)
سقطت تلك الكلمات على قلبه كسكين حامي، أدمت قلبه، رمقها طويلًا، ثم قال بنبرة خافتة
- (شيرين) زى ما مشاعرك إنتِ مش بإيدك .. أنا كمان مش مسؤول عن مشاعري .. أعمل إيه؟!
ترقّرقت الدموع في عينيها، وقالت بصوت منخفض يكاد يُسمع
- يعني أنا شكلي وحش؟ مش عاجبك فيا ايه؟
زفر (مالك) بضيق، شعر كأنه طُعن بخنجر من كلماتها تلك، فكيف جعلها تظن أنها قبيحة أو بها شئ سئ لمجرد أنه لا يبادلها الشعور، تطلع إلى ملامحها للحظة، فهى جميلة للغاية بشرتها بيضاء، عيناها الخضراوان كمروج ممتدة، وملامح وجهها منسجمة بتناغم لا تشوبه شائبة مع وجهها، فقال لها أخيرًا، وعيناه مثبتتان في عينيها
- (شيرين) لو الموضوع بالشكل .. زي ما إنتِ فاكرة .. كنت حبيتك من زمان .. إنتِ يمكن أجمل بنت شوفتها في حياتي
ابتسمت رغم دموعها، واحمرّت وجنتاها بخجل طفولي، وأطرقت برأسها نحو الأرض، فتابع (مالك)
- أوعي ثقتك تهتز في نفسك عشان واحد أهبل زيي .. أنا غصب عنى من زمان وأنا شايفك أختي .. يمكن عشان معنديش أخوات بنات، فـإديتك كل مشاعر الأخوّة اللي كان نفسي أديها لأختي، لو كانت موجودة .. بس إنتِ فهمتي ده غلط وترجمتِيه حب وخلتيني أبعد
نظرت إليه، ثم قالت بحزن هادئ
- أنا طول عمري الناس بتمدح في شكلي .. إلا إنت .. وأخوك .. بس أنا .. أنا مش فارق معايا رأي (آسر) قلبي وجعني منك إنت يا (مالك)
نظر إليها هذه المرة بنظرة مختلفة، وقال بصدق
- سلامة قلبك يا بنت .. بس أنا بحبك .. بحبك كأنك أختي رغم إني أكبر منك بسنتين بس .. لكن كبرنا سوا وكنتِ دايمًا حد قريب مني
ثم صمت قليلًا، قبل أن يتنهد بعمق ويتابع
- لو عاوزة رأيي بخصوص العريس .. جربي وشوفيه يمكن يطلع أوسم مني ولا أغنى مني ولا أحسن أخلاقًا مني .. حسيتي إنك مش مرتاحة، أو حسيتي إن قلبك لسه مش عارف يتخطى حبك ليا .. متربطيش نفسك بيه بس لو قدرتي تتخطيني جربي
ابتسم لها برقة وهو يرى الحزن في عينيها، ثم تابع بمزاح يحاول أن يُخفف به عنها
- طب أنا واحد أهبل .. ورفست النعمة من إيدي غيري هيقدر الحلاوة والطعامة دى أكتر مني
رفعت نظرها إليه، وارتبكت وهي تراه يتطلع لملامحها، واحمرّت وجنتاها أكثر، فقال سريعًا ليخرجها من ارتباكها
- خلينا إخوات أحسن .. وأوعدك إن اللي هتتجوزيه هطلع عينه .. ماهو مش هياخد أختي ببلاش
ضحكت من قلبها أخيرًا، ثم قالت
- هحاول .. أنا بصراحة قدرت أتخطّى شوية لما بعدت عنك .. بس لسه مش أوي
ابتسم لها وقال بحنان
- هتتخطي .. هتتخطي .. وهي دي أشكال يتزعل عليها أصلاً؟!
قالها وهو يشير لنفسه بمزاح، فانفجرت ضاحكة، ثم نهضت من مكانها تستأذنه لتعود إلى عملها ..
❈-❈-❈
بعد مرور أسبوعين ..
خرج من بوابة الفندق متجهًا نحو سيارته، كانت الشمس في طريقها للغروب، أخرج مفاتيحه وهمّ بفتح باب السيارة، لكنه تجمّد فجأة عندما رأى (سدرة) على بُعد خطوات منه، أمامها رجل يبدو أنه يقوم بمضايقتها، واتسمت على ملامحها كل معاني الضيق والاشمئزاز، فاقترب منهم حتى اخترق صوت ذلك الرجل أذنيه بوضوح
- بقالك أسبوعين لا بتردي على تليفوناتي ولا رسايلي ولا بتيجي البيت .. هو انتِ؟! لو مكنتيش معجبة بيا كنتِ اتكلمتي معايا من الأول! ولا بتتقّلي؟! ولا إيه حكايتك؟
ضغط (مالك) على مفاتيحه بقوة، قبضته اشتدت حتى أبيضّت أطراف أصابعه، وعينيه تتابعان الموقف فى حين كانت (سدرة) كانت تحاول التماسك، وقالت بنبرة مرتجفة
- لو سمحت .. أنا مش عاوزة أتكلم ومش هرد على كلامك السافل ده!
اقترب (مالك) بغضب، فقد كاد ينفجر من الداخل، ثم قال بنبرة تبدو هادئة ظاهريًا لكنه أراد أن يحدثها برسمية كي لا يجعل ذلك الغريب يتهمها بالباطل
- فى حاجة يا آنسة؟ هو بيضايقك؟
التفتت للخلف (سدرة) نحوه برعب مفاجئ، وارتبكت حين رأته، ثم حدثته كما تعتاد الحديث معه في العمل
- مفيش يا (مالك) .. هو المفروض يمشي دلوقتي، روح يا (سليم) .. مش عاوزة فضايح قدام شُغلنا!
لكن (سليم)، كان وقحًا بما فيه الكفاية ليعلم أن (سدرة) تتحدث مع ذلك الشخص بإريحية كبيرة فعلم أن سمة علاقة تربطهم ببعضهم البعض، لم يخجل، بل ابتسم بتلك الابتسامة الساخرة، وقال وهو ينظر ل(مالك) من رأسه حتى قدميه
- هو فيه (مالك) كمان؟ دى جمعية بقى ..
ثم نظر إليها متفحصًا إياها بوقاحة وهو يقول
- طب بتتقلّي ليه يا (سدرة)؟! مانا أولى من (مالك)!
شهقت (سدرة) بدهشة من تصرفاته الوقحة ثم شعرت بالغضب وقالت
- انت قليل الأدب ومش مح ..
لكنها لم تُكمل حديثها، فقد كانت قبضة (مالك) قد انطلقت بالفعل نحو تلابيب قميصه، قبض عليه بقوة ثم لكمه فى اسفل ذقنه، تلك اللكمة جعلت رأسه يرتدّ إلى الخلف فقال (مالك) من بين أسنانه
- إنت فاكر كل الناس زيك؟! فاكرنا كلنا زبالة زيك؟!
وخرجت منه سُبة بذيئة، انفلتت رغمًا عنه، من فرط غضبه، مسح (سليم) ذقنه من أثر اللكمة، وعيناه تتطاير منها شرر الغلّ، ثم نظره نحو (سدرة) قائلًا
- لِعلمك بقى .. أنا هسيبك بمزاجى .. مانتيش آخر ست فى الدنيا! بس أوعي تفكري تلعبي بديلك أو تقولي لخطيبك ولا مراتي! كل مكالمتك وصوتك متسجل عندي وأسهل حاجة عندى ألعب فى الصوت واخليكِ تقولي كلام أنتِ مقولتُهوش وهقلب التربيزة عليكِ!
كانت يداي (سدرة) ترتجف من حديثه الوقح ذلك، لا تعرف إن كان رُعبًا أم صدمة، بينما كان (مالك) يقف بجوارها كالبركان يثور، عضّ شفته السفلى، ثم لكزه لكمة ثانية أقوى فى عينه حتى سقط (سليم) على الأرض وهو يقول
- ابقى وريني .. وريني هتعمل إيه! وأنا والله لهدفنك حي! وهفضحك يا حثالة!
ظلّ يسبه بكلمات لا يذكر أنه قال مثلها من قبل، وجهه يكاد يشتعل، بينما كانت (سدرة) تحاول أن تُبعده وهي تناديه، وهي تبكي وتقول
- بس يا (مالك) .. كفاية أرجوك
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة علا السعدني، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية
