تم النشر في: 18 مايو 2026
قراءة رواية ظلها في قلبه كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية ظلها في قلبه
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة علا السعدني
الفصل الثامن عشر
تم النشر الإثنين
18/5/2026
كانت ممسكة بأوراق عملها، تتنقل عيناها بين الملفات والحاسب، وكانت عينيه تراقبها من بعيد، يتظاهر بانه يقوم بعمله هو الآخر، إلا أن ذهنه لم يكن حاضرًا تمامًا للعمل ..
كان يريد أن يعتذر عن كلمته الجارحة لها، يستطيع أن يتجاهلها، يستطيع أن يتصرف كأنها مجرد زميلة عمل فقط لأنها مخطوبة لرجل آخر، لكن ما لا يستطيع فعله حقًا هو أن يتركها حزينة بسببه، لأنه يشكّك في أخلاقها بالرغم من أنه لا يفعل ولكن قد خانه التعبير فقط، حاول أن يتحدث معها بالأمس، مرات عدة، لكنها تجاهلته ،لم تجيبه إلا فى العمل فقط ..
زفر بضيق وهو يعيد تركيزه على الشاشة أمامه ،ظل يراقبها دون أن تشعر فرفع بصره لا إراديًا، رآها تمسك هاتفها ويدها ترتجف حتى كادت أن تسقطه، وجهها تغيرت ملامحه بالكامل للحزن أو الانزعاج لم يستطع تحديد حالتها الآن، ترك كل شيء، وقام مسرعًا نحوها وسألها
- فى حاجة يا (سدرة)؟
رفعت رأسها ببطء، ونظرت فى عينيه كانت عيناها غارقتين فى ضيقٍ كبير، ولكنها هزّت رأسها نفيًا، على مضض، قبل أن تعود لتكمل عملها، حدّق فى ملامحها المتغيرة، شعر بأنها ليست على ما يرام ولكن يبدو أنها ترفض الحديث أو لا تريد الآن لذا نهض عائدًا إلى مكتبه ولكنه ظل يراقبها وشعر بأن هناك خطب ما ولم يرد أن يلفت الأنظار حولهم ..
فى وقت الاستراحة، عاد إلى المكتب بعد أن كان يتفحص القاعات بنفسه للحفلات التي ستقام مساءًا، بحث عنها بعينيه، لكنها لم تكن هناك ،توجّه إلى الاستقبال ولم يجد أثر لها ..
تردد لحظة اين ذهبت تلك الفتاة، ثم خطر بباله أنها دائمًا تكون بالحديقة فى الخارج عندما تكون حزينة، خرج بخطوات سريعة نحو حديقة الفندق، يريد أن يعلم ما اصابها وحين لمحها، تجمّد فى مكانه للحظة ..
كانت تجلس على المقعد الخشبى، ظهرها منحني، ووجهها مخبأ بين كفيها من الواضح أنها تبكي ..
شعر بنغزة حادة ضربت قلبه، اقترب منها، وجلس بجانبها، دون تردد ثم قال بصيغة تبدو كسؤال لكنه كان مندهش حقًا
- (سدرة) .. انتِ بتعيّطي؟
مسحت دموعها سريعًا وهزت رأسها بالنفى ليخبرها مصرًا
- هو إيه الـلي لا؟! أنا بسألك عشان أعرف بتعيّطي ليه .. إنما إنك بتعيّطي دى واضحة، الأعمى يشوف!
قالها بنبرة غلب عليها القلق، رفعت نظرها إليه بتعب، ثم قالت برجاء
- أرجوك .. سبني دلوقتي يا (مالك) أنا مش قادرة أتكلم
أومأ بصمت، ونهض من مكانه لم يكن يريد تركها وهي بذلك الحال ولكن أراد أن يبحث عن شئ يهدئها به ..
بعد دقائق… عاد إليها ثم جلس بجانبها مجددًا، ومدّ يده نحوها بكوب مشروب بارد، لونه يشبه القهوة بالحليب فى زجاج مثلج
- اتفضلي
نظرت إلى الكوب، ثم إلى يده الممدودة، وابتسمت بمرارة رغم دموعها
- شوكولاتة باللبن تاني
ضحك وهو يهز رأسه
- بحبها يا ستي .. وبعدين الشوكولاتة دي سحرية، مضاد طبيعى للاكتئاب واللبن؟ مفيد .. بيبقى مكس هايل للأنتعاش
أخذت الكوب منه بصمت، ولامست شفتيها الكوب فقد كانت بحاجة لشئ مرطب حقًا ليبتسم وهو يراها ترتشف القليل منه
- احكيلي متخافيش .. حصل حاجة؟ خطيبك كويس؟
رغم ثقل السؤال الأخير عليه لكنه حقًا ليس منطقي أن يكره خطيبها لأنه سبقه بخطوة فنظرت إليه للحظة، ثم قالت بصوت منخفض
- إنت كان معاك حق
ضاق عينيه بتعجب ولم يفهم مقصدها
- تقصدي إيه؟
ابتلعت ريقها، وحاولت أن تجمع شتات شجاعتها
- مش عارفة المفروض احكيلك ولا لأ .. بس صعب اقول لبابا عشان هيحصل مشاكل ومحتاجة حد يقولي المفروض اعمل ايه
شعر حينها (مالك) بالقلق وقال
- طب قولي في ايه؟
وضعت كوب الحليب المثلج بجانبها، وفركت يداها وهي تنظر لأسفل بتوتر ثم قالت
- (سليم) .. كلمني الصبح قالي .. قالي عاوزة اقولك حاجة بس قالي متفهمنيش غلط
سألها بفضول
- قالك إيه؟
نظرت لأسفل وهى تشعر بالخجل مما ستقوله
- قالي .. شعرك جميل أوي
تبدّل وجه (مالك) فجأة، كأن أحدهم صفعه، نزع نظارته، وفرك عينيه بتوتر يحاول تهدئة أعصابه حتى لا ينفعل دون مبرر، ثم عض شفته وقال بحدة
- وهو شاف شعرك فين؟!
ارتبكت، ونظرت إلى الأرض مرة آخرى، خجلها كان واضحًا للغاية، فضم (مالك) قبضة يده وهو لا يصدق كل الأفكار السيئة أتت بمخيلته ليقول بأنفعال
- نهارك ازرق .. انتِ بتبعتيله صورك؟!
نظرت في عينيه وهي تبتلع بيها وهزت كفوف يدها نافية تنفي تلك التهمة الشنعاء وهي تقول
- مش كده! مش كده خالص
هز قدميه بعصبية واضحة، ثم قال
- طب فهميني .. حصل إيه؟
فركت يديها بتوتر مجددًا ثم بدأت أن تقص عليه
- من ساعة ما (فريدة) تعبت وأنا بروحلها أساعدها في البيت أروّق وأطبخ وكده .. امبارح .. هو جاه بدري مش في الوقت اللي بيتعود ييجي فيه .. أنا كنت بروّق أوضة وكنت قالعة الطرحة .. دخل وشافني، واعتذر وخرج .. بس شكله ركّز انا كنت فكرة موقف وعدى وخلاص
نظر (مالك) إليها نظرة طويلة، وعيناه ممتلئتان بالغيظ لتقول هي بضيق
- أنا عارفة .. هتقولى أنا قولتلك! مش ناقصاك يا (مالك) .. أنا كنت فاكرة إني بعمل خير، لما بصلّح بينه وبين مراته .. أنا هعرف منين إنه نيّته مش سليمة؟
وضعت يديها على وجهها، تحاول منع نفسها من البكاء او على الاقل كي لا يرى دموعها الحبيسة وتابعت
- هو عمال يتصل بيا من ساعة ما قفلت السكة فى وشه .. بس أنا طبعًا مش هرد عليه تاني .. بس مش عارفة اتصرف ازاي
قال (مالك) بنبرة حادة
- ما هو طبعًا .. خايف تفضحيه عند مراته ولا حماته!
نظرت له بعيون منكسرة
- أنا عارفة إني غلطانة .. حاسّة إني وحشة أوي يا (مالك) .. مش قادرة أكلم (معتصم) حتى .. أزاى أخبي عليه حاجة زي دي؟ أنا خاينة
تجمّد (مالك) عند الكلمة الأخيرة فما بال تلك البلهاء فما حدث من الممكن أن يحدث لجميع الفتيات، ابتلع ريقه، وقال
- إنتِ مش وحشة .. إنتِ هبلة الموضوع كان واضح من الأول .. راجل متجوز وبيكلم واحدة لا بينهم شغل ولا صلة قرابة؟ هو بس كان بيدوّر على حجة يتقرب بيها منك
ثم نظر فى عينيها التي يهرب منها دومًا لكن عليه أن يبث بها الثقة والطمأنينة
- الخيانة يا (سدرة) مش إنك تخبي .. الخيانة .. إنك تفكري في شخص تاني غير خطيبك .. واللي حصل مش ده
ارتدى نظارته من جديد، وعيناه كانتا أكثر جدية
- أنا ممكن أخد رقمه وأفهمه مقامه .. بس مش هتصرف كده عشان اللي زي الكلب ده هيمسكها عليكى، ويقول جايبة واحد غريب يشتمه ومش بعيد يتهمك انك متعددة العلاقات بيا وبيه .. أو يقول إنك إنتِ اللي بتحاولي تغريه!
وضعت يدها على فمها بصدمة
- أنا .. مش كنت متخيلة ده خالص
ابتسم بسخرية
- إنتِ مشكلتك إنك بريئة .. ومش عارفة الناس بتفكر إزاي، بصّي، أنا شايف إنك لا تحكي ل (فريدة) ولا ل (معتصم) ولا حتى تروحي البيت ده تاني نهائي لأنك لو فتحتي الموضوع .. هيقلبه عليكِ .. ويتبلى عليكِ خصوصًا انك أنتِ اللي بتروحي بيته مش العكس
نظرت له طويلاً، ثم ابتسمت
- شكرًا يا (مالك)
نظر إلى ساعته، ونهض
- يلا .. اشربي اللبن وخلصي، الاستراحة خلصت وورانا شغل كتير يا آنسة
❈-❈-❈
دخلت (جوليا) ومعها (معتصم) إلى مكتب محامي كي يتولى الدفاع عنها، جلست أمامه بهدوء ولكن لا يمنع هذا اضطرابها الداخلي، روت له تفاصيل ما حدث، قاموا بفصلها من الملجأ، بسبب اتهام مُشين، قاموا بإتهامها بتهمة ملفقة عن وجود علاقة غير أخلاقية لها مع طفل قاصر وأنها ترغمه على ذلك ..
ومن السهل أن يجبروا أحد الأطفال على قول أي شيء .. خاصةً وهم تحت رحمتهم ..
ساد الصمت للحظة، قبل أن يتدخل (معتصم)، وهو يروي قصة (فابيو) و (اندريا) مع ذلك الملجأ وكيف كادت (چوليا) فضحهم من خلال فيديوهات اخذتها من كاميرات المراقبة ولذلك قاموا بفصلها عن العمل واتهموها بذلك الأمر ثم ختم حديثه قائلًا
- لقد رأيت بعيني تلك السيارة السوداء التي كانوا يضعون فيها الأطفال وهم مخدّرين تمامًا .. وحين سألت أخبروني أنه طفل مريض سيُنقل إلى المستشفى
ثم اعتدل في جلسته وأكمل بثقة
- بعدها تحدّثتُ إليّ الطفل (فابيو) .. واخبرني بما أخبرتك إياه سابقًا
تحركت نظرات المحامي بينهما بتفحّص، بينما أكملت (جوليا)
- أستطيع أن أبحث عن هؤلاء الذين زعموا أنهم تبنوا أطفالًا من الملجأ، وسأثبت أن تلك عائلات وهمية أو أن الأطفال لم يصبح لهم وجود
تنهد المحامي ببطء، وأسند ظهره إلى المقعد
- (جوليا) .. لا يمكنكِ رفع دعوى ضد الملجأ فصورتك الآن مشوّهة أمام المحكمة ونزاهتك باتت موضع شك
ثم التفت إلى (معتصم) وقال بنبرة حاسمة
- وأنت لا يمكنك أن تكون شاهدًا أو ترفع دعوى ضد الملجأ ببساطة .. لأنك لا تملك إقامة قانونية هنا
ثم أضاف، دون أن ينتظر ردًا
- أما (فابيو) الطفل .. فأقصى ما يمكن أن يقدمه هو شهادة لكنها لن تكون قوية بما يكفي لن يشهد طفل في الثانية عشرة على جريمة بهذا الحجم بتلك السهولة .. الأمور معقدة للغاية
لمعت الدموع في عيني (جوليا)، التي كانت تحاول أن تبقى متماسكة، لكن ما سمعته أصابها بالعجز والخذلان معًا، فلاحظ (معتصم) ارتجاف يديها، فمال نحوها وهمس بحنان
- اهدئي .. أرجوكِ
ثم التفت إلى المحامي، وسأله بصوت متهدّج
- أليس هناك أي شيء يمكن فعله؟ أي شيء لحماية الأطفال .. أو لاستعادة سمعة (جوليا)؟
هز المحامي كتفيه ببطء، فالأجابة واضحة للغاية لذا قال
- لن استطيع إنقاذ الأطفال لا أملك سلطة على ذلك .. لكنني سأفعل ما بوسعي لإثبات براءة (جوليا)
بعدما سمعت هذه الكلمات، لم تعد (جوليا) قادرة على الثبات، فانفجرت بالبكاء، وأخفت وجهها بكفيها، بينما جلس (معتصم) في عجز مؤلم لا يعرف كيف يواسيها ،اقترب منها بهدوء، وأمسك يدها برفق
- اهدئي .. أرجوكِ، لا أستطيع رؤيتكِ منهارة بهذا الشكل
رفعت (جوليا) عينيها إليه، كانت وجنتيها مبللة بالدموع، وقالت بصوت مكسور
- لقد تعبت يا (معتصم) .. وأكثر ما يؤلمني أن أطفالًا آخرين سيرحلون .. ولن أستطيع أن أفعل شيئًا .. أشعر وكأنني مكبّلة
ربت على يدها بحنان، فى محاولة منه لتضميد حزنها وهو يقول بنبرة حانية
- سوف نجد حلًا .. فقط اهدئي
كان المحامي يراقب المشهد بصمت، اضيقت عيناه للحظة، وقد جال بخاطره حلًا ولكن لا يعرف هل سيتقبلوه أم لا، ولكن يبدو أن اثنتيهم يكنون لبعضهم البعض بعضًا من المشاعر هذا يبدو جليًا أمام اي شخص ضرير، فقال فجأة
- هل يمكنك الزواج منها؟
اتسعت عينا (معتصم)، وترك يد (چوليا) بسرعة، كأن الكلمة صدمته، ونظر إلى المحامي متسائلًا
- ماذا تعني؟
رد المحامي بنبرة جادة، وهو يميل قليلاً للأمام
- اسمع يا (معتصم) .. إن تزوجت (چوليا) يمكنك التقدّم بطلب الإقامة كمقيم شرعي في إيطاليا .. عندها ستحصل على إيصال تقديم طلب الإقامة .. وبعدها يمكنك أن ترفع دعوى ضد الملجأ وتُدلي بشهادتك دون عائق
صمت قليلًا ليرى تأثير ما قاله عليه ثم تابع
- وبذلك نكون قد حصلنا على شاهد قانوني يدعم (جوليا) وتستطيع إقناع (فابيو) بالشهادة لأنه سيكون هناك دعوة حقيقية أمام المحكمة .. ومن جهة أخرى، نحاول إثبات انه لا يوجد عائلات متبناة للأطفال الذين اختفوا
عض (معتصم) شفته السفلية، وشعر بتوتر يزحف إلى جسده، بينما بدت (جوليا) شاردة الذهن، تفكر فيما يقوله المحامي لكنها لا تستطيع إرغام (معتصم) على شئ كهذا، فتابع المحامي
- قد تكون هذه .. الطريقة الوحيدة لإثبات أي تهمة على الملجأ
ساد الصمت للحظات، نظر فيها (معتصم) إلى (چوليا) التي كانت تحاول أن تخفي ارتباكها، ثم رفعت رأسها وتوجهت بكلامها إلى المحامي
- سنجد طريقة بالتأكيد .. أما الآن، فأنا بحاجة لبعض الراحة
ثم التفتت إلى (معتصم)، الذي بدا وكأنه غارق في أفكاره، لايعرف ماذا عليه أن يفعل، وقالت بابتسامة باهتة
- هيا (معتصم) .. تعال معي
❈-❈-❈
خرج من الحمّام وهو يُجفف شعره سريعًا، وجفف قطرات الماء التي تنساب على عنقه، ارتدى ملابسه بعجالة، نظر إلى الساعة، فتنهد قليلًا حين وجد أن الوقت لا يزال مبكرًا على موعد التصوير، قرر أن يُعد لنفسه كوبًا من القهوة، ربما تهدأ أفكاره، لكنه ما إن أمسك هاتفه حتى تذكّر أنه عليه أن يتحدث إليها يعلم أنها لم تنم طيلة الليلة بالتأكيد من التفكير، ضغط زر الاتصال، ورفع الهاتف لأذنه، ردّت بسرعة وصوتها يحمل مزيجًا من الغضب، والضيق بسبب انه لم يحدثها منذ الصباح وهي تقول
- كـل ده ياا باارد! سايبني من امبارح على نار ومش بتكلمني! إنت بااارد كده ليه؟! معرفتش انام طول الليل وإنت نايم زي الشوال
ابتسم (آسر) قليلًا، ثم اجاب بهدوءٍ يحاول أن يُخفف به حدة توترها
- يا بنتي .. احترمي نفسك وبعدين .. مين قالك إنّي كنت نايم؟ أنا كمان كنت مضايق ومش عارف أنام
صمتت (أوهيلا) لوهلة، ثم أخذت نفسًا عميقًا، وكأنها تحاول تمالك انفعالها، قبل أن تقول بلهجة أقل حدة
- قولّي بقى .. ليه اتعصبت كده؟
جلس (آسر) على طرف المقعد الذي بغرفة المعيشة، تحدث بهدوء قليلًا، رغم حاجباه المرفوعان بضيق
- اللي حصل .. إن نظرات (هيثم) ليكِ كانت جريئة بشكل غريب ..الراجل ده مش مريح .. ده كان بيعرض عليكي تشربي خمرة بإصرار غريب رغم انك رفضتي بلطف
ضحكت (أوهيلا) بخفوت، تستنكر ضيقه الذي لا مبرر له، ثم قالت بنبرة هادئة
- بس هو ده اللي مضايقك؟
قطب (آسر) حاجبيه، وغامت عيناه بضيق ملحوظ
- هو انتِ شايفة اللي حكيته ده عادي؟!
ابتلعت (أوهيلا) ريقها، وشعرت بتوتر ثم هزّت رأسها نفيًا
- لا .. مش عادي بس موضوع نظراته ليا .. إنت مكبّره شوية
ثم خفضت عينيها، وارتسم على وجهها الابتسام والخجل معًا
- بحس إنه بيحبني .. زي ما بحبه .. يعني يا (آسر) طبيعي يبصلي بإعجاب، زي ما أنا ببص له بإعجاب .. مشاعر متبادلة .. بس بنستهبل
عضّ (آسر) على شفته السفلية بغيظ مكتوم، ثم قال بصوت متماسك
- (أوهيلا) .. أنا مش عيل صغير عشان ماعرفش الفرق بين نظرات الإعجاب .. ونظرات ..
توقف عن الحديث لعلها تفهم مقصده، ثم أكمل حديثه
- عيب يا ماما .. انتِ كبيرة وفاهمة
تجهم وجه (أوهيلا) قليلًا، ورفعت حاجبيها
- (آسر)! طبيعي أي واحد بيحب واحدة يبصلها كده!
أومال هو اختارها من وسط الناس ليه؟!
لم يتمالك نفسه، وقال بعصبية
- آه .. يبصلها كده .. بس مش قدّام أمة لا إله إلا الله!
أخذت نفسًا عميقًا، ولم تجيب، علم (آسر) انها اقتنعت ولكنها لن تخبره بذلك يعلم رأسها العنيد، لذا قال بهدوء
- مدام سكتّي كده .. يبقى اقتنعتي الحمد لله
صمتت (أوهيلا) ثم تمتمت
- يعني
زفر (آسر) من صدره، وكأنه يحاول أن ينهي الجدال بطريقة لا تجرحها
- وموضوع التمثيل .. انسِيه، أرجوكِ
ساد الصمت من جانبها للحظة .. ثم قالت بصوت خافت
- أنا .. أنا قريت الدور فى حضنين من ابويا فى الفيلم وحبيبي
ما إن أنهت جملتها بصوتٍ خافت، تلك التي وصفت فيها مشهدين من دورها في الفيلم، حتى صمت (آسر) للحظة، شعر بالضيق فهو حتى لايريد تخيل الأمر و ضاقت عيناه ولم يستطع سوى الرد بتلك الطريقة السوقية وتلك السُبة التي خرجت منه بعدها قال
- أومال لو كنتي البطلة كنتي هتتحضني كام مرة؟!
تلك النبرة، وذلك الأسلوب الذي لم تعتاد أن تسمعهه منه، رغم انها تتوقع أي شئ من ذلك المجنون ،ارتفع حاجباها، واهتز صوتها وهي تقول
- أنا غلطانة .. غلطانة إني اعتبرتك حد مهم في حياتي!
غلطانة إني باخد رأيك في حاجة ..أنا أصلاً حرّة
كانت تلك هي القشّة الأخيرة التي جعلت أعصابه تنفلت، وكل ما حاول كبته من قبل، خرج الآن في سيل حادّ من الكلمات
- خلاص! براحتك يا (أوهيلا)! .. وآه إنتِ معاكي حق أنا مينفعش أفرض عليكِ حاجة ولا ليّا أدخل في حياتك ولا ليّا أقولك تمشي في طريق إنتِ مش عاوزاه .. إنتِ حُرّة يا (أوهيلا)! ..اعملي اللي يرضيكي .. حبي واحد قد أبوكي واتجوزيه ادفني نفسك بالحيا علشان هتعيشي مع حد ما بيفهمكيش ولا هيفهم يوم طريقتك في التفكير حتى لو كان شايف نفسه أوبن مايند
توقف، ثم تنفس بعنف، كأنه يُخرِج غصة مريرة من صدره، ثم تابع بصوت أكثر وجعًا
- أيوه الأعمار بيد الله بس بالمنطق والعقل لما تتجوزي واحد فرق السن بينكوا كبير كده كلها شوية سنين و .. وهيفلسع! .. وإنتِ اللي هتتحسري على نفسك لما تلاقي روحك لوحدك .. وياريته شخص يستاهل من أصله
ارتعش صوت (أوهيلا)، فقد كانت كلماته قاسية أكثر مما تحتمل وهي لم تعتاد منه على ذلك ،فقالت بحدة
- إنت بتكلّمني كده؟! طب خلاص يا (آسر) .. اقطع علاقتك بيا ومتكلّمنيش تاني ومهما حصل مش هرد عليك
أغلقت المكالمة دون أن تنتظر ردّه ،ظل (آسر) يحدّق في شاشة الهاتف المُظلمة للحظات، وكأنّه لا يصدق ما حدث للتو، ثم زفر بضيق، والقى بالهاتف على الأريكة بجواره، وأسند رأسه بين راحتي يديه ،يعلم جيّدًا أن رأسها عنيد، لا يُجبر على شئ، وأنه لا يملك حق الوصاية عليها، لكنه في ذات الوقت لا يحتمل رؤيتها تسير نحو طريق مظلم بكامل إرادتها ..
❈-❈-❈
بعد مرور يومان ..
جلست في زاوية بعيدة بداخل الكافيتريا، تتأمل الشارع من خلف الزجاج، كانت القهوة أمامها بدأت تبرد، وتدور الملعقة بيدها ببطء دون هدف، إلى أن لمحت وجهه قادمًا، ما إن وقع بصر (هيثم) عليها، حتى انفرجت شفتاه عن ابتسامة عريضة بادلتها (أوهيلا) بابتسامة خجولة، جلس أمامها وبدء يثرثر معاها فى أشياء شتى حتى أنه قام بأخبارها بأن قريبها ذاك لم يعجبه كما انه شخص راجعي وليس متحضر كلماته تلك كانت كفيلة بأن تعكر صفوها، ضاقت عيناها بضيق، وأخبرته أنها لا تريد التحدث عن (آسر) فساد بينهما صمت قصير، لكنه حاول تدارك الموقف سريعًا،ونظر إليها طويلًا، ثم مال برأسه قليلًا وقال
- بس تعرفى؟ .. وحشتينى أوي
ارتبكت (أوهيلا) للحظة، وأطرقت رأسها، ولم تستطع أن تخفي ذلك الخجل الذي تسلل لوجنتيها، لم تجد ما تقوله، فأكمل (هيثم) حديثه بنبرة أهدأ
- كان في حاجة عايز أقولك عليها يوم الحفلة بس معرفتش بسببه .. بس كنت مستني وقت مناسب
رفعت نظرها إليه، وقد تملّكها الفضول، فاردف بهدوء يشوبه التوتر
- أنا من أول مرة شفتك مكنتش شايف فيكِ بس وجه سينمائي أنا شوفت فيكِ اللي أي راجل يتمناه في الست اللي بيحبها.. .. بصي من الآخر كده، أنا عايز أتجوزك
شعرت (أوهيلا) وكأنها لا تسمع شيئًا وان الزمن توقف بها، شعور غريب اجتاحها، خليط من الذهول والسعادة والارتباك رمشت بعينيها أكثر من مرة، تبحث عن الكلمات، لكنه سبقها قائلًا
- أنا متأكد إنك بتحسي ناحيتي بحاجة .. وإلا مكنتش قولتلك الكلام ده .. بس ..
جمدت ملامحها للحظة، ثم قالت ببطء
- بس إيه؟!
زفر (هيثم) ببطء ثم قال
- بصي .. بسبب شوية مشاكل حواليا وإشاعات قديمة أنا مش عايز نعلن جوازنا دلوقتي هنتجوز، بس محدش يعرف غيري أنا وانتِ لحد ما الأمور تهدى
ارتفع حاجباها بدهشة ثم أخذت نفسًا عميقًا، وحدّقت فى عينيه قائلة
- تقصد إيه يعنى؟!
- يعني .. جوازنا يبقى سري مؤقتًا
شعرت بغرابة من نبرة صوته وسألته فهي تريد افتراض حسن النية للنهاية
- طيب .. ومامتي؟!
ابتسم بخفة وقال
- مش هنطول بس محتاج وقت وبعدين .. إنتِ مش قاصر، انتِ ليكِ كامل الحرية تعملي اللي انتِ عاوزه .. اتجوزتي قبل كده؟
تجمدت تعابير وجهها، وهزّت رأسها بلا، بدا عليه شيء من الانزعاج لكنه أخفى ذلك قائلًا
- مش مشكلة هنتجوز شرعي، عند مأذون الورق هيبقى بينا إحنا الاتنين .. بس عشان أول مرة ليكِ مش هنسجل الجواز دلوقتي
شعرت (أوهيلا) أن شيئًا ثقيلًا يجثم فوق صدرها، لم تعد قادرة على فهمه بتاتًا، نظر إليها من جديد، ومدّ يده إلى يدها ليمسكها بحنان
- (أوهيلا) أنا بحبك وعايز أبقى جنبك بس الوقت مش مناسب لإعلان الجواز صدقيني .. في ناس كتير بتعمل كده
لم تُجبه لكنها سحبت يدها من يده فورًا، نظرت إليه طويلًا بعينين غارقتين فى حيرة قاتلة، ثم قالت بهدوء
- سبيني أفكر .. تمام؟
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة علا السعدني، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية
رواياتنا الحصرية كاملة
أقسام:
ظلها في قلبه
