رواية جديدة ظلها في قلبه لعلا السعدني - الفصل 17 - الجمعة 15/5/2026

تم النشر في: 15 مايو 2026


قراءة رواية ظلها في قلبه كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية  ظلها في قلبه

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة علا السعدني 


الفصل السابع عشر 

تم النشر الجمعة 

15/5/2026


الفصل السابق


كان يجلس في غرفته الخاصة، ممسك بهاتفه يتصفحه، حين دوّى صوت أحدهم يفتح باب الشقة، فرفع بصره نحو الباب مستغربًا، نظر إلى ساعة يده، فموعد عودة (چوليا) لم يحن بعد ..

نهض على الفور، وخرج من غرفته متوجهًا نحو الردهة، ليجدها تجلس على الأريكة، منحنيّة الكتفين، وجهها مبلّل بالدموع، ويدها ترتجف، اقترب منها بخطى قلقة، وجلس بجانبها وهو يقول بصوت مفعم بالقلق
- ما الذي حدث يا (چوليا)؟ ما بكِ؟

رفعت بصرها نحوه، وعيناها تسبحان في دموع لا تتوقف، ثم تمتمت بصوت مختنق تملؤه الشهقات
- لن أستطيع مساعدة هؤلاء الأطفال (معتصم) .. لقد فشلت .. لقد تم إقصائي من الملجأ!

عقد حاجبيه بدهشة وقلق، ثم مدّ يده ليمسك بكفّها المرتعش بلطف قائلاً
- اهدئي .. اهدئي .. أرجوكِ اشرحي لي ما حدث بهدوء

أخذت نفسًا هادئا، وحاولت السيطرة على شهقاتها، ثم قالت بنبرة مكسورة
- بعد أن جمعت الفيديوهات من غرفة المراقبة .. جاء (لورينزو) فجأة واقتادني إلى مكتب المدير .. لقد علموا بكل شيء

حاولت مسح دموعها بيدها ثم تابعت
- أخذ مني المدير الهاتف وحذف كل ما كنت قد سجلته .. وحذّرني بألا أتدخل مرة أخرى .. وألا أفتح فمي بشأن ما يحدث داخل الملجأ، وعندما أخبرته أنني لا أستطيع السكوت على ما يتعرض له هؤلاء الأطفال .. قام بطردي

ارتجفت شفتيها، وانخفض صوتها حتى كاد لا يُسمع
- ضاعت كل الأدلة يا (معتصم) .. ضاع كل شيء

ضمّ (معتصم) كفّها بين يديه، ثم قال بصوت حنون هادئ
- لا بأس اهدئي .. أرجوكِ لا شيء يستحق أن يحطّمكِ بهذا الشكل .. ربما تكونين الآن في خطر يا (چوليا) يجب أن نفكر بهدوء

هزّت رأسها بعناد، والدموع ما زالت تنساب على وجنتيها
- لا أعلم، ولا يهمني .. ما استطعت إنقاذه هو أسماء الأطفال الذين تم تبنّيهم وسأبدأ من هنا .. سأبحث عن أولئك الذين اختفوا سأجد الحقيقة .. لن أظل مكتوفة الأيدي لن أتركهم

كان صوتها رغم انكساره، إلا أنه يظهر بأنها لن تستسلم لهؤلاء الأوغاد، حدّق (معتصم) فيها مطولًا، بعينين امتلأتا بشفقة واحترام، ثم مدّ يده بلطف، وأزاح خصلات شعرها عن عينيها، ومسح دموعها بأنامله، قائلاً بنبرة خافتة
- أرجوكِ، اهدئي .. تلك هي المرة الأولى التي أراكِ فيها ضعيفة إلى هذا الحد

نظرت إليه بصمت، ثم أرتمت فجأة بداخل أحضانه، كانت تريد أن تتلقى الدعم منه لتبقى قوية، ارتبك في بادئ الأمر، تجمّدت يداه مكانها لم يستطع احطاتها، لكنه لم يبعدها، تركها تبكي بصمت بين ذراعيه، حتى شعر أنها هدئت أنفاسها، أبعدها برفق، ونظر في عينيها بثبات وقال
- لا تقلقي .. لن أدعكِ تمرين بكل هذا وحدك
❈-❈-❈

في المساء ..
كانت (سدرة) جالسة في غرفتها، تشعر بالضيق ففي الصباح حين سألت (شيرين) عن سبب غياب (مالك) لثلاثة أيام متتالية، تلقت منها ردًا جعلتها تغضب حتى من نفسها أنها سألت ذلك السؤال فقد قالت لها وما يعينك غيابه أو حضوره ..

هل حقًا هي مخطئة لأنها سألت عن غيابه، إليس هو زميل لها ويجب عليها الأطمئنان عليه خرجت من غرفتها ثم جلست إلى جوار والدها فى غرفة المعيشة، وسألته وهي مترددة هل أخطأت حين فكّرت في الاطمئنان على زميل عمل تغيّب فجأة؟ فأجابها بأنه لا مشكلة، لا بأس إن تطمئن عليه مادام ذلك فى حدود الزمالة ..

شعرت بالارتياح من رده، ف (شيرين) جعلتها تشعر كأن سؤالها عنه جريمة لا تغتفر، نهضت بهدوء ودلفت إلى غرفتها من جديد، أمسكت بهاتفها، وقد تغلّبت على ترددها، وقررت أن تتصل به مرة .. ثم مرتين ولكن لا إجابة، نظرت إلى الشاشة بضيق، تساءلت في سرها لماذا لا يجيب؟ هل توجد معه مشكلة؟ او هو مريض؟!
أغلقت الهاتف ثم فتحته مجددًا، وفتحت نافذة المحادثة عبر تطبيق الرسائل، لتكتب له بصمت، دون كثير من التفكير، رسالة بسيطة، فقد افتقدت وجوده فى حياتها كثيرًا
(عامل ايه يا ميمو .. بقالك كتير مش سألت)
❈-❈-❈

فى الصباح ..
انتهت إجازة (مالك)، وعاد إلى الفندق، كان مرتديًا بدلة رمادية، اسفلها قميصًا أبيض ناصعًا، قد فتح اول زرين من القميص، وحذاءً لامعًا بلون بني داكن، دلف إلى مكتبه بهدوء، وما إن رآه زميله وصديقه حتى نهض من مكانه واقترب منه بسرعة، ليضمه بحرارة قائلًا
- إيه يا عم (مالك)! كنت فين؟! قلقتنا عليك جدًا مكنتش بترد علينا خالص!

ابتسم (مالك) ابتسامة خفيفة وهو يربّت على ظهره بحنان، ثم قال بصوت منخفض
- كنت محتاج أكون لوحدي شوية .. حقك عليا لو قلقّتكم

وفي تلك اللحظة، كانت (سدرة) تجلس على مكتبها، تُقلّب بعض الأوراق بلا تركيز، رفعت عينيها حين دخل، وبمجرد أن رأته، تسلّل إلى قلبها شعور بالضيق فها هو يرى مكالمات الجميع ولايجيب ..

في البداية تجاهلت الأمر، لكنها بعد لحظات شعرت بأنها يجب أن تطمئن عليه، نهضت من مكانها، واتجهت نحو مكتبه الذي يبعد عدة خطوات عن مكتبها، ثم جلست على المقعد المقابل له وقالت بهدوء
- حمد الله على السلامة يا (مالك)

ارتبك للحظة عند سماع صوتها، رفع رأسه للحظة خاطفة لم يرد التأمل لأنه لو ترك لعينيه مجال ستفضحه ولن يستطيع كتمان مشاعره بعد كما أنه لا يجوز أن يطيل النظر بها، ثم أعاد نظره إلى الأوراق أمامه، وقال بجمود
- الله يسلمك

لم ينظر حتى في وجهها، ردة فعله كانت غريبة، لم تكن معتادة منه على هذا البرود، ولم تفهم سبب التغيّر الذى يزداد وضوحًا يومًا بعد يوم، نظرت إليه طويلًا ثم قالت بهدوءٍ أكبر
- أنا كلمتك .. كنت عايزة أطمن عليك .. إنت وأخوك بخير؟ يعنى كان فى سبب يستدعي الغياب ده كله؟

أخذ (مالك) نفسًا عميقًا، ثم قال بجفاء
- حاجات خاصة

اتسعت عيناها قليلًا هل أحرجها للتو ذلك الوغد، فنهضت ببطء، تقاوم الانفعال الذي يخنق صدرها، وقالت بجمود
- طيب .. عن إذنك هكمّل شغلي

استدارت مبتعدة دون أن تنظر إليه، ولم يرفع هو عينيه نحوها إلا بعد أن ابتعدت تمامًا، ظل يراقبها بصمت، تبًا يشتاق لها كثيرًا وكأن أيام بعده لم تكن الخلاص من مشاعره بل أكدت له أنه لا يستطيع العيش دونها ..

وفي وقت الاستراحة ..
أمسكت (سدرة) هاتفها، فلمحت مكالماتين فائتتين من (سليم) عقدت حاجبيها، فقد كانت واضعة الهاتف على الوضع الصامت، وفورًا فكرت في ذهنها احتمال أن (فريدة) قد تحتاج شيئًا، ضغطت على زر الاتصال بسرعة ..

وحين رد عليها، قاطعته قبل أن يتكلم قالت
- (فريدة) كويسة؟

ضحك (سليم) بخفة وقال
- طيب مش تسلمي الأول؟ 

فشعرت بالضيق من بروده ذاك وهي تجيب
- (سليم) مابهزرش .. أنا قلبي وقع بجد (فريدة) كويسة

كان (مالك) لا يزال داخل المكتب، حين سمع اسم (سليم) فجأة عبثت ملامحه، وعقله تساءل تلقائيًا من ذلك الشخص ..

أما (سليم)، فتابع الحديث بصوت خافت يصطنع الحزن فيه 
- أنا .. أنا اللي مش كويس خالص يا (سدرة)

فوجئت (سدرة) بلهجته المتغيرة وقالت بقلق
- ليه؟ مالك؟ حصل حاجة؟

ابتسم (سليم) بخبث، خطته بدأت أن تنجح 
- (فريدة) اتخانقت معايا بالليل .. علشان زميلة فى الشغل كلمتني بخصوص حاجة .. وقلبت الدنيا مش عارف إمتى هتعقل .. بجد أنا اتخنقت يا (سدرة) .. الحب مش كده

صمت قليلًا، ينتظر رد فعلها، تنهدت (سدرة) وشعرت بشفقة خفيفة عليه، ثم قالت بنبرة هادئة
- (سليم) .. هي بتحبك وده طبيعي إنها تغير عليك .. ده الغيرة أحلى حاجة فى الحب .. الغيرة بتحسسك إنك مميز عند اللي بتحبه

استمرّت (سدرة) على الهاتف مع (سليم)، تحاول تهدئة انفعاله المصطنع، دون أن تدرك أن (مالك) يتابع ذلك الحديث ..

ردّت بنبرة حنونة ممزوجة بجدية
- طب إهدى .. بص يا (سليم) مهما لفيت مش هتلاقي حد بيحبك قد (فريدة) هي بتحبك بجد .. عشان كده بتغير، حاول تفهم ده بدل ما تتخانق معاها

ابتسم (سليم) لنفسه فها هو قد وجد طريقة ليتعرف عليها أكثر، تلك الفتاة التى أصبحت تلفت انتباهه مؤخرًا وهو من الأساس معتاد على الحديث مع جميع الفتيات ولكن تلك الفتاة صعبة المنال، لذلك تستحق أن يجد لها طريقة مناسبة للدخول لها منها، ثم قال مستسلمًا
- حاضر هسمع كلام .. وهحاول مكبرش الموضوع

أنهت المكالمة بعد دقائق، غير مدركة أن (مالك) كان يستمع إلى كل شيء، نهض من مكانه فجأة، لم يستطع أن يتجاهل ما سمعه، ولا أن يصمت، فخرج من مكتبه واتجه إليها، ثم قال دون أي مقدّمات، بنبرة تمزج بين الغضب والغيرة التى يحاول اطفائها
- مين (سليم) ده يا (سدرة)؟

نظرت إليه بدهشة من طريقته، وردّت بتلقائية
- ده جوز أخت (معتصم)

تجمّد مكانه، كأن الزمن توقف فجأة، ثم تمتم بدهشة مشوبة بالاستنكار
- قعدتى ربع ساعة كاملة .. تكلّمى جوز أخت خطيبك؟ ليه أصلًا؟ وبيكلّمك ليه؟ وبتاع إييييه؟

رمشت بعينيها بسرعة، لا تصدق ما تسمعه ولا نبرة صوته تلك، ولكن شعرت ببعض التردد
- فى مشاكل بينهم ..وكنت بحاول أهدّيه .. عشان ميعملوش مشكلة سوا

ارتفعت نبرة صوته مهاجما إياها
- وإنتِ مالك أصلاً؟ ما أمها تحل مشاكلهم! ولا خطيبك نفسه! إنتِ مالك؟!

وضعت يدها على صدرها بتوتر وقالت
- (معتصم) فيه اللي مكفيه وأنا بحاول أشيل عنه شوية .. وأقوم بدوره في غيابه أنا في مقام أخت (فريدة) وبحاول أحافظ على بيتها

ضرب (مالك) كفًا بكف، وصوته خرج بحدة أكثر
- لأ يا (سدرة) .. مش صح! مش صح إنك تكلمى شاب .. ومتجوز كمان!

ارتجفت أناملها بدهشة من صوته المرتفع، وقالت بغضب 
- إيه اللى بتقوله ده؟! (سليم) واحد من العيلة .. مش واحد من الشارع! ده راجل عنده مشكلة وبيحكيلي وأنا بحاول أساعده!

عضّ (مالك) على شفته السفلية بقوة، وهو يهزّ رأسه وقال بانفعال
- لأ! مش صح .. أنا لو ابن عمي متجوز ومراته جت تشتكيلي وقعدت أتكلم معاها .. هبقى إنسان مش محترم!

صمتت (سدرة) للحظة، لم تستوعب ما قاله للتو هل حقًا ما فهمته صحيح هو يقصد بأنها فتاة ليست محترمة، تلعثم (مالك) فورًا، وأدرك ما قاله، فحاول التراجع
- أنا آسف .. أنا مش قصدي كده خالص .. أنا بس كنت بحاول أشرحلك بس

قاطعته فجأة، بحدة لم يسمعها منها من قبل
- ممكن تسكت؟ خالص؟! دى خصوصيات

قالتها كي تقطع اي مجال للنقاش وكي تذكره بأنه قد تعدى حدوده للتو كما هي فعلت في الصباح، زفر بضيقٍ واضح، ثم استدار وخرج من المكتب، مغلقًا الباب خلفه يحاول استعادة رباطة جأشه ..
❈-❈-❈

في مساء اليوم التالي ..
كان ينتظر أسفل العقار، يسند ظهره إلى السيارة وينظر في الأرض، رفع بصره حين لمحها تخرج من بوابة العمارة ..

ارتدت فستانًا بلون الكرز الداكن، بحمّالات رفيعة تستقر على كتفيها، خصرها مشدود بحزام رفيع من نفس القماش، وينسدل من أحد الجانبين، وحذائها بكعب عالي من الجلد، ما إن اقتربت حتى طأطأ (آسر) رأسه سريعًا، زافرًا بينه وبين نفسه، وردد بصوتٍ خافت استغفاره وورده اليومي الذي اعتاد عليه منذ يومين، لقد تغيّر، لقد عهد الله أن يتوب ويتغير، ووعد أخيه بأنه سيترك ذلك الطريق، لن يغازل، لن يتمادى، لن يغضب الله، لاحظت ذلك، عقدت حاجبيها بدهشة، ثم ابتسمت بمكر خفيف وهي تقول له
- إيه رأيك في الفستان يا إيسو؟

عضّ (آسر) على شفته بقهرٍ مكتوم، ومال برأسه بعيدًا لن ينظر إليها متفحصًا فتمالك نفسه
- بقولك إيه يا بنت الحلال .. إنتِ الوحيدة اللي علاقتي بيها مَقطعتش .. مش عشان في بينا حاجة لا .. بس عشان أنا دايمًا حاسس إنك مسئولة مني وبخاف عليكِ بجد

ثم تابع وهو يزفر بضيق، وقد اختلط الغضب بالضيق فى صوته
- بلاش مياصة وإلا هموّتك وارتاح

نظرت إليه بدهشة حقيقية، لم تعتد منه هذا الأسلوب المفاجئ، لم تُعلّق، فقط أخرجت مفاتيح سيارتها من الحقيبة ومدّتها له بصمت، ركبا السيارة، وانطلقا نحو المكان الذي دعاها إليه المخرج، كانت الفيلا ضخمة، تحيط بها الأضواء والموسيقى الصاخبة، الحديقة ممتلئة بالمدعوّين، أغلبهم وجوه مشهورة على الشاشة ممثلون، مغنيون، عارضات أزياء، ومخرجون ،الكؤوس تتنقّل بين الأيدى، وصوت الضحكات تتعالى، والدخان في الهواء، أوقفت (أوهيلا) خطواتها لحظة وصولها، وعيناها تتأملان كل التفاصيل بدهشة مبهورة، ثم همست ل (آسر)
- شفت يا (إيسو) ..نفسي أبقى مشهورة زي الناس دي أوووي!

رمقها (آسر) بنظرة مغتاظة، ثم دار بعينيه على المكان .. أضواء، خمور، ضوضاء، وموسيقى، عري، كل ما يغضب الله في مكان واحد ثم عاد بنظره نحو (أوهيلا)، وزفر ببطء، وقال بنبرة متماسكة
- خليكِ جنبي يا (أوهيلا) .. متبعديش عني

هزّت رأسها بسرعة وقالت بصوت منخفض
- أنا أصلاً جايباك عشان كده عشان أحس إن في حد أعرفه، المكان غريب شوية عني .. أول مرة أشوف حاجات زي دي عن قرب

لم يمضِ كثيرٌ من الوقت حتى اقترب منها (هيثم)، بابتسامة ثم تقدّم نحوها بخطوات سريعة وذراعاه ممدودتان ليحتضنها وهو يقول
- (أوهيلا) ! وحشتينى أووو..

لكن قبل أن يقترب أكثر ويكمل حديثه، كانت يد (آسر) قد امتدت بخفة ووضعها أمام (أوهيلا)، ليحجبها خلفه، وقال بلهجة حادة ليقاطع حديثه
- رايح فين يا عمنا؟ عايز تحضن؟ أنا موجود

تجمّد (هيثم) مكانه، بينما احمرّ وجه (أوهيلا) من الإحراج، وانكمشت خجلاً من تصرف (آسر)، تبادل (هيثم) و(آسر) نظرات غاضبة كلاً منهما لا يطيق الآخر ..

نظر (هيثم) إليه بغيظ واضح، بينما (آسر) لم يتزحزح عن مكانه، تفحّص ملامحه بدا في منتصف الأربعين، أنيق المظهر، يحمل من الوسامة ما يكفي ليجذب الأنظار، أغمض عينيه للحظة، يدرك جيدًا أن ذلك هو ذوقها فى الرجال ..

 أمسكت (أوهيلا) بذراع (آسر) كي تعرفهم على بعضهم البعض لتنتهى تلك المهزلة، ثم التفتت ل (هيثم) قائلة بمرح 
- معلش يا (هيثم) .. أصل (آسر) ابن خالتي .. وجاي معايا عشان يقنع ماما بفكرة التمثيل

توقفت ابتسامة (هيثم) للحظة، ثم استردّها بثبات، ونظر لها قائلاً
- تمام يا قلبي .. اعتبري البيت بيتك اعملي اللي انتِ عاوزاه

ابتسمت (أوهيلا) بسعادة، فكلمات (هيثم) سقطت على قلبها كقطعة سكر، لكن (آسر) ظل يراقبه بعينين مشتعلتين، ما إن ابتعد (هيثم)، حتى زمجر الأخير بصوت خافت بأنه لما ذلك الوغد معها ..

سحب ذراعه من يد (أوهيلا) فلا يصح أن يمسك بيد فتاة فقد تاب، في حين كانت هي مشغولة ببصرها تتبع خطوات (هيثم)، حتى سألته فجأة 
- رأيك إيه فيه؟ مش جذاب أوي؟

استدارت نحوه بحماس طفولي وتابعت 
- يجنن! وبادي بيلدنج ووسيم حقيقي! مش شايف البنات حواليه إزاي؟!

تقطبت ملامحه، وعقد ذراعيه أمام صدره بحدة وهو يقول بسخرية
- مين؟! المهكع؟!

رفعت حاجبيها بغيظ
- بطل تقول على ذوقي مهكع! ده زي القمر!

اتسعت عينا (آسر) وهو يحدق فيها بغضب يحاول كتمانه، ثم قال بنبرة خافتة 
- أرجوكي يا (أوهيلا) .. نمشي من هنا لا المكان مريح ولا (هيثم) ده مريح .. ده أنا واقف معاكي وعاوز يحضنك! أومال لو كنتي لوحدك كان عمل إيه؟!

توترت (أوهيلا) قليلًا، ولم تجد ما ترد به، لكنها تمسكت بمحاولتها الأخيرة
- أرجوك .. خليني شوية .. أتكلم معاه الأول

لم يجيبها، لكنه ظل صامتًا، ينظر حوله بتوتر، في حين ابتعدت هي للحديث مع بعض المشاهير الذين تعرفهم، بقي (آسر) يراقبها، عينيه لا تفارقها، لمح (هيثم) ذلك وشعر بالغضب من ذلك المتطفل لذا همس لإحدى الفتيات القريبات منه، فأومأت له، ثم اتجهت نحو (آسر)، تصنعت أنها تتحدث إلى صديقتها، ثم اصطدمت به عن عمد، وأسقطت كوب العصير على قميصه ليقول بغضب
- مش تبصي قدامك؟!

نظرت إليه كأنها مصدومة وحاولت تتأسف قائلة
- آسفة بجد! معلش .. تعالى أوريك الحمّام تنظّف التي شيرت

تنفّس (أسر) بضيق، ثم تحرك معها، في تلك اللحظة، انتهز (هيثم) الفرصة واقترب من (أوهيلا)، محاولًا أخذها إلى ركن بعيد وهو يقول
- إيه؟! خايفة تيجي لوحدك فجأة؟! فجايبة ابن خالتك؟!

ضحكت (أوهيلا) بهدوء
- لأ خالص، بس هو صديق ليا مهم جدًا .. وكنت عاوزة آخد رأيه في الموضوع .. وكمان عشان يقنع ماما

قالت جملتها الأخيرة كاذبة، فاستمر (هيثم) في ثرثرته، وكانت تضحك معه، عاد (آسر) ليبحث عنها، تجمّدت نظراته عندما رآها مع (هيثم)، وهذا الأخير يناولها مشروبًا كحوليًا، بينما هي تحاول الاعتذار بلطف، كانت نظرات (هيثم) لجسدها وقحة لا تخطئها العين ..

تقدّم (آسر) نحوهم، وهو يخلع سترته وألقاها على كتفيها فوق الفستان، ثم قال بصوت صارم لا يقبل نقاشًا
- يلا يا (أوهيلا) عشان نروح

اتسعت عيناها، وصُدمت من المفاجأة، ثم قالت باستعطاف
- (آسر) .. انت لسه مكلمتوش .. أرجوك استنى شوية

نظر في عينيها مباشرة وقال بنبرة حاسمة
- يلا يا (أوهيلا) .. مش هقولها تاني

تدخل (هيثم) ببرود وهو يقول
- لو عاوز تروح روح .. هي لسه قاعدة، وأنا بنفسي هوصلها

قبض (أسر) يده، فليس من الحكمة أن ينفجر، ليس الآن، لا هنا في منزله مع حراسه الخاصين واصدقائه كما أنه لو ضرب ذلك الوغد ف (أوهيلا) ستفقد الثقة فيه يعلم كم هي عنيدة، نظرت بين الاثنين، ثم قالت بسرعة 
- لا خلاص .. أنا ماشية معاه مع السلامة، هبقى أكلمك بعدين

تحركت خلف (آسر)، وعندما خرجا من المكان، سألته برجاء
- (آسر) .. ممكن أفهم إيه اللي حصل؟!

فتح باب السيارة وقال بهدوء 
- اركبي الأول

استقلت معه السيارة، ثم ظل صامتًا طوال الطريق، يحاول أن يهدّئ نفسه .. وحين رأى دموعها، زفر بضيق، ثم قال وهو يثبت عينيه على الطريق
- بصي يا أوهي .. أنا مش عاوز أتكلم دلوقتي مش علشانك علشاني أنا متعصّب، ولو اتكلمت دلوقتي، هنتخانق لأنك لسانك طويل وأنا لساني طويل فهتبقى مشكلة كبيرة وأنا مش عاوز أكبرها

شعرت هي بالضيق من حديثه وعقدت يدها نحو صدرها بغضب فقال هو ليخفف حدة الموقف
- مش عاوز أشوف دموعك بقى 

أومأت برأسها، تمسح دموعها بصمت، ابتسم ابتسامة خافتة وقال
- ارتاحي النهاردة ..بكرة هكلمك وأقولك كل حاجة دلوقتي مش قادر ..

هزت رأسها مرة أخرى، وهمست
- ماشي

عندما وصلا ترجل من السيارة معها وهو يعطيها المفاتيح، فنظرت له قائلة
- خلي المفاتيح معاك .. روح بالعربية بدل ما تاخد تاكسي .. الوقت اتأخر

ضحك رغمًا عنه وقال وهو يناولها المفاتيح
- اطلعي يا بنت وخدي مفاتيحك أنا (آسر) يا بنتي، مش (يسرا) .. لما أبقى (يسرا) ابقي قوليلي كده

ضحكت ضحكة حزينة وهزت رأسها بأسى، ثم دلف إلى البناية، بينما بقي هو يراقبها حتى اختفت ثم تنهد وسار فى طريقه عائدًا للمنزل ..
❈-❈-❈

فى الصباح ..
جلست (چوليا) إلى جواره على مائدة الطعام، تتناول طعامها بصمتٍ، كانت تسترق له النظرات لتتأمله، وحين تلتقي بعينيه تنزل عينيها مباشرة كأنها لم تكن تنظر له، تذكّرت، كيف كانت منهارة تمامًا، وكيف هدأت بين ذراعيه، فتوردت وجنتاها من الخجل لا تعلم لما أصبحت معجبة بذلك الرجل ..

أما (معتصم)، يشعر بالضيق من نفسه، بل بالذنب، لانه لم يبعدها عنه فى الحال بل تركها داخل احضانه، ولكن لقد رقّ قلبه لحالها، شعر بالشفقة عليها فهي دومًا تقوم بمساعدته ولكن هذا ليس مبرر لما حدث فالخطأ خطأ والحرام حرام وان فعله الجميع، ثم فكر ماذا لو علمت (سدرة)؟ دار السؤال في رأسه، شعر بالغضب من نفسه فهو منذ أن أتى إلى إيطاليا وهو يخفي عنها الكثير والكثير أخبرها كذبًا بأنه يسكن مع شاب إيطالي وفي الحقيقة هو يسكن مع امراءة، لو علمت هي لقطعت رأسه في الحال، شعر بالحنق وترك الطعام، فقد أصبح يسير في خطوات تجعله يرتكب الكثير من الأخطاء، الكذب، المكوث مع امراءة اجنبية، التجاوزات باتت تحدث ولا يعرف ما نهايتها، قاطع تفكيره حين استمع إلى صوت احدهم يطرق باب الشقة ..

نهضت (چوليا) ببطء، وتقدّمت لتفتح الباب، فوجدت رجلاً أنيقًا من موظفي المحكمة، سلّمها ظرفًا مختومًا، وطلب توقيعها على إيصال الاستلام ، وقّعت، بيدٍ مرتجفة، وما إن انتهت اخذت الظرف وفتحته ثم قرأت ما كُتب، حتى تراجع جسدها ببطء، اتسعت عيناها برعبٍ، صدرها انقبض، ويديها ارتعشتا بعنف، ثم لم تلبث أن سقطت على الأرض، بلا حراك، سمع (معتصم) ارتطام جسدها بالأرض، هرع نحوه، انحنى ليحاول إيفاقتها مرارًا، هزّ جسدها برفق، ولكنها لم تستجب ..

ثم لمح الورقة إلى جوارها، التقطها بسرعة، وقرأ محتواها، واتسعت عيناه برعب حقيقي 
التالي

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة علا السعدني، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة‏

إرسال تعليق

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل