تم النشر في: 14 مايو 2026
قراءة رواية دماء ذهبية كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: دماء ذهبية
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة: سمر إبراهيم
الفصل العاشر
تم النشر يوم الخميس
14/5/2026
اختطاف
ما هو الأفضل للإنسان؟ أن يعيش في نعيم الجهل؟ أم جحيم المعرفة؟ أشياء كثيرة غيرت مفاهيمنا عن الحياة بمجرد أن علمناها، ولكم تمنينا لو كنا مازلنا نجهلها، دائما ما يسعى الإنسان للبحث عن المعرفة، وفور الوصول إليها هناك من يندم ويتمنى العودة والاستمتاع بنعيم الجهل، وهناك أيضًا من يسعد بالوصول إليها ولا يهنأ له بال حتى يعرف كل ما هو مخبأ عنه، ترى أنت يا عزيزي أي النوعين من البشر؟ من يفضل الجهل حتى لا يتألم، أم أنك ممن يبحثون عن الحقيقة مهما كلفهم الأمر؟
ما هي سوى دقائق معدودة وانتشر الخبر في جميع أرجاء القرية، وتجمهر الأهالي أمام المنزل ليروا ما حدث، هذا فضلًا عمن هم بداخل المنزل من الأقارب والجيران.
أصوات الصراخ والعويل لم تنقطع، خاصة وهو يرون جثمانها مسجى أرضًا، أبنائها يجلسون حولها؛ ضاممين أرجلهم نحو صدورهم، ساندين ذقونهم على ركبتيهم، واضعين أيديهم على جثتها دون حركة، أو كلمة، وكأنهم انفصلوا عن العالم، لا يستجيبون لأي محاولة لتحريكهم.
ظلوا على هذه الحالة إلى أن وصلت عربة الإسعاف لحمل الجثة، كما وصل رجال الشرطة للتحقيق في الحادث، لا أحد يعرف ما الذي حدث، لم يكن معها سوى قدري، الذي استيقظ على صوت صراخها، لم يرى شيئًا سوى هرولتها مشتعلة باتجاهه، لم يستطع أحد إن يخبرهم بما حدث في الصباح، فمن سيصدق بأن ما حدث كان بفعل الجن، وأن والدتهم لم تكن هي من فعلت في نفسها هذا.
ذهب قدري مع المسعفون إلى المشفى، فلقد احترقت يداه وهو يحاول إنقاذها، ولكنه توقف فجأة فور خروجه من شقة والدته؛ لرؤيته لهالة الجالسة على السلم تبكي وهي تحتضن طفلها، فنظر إليها وشرارات الغضب تتطاير من عينيه وحدثها من بين أسنانه وهو ينظر بحذر نحو رجال الشرطة المنتشرون في المنزل:
- لو رجعت لقيتك هنا انتي ولا ابنك هيبقى آخر يوم ليكم على وش الدنيا، تلمي هدومك وتغوري على بيت أهلك، من النهاردة إنتي متلزمنينيش إنتي طالق.
وقعت الكلمة عليها عالصاعقة، تلجم لسانها، لم تستطع النطق بينما تراه يبتعد بعينان مغرورقتان بالدموع، تتصارع الأفكار في رأسها، بداخلها العديد من المشاعر المتضاربة، لا تستطيع أن تعرف ما الذي تشعر به الآن؟ هلى هي سعيدة لابتعادها عن هذه العائلة التي تفننت بتعذيبها، وطمس هويتها بشتى الطرق؟ أم هي خائفة مما هو آت؟ أم أنها حزينة لتفريطه فيها بهذه السهولة وكأنها كم مهمل بحياته لا قيمة لها؟ ألقى بها بعيدًا دون أن يرف له جفن كما يتخلص من نفاياته.
زفرة حارقة خرجت منها وخي تحمل صغيرها صاعدة به نحو شقتها لكي تجمع أغراضها لتخرج من هذا المنزل دون رجعة.
❈-❈-❈
ستة أشهر مروا عليها دون جديد يذكر في حياتها سوى توثيق طلاقها، فلقد أرسل لها قدري قسيمة طلاقها، ومعها رسالة ألا تطلب منه شيئًا، فليس لها هي وطفلها أية حقوق عليه بعد ما حدث، حتى عندما طالبت بقائمة منقولاتها رفض إعطائها أياها مهددًا بالإبلاغ عنها بأنها من قتلت والدته إن حاولت التواصل معه مجددًا، كما سمعت بأنه قد تقدم لخطبة فتاة من القرية وسيتزوج بعد مرور العام على وفاة والدته، لن يتزوج في شقتها فحسب بل سيتزوج على الأثاث الخاص بها أيضًا، وكأنه يبعث إليها برسالة مباشرة بأنها لم تعني له شيئًا في يوم ما، فليتزوج إذن أو ليذهب إلى الجحيم لا ينبغي أن يعنيها هذا، فهي لم ترى منه سوى الجفاء طوال سنوات زواجهما.
حاولت أكثر من مرة إقناع والديها بأن تبحث عن عمل؛ لتعول نفسها، وطفلها، ولكنهما أبيا ذلك، بحجة أنها مطلقة الآن ويجب عليها أن تخشى حديث الناس في قريتهم، فلن يرحمها أحد إن فعلت ذلك، وستصبح سمعتها علكة في أفواه الجميع، فرضغت لهما كعادتها، فمنذ متى خالفت لهما أمرًا، صوابًا كان، أم خطأً، ولكن أكثر ما يؤرقها هو تجنب والديها وإخوتها لولدها، ونظرات الخوف، والفزع التي تعتريهم كلما رأوه أمامهم، وكأنهم يرون شبحًا، فيتصببون عرقًا، تتلعثم ألسنتهم، ويفرون سريعًا أمامه كلٌ إلى غرفته، حتى تناول الطعام يرفضون الأكل معهما، مما جعل عزلته تزداد فأصبح لا يخرج من غرفته مهما حدث، حتى مدرسته رفض الذهاب إليها خاصة بعد أن أشاع سليم عنه بأن به مس من الجان، وأنه هو من قتل جدته، فأصبح يتعرض للتنمر، والضرب من قبل زملائه، مما اضطرها إلى نقله لمدرسة أخرى بقرية مجاورة لقريتها؛ حتى لا يعرفه أحد فكانت تصحبه يوميًا ذهابًا وإيابًا، حتى وإن شق عليها ذلك فهي تريده أن يتعلم مهما كلفها الأمر.
❈-❈-❈
استيقظت بثِقَل وهي تضع يدها على صدرها تدلكه ببطئ، تشعر بانقباضة تعصر قلبها لا تعلم سببها لينتابها الخوف على صغيرها، فاليوم هو عيد مولده السابع ولقد أصبحت تخشى هذا اليوم؛ لما يحدث به من اختفائه الذي لن تعتاده مهما تكرر.
نظرت إليه فوجدته يغط في نوم عميق فمسحت على شعره بحنان، وقبلت رأسه، وهي تتمتم بآيات الذكر الحكيم لكي تحصنه بها من كل شر، وفور انتهائها قامت بإيقاظه؛ فلقد وعدته أن يخرجا سويًا لتشتري له ما يريد، ولن تجعله يذهب إلى المدرسة اليوم، عازمة على ألا تتركه بمفرده مهما حدث، وسترى ما الذي يحدث له، وأين يختفي؟ فإن كانت تتركه قبل ذلك مرغمة لتنفيذ مهامها اليومية التي كانت تطلبها منها وفاء، فاليوم لن يرغمها أحد على شيء، وسترافقه كظله طوال اليوم.
ذهبت به إلى المدينة القريبة من قريتهم والتي بها الكثير من الأماكن المخصصة للأطفال ليظلا بها طوال اليوم، كما ذهبا إلى محل لبيع ألعاب الأطفال وابتاعت له كل ما يريد، لترتسم على وجهها ابتسامة تلقائية وهي ترى سعادته وهو يحمل ألعابه، وقبل نهاية اليوم أخذته لإحضار كعكة عيد ميلاده، وفور انتهائهما من ابتياع ما يحتاجانه من أغراض استقلا حافلة صغيرة ليعودا إلى قريتهما مرة أخرى، ولكنها لاحظت أن الحافلة قد أقلعت دون أن تمتلئ بالركاب كما هب العادة، فلم يكن بها سوى ثلاثة رجال، كما أن السائق رفض الوقوف لأي مما أشار له للوقوف، ليتسرب القلق إلى قلبها، خاصة عندما رأت اختلاس النظر إليها من قبل الرجال الموجودين بالحافلة بين الفينة والأخرى، فاحتضنت طفلها بقوها وقررت النزول من الحافلة لتتحدث بصوت مرتعش:
- على جمب يسطى لو سمحت.
لم يلتفت إليها وعقب بصوت أجش وهو ينظر للطريق أمامه:
- لسة موصلناش يا أبلة.
اقشعر بدنها وازداد خوفها فور سماعها لصوته، خاصة عندما وجدت جميع من بالحافلة ينظرون إليها بترقب فحاولت التظاهر بالثبات وهي تحدثه:
- معلش أصلي نسيت حاجة ولازم أرجع تاني عشان أجيبها.
لم يجيبها، ولم يقف كما طلبت منه، وقبل أن تنطق بكلمة أخرى وجدت الرجل الجالس أمامها يلتفت إليها فجأة ممسكًا مدية كبيرة، وأشار بها نحوها وهو يحدثها بصوت حاد:
- لو سمعت صوتك انتي ولا ابنك مش هيطلع عليكم نهار.
احتضنت طفلها بقوة وهي تحرك رأسها لأعلى ولأسفل بحركات سريعة دون أن تنطق، لتلاحظ السائق يتجه نحو طريق آخر غير طريق قريتهم، فأخذت تتلفت بفزعٍ شديد لتجدهم يحدقون بها بشرٍ فهدرت بصياحٍ وهي تبكي بشدة:
- انتوا مين؟ وعايزين مني إيه؟
لم تجد منهم إجابة فاردفت بتوسل علها تستطيع النجاة بحياة طفلها، وحياتها:
- أبوس إديكم سيبونا نمشي لو عالفلوس خدوا كل اللي معايا بس سيبونا.
قلت ذلك وهي تمد يدها بحقيبة يدها، ولكنها لم تجد منهم أي استجابة، بل على العكس أشهر الرجل الذي خلفها سلاحه الأبيض وسلطه على عنقها وهو يحدثها بتحذير:
- كلمة كمان وهتلاقي راسك الحلوة دي مشرفة عالكرسي اللي جمبك فاهمة.
قال كلمته الأخيرة بصياح أفزعها لينتفض جسدها وأخذت تحرك رأسها وهي تردد بخوف:
- حاضر، حاضر هعملكم اللي انتوا عايزينه بس أبوس إديكم بلاش ابني.
لم يعقب أحدٌ منهم على حديثها، فتمسكت بصغيرها أكثر لتجده يختبئ بحضنها وهو يرتجف، فاعتصر قلبها خوفًا مما سيحدث، وبعد مرور بعض الوقت وجدت العربة تدخل قرية ما قريبة من قريتهم، ووقفت أمام أحد المنازل المهجورة، ليترجل الرجل الجالس أمامها وحدثها وهو يشهر سلاحه بوجهها:
- انزلي يلا يا حلوة خلاص وصلنا.
تلفتت حولها وهي تتحدث بفزع ليرتسم أمامها جميع السناريوهات المرعبة:
- أنزل فين؟
لم يترك لها مجالًا للحديث أكثر من ذلك فاقترب منها ممسكًا ذراعها بقوة ليرغمها على الترجل، ومعها طفلها، ودخلوا بهما إلى داخل البيت وفور ولوجها إلى الداخل استمعت إلى صوت تألفه يقول:
- حمدلله عالسلامة إيه موحشتكيش ولا إيه؟
❈-❈-❈
الفصل الحادي عشر
قربان
نظرت نحو مصدر الصوت مضيقة عيناها؛ لترى من هي صاحبته؟ فجحظت عيناها، وتتجمدت مكانها فور رؤيتها لها تخرج من إحدى الغرف المظلمة، تبتسم لها بخبث لطالما عهدته منها، فازدردت بخوف، وتندى جبينها بالعرق، وارتجف جسدها بقوة، ليرد على ذهنها جميع ما عاشته بسبب هذه المرأة، وما زاد من رعبها مشاهدتها لها وهي تقترب منهما مسلطة بصرها على طفلها، لتبدأ بالدوران حولهما بخطوات بطيئة بعثت في قلبها الفزع أكثر فأكثر خاصة فور سماعها لصوتها الذي يشبه فحيح الأفعى:
- إيه مش فاكراني ولا إيه؟ ليكي حق ما انتي من يوم ما قُضْيِتْ حاجتك وانتي محدش شاف وشك لا انتي، ولا حماتك، قلالات الأصل صحيح.
حاولت استجماع نفسها حتى تستطيع التحدث، ومعرفة سبب إحضارها لها إلى هنا، ولكنها فشلت في ذلك فخرج صوتها متقطع أقرب للتأتأة:
- شـ شـ شيخة صـ صباح.
اتسعت ابتسامتها لتكشف عن أسنانها الصفراء المثيرة للغثيان، وأماءت لها بتأكيد وهي تفرد زراعيها وكأنها تحثها على احتضانها:
- مفاجأة حلوة مش كدا؟!
ازداد ارتعاش جسدها وتمسكت بيد صغيرها أكثر وتحدثت باستفهام وهي تتلفت حولها بخوف:
- هو انتي جايبانا هنا ليه؟
- وحشتيني قولت أشوفك ولا أنا موحشتكيش.
قالت كلمتها الأخيرة وهي تميل برأسها ناظرة إليها بثبات وكأنها تنتظر إجابتها فنفت هالة برأسها سريعًا وأجابتها بتأكيد:
- لا إزاي وحشتيني طبعا، انتي صاحبة فضل عليا بعد ربنا وما ينكر الفضل إلا قليل الأصل.
انتابتها رجفة فور سماعها لكلماتها وكأنها أصيبت بماس كهربائي، فحدجتها بشر وهدرت بها بتأكيد:
- محدش صاحب فضل عليكي غيري أنا.
عقدت حاجبيها بتعجب من حديثها، وعقبت دون إرادة منها، ودون أن تدري أنها بذلك تثير غضبها أكثر:
- استغفر الله العظيم.
انقضت عليها تمسكها من تلابيبها مقربة وجهها منها لترى تحول البياض الذي بعينيها إلى اللون الأسود، مما جعل الدم يتجمد بعروقها خاصة فور سماعها لها وهي تصيح بها بصوت ذكوري غليظ:
- اخرسي، لو سمعتك بتقولي كدا تاني هتشوفي انتي وابنك اللي عمره ما كان يجي في بالكم إنكم تشوفوه فاهمة؟
قالت جملتها الأخيرة وهي تلقي بها بعيدًا، فوقعت أرضًا وهي تحرك رأسها لأعلى ولأسفل بحركات سريعة، حاول براء الاقتراب منها ولكنها هدرت في مساعديها بنفس صوتها الأجش وهي تشير نحوه:
- خدوا الواد ده بعيد عن هنا وحضروه.
صرخة عالية خرجت من هالة، وهي تراهم يأخذون طفلها الذي كان يبكى، ويقاومهم بشدة يريد الوصول إليها ولكن دون فائدة، فلقد كانوا أقوى منه، فنظرت نحو صباح بكره شديد وتحدثت بقهر وقلة حيلة:
- انتي عايزة مننا إيه يا ست انتي؟ وبتعملي معانا كدا ليه؟ احنا مأذيناكيش في حاجة حرام عليكي.
اقتربت منها ووقفت بجوار رأسها وتحدثت باستعلاء:
- متقدروش تئذوني في حاجة ولا حد في الدنيا دي كلها يقدر يئذيني.
أحنت رأسها قليلًا لتنظر إليها بتركيز، وكأنها تفكر في شيء، لترتسم على وجهها بسمة انتصار، وهي تراها تبكي بانهيار، لتستأنف ببرود وقد عاد صوتها طبيعي مرة أخرى لتيقنها من امتلاكها زمام الأمور:
- تحبي تعرفي أنا جيبتكم هنا ليه؟
تنبهت حواسها لحديثها، فرفعت رأسها تنظر إليها بتوسل دون أن تنطق، تخشى أن تثير غضبها إن تحدثت كما حدث منذ قليل، لتجدها تستأنف حديثها وبعينيها لمعة غريبة وكأنها قد ظفرت بما تريد:
- أنا جيبتكم هنا عشان انتوا وخصوصًا ابنك كنز، كنت بدور عليه من زمان.
قربت ما بين حاجبيها بعدم فهم، لتجدها تحرك رأسها لأعلى، ولأسفل، مؤكدة على حديثها وأردفت بحماس:
- متستغربيش أنا عرفتك من أول ما شوفتك، وعرفت إنك غير كل الناس، انتي عندك الهبة اللي بيها ممكن تتحكمي في البشر، وتفتحي كنوز الأرض، بس انتي مش حاسة بيها، أوبمعنى اصح محجوبة عنك، الهبة اللي اتنقلت لابنك، بس من حسن حظي إن محدش حجبها عنه، وقدر يشوف ويسمع اللي ورا الحجاب.
كانت تستمع إليها ببلاهة شديدة، لا تفقه شيئًا مما تقول، فعن أي هبة تتحدث هذه المرأة المجنونة؟ وما هذا الحجاب الذي يستطيع طفلها أن يرى، ويسمع ما خلفه؟ هل فقدت عقلها؟ أم ماذا؟ الكثير ن الأسئلة التي تدور بخلدها وهي تنظر إلى صباح فاغرة الفيه، جاحظة العينين، لتجدها تؤكد على حديثها وكأنها تستمع لما يدور برأسها:
- طبعا مش مصدقاني، وفاكراني بخرف صح؟ براحتك مش عايزة تصدقي انتي حرة، وأنا عذراكي، بس أنا عايزاكي تفتكري كدا وانتي صغيرة مين كان ديما بيقعدك على رجله، ويحط ايده على دماغك ويقول كلام مش مفهوم.
ضيقت عينيها بتركيز وكأنها تتذكر شيء ما، لتعود بذاكرتها لسنوات عديدة مضت، ما يقرب من الخمسة والعشرون عامًا عندما كانت جدتها والدة أمها تحرص دائمًا على أن تجلسها على قدميها، وتضع يديها حول رأسها متمتمة بكلمات غير مفهومة، وعندما كانت تسألها عما تفعله كانت تجيبها دائمُا بنفس الإجابة:
- برقيكي يا نضري.
أفاقت من ذكرياتها على صوت صباح التي كانت تحدثها بابتسامة مرعبة أشبه بابتسامة الشياطين:
- افتكرتي صح؟ أهو لما جتييلي مع حماتك عشان تحملي شوفت الهالة بتاعتك، وشوفتهم حواليكي بيحرسوكي، كنتي تحدي بالنسبالي، كنت عايزة انتصر عليهم، أصلهم مفيش بيني وبينهم عهد، هما من قبيلة مسلمة مبيعملوش عهود معانا، عشان كدا خدتك الترب ودخلتك التربة إياها، فاكراها؟
ارتسمت على وجهها ابتسامة شيطانية قبل أن تستأنف حديثها لتخبرها بما فعلت بها:
- أصل كان معمول فيها سحر عشان يحبس الحراس بتوعك ويبعدهم عنك على ما يحصل المراد.
عقلها لا يستطيع استيعاب ما تتفوه به هذه المرأة التي تشبه الشياطين بكل شيء، وعن أي مراد تتحدث تلك المعتوهة، فعقبت باستفهام، تريد أن تعرف ما ترمي إليه:
- المراد؟!
اتسعت ابتسامتها وهي تناظرها بانتصار لما استطاعت أن تفعله بها، فلطالما أرادت أن ترى ردة فعلها وهي تقص عليها ما فعلته، ولكن لم يتسنى لها ذلك، أما اليوم فقد حانت اللحظة التي لطالما انتظرتها طويلًا:
- آه يختي المراد انتي نسيتي مرادك يومها؟ مش كنتي عايزة تحملي؟ وهو ده اللي حصل، حضرت مارد على جوزك وخليته هو اللي يحط بذرته وكان الاتفاق إنه ياخد منك ابنه بعد الولادة، بس الواضح إن اللي حصل كان غير كدا، الواد بدل ما يبقى زي أبوه طلع زيك انتي، وورث الهبة بتاعتك والحراس بتوعك بقوا يحرسوه هو كمان ومنعوا أبوه ياخده، طبعا أنا معرفتش دا كله إلا من ست شهور بس لما ماتت حماتك، وخبر موتها انتشر في كل البلاد اللي حواليكم، سمعت زيي زي باقي الناس، وساعتها فهمت كل حاجة، وعرفت إن ابنك ده هو اللي بدور عليه بقالي كتير بس كان لازم استنى لما يتم السبع سنين عشان اعرف أحقق مرادي.
وضعت يديها على أذنيها وهي تحرك رأسها بجنون لا تصدق ما تسمعه أذنيها، لا تريد أن تسمع المزيد، ولم تستوعب ما قالته في نهاية حديثها، فلقد كانت كمن انفصل عن العالم، وأخذت تتمتم بهذيان وكأنها قد فقدت عقلها:
- لا، لا انتي أكيد بتكدبي يا ست انتي، أكيد بتكدبي، مفيش حاجة من دي حصلت، أيوة مفيش حاجة حصلت انتي كدابة.
كانت تهذي بهذه الكلمات والذكريات تتوارد نحو عقلها؛ لتستوعب ما حدث، ما الذي رأته في القبر، الهالة التي خرجت منها لتدافع عنها هناك، الحالة الغريبة التي كان بها قدري بعد زيارتهم لها في المرة الأولى، إصرارها على أن يقترب منها فور عودتها من المقابر رغم غيابها عن الوعي، منعه من الاقتراب منها طوال فترة الحمل، وما حدث له عندما حاول التقرب منها، كل هذه الأشياء تؤكد حديث هذه المرأة، ولكن عقلها يرفض تصديق ذلك، لتكمل هزيانها وهي تنظر إليها بكره شديد:
- انتي لا يمكن تكوني بشر، انتي شيطانة، شيطانة.
قالت كلمتها الأخيرة بصراخ وهي تنقض عليها تبغى خنقها، ولكنها لم تستطيع ذلك لوجود من حال بينهما، وهم رجالها المنتشرين بالمنزل، لينتابها حالة من الهياج، وحاولت التفلت منهم بأية طريقة؛ لتصل إليها، ولكنهم احكموا السيطرة عليها، ونجحوا في تقييد حركتها، وهي تصرخ بهم أن يتركوها، ولكن دون فائدة، وما زاد من هياجها رؤيتها لطفلها يخرج مع الرجال الذين دخلوا به، مرتديًا جلباب قصير نوعًا ما عليه حروف عربية ملونة، ويضع في رقبته قلادة تشبه التميمة، وهنا تذكرت ما قالته منذ لحظات عن احتياجها له، فانتابها فزع عليه، وحاولت التملص ممن يمسكون بها لكي تصل إليه، ولكن دون فائدة، وسمعتها تأمر رجالها بحزم:
- خدوه خلوه يتمشى في القاعة.
وبالفعل أجبروه على ذلك، ليجوب الغرفة ذهابًا، وإيابًا، إلى أن وقف في بقعةٍ ما شاعرًا بدوار شديد سقط على غِراره أرضًا، لتهرول صباح نحوه بفرحة عارمة مصدرة أوامرها بصرامة:
- شيلوه حطوه جمب أمه واحفروا في الحتة دي.
نفذوا أمرها دون نقاش، وضعوه بجوار والدته بعد أن تركها الرجال المقيدين لها، ليذهبوا للمساعدة في الحفر عدا أحدهم الذي وقف أمامهما شاهرًا سلاحًا ناريًا فوق رأسيهما، مهددًا إياهم ألا يتحركان من مكانيهما.
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة سمر إبراهيم، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية

❤️❤️❤️❤️