تم النشر في: 18 مايو 2026
قراءة رواية دماء ذهبية كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: دماء ذهبية
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة: سمر إبراهيم
الفصل الأخير
تم النشر يوم الإثنين
18/5/2026
النهاية
تحتضن صغيرها وهي ترتجف بشدة، لا تعلم ما الذي يدور حولها، وما الذي تنتويه هذه اللعينة لها ولطفلها، تدور بعينيها بكل اتجاه علها تجد مخرج مما هي فيه، ولكن دون فائدة فبرغم انشغال الرجال الموجودين بالحفر، إلا أن أحدهم يصوب ذلك السلاح الناري نحو رأسها، كما أن تلك الملعونة تجلس أمامهما ترمقهما بشر، وكأنها تتوعد لهما، لا تدري ما الذي فعلته لها لتكن لها كل هذا الكره؟ فعلى العكس تمامًا فهي من تأذت منها، وتدمرت حياتها بسببها، ولكن فيما يبدو أنها لم تنتهي من أذيتها بعد، ولكن هذه المرة معها طفلها، ولا تعلم إلام سيؤول مصيرهما.
لا تدري كم من الوقت قضته على هذا الوضع، ولكنه مر عليها وكأنه دهرًا، طفلها يسكن في أحضانها دون أن ينطق بشيء، كل ما يفعله هو النظر نحو صباح بثبات، فمنذ أن جاؤوا به إليها وهو لا يحيد بنظره عنها، يتآكلها القلق عليه لا تعلم كيف يمكنه أن يتخطى ما حدث؟ هذا إن فرضنا أنهما سيخرجان من هنا أحياء، فهي إلى الآن لا تعي شيئًا مما يدور حولها، أو علام يبحث هؤلاء.
انتبهت على صوت أحد الرجال الذي كان يصيح بإسم صباح بصوتًا متهللًا وكأنه قد حصل على غايته:
- يا شيخة صباح، يا شيخة صباح، تعالي بسرعة لقينا الباب.
انطلقت مسرعة نحوه لترى ما الذي وجد، لتنزل إلى داخل الحفرة التي صنعها رجالها، وماهي سوى لحظات إلا ورأتها تخرج بوجه متهلل، أخرجت هاتفها طالبة رقمًا ما، متحدثة بصوت يملؤه السعادة:
- أيوة يا باشا ببشر سعادتك خلاص لقينا الباب.
صمتت قليلًا لتستمع لما يقول وأجابت بخنوع:
- تحت أمرك يا باشا خلاص مش هنعمل أي حاجة إلا لما سعادتك تشرف إحنا في انتظار معاليك.
أنهت المكالمة ووجهت حديثها بحزم لأحد الرجال:
- الباشا جاي دلوقتي مش هنعمل حاجة إلا لما يشرف وبعدها نبدأ تشتغل.
أماء لها وذهب لباقي الرجال، أما هي فعادت حيث تجلس هالة وطفلها وحدثتها بابتسامة واسعة:
- بيضالك في القفص انتي وابنك، لو الموضوع عدا من غير أي عكوسات هتبقى طاقة القدر اتفتحتلنا كلنا
نظرت إليها بعدم فهم لا تعي شيئًا منا تقوله، ولكنها وجدتها تستأنف لتوضح لها ما تريد دون مقدمات:
- البيت ده تحته مقبرة فرعونية بقالنا شهور مش عارفين نوصلها الرصد بتاعها شديد، مفيش غير ابنك اللي عرف يحدد مكانها، لو عرف يفتحهالنا بقى يبقى زي ما قولتلك طاقة القدر وانفتحت للكل.
عجز عقلها عن استيعاب ما نطقت به فضيقت ما بين حاجبيها وعقبت بعدم فهم:
- انتي بتقولي ايه يا ست انتي؟ مقبرة إيه؟ وطاقة قدر إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة، وابني ماله ومال دا كله؟
انتبابها غضب طفيف من حديثها، ولكنها في مزاج رائق الآن فلقد اقتربت أخيرًا من أن تنال مرادها، لذلك قررت أن توضح لها كل شيء، فهي تحتاجهما بشدة، فنظرت إليها بوجه جامد لا تظهر عليه أية مشاعر، وحدثتها بإطناب:
- بصي كدا من الآخر انتي وابنك من اللي بيتقال عنهم زوهريين بس انتي زي ما قولتلك حد حصنك من وانتي صغيرة وقفل عنك الحجاب المكشوف عشان متشوفيش حاجة، أنا قدرت أخترق التحصين ده بس مش لوقت طويل، ورجع تاني بعد ما ولدتي ابنك اللي ورث منك كل حاجة بس هو مكانش فيه حد يحصنه، ابنك بيقدر يشوف الجن ويتواصل معاهم وهما بيحبوه ولما بيكون موجود في مكان فيه كنوز بيقدر يوصل لمكانها بسهولة، زي ما حصل من شوية، فكل المطلوب منه شوية دم نفتح بيهم باب المقبرة ويا دار ما دخلك شر، احنا هنستفيد، وانتي وابنك كمان هتستفيدوا، أظن محدش يقدر يقول للرزق لا، خصوصا وانتي بظروفك دي بعد ما جوزك طلقك ورماكي.
ما هذا الهراء الذي تقوله هذه المرأة الخرفة؟ هل أصيبت بلوثة عقلية جعلتها تصدق بأنها ستوافق على ما قالته وتضحي بصغيرها من أجل حفنة من المال؟ ثم من أين لها أن تعلم بشأن طلاقها؟ هل كانت تراقبها؟ أم ماذا؟
فطالعتها بغضب وهي تعقب برفض قاطع لجميع ما قالته:
- انتي مجنونة يا ولية انتي؟ انتي عايزاني أضحي بابني اللي بترجاه من الدنيا عشان شوية فلوس؟ أبوه بني آدم بق ولا من الجن الأزرق حتى، هيفرق معايا في إيه مهو في الأول وفي الاخر ابني اللي محيلتيش غيره.
ألقت كلماتها وهي تناظرها بتحدي رغم أنها في موقف لا يؤهلها لذلك ولكنها لن تفرط في صغيرها مهما كلفها الأمر.
عقبت صباح على حديثها ببرود ظاهري تغلف به غضبها من طريقة هالة معها، فهذه المرة الأولى التي يحدثها بها أحدهم بتلك الطريقة، فلقد اعتادت أن تأمر فتطاع، فمن هي حتى تقف أمامها هكذا؟ وهي من بكلمة واحدة منها تنهي حياتها، هي وصغيرها، ولكن مهلا فلكل حادث حديث، هي تحتاجهما الآن، خاصة إن نجحت في فتح المقبرة دون أن يتأذى الصغير، فإن استطاعت فعل ذلك سيكون هذا الطفل هو كلمة السر ومفتاحها نحو الثراء:
- ومين قالك إني باخد رأيك؟ انتي الظاهر نسيتي نفسك؟ ونسيتي أنا أبقى مين؟ واقدر اعمل فيكم إيه من غير استئذان؟ وبعدين مين قالك إنك هتضحي بابنك؟ كل الحكاية نقطتين دم مش هيئذوه في حاجة، نقطتين بس هيجيبوا ملايين وهتشوفي دلوقتي.
لم يسعفها الوقت بالرد عليها، فما أن همت بالتعقيب على حديثها حتى سمعت أحد الرجال يأتي مهرولًا، وهو يخبرها بلهاث:
- الباشا وصل يا ستنا.
انتفضت من مكانها وذهبت لاستقباله، وما هي سوى لحظات حتى رأت رجل يدخل، ومن خلفة أربعة رجال أشداء، من الواضح من هيئتهم أنهم حراسته الخاصة، رجلٌ يظهر عليه علامات الثراء بحلته باهظة الثمن، ولفافة التبغ الضخمة التي بين أصابعه، أخذ يتفحص المكان حتى وقعت عيناه عليها هي وطفلها بهيئتها الرثة الباكية، فعقد حاحبية، وحدث صباح وهو يشير نحوهما:
- مين دول.
أجابته دون تردد:
- دول مفتاح البوابة من غيرهم مش هنلاقي الكنز.
أماء لها بتفهم وحدثها وهو يشير بيده يحثهم على استئناف العمل:
- طب يلا ابدأوا.
هرول الجميع لتنفيذ أمره، وأمرتهم صباح بإحضار هالة، وطفلها، والتي حاولت مقاومتهم بشتى الطرق، ولكن دون فائدة، وأجبروها على السير معهم نحو الحفرة التي قاموا بحفرها، تقدمهم أحد الرجال بحذر وهو يمسك مصباح يدوي صغير لكي يضيء طريقهم، هبط بداخلها ليتبعه الجميع مستخدمين سلمًأ خشبيًا، ساروا بممر ضيق لا يسع لأكثر من شخص مما اضطهرهم إلى السير خلف بعضهم البعض ليزداد شعور هالة بالرعب خاصة بعد أن رأت على ضوء المصباح الخافت بعض الرسومات الفرعونية منقوشة على جدران الممر ولكنها لم تستطع التوقف فاستمرت في التقدم ببطئ وهي تتلفت حولها، وعيناها لا تتوقف عن زرف الدموع ، ليتوقفوا أمام باب مغلق علمت وقتها أن هذا هو الباب الذي سمعتهم يتحدثون بأنهم وجدوه منذ قليل.
وقفت صباح أمام الباب وأحضرت موقد صغير كان موضوع أمام الباب، وقامت بإشعال بعض الأخشاب به، ثم أخرجت من جيب عباءتها سُرَّة صغيرة مصنوعة من القماش وألقت بجميع ما بها في النار، وهي تتمتم بكلمات غير مفهومة لينتشر في المكان رائحة غريبة سعل الجميع غلى أثرها، فتحت جوالًا قماشيًا كان موضوع بجوار الموقد، وأخرجت منه قطة صغيرة سوداء اللون تصدر مواءً بصوت عالٍ لا يتناسب مع حجمها الصغير، أمسكت صباح القطة جيدًا، وذبحتها فاصلة رأسها عن جسدها دون أن يرف لها جفن، ثم قامت بتصفية دمائها في النيران المشتعلة، ليزداد اشتعالها حتى كادت أن تصل إلى سقف النفق، وبدأت تتمتم مرة أخرى حتى هدأت النيران، ثم نظرت لأحد الرجال وأمرته باقتضاب:
- حالًا.
فهم ما تريده دون نقاش، أحضر أربعة أحجار متساوية الحجم ووضعهم على الأرض على شكل مربع، لتبدأ صباح بتدوين بعض النقوش الغريبة على كل حجر وأمرته دون أن ترفع رأسها عما تفعل:
- هات الواد.
انتزعوه من أحضان والدته بالقوة حاولت مقاومتهم والتمسك به قدر استطاعتها، ولكنهم نجحوا في أخذه في النهاية بعد أن قاموا بتقييد حركتها، ووضع أحدهم يده على فمها حتى لا تصرخ، أعطوا الطفل لصباح التي أمسكت بيده وقامت بجرحها بنفس السكين الذي ذبحت به القطة لتنقط من دمائه على كل حجر من الأحجار الأربعة، وهي تتمتم بكلماتها رافعة رأسها للأعلى مغمضة عينيها وكأنها تناجي أحدًا ما، لتتثاقل أنفاس براء وشعر بضغط هواء شديد، وكأن هناك حجرًا يجثم على صدره، وصفيرًا بأذنيه لا يستطيع أن يتحمله، فوضع يديه عليهما وركع على ركبتيه وهو يحرك رأسه يمينًا ويسارًا بقوة يحاول تخفيف الألم الذي يشعر به، بدأت الأحجار الأربعة تهتز بشده وصوت تمتمات صباح يعلو تارة وينخفض تارة أخرى حتى توقف كل شيء فجأة، صوتها، الآلام التي شعر بها، سكونٌ تام بالمكان إلى أن قطعته صباح بإصدار أمرها لأحد رجالها:
- اطلع انده عالباشا من فوق عشان يحضر فتح الباب.
لحظات وكان الرجل يقف أمامها ينظر إلى الباب بعيون لامعة وعلى وجهه ابتسامة ظفر بعد أن رأى وجه صباح المبتسم الذي يخبره بأن كل شيء تحت سيطرتها.
أشارت لأحد رجالها لكي يتقدم لفتح باب المقبرة، نفذ أمرها على الفور ولكن ما أن لامسه حتى بدأت الأرض تهز بهم بقوة شديدة، والأتربة تتساقط عليهم وكأن النفق سينهار وهم بداخله، شعرت بالفزع وبدى وكأن الأمر قد بدأ يخرج عن سيطرتها، فعادت لتمتماتها مرة أخرى وأخذت تكررها حتى توقفت الأرض عن الاهتزاز، لتستمع لصوت الرجل الثري الذي تحدث بخوف:
- فيه إيه؟ مش قولتي إن كل حاجة تمام.
وضعت يدها على الباب، وكأنها تستمع لشيء ما، وأجابته بخوف:
- مقبلوش الترضية، الدم مكانش كفاية، دي مش مقبرة عادية، دي يا إما مقبرة ملك، يا إما كبير كهنة، عايزين ترضية كبيرة.
زفر الرجل بعنف وعقب بنفاذ صبر:
- والحل؟
ناظرته بابتسامة شيطانية وهي تجيبه بخبث:
- موجود، كله موجود متقلقش.
قالت كلمتها وهي ترفع يدها عن الباب وأشارت لرجالها بحزم:
- هاتولي الواد وأمه.
نظرت لها هالة بفزع لتستأنف حديثها وهي تحدجها بأسف مصطنع:
- معلش بقى يا هالة عمركم وخلص لحد هنا، كان نفسي نعمل مع بعض شغل أكتر من كدا، بس اللي حصل بقى، الرصد طالب دم كتير ودم ابنك لواحده مش كفاية.
صرخة مدوية خرجت منها وهم يلقون بها هي وطفلها عند أقدام هذه المرأة اللعينة فأمسكت بقدميها وأخذت تتوسل إليها بانهيار:
- أبوس إيدك بلاش ابني، لو لازم تدبحي حد ادبحيني أنا، أنا خلاص معتش باقية عالدنيا بس ابني لا، وحياة أغلى حاجة عندك سبيه.
هزت كتفيها بلامبالاة، وحدثتها ببرود إن دل على شيء فهو يدل على تحجر قلبها، وانعدام إنسانيتها:
- كان بودي بس دي طلبات الأسياد مقدرش أقولهم لأ، أنا نش قد غضبهم عليا.
قالت جملتها واقتربت من براء المنحني أرضًا وهي ممسكة بالسكين، لتقبض على شعره رافعة رأسه لكي تبدأ بذبحه هو أولًا، دون أن ينتابها ولو مثقال ذرة من الشفقة على هذا الصغير، أو على أمه الثكلى التي ستشهد ذبح طفلها أمام عينيها، ولكنها تراجعت بفزع فور رؤيتها لعينيه اللتان تحولتا للون الأبيض، كان ينظر إليها بثبات ثم استقام وبدأ يقترب منها وعلى وجهه ابتسامة مرعبة ليخرج منه صوت غليظ، أجش لا يخرج من طفل في مثل عمره بل لا يخرج من إنسيٍ من الأساس:
- إيه مالك خوفتي ليه ما تيجي تدبحيني.
حالة من الهرج والمرج سادت المكان وتجمدت هالة مكانها وانقطع صراخها فور رؤيتها لطفلها هكذا، أما عن صباح فكانت تتراجع إلى الخلف حتى اصطدمت بالحائط، وهي تتمتم بكلماتها الغريبة، مشيرة بكفيها نحوه لكي لا يقترب منها، ولكنه أبى ذلك واقترب أكثر وقد اتسعت ابتسامته وهو يتحدث بشر:
- إيه مبيردوش عليكي؟ سابوكي خلاص؟
كانت تتلفت حولها وهي تنادي بأسماء غريبة وكأنها تستنجد بكيانات من عالم آخر، ولكنها لم تجد استجابة لتستمع إلى نبرته المتهكمة:
- هو أنا مقولتلكيش؟ مش أنا حليت العهد اللي كان بينك وبينهم، وبقوا أحرار خلاص، معادش ليكي سلطة عليهم، وبالمناسبة دي هما عايزين يقولولك حاجة.
أنهى حديثه وهو ينظر يمينه، ويساره، وكأنه يرى أحدًا، وأشار بيده نحوها، فظهرت من العدم خيالات سوداء، وبدأت تحوم حولها، وهي تدور حول نفسها بهلع شديد جاحظة العينين تصيح بهزيان:
- انتوا بتعملوا ايه؟ احنا بينا عهد، انتوا خدامي أنا اهجموا عليه هو.
عندما يئست من تنفيذهم لأمرها، وأحست باقتراب أجلها نظرت للأعلى وكأنها تناجي أحدًا ما:
- إلحقني يا سيدي، تعالى انقذني منهم، أنا سجدتلك وانت وعدتني بالحماية، وعدتني بالخلود، وعدتني مفيش حد هيقدر يقف قصادي، يعني إيه بريء مني وموعدتنيش بحاجة، يعني إيه ملكش دعوة، بعد ما غويتني جاي دلوقتي تقول ملكش دعوة، وإنك بتخاف ربنا، يعني خلاص بتتخلى عني بعد ما ضيعتني، خلاص خلصت مهمتي ومعادش ليا لازمة؟ لا أنا مش هسكت، مش...
لم تستطع إكمال جملتها وأمسكت برقبتها وكأن هناك من يخنقها، تحشرج صوتها، وباعدت بين شفتيها وفكيها للغاية حتى يظن من يراها أن فكها سينخلع عن وجهها، بدأت الدماء تسيل من فمها بغزارة، وما هي سوى لحظات حتى انقطع لسانها وقُذَفَ به بعيدًا عنها، واقْتُلِعَت مُقلتيها عن محجريهما لتخر صريعة دون حراك، على مرآى، ومسمع من جميع الحاضرين الذين كانوا ينظرون إلى ما يحدث لها بذهولٍ، غير قادرين على الحركة، وكأنهم قد تجمدوا في أماكنهم، ولم يجرؤ أحدًا منهم على الاقتراب منها، أو يحاول إنقاذها.
❈-❈-❈
التفت نحو باقي الرجال ينظر إليهم بثبات بعيناه البيضاء، فهرولوا جميعًا محاولين الهرب من أمامه دون أن يهتم أحد منهم بالآخر، فكلٍ منهم يريد إنقاذ حياته ليس إلا، فهذا موقف لا يرى فيه الإنسان سوى نفسه فقط.
وفور هروبهم، وخلو المكان عداه هو ووالدته، عادت عيناه إلى طبيعتها، واقترب من أمه بهدوء باسطًا لها يده، وقد عادت ابتسامته البريئة ترتسم على وجهه مرة أخرى، وكأنه لم يكن سببًا فيما حدث الآن، وحدثها بصوته الطبيعي:
- متخافيش يا ماما كل حاجة انتهت وباب الشر اتقفل خلاص محدش فيهم هيقدر يعملنا حاجة تاني.
طالعته بخوف تنظر إلى وجهه تارة، وإلى يده الممدودة نحوها تارة أخرى، وأبت أن تمسك بها، اقترب منها أكثر يحاول طمأنتها فابتعدت عنه تلقائيًا بفزع وحادت بنظرها بعيدًا عنه، فطأطأ رأسه شاعرًا بخيبة أمل، فوالدته والتي كان يعتبرها جيشه الوحيد في مواجهة هذا العالم البائس ترفض أن تطالعه، وتخشى الاقتراب منه، فلم المكوث هنا إذن؟ فليذهب إلى حيث ينتمي بعيدًا عن بني البشر، فإن كان منبوذًا هنا فهناك من يرحب بوجوده دون قيد أو شرط.
أولاها ظهره وهم بالرحيل ولكنه تفاجأ بيد توضع على كتفه، التفت ليجدها والدته تنظر إليه وعيناها تغشاها الدموع، ودون أن تنطق بشيء أخذته في أحضانها، ودون إرادة منه أجهش بالبكاء، فضمته بشدة وبكت هي الأخرى، فحتى وإن كان غير بشري فهو بالأخير فلذة كبدها الذي أتاها بعد سنوات من الانتظار، ولن تتركه الآن مهما حدث.
مسحت دموعها وربتت على ظهره بحنانها المعتاد ورفعت رأسه ماسحة دموعه وحدثته بابتسامة:
- ششش متعيطش كله هيبقى تمام طول محنا مع بعض، وأنا عمري ما هسيبك مهما حصل طول ما جوايا نفس.
دفن رأسها بأحضانها وشدد من عناقها وكأنه يحتمي بها من كل شيء، أما عدهي فأخذت تمسح على ظهره تاركة إياه يطلق العنان لمشاعره ويخرج جميع ما يجسم على قلبه الصغير فلقد واجه ما لا يتحمله أحد منذ يوم مولده وحتى اليوم، وعند تذكرها ما حدث اليوم رفعت رأسها للأعلى تشكر ربها على نجاتهما من الموت المحقق، وتدعوه أن يحفظ صغيرها من شر نفسه وشرور جميع من حوله من بشر وجان.
خرجا من المنزل وهي تمسك بيده بشدة عازمة على حمايته من الجميع مهما كلفها الأمر، لتزفر بقوة وهي تتسائل بينها وبين نفسها ترى هل أُقْفِلَ باب الشر بالفعل كما أخبرها؟ وأنهما بأمان الآن، أم أنه مع الوقت سيُفتح عليهما أبواب أخرى لن يستطيعون غلقها؟ وهذا ما ستعرفه مع الأيام، أما الآن فيكفيها أنها هي وطفلها بأمان ولكل حادث حديث.
تمت بحمد الله
إلى حين نشر الرواية الجديدة للكاتبة سمر إبراهيم، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية

❤️❤️❤️