رواية جديدة دماء ذهبية لسمر إبراهيم - الفصل 9 - الإثنين 11/5/2026

تم النشر في: 9 مايو 2026

قراءة رواية دماء ذهبية كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية: دماء ذهبية 

رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات

الكاتبة: سمر إبراهيم 

الفصل التاسع

تم النشر يوم الإثنين 

11/5/2026

لم يكن حلمًا




لا يتذكر أنه شعر بالفزع يومًأ فور رؤيته لهم فلقد جَبُلَ على رؤيتهم منذ فتح عيناه على هذه الحياة، يحيطون به، يداعبونه، يلعبون معه، وجد بهم ما افتقده من بنوا جلدته الذين تجنبوه دون أن يدري سببًا لذلك.

يذكر نفور أبناء عمومته منه ورفضهم اللعب معه، كان يحزن في البداية ولكنه مع الوقت وجد الأُنْس في غيرهم، اعتاد أن يذهب معهم إلى عالمهم خاصة في عيد مولده، أخبروه بأنه ينتمي إليهم وكانوا ينادونه بإسم آخر غير الاسم الذي اعتادت عائلته مناداته به "آبر" هذا هو اسمه في العالم السفلي وهو عكس اسمه في عالم البشر فلو عكسنا حروفه يصبح براء لا يعلم سبب اختياره لكي يصبح حلقة وصل بين عالمين وهل هذه نعمة أم نقمة كل ما يعرفه هو أنه كان يريد أن يحيى حياة طبيعية كغيره من الأطفال وهو ما لم يحصل عليه.

يذكر يوم عيد مولده الخامس عندما ذهب إلى العالم السفلي وحاولوا أن يجعلوه يبقى معهم إلى الأبد ولا يعود إلى عالم البشر مرة أخرى ولكنه أبى ذلك، وبكى بشدة فبرغم كره الجميع له إلا أنه لا يستطيع أن يفارق والدته؛ فهي الوحيدة التي يشعر بحبها في هذا العالم، ولا يريد أن يجعلها تتألم لفراقه، فبرغم صغر سنه إلا أنه يستطيع أن يفرق بين من يحبه بصدق ومن يدعي ذلك.

أما عن والده فلا يوجد له وجود في حياته، لا يحمل له الكثير من المشاعر، لا يذكر يومًا أنه قد احتضنه، أو لعب معه، أو حتى اشترى له لعبة كما يفعل الآباء مع أطفالهم، فجميع مسؤولياته ملقاة على عاتق والدته وحدها، لا يملك مشاعر تجاهه سلبًا كانت أو إيجابًا، لا يشعر بالانتماء في هذا العالم سوى لها فقط، ولا يريد مفارقتها لأي سبب من الأسباب، لذلك تركوه ورغبته وأخبروه بأن الأمر متروك له متى رغب في الحياة معهم فله ذلك أنَّ شاء.

سمع كثيرًا بأنه كان السبب في موت جده وأنه هو ما أخبر الجميع بوفاته لا يذكر ذلك فلقد كان صغيرًا للغاية وقتها ولا يعلم كيف لطفل لم يتجاوز العامين أن يكون سببًا في وفاة أحدهم ولكنهم أجمعوا على ذلك ودائمًا ما يخبروه به خاصة بعد تكرار الأمر وتنبؤه بالعديد من الأشياء والتي انت تحدث بالفعل، كل ما يعلمه أن هناك صوت يأتي بداخل عقله يخبره بما سيحدث، وهو كطفل بريء كان يخبرهم بما يعلم، ولكنه مع الوقت عزف عن قول شيء ولم يعد يخبر أحد بما يعلم وآثر الصمت والعزلة، وعلى الرغم من ذلك لم يسلم من أذى الجميع خاصة الأطفال الذين لم يكونوا يفوتون فرصة دون السخرية منه وإيذاءه بشتى الطرق ولكنهم امتنعوا عن إيذاءه تدريجيًا خاصة بعد تعرض كل من يؤذيه لضرر مشابه لما يفعله له أو ربما يفوقه بكثير.
لا يستطيع نسيان ما حدث لابن عمه سليم عندما حاول أن يوقعه من أعلى الدرج ولكنه استطاع الإفلات منه بصعوبة شديدة لا يعلم كيف حدث ذلك كل ما يعرفه أنه شعر وكأن هناك من حمله بعيدًا حتى لا يقع، ولكن ما حدث في اليوم التالي هو الأغرب على الإطلاق فلقد وقع سليم من نفس المكان دون أن يعلم أحدًا سببًا لذلك، وتكرر الأمر أكثر من مرة حتى أصبحوا جميعا يخشون إيذاءه أو حتى التحدث معه.

اليوم هو يومه الأول في الذهاب إلى المدرسة ولكنه على عكس جميع الأطفال غير متحمس لذلك ولا يريد الذهاب، يخشى أن يستمر معه مسلسل الاضطهاد والتنمر خاصة وأن أبناء عمومته معه في نفس المدرسة، ويعلم أنهم لن يتركوه وشأنه خاصة سليم الذي يكرهه بشدة دون أن يعلم سببًا لذلك.

يتسطح على فراشه زافرًا بضيق لا يريد النهوض ينظر أمامه دون حراك ولكنه أغمض عيناه سريعًا متصنعًا النوم فور رؤيته تحرك مقبض الباب متيقنًا من قدوم والدته لإيقاظه للذهاب إلى المدرسة، استمع لصوت خطواتها تقترب من فراشه وشعر بها تجلس بجواره وهي تتحدث بحماس:

- براء اصحى أول يوم مدرسة، أول يوم مدرسة.
كانت تقلد صوت السمكة نيمو في ذلك الفيلم الشهير لتوقظه ولكنه أبى أن يفتح عيناه، تعلم أنه يتصنع النوم ترى ذلك من حركة عيناه المغلقة فقربت يدها منه تربت على كتفه وتمسح على رأسه بحنان:

- اصحى يا حبيبي هتتأخر عالمدرسة والنهارده لسة أول يوم.

فتح عيناه بوجه عابس وزفر بضيق وهو يتحدث بطفولية مربعًا يديه أمامه:
- مش عايز أروح المدرسة خليني معاكي هنا.
تنهدت بحيرة تعلم سبب مخاوفه ولا تعلم ما الذي يمكنها فعله حتى تجنبه ذلك الإحساس لقد حاولت كثيرًا أن تقربه من أطفال العائلة ولكنها فشلت في ذلك جميعهم إما يخافون منه أو يتجنبونه ولقد تحدثت مع سلفتيها كثيرًا لكي يؤثرا على أولادهما ولكن دون فائدة فهما من كانتا يمنعونهم من الاقتراب منه خاصة بعد حادثة سليم واتهامه لبراء بأنه هو من تسبب بها أما عن زوجها فحدث ولا حرج لقد تعبت من كثرة حديثها معه عن ضرورة تقربه منه ولكن دون فائدة، حتى جدته والتي كانت تحبه وهو صغير وتميزه عن الجميع تغيرت معاملتها معه بعد وفاة زوجها وأصبحت تتعامل معه بجفاء وتميز باقي الأطفال عنه.

طالعته بابتسامتها الهادئة وهي تعقب بهدوء علها تستطيع إقناعه بالذهاب فلا تريد إجباره على شيء حتى لا يأتي الإجبار بنتائج عكسية:

- طب وعشان خاطر ماما حبيبتك.

لم يعقب واكتفى بتحريك كتفيه علامة على رفضه فمدت شفتها السفلى وعبست بوجهها متصنعة الحزن تعلم بأنه لا يستطيع رؤيتها حزينة وبالفعل وجدته يقترب منها واضعًا يديه حول وجهها وحدثها ببراءة وهو يبتسم:

- طب خلاص هروح متزعليش بقى.

احتضنته بشدة وحدثته بحب وهي تربت على ظهره:

- حبيبي الحنين اللس مبيهونش عليه زعل ماما يلا بينا عالحمام علشان نلحق بدل ما نتأخر.

قالت جملتها وهي تحمله متجهة به نحو المرحاض وما هي سوى بضع دقائق وكانت تهبط به على السلم وهي تمسكه بيد وتحمل حقيبته باليد الأخرى لتجد وفاء واقفة أمام شقتها تضع إحدى يديها بخصرها واليد الأخرى على عارضة الباب وتحدثت وهي تناظرها بازدراء:

- على فين العزم من صباحية ربنا كدا يا معدولة.

حمحمت وهي تقبض على يد صغيرها بشدة وكأنها تستمد منها القوة وأجابتها بصوت مرتعش:

- ولا حاجة يا ماما دنا، دنا رايحة أودي براء المدرسة النهاردة أول يوم.

لوت شفتيها بحركة سريعة يمينًا ويسارًا وعقبت بعدم رضا:
- وتوديه ليه يختي ما تسبيه يروح مع عيال عمه ولا خايفة عليه يتوه ولا يتخطف؟ متخافيش ابنك ده عامل زي القرش الماسح محدش هيقرب منه.

قالت جملتها الأخيرة وهي تنظر إليه من أعلى لأسفل ليختبئ بحضن والدته كما يفعل دائمًا عندما يشعر بالخوف عند سماعه لصوت جدته الجاف والمثير للزعر فربتت على ظهره بحنان لتطمئنه وهي تجيبها:

- معلش أول يوم والواد هايب المدرسة هوديه وهرجع علطول.

- ماشي يختي روحي وديه وتعالي علطول حسك عينك تتأخري عندنا شغل كتير النهاردة وخليكي كدا دلعي فيه عمال على بطال، والنبي ما حد هيخسر الواد دا ويتلف أمله غيرك.

ألقت عليها كلماتها السامة وهي تشيح بيدها واستدارت لتدخل شقتها مغلقة الباب في وجهيهما بقوة فانتفض جسديهما وأخذته لتذهب به مسرعة نحو المدرسة حتى لا ينالها عقاب حماتها ففيما يبدو أن اليوم لن يمر على خير.

❈-❈-❈

يجلس بمفرده بعيدًا عن زملائه يناظرهم وهم يلعبون بصمت ليشعر وكأنه غير مرئي وهذا ما يريده بالفعل.

كاد أن يمر اليوم بسلام لولا قدوم سليم ليقف أمامه وهو في فناء المدرسة ومعه بعض زملائه، يحدق به بكره لا يعلم سببه فهو لم يتعمد أذيته قط بل على العكس فهو من يتعمد إيذاءه بشتى الطرق.

حاول المضي قدمًا وعدم الوقوف أمامه ولكن الآخر أبى ذلك وأوقفه وهو يحدجه بشر:

- على فين كدا؟ ما تيجي تلعب معانا.

حاد بعيناه عنه وأجابه بتلعثم وهو يحاول التحرك بعيدًا عنه ليستطيع الآخر رؤية علامات الزعر البادية عليه بسخاء:

- لا، لا شـ شكرًا مش عايز ألعب.

كاد أن يتحرك بعيدًا عنه ولكنه حال دون ذلك ليقف أمامه وعلى وجهه ابتسامة خبيثة:

- إيه خايف ولا إيه؟

حرك رأسه يمينًا ويسارًا بحركات متتالية وعجز لسانه عن النطق لتزداد ابتسامة سليم وهو يدفعه ليقع أرضًا وتقدم نحوه محاولًا ركله ولكنه تعركل ووقع هو الآخر متلفتًا حوله بذعر وكأن هناك من دفعه ليقع فشعر بالزعر خاصة عندما رأى جمع أصدقائه يركضون مبتعدن عنه وهم يصيحون بزعر:
- اجري ياد انت وهو مالناش دعوة الواد ده ملبوس بصحيح دا وقع سليم من غير ما يلمسه.

استقام براء وهو يَنْفُضْ التراب عن ملابسه ومد يده ليساعد ذلك الواقع أمامه عله يمتنع عن مضايقته إن بادر هو بالسلام ولكنه أبى ذلك وأشاح بوجهه بعيدًا عنه، فاستدار وسار مبتعدًا عنه وهو متيقن بأنهما أبدًا لن يصيرا أصدقاء مهما حاول ذلك.

❈-❈-❈

ذهبت لتأخذه من المدرسة بعد انتهاء اليوم الدراسي ليخيب أملها فور رؤيتها له خارجًا متهدل الأكتاف لم يوجه لها حديثًا وكأنه يلومها على جعله يذهب إلى هذه المدرسة.
يسير جوارها ممسكًا يدها بقوة وكأنه يخشى من شيء، كان قلبها يتقطع على رؤيته بهذه الحالة ولكنها حاولت أن تحثه على الحديث علها تعرف سبب صمته هذا فحدثته بمرح مصتنع وابتسامة زائفة لم تلامس عينيها:

- ها احكيلي عملت ايه في المدرسة النهاردة؟

عقب باقتضاب دون أن ينظر إليها:

- كويس.

حاولت الحفاظ على ابتسامتها وعدم إظهار غيظها من رده المقتضب:

- اتعرفت على أصحاب طيب ولعبت معاهم ولا إيه.

لم يعقب واكتفى بصوت طأطأة يخرج من فمه لتزفر بضيق حاولت إخفاؤه ولكنها فشلت في ذلك فآثرت الصمت حتى وصلا إلى المنزل وفور دخولها استمعت لصياح حماتها الذي يصم الأذن ويُسْمِع جميع من بالمنزل بل والمنازل المجاورة أيضًا:

- هو احنا هنسيب اللي ورانا واللي قدامنا علشان المحروس ابنك ولا إيه؟ دا شوية رايحة أودي الواد المدرسة، رايحة أجيب الواد من المدرسة، إيه يختي محدش اتعلم وراح مدارس إلا هو ولا إيه؟ اعملي حسابك معنتيش هتروحي معاه تاني ويروح لواحده زيه زي عيال اعمامه بلا دلع ماسخ.

كان يقف ينظر إليها بغضب شديد فدائمًا ما يراها تصيح في وجه أمه دون سبب فلقد اعتاد على رؤية والدته تبكي بسبب تلك المرأة لا يعلم لم تكرهها هكذا ودون إرادة منه وقف أمامها ليصرخ بغضب تحركه مشاعره الغاضبة لأجل أمه دون أن يدرك عاقبة ذلك:

- وانتي مالك انتي بتزعقيلها كدا ليه متزعقلهاش تاني.

شهقة فزع خرجت من فم هالة فور سماعها لحديث طفلها خاصة عندما رأت وجه وفاء وشرارات الغضب تتطاير منه فحدثته بلهجة حازمة:

- عيب يا براء اللي انت بتقوله ده محدش يكلم جدته بالطريقة دي اتفضل اعتذر منها وبوس إيدها.

لم يطفئ حديثها نار غضب وفاء بل على العكس من ذلك لقد ازداد وعقبت بصراخ اجتمع على أثره جميع من بالمنزل:

- هو ده اللي انتي قدرتي عليه مهو هستنى إيه من واحدة خرعة زيك مش عارفة تربي حتة عيل، لو انتي مش عارفة تربيه أنا بقى اللي هربيهولك من هنا ورايح.

أنهت حديثها بصفعة قوية نزلت على قلب هالة قبل أن تنزل على وجه طفلها لتشعر بخدر يسري بسائر جسدها وكأن هناك من يشل حركتها وقبل أن تنطق أو تحاول أن تبدي أي ردة فعل سمعتها تستأنف حديثها وهي تمسك بتلابيبه تهزه للأمام والخلف:

- بقى انت يا كلب بترفع صوتك عليا وتقولي اعمل إيه ومعملش إيه دا انت يومك أسود النهاردة دا مفيش عيل من عيالي اللي بقوا رجالة وكل واحد فيهم فاتح بيت طويل عريض  يستجري يرفع عينه فيا مش صوته تيجي انت يا اللي لسة مطلعتش من البيضة تعمل كدا أستلقى وعدك مني.

قالت ذلك وسحبته خلفها وسط توسلات هالة بأن تتوقف وتترك ابنها ولكن دون فائدة لتجدها تدخل به إحدى حجرات البيت المخصصة لجمع الأشياء غير الهامة فيما يعرف بغرفة الكراكيب وأغلقت الباب خلفها ولم تلتفت لطرقات هالة على الباب، ولكنها سرعان ما فتحت الباب وخرجت مهرولة وهي تهذي بكلمات غريبة لم تفهم منها شيء:
- العفو والسماح، العفو والسماح يا سيادنا معدتش هتتكرر تاني ولا تئذوني ولا أذيكم العفو والسماح.

كانت تردد تلك الكلمات وهي متجهة نحو غرفتها وسط ذهول الجميع الذين وقفوا ينظرون لبعضهم البعض تارة وإلى الغرفة التي بها براء تارة أخرى دون أن ينطقون بكلمة واحدة وعلامات الزعر بادية عليهم، ليجدون هالة تدخل الغرفة بحذر لتجد طفلها يجلس أرضًا وبجواره حبل وعصاة ملقيان على الأرض بإهمال وهو ينظر أمامه بثبات دون حركة وكأنه تمثال من الشمع فاقتربت منه ببطئ وعيناها لم تتوقف عن زرف الدموع التي تغرق وجهها، جلست أمامه ومدت يدها لتضعها على كتفه ليفزع وينظر إليها بتأهب فشعرت ببعض الخوف من نظراته الغريبة إليها ولكنها سرعان ما نحَّت خوفها جانبًا وقربته منها لتحتضنه بشدة وهي تبكي فوجدته يربت على ظهرها بطريقة لم تعهدها عنه من قبل وحدثها بنبرة غريبة:

- متخافيش مش هتعملنا حاجة تاني.

فرقت عناقهما وهي تنظر إليه بدهشة من طريقته الغريبة عليها لتجده يبتسم إيها ابتسامة مريبة واستقام ليسير بآلية دون أن يلتفت لأحد خارجًا من الشقة ليصعد الدرج متجهًا نحو شقتهم وسط ذهول الجميع ممن كانوا يراقبون الموقف بصمت لا يستطيعون استيعاب أي مما يحدث، فصعدت خلفه لترى ما به غير مبالية بما حدث لحماتها فابنها الاهم بالنسبة لها وليذهب الجميع إلى الجحيم لم يعد يعنيها ذلك.

❈-❈-❈

ظلت حبيسة غرفتها طوال اليوم رغم محاولات الجميع لإخراجها ولكنها أبت ذلك ليجن جنون قدري فور علمه با حدث فصعد شقته غاضبًا وصاح مناديًا عليها:
- انتي يا ست هانم؟ انتي فين؟

خرجت من غرفة طفلها مغلقة الباب خلفها بهدوء حتى لا يسمع أو يرى ما سيدور بينهما فهي تتوقع ردة فعله هذه على ما حدث فمن المؤكد أنهم قصوا عليه ما حدث بطريقتهم فيكفي طفلها ما عايشه اليوم فهو لم ينطق بحرف منذ صعوده من الأسفل بالرغم من محاولاتها العديدة لجعله يتحدث ولكن باءت جميعها بالفشل.

اقتربت منه وحدثته بحاجبين معقوين:

- ايه مالك داخل بزعابيبك وبتزعق كدا ليه؟

ازداد غضبه من برودها حتى أحس بفوران الدماء بداخل رأسه فصاح بها وقد نفرت عروقه واحمر وجهه من شدة الغضب:

- يخربيت برودك يا شيخة وكمان بتسألي بزعق ليه بعد اللي عملتيه في أمي انتي وابنك وكمان طلعتي فوق من ساعتها ولا همك تطمني عليها ولا تعرفي ابنك عملك فيها ايه؟!

لم تبدِ ردة فعل لصياحه الذي اعتادته وأجابته بنفس هدوءها الذي أشعل غضبه أكثر:

- أنا معرفش هما حكولك إيه تحت عشان تطلع عامل كدا بس ولا انا ولا ابني غلطنا في أمك هي اللي قعدت تزعق وضربت ابني من غير سبب وانا معرفش إيه اللي حصلها اصلًا.

أنهت حديثها واتجهت نحو غرفة طفلها تاركة إياه جاحظ العينين فاغر الفيه لا يصدق أذنيه هل تحاول إصابته بجلطة ما ببرودها هذا لينتبه على دخولها الغرفة وغلقها الباب خلفها فصرخ بصوته الجهوري لكي تسمعه:

- وربي يا هالة لو أمي جرالها حاجة ما هيكفيني فيها روحك انتي وابنك.

أنهى حديثه وغادر صافعًا الباب خلفه لتقف خلف باب الغرفة وهي تضع يدها على صدرها تربت عليه بلطف علها تهدئ من ضرباته المتسارعة نعم تظاهرت بالبرود أمامه ولكن بداخلها يحترق خوفًا مما هو آتٍ تخاف على طفلها وما يحدث له كما تخشى بطش زوجها وحماتها خاصة بعد ما حدث اليوم.

اقتربت من صغيرها الذي يغط بنومٍ عميق، تسطحت بجواره وقامت بتغطيته جيدًا وهي تنظر إليه بقلق لا تعلم ما الذي تخبئه الأيام لهما لتلاحظ أنه يتصبب عرقًا رغم برودة الجو وفجأة وجدت جسده يتشنج ويحك رأسه يمينًا ويسارًا وكأنه يرى كابوسًا مزعجًا فضمته إلى صدرها وأخذت تمسح على  ظهره بحنان وهي تقرأ في أذنه بضع آيات من القرآن الكريم وترقيه الرُقية الشرعية حتى هدأ وعاد للنوم مرة أخرى ليغلبها النوم هي أيضًا دون إرادة منها.

❈-❈-❈

تنظر بذهول وهي ترى نفسها تقف ومعها طفلها وأمامها حماتها التي تصفع ابنها أمامها وكأن المشهد يعاد مرة أخرى وه تشاهده كالمتفرج الذي يشاهد فيلمًا سنيمائيًا أمامه، رأتها وهي تسحبه نحو الغرفة وتغلق الباب ورأت نفسها وهي تبكي وتطرق على الباب بقوة، ولكن الغريب أنها استطاعت الدخول معهما ورؤية ما يحدث داخل الغرفة وكأنها الآن بداخل جسد أثيري وليس جسدها المادي.

رأت براء ملقى على الأرض وحماتها تحضر حبلًا وعصاة كانا دخل الغرفة واقتربت منه وهي تحدثه من بين أسنانها وعيناها تقدح شررًا:

- بقى انت يا كلب بتعلي صوت عليا دا لا عاش ولا كان اللي يعمل كدا دنا أقتلك وأدفنك مكانك ومحدش يقدر يفتح بوقه.

الغريب في الأمر هو ثبات براء وعدم خوفه منها كان ينظر إليها بثبات وكأنه غير مهتم بما تقوله وهو ما أغضبها أكثر وجعلها ترفع عصاتها لتضربه بها وهي تتحدث بغل:

- بقى انت مش هامك اللي هعمله فيك طيب.

كادت أن تنزل بالعصى على جسده ولكنها سرعان ما توقفت يدها في الهواء وارتعدت خوفًا وهي تراه ينظر إليها وقد تحول اللون الأسود في عينيه إلى اللون أبيض وشعرت برعشة تجتاحها فور رؤية العديد من الخيالات التي ظهرت من العدم وأحاطت به وكأنها تحميه منها لتتجمد مكانها للحظات مرت عليها كأنها ساعات كانت تقف كتمثال من الشمع رافعة يدها الممسكة بالعصى وممسكة بالحبل باليد الأخرى عيناها جاحظتان تكاد تخرج من محجريها تزدرد ريقها بصعوبة شديدة وهي تراهم يقتبرون منها لا ترى ملامحهم هم فقط مجرد خيالات سوداء وفي لحظات تحررت من حالة التجمد التي انتابتها لتلقي ما بيديها وتهرول خارج الغرفة وهي تهذي بكلماتها التي قالتها من قبل ولكن الغريب أن الخيالات لم تختفي ولم تظل حول براء بل لحقتها إلى غرفتها المغلقة وكأن عقابها على ما فعلته لم ينتهي بعد.

تبدل المشهد أمامها لترى الظلام يحل والمنزل يعمه السكون ورأت زوجها نائمًا على إحدى الأرائك التي في الصالة والمواجهة لغرفة والدته ووجدتها تفتح الباب ببطئ شديد وهي تنظر بحذر هل يراها أحد أم لا وابتسمت بخبث هي ترى ابنها نائمًا عندها لتشعر وكأن مهمتها قد سهلت عليها لتتجه نحو المطبخ بحذر دون أن تصدر صوتًا وفور ذهابها ورائها وجدتها تمسك بعبوة بلاستيكية كبيرة الحجم لها غطاء يستخدمونه لحفظ مادة تساعد على الاشتعال "الجاز" وأمسكت بعلبة أعواد الثقاب وتحدثت لنفسها بتوعد:
- أني اللي بدأت الحكاية وأني اللي راح أنهيها بمعرفتي.

قالت جملتها واتجهت نحو باب المطبخ ولكنها تفاجأت بظهور الخيالات السوداء من حولها مرة أخرى ليحيطون بها من كل جانب وهي تدور حول نفسها بهلع حاولت الصراخ ولكن صوتها أبى أن يخرج لتجدهم يمسكون العبوة من يدها وقاموا بسكبه عليها وما هي سوى لحظات واشتعلت النيران بها وهنا خرجت صرخاتها وهي تهرول خارجة من المطبخ مشتعلة بالكامل ليستيقظ قدري من نومه فزعًا من صوت صراخها، فوجدها مقبلة نحوة بهذه الحالة ليصاب بالفزع وأخذ الغطاء الذي كان يتغطى به محاولًا أن يطفئها ولكنه فشل بذلك واحترقت يداه فأخذ يصيح مناديًا على إخوته الذين هرولوا بالهبوط ليجدوا والدتهم وكأنها قطعة من اللحم المحترق لم تنطفئ عنها النيران إلا بعد أن أكلت جسدها بالكامل.

❈-❈-❈

استيقظت فزعة وهي تتلفت حولها بجنون مرددة عبارات الاستغفار لتدرك بعد لحظات بأن هذا كان مجرد حلم فهدأ روعها قليلًا وأخذت زجاجة المياه الموضوعة بجوار الفراش لترتشف بضع قطرات منها وهي تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم وحاولت تنظيم أنفاسها وهي تضع يدها على صدرها ولكن سرعان ما دب الرعب في أوصالها فور سماعها لصوت زوجها فانتفضت عن الفراش وارتدت عباءتها بأقصى سرعة ممكنة وهبطت مسرعة للأسفل لتتجمد مكانها فور رؤيتها لحماتها وهي جثة محترقة على الأرض والجميع حولها يصرخون لتدرك بأن ما رأته لم يكن حلمًا بل هو رؤية لما حدث بالفعل.
التالي

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة سمر إبراهيم، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة‏

1 تعليقات

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل