تم النشر في: 11 مايو 2026
قراءة رواية ظلها في قلبه كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية ظلها في قلبه
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة علا السعدني
الفصل السادس عشر
تم النشر الإثنين
11/5/2026
جلست (چوليا) أمام شاشة التلفاز، عيناها تتابعان المشهد بفتور، ولكنها منتظرة عودة (معتصم)، لقد أخبرها أن لديه حديثًا مهمًا، يريد أن يحدثها به حتى قاطع ضجيج أفكارها صوت باب الشقة وهو يفتح، خفق قلبها بقوة، فلم تعد تفهم سبب ذلك الشعور الغريب الذي بدء يتسلل إلى قلبها ولا تعلم سببه ربما لأنه لا يهتم بها أو جمالها، ربما لأنه لا ينظر إليها بنظرات لا تليق، بل أنه مخلصًا لحبيبته المصرية تلك، تمنت لو أن أحدهم احبها كم يحب (معتصم) خطيبته ..
فرفعت عيناها تجاهه فقد اشتاقت إلى ملامحه منذ الصباح ولكنها فوجئت به عابس الوجه، وقد بدا عليه الحزن بوضوح، شعرت بوغزة فى قلبها، فسألته بنبرة يكسوها الأهتمام
- ماذا حدث؟ لماذا ذلك العبوس الذي يعتلي وجهك؟
أخذ (معتصم) نفسًا عميقًا، ثم جلس على الأريكة إلى جانبها، وبدأ يروي لها القصة التي أخبرها بها (فابيو)، صُدمت (چوليا) بشدة، فلم تستطع تصديق حجم الكارثة التي انكشفت أمامها، فرفعت يدها لتغطي فمها، ثم همست
- لم أتخيل أن الأمر خطير إلى هذه الدرجة
زفر (معتصم) بضيق، وقال
- حتى أنا (چوليا) لم أتخيل أبدًا أن الأمور وصلت إلى هذه الخطورة لكن .. ماذا سنفعل الآن؟
نهضت (چوليا) من مكانها، كانت عينيها تلمعان بعزيمة وتصميم، وقالت بحزم
- لن أترك هؤلاء الأطفال رهائن بين أيدي هؤلاء الأوغاد .. سأفعل كل ما بوسعي لإقصاء هذه العصابة من الملجأ ..
❈-❈-❈
عاد (مالك) من عمله متأخرًا كعادته، بدا المنزل هادئًا يبدو أن (آسر) لم يعد بعد من سهراته، خلع حذاءه بهدوء، ثم اتجه نحو غرفة شقيقه، توقف أمام غرفة شقيقه، ثم فتح الباب بهدوء، وجد الفراش ما زال كما تركه في الصباح، لم يُمس بدا وكأن أحدًا لم يقترب منه قط، همّ بالخروج، إلا أنه رأى ظل أحد ما على الأرضية، فالتفت ببطء ..
تجمّدت أنفاسه حين رأى (آسر)، جالسًا في أحد أركان الغرفة، ركبتيه عند صدره، ووجهه مطمور بين كفيه، لا يصدر منه صوت، سوى شهقات خافتة مكتومة ، ولم ينتبه حتى لصوته حين فتح الباب ..
اتسعت عينا (مالك)، ركض نحوه، جثا إلى جواره وامتدت يده إليه بذعر
- (آسر)! في إيه؟! إيه اللى حصل؟!
لم يتلقَ منه إجابة بل زادت شهقات (آسر) حدة، لم يعد بأستطاعته التقاط انفاسه، وأنفاسه تتقطع كأنها لا تجد طريقها للخروج ليسأله (مالك) بقلق حقيقي
- يا (آسر) رد عليا بالله عليك! مالك؟ في إيه؟!
رفع رأسه قليلًا، بالكاد رفع عينيه، ثم ابتلع ريقه بصعوبة، خرج صوته مبحوحًا
- سيبنى لوحدي يا (مالك) .. أرجوك .. مش قادر أتكلم
هز (مالك) رأسه بالنفي بعناد، ووضع كفه على كتفه
- يعني إيه أسيبك؟! أنت اتجننت؟! عمري ما هسيبك وأنت فى الحالة دى، قولى بس حصل إيه؟ ده أنا أول مرة أشوفك كده يا (آسر)
أغمض (آسر) عينيه بقهر، يعرف تمامًا أن (مالك) لن يتركه حتى يتكلم، فهو شقيقه، وتوأمه، الوحيد الذي يشعر به حتى دون أن يتكلم أخذ شهيقًا وقال بصوت متكسر
- أنا زبالة يا (مالك) .. زبالة اوي .. أنا مستاهلش أعيش .. سبني بقى .. مش قادر أتكلم
رفع (مالك) يده وربت على ظهره بحنو، يحاول أن يحتويه، أن يُخرجه من غرقه فى الحزن ذاك
- أنا سامعك .. خرج كل اللى جواك أنت عارف إن أنا أكتر واحد بحس بيك يا (آسر) .. قولي حصلك ايه
لم يستطع (آسر) التماسك، فانفجر فى بكاء مرير، بلا كبرياء، بلا مقاومة، بكى كطفل تائه لا يعرف طريقه ..
تركه (مالك) حتى هدأ قليلًا، حتى خفتت شهقاته وبدأ يلتقط أنفاسه، حينها قص له كل شيء .. كل ما حدث بينه وبين (هايدي)، كيف التقاها، وكيف أنه أفسدها، ودمر مستقبلها، وكيف يشعر الآن أنه أسوأ رجل عرفته الحياة ..
استمع له (مالك) بصمت، غصّ قلبه بالحزن، ليس فقط لما سمعه، بل لما آلت إليه حال شقيقه الذي بعد أن انتهى من حديثه، جذبه إلى صدره، احتضنه، حاول ان يحتويه فى تلك اللحظة القاسية التي مرت عليه، حين شعر بأنه بدأ يهدأ، ابتعد عنه وقال له بنبرة ثابتة
- بص يا (آسر) .. أنا مش هتناقش معاك دلوقتي موضوع (هايدي) ده لينا كلام فيه بعدين بس دلوقتي أنا طالب منك حاجة واحدة بس .. تهدى، وتقوم معايا نصلي ركعتين وبعد كده تنام ولما تصحى نتكلم براحتنا
نظر إليه (آسر) بعينين حمراوين، مصدومًا
- أصلي؟! أصلي إيه بس يا (مالك)؟ أنا واحد شايل ذنبها فوق رقبتي لو ربنا سامحني هي مش هتسامحني ويا عالم فيه غيرها ولا لأ
تنفس (مالك) بعمق، أمسك بذراعه ثم قال
- اهدأ أنا مش طالب منك حاجة، الصلاة ملهاش دعوة بكل ده، أنت لو قاتل لازم تصلي ده أمر ربنا، قوم معايا بس قوم
لم يجادل (آسر) كثيرًا لأنه لا طاقة له بالنقاش، استسلم فجأة، أو ربما شعر أن الصلاة هى طوق نجاته الوحيد، اتجه مع (مالك) حتى باب الحمام، طلب منه أن يتوضأ، ثم توضأ هو أيضًا، ووقفا سويًا فى الغرفة، يتلو كل منهما ما يحفظه، بخشوع وصمت ..
حينها شعر (آسر) برغبة عارمة في البقاء بين يدي الله، ذلك الملاذ الآمن وسط وحشة العالم الخارجي الذي يجبره على أفعال لا يرضى عنها، ولكنه عاجز عن التوقف عنها، هل تكون المعاصي إدماناً؟ هل حقًا فعل شيء ممنوع، يمنحنا شعورًا بالمغامرة والنشوة، رغم أنه يعلم أن جهاد النفس هو المغامرة الأشد والأصعب؟ بعد أن انتهيا من الصلاة، وجد (مالك) (آسر) لا يزال غارقًا في شروده، فمد يده، وأمسك بيده بلطف، ووجّهه نحو فراشه، دثره في الفراش كطفل صغير، ثم قرب مقعدًا إلى جانبه، وجلس عليه، ممدًا قدميه على الفراش، وهو يراقب شقيقه بصمت، ينتظر منه أن يخلد إلى النوم ويجد بعض الراحة ولو لساعات قليلة ..
❈-❈-❈
في صباح اليوم التالي ..
ترك (مالك) شقيقه ينام براحة، منتظرًا أن يستيقظ من تلقاء نفسه دون أن يزعجه، وبعد أن أعد الفطور، توجه إلى غرفة (آسر) ليطمئن عليه، وجده جالسًا على فراشه، يدخن سجائره واحدة تلو الأخرى، لايعي ما حوله، اقترب (مالك) منه وقال له بحنان
- يلا يا (آسر) .. تعال نفطر مع بعض
التفت (آسر) إليه نظرة خافتة، ثم قال
- إنت ما روحتش الشغل ليه؟
ابتسم (مالك) وقال
- خدت أجازة تلاتة أيام .. فضتلك يا حيلتها
تنهد (آسر) بحدة وردّ
- بقولك إيه اطلع من دماغي يا (مالك) .. سبني مش عاوز أتكلم
جلس (مالك) على حافة الفراش بجواره وقال بهدوء
- طيب .. إيه اللي مزعلك؟ حاسس إنك شايل ذنبها وممكن كمان شايل ذنب بنات تانية مش كده؟!
تجمدت نظرة (آسر) ثم ألقى السيجارة في الطفاية الموضوعة على الكومود بجواره استنشق (مالك) نفسًا عميقًا وقال
- مش هزوق الكلام يا (آسر) وهريحك .. إنت سبب غير مباشر في اللي حصل ل (هايدي) .. بس هل فعلاً خدتها من إيدها ورفعت عليها مسدس عشان تعمل كده؟ ولا هي اللي عملت كده بإرادتها؟
صمت (آسر) ونظر إلى الأرضية فأكمل (مالك)
- بصراحة علاقتكم كانت غلط هي كانت محتاجة حد يساعدها بس ماكانش موجود .. كانت محتاجة تطلع اللي جواها ..كان عندها صدمة نفسية لما لقت نفسها لوحدها
حدق (آسر) في أخيه بعمق، فتابع الأخر قائلًا
- زي ما أنت كمان اتغيرت من يوم وفاة ماما وبابا .. مش هقولك مواعظ .. بس أنت شايف نفسك مسؤول عن اللي حصل لها؟ يبقى توب لربنا ولا تفضل ماشي في السكة دي؟
نظر (آسر) إليه بنظرة حزينة وقال
- حتى لو توبت يا (مالك) .. حتى لو توبت مش هينفع ذنبها متعلق في رقبتي مش هتسامحني .. كنت فاكر إني بعمل غلط بس عمري ما اتخيلت إني أسحب حد ورايا في طريق أسوأ من اللي ماشي فيه
تنهد (مالك) وقال
- يا حبيبي افهم كل واحد فينا عارف الصح من الغلط .. هي اختارت طريقها وربنا بيخيرنا .. كل واحد يختار طريقه هي اختارت غلط وانت اخترت غلط بس خلاص نفوق لنفسنا بقى .. بدل ما يبقى لا دنيا ولا آخرة احنا بشر يا حبيبي لا ملايكة معصومين ولا شياطين بتوزع معاصي .. ربنا خلقك كده وميزك بكده إنك تغلط وتتوب ..
صمت لثانية بعدها تابع
- ربنا عارف قدرتنا كويس وجهاد النفس أصعب شيء فاكر إنه سهل نبعد عن الغلط؟ ده أصعب تحدي ممكن تقابله في يومك .. الجنة مش سهلة خااالص زى ما كل الناس بتقول
زفر (آسر) بضيق، ولم يجد ردًا فأكمل (مالك)
- كلنا بلا استثناء جوانا نقطتين بيضا زي النور وسودا زي الضلمة بأيدك تزرع النقطة اللي عاوزها تكبر جواك .. انسى اللي فات خالص، ابدأ من جديد .. وأنا جنبك مش هسيبك تاني زي ما كنت سايبك .. مش هسمحلك تعمل حاجة في نفسك أنا مليش غيرك يا (آسر)
احتضن (آسر) شقيقه وقال بصوت مكسور
- أنا بحبك أوي يا (مالك) .. إنت الوحيد اللي مخليني أكمل في الدنيا دي .. من غيرك كنت رحت دفنت نفسي مع أمي وأبويا
ربت (مالك) على ظهره بحنان وقال
- يلا قوم بقى عشان تفطر وبعدين نصلي وهنقضي مع بعض يومين حلوين أوي .. سيبك من الاستوديو وأنا كده كده خدت أجازة من الفندق
ابتعد (آسر) عنه وقال بابتسامة ضعيفة
- تمام نرجع أيام زمان
❈-❈-❈
مرّ يومان، كانت خلالهما (سدرة) ما أن تنتهى من العمل تذهب مباشرة إلى منزل (فريدة) لتساعدها في شؤون المنزل وتمنحها أدويتها في مواعيدها المحددة ولكن خلال ذلك اليومان اندهشت من غياب (مالك) من العمل فهو معروف بانضباطه والتزامه الشديد في العمل، فلا يُعرف عنه الغياب دون مبرر ترددت كثيرًا فى نفسها .. هل يجب أن تسأل عنه؟ لكنها ترددت فى أن تفعل شئ كهذا ..
حين انتهت من ترتيب المنزل، وقامت بتجهيز الطعام ، شكرتها (فريدة) على ذلك الأهتمام، وهمّت (سدرة) بالانصراف بعدما وعدتها بأنها ستأتي في الغد للاطمئنان عليها من جديد ..
هبطت للأسفل، واتجهت نحو المحطة، لتستقل الحافلة فجأة، استوقفها صوت رجولي يناديها من الخلف، التفتت سريعًا، فرأت (سليم) يقترب منها وابتسامة تعلو ثغره
- تعالي أوصلك
هزّت رأسها بالنفي
- لا أنا هركب الأتوبيس، وبعدين اطلع انت اطلع فوق شوف (فريدة) لو محتاجة حاجة
ضحك قائلاً
- يا بنتي إزاي يعني تركبي اتوبيس؟! أنا موجود يعني لازم أوصلك
شعرت بالأحراج من إصراره، وترددت قليلًا، لكنها في النهاية اضطرت للموافقة، اتجهت معه نحو السيارة وجلست إلى جواره، وأخذ يقود بهدوء، ثم قطع ذلك الصمت بحديثه
- أنا غلطان مع (فريدة) .. مش كده؟
نظرت إليه (سدرة) بنظرة حادة مفاجئة، وقالت دون مجاملة
- جدًا، بصراحة .. إزاي تضربها كده؟!
فتنهد وقال وهو يحاول التبرير
- ما ضربتهاش بمعنى الضرب .. أنا مكنش قصدي، بس وقتها كنت متعصب وخرجت عن شعوري وقتها بس
صمتت (سدرة) للحظات، ثم ردّت بهدوء
- خلاص، حاول تصالحها .. (فريدة) بتحبك بجد
ابتسم ابتسامة باهتة، وقال وهو ينظر أمامه
-بس بتغير أووي، والموضوع بيخنقني ساعات
ردّت بسرعة، وكأنها تضعه أمام الحقيقة
- ما الغيرة دليل حب، المفروض تفرح بحبها ليك
أخذ نفسًا عميقًا، ولم يجب، فهو فقط يأخذ ذلك الحديث ذريعة كي يتحدث معها أكثر وما إن وصلا إلى منزلها، حتى التفت إليها وقال
- خلي بالك من نفسك
اكتفت (سدرة) بهزة رأس
- شكرًا، مع السلامة
ثم ترجلت، وأغلقت باب السيارة خلفها، بينما وقف هو للحظات يتابع خطواتها وهي تبتعد، قبل أن يعاود القيادة ..
❈-❈-❈
في المساء ..
جلس كلا من (مالك) و(آسر) أمام شاشة التلفاز، يتابعان فيلمًا بلا تركيز، كلاهما يحاول، دون جدوى، أن يهرب من أفكاره التي تنخر عقله ..
(آسر) يحاول أن ينسى ماضيه، أن يطوي تلك الصفحة التي افسدت نقاءه شيئًا فشيئًا، يتمنى فقط أن يعود ذلك الشخص قبل وفاة والديه وأن ينتهى (آسر) الفاسد من حياته وعقله وذاكرته ..
أما (مالك)، فكان رغم مرور الأيام عاجزًا عن نسيان (سدرة) فيبدو أن الحب – كما أدرك مؤخرًا – لا يُمحى إلا بحبٍ آخر، ولا يُستبدل بسهولة كما كان يتخيل ،لكنّه اختار أن يمنح تلك الفترة بأكملها لشقيقه، لعلّ الانشغال مع شقيقه ينسيه مافي قلبه ..
قُطعت تلك الأفكار التي برأس كلا منهما برنين هاتف (آسر)، فالتفت بسرعة ليجد أن (أوهيلا) هي المتصلة فنظر إليه (مالك) وقال بنبرة معاتبة
- هو انت نسيت تقفل تليفونك؟ مش اتفقنا مفيش صداع من حد الأيام دى؟ هنقضيهم سوا بعيد عن وجع الدماغ!
ابتسم (آسر) بخفة وقال
- يا بني انت لو حد سمعك كده هيفهمنا غلط بجد
ضحك (مالك) ضحكة خفيفة وقال
- لأ، انت اللى دماغك بايظة .. يا بايظ
ضحك (آسر) بدوره ثم قال وهو ينهض وهم ليأخذ هاتفه بعد أن وقف
- بس التليفون ده لازم أرد عليه
فلمح (مالك) اسم المتصل الذي ظهر على الشاشة، ثم علّق باستنكار خفيف
- بنات تانى؟! مش قلنا خلاص؟!
تنهد (آسر) وقال بنبرة جادة
- دى مش زى البنات اللي اعرفهم .. دى علاقتي بيها مختلفة خالص .. بحس إني مسئول عنها بجد .. هي طايشة، وأهلها مش مهتمين بيها، ومفيش حد ينصحها
عبس (مالك) قليلًا، فقال له (آسر) بنبرة هادئة
- صدقني، مش زى ما انت فاهم .. أنا بس بخاف عليها تضيع .. تبقى زيى واصلًا هي مش بتكلمنى إلا لو في مصيبة
أومأ (مالك) برأسه بتفهم
- ماشي .. شوف فى إيه وارجع
أخذ (آسر) هاتفه وابتعد قليلاً ثم اتجه إلى غرفته، وقام بالأتصال بها ، فأجابت هى مسرعة حتى انطلق صوت (أوهيلا) حادًا، فيه مزيج بين المزاح والعتاب
- إيه يا بارد؟! هتصل بيك كل شوية، وعاملي فيها كاريزما وبتتقل عليا؟!
هز (آسر) رأسه بيأس وقال بنبرة ساخرة
- قولي اللي عندك، اشجيني يا (أوهيلا)!
ترددت وظهر ذلك فى صوتها، كأنها تبحث عن الكلمات، ثم قالت بتوتر
- فى فيلم معروض عليا يا (آسر) .. وعاوزة أمثّل فيه
صمت (آسر) لحظة، فلم يستعب بعد ما سمعه منها فتابعت هي
- ماما مش هتوافق .. آه، سايبانى براحتى فى حاجات كتير بس لمّحتلها قبل كده إنى أحب أمثّل .. قالتلي الوسط ده مش بتاعنا ومينفعش .. وأنا مش عارفة أقولها إن في مخرج عرض عليا دور و(هيثم) المخرج بتاع الفيلم مستعجلني
رفع (آسر) حاجبيه وقال بنبرة حاسمة
- (أوهيلا)! يا حبيبتى .. تمثيل إيه وزفت إيه؟! انسِ الحوار ده خالص .. مفيش الكلام ده
زفرت بضيق وقالت
- (آسر) انت الوحيد اللي بيفهمني .. أرجوك، ساعدني .. متقفش فى طريقي إنت كمان!
حاول أن يُهدّئ من حدّته وقال بنبرة أخف
- طيب خلينى أتكلم بالعقل .. انتِ دلوقتي مش بتعملي اللى بتحبيه فى التيك توك؟ بتصوّرى فيديوهات ومشهورة صح؟ بس هناك محدش بيقربلك، محدش بيمسك إيدك، ولا بيحضنك ولا ..
توقف قليلًا فلابد وأنها فهمت ما يقصده، ثم تابع بصوت خفيض
- الوسط ده مختلف يا (أوهيلا) .. مش هتعرفي تتأقلمي .. انتِ غالية متبقيش متاحة لكل راجل لمبرر أنك بتقدمي رسالة فنية
صمتت فكلمات (آسر) ذكّرتها فعلاً بتلك اللحظة التي حاول فيها (هيثم) أن يمسك بيدها، وبرّر تصرفه بأنه لم يفعل شئ وهي رغم جرئتها لكنها لا تسمح لأى رجل بأن يمسك يدها حتى فتابع (آسر) بلين
- انتِ عارفة إنّي بخاف عليكِ .. مش كده؟
قالت بصوت خافت
- عارفة يا (آسر) .. وانت عارف إني بحبك
ابتسم وقال وهو يهز رأسه بأسى
- اسمها بثق فيك، مش بحبك .. متوديناش في حتة تانية بقى انا ملصم نفسي بالعافية
ضحكت فجأة ثم إجابته
- بس ياض .. انت تطوّل أصلاً؟! وبعدين… you’re not my type
ضحك هو الآخر، وقال
- أيوه، عشان مش مهكّع! بتحبى المهكعين إنتِ
ضحكت كثيرًا، ثم قالت فجأة
- طيب بص .. بعد بكرة، (هيثم) عازمني على حفلة في بيته، تعالى .. اتعرّف عليه بنفسك وخليه يحكيلك على الدور وانت فكر تساعدني .. هتساعدني، مش كده؟
زفر (آسر) بضيق وهو يمرر يده فى شعره، ثم قال
- حاضر .. حاضر يا مغلبة (آسر) معاكِ في كل حتة
❈-❈-❈
في صباح اليوم التالي ..
كانت (چوليا) تخطو بخفة إلى غرفة الأرشيف الخاصة بالملجأ، تبحث بين الملفات والأوراق، حتى وقعت على الدفتر الكبير الذي يحوي سجلات التبني، أخذت تقلّب صفحاته واحدة تلو الأخرى، تسجّل في دفتر صغير خاص بها أسماء الأطفال الذين تم تبنّيهم خلال الأشهر الماضية ..
كل ما تريده هو البحث عن أولئك المتبنين المزعومين، والتحقّق من وجود الأطفال معهم بالفعل، أو إن هؤلاء الاطفال أصبح لا وجود لهم ..
وبعد أن أنهت ما أرادت، توجّهت فورًا إلى صديقةٍ لها تعمل داخل الملجأ، لتسدي إليها خدمة فقط تريد منها أن تقوم بإلهاء (ريكاردو) الذي يقف بغرفة المراقبة حتى تقوم هى بالبحث عن شئ ما رفضت (چيانا) في بادئ الأمر لكن (چوليا) أصرت واخبرتها ان لا احد يستطيع أن يُحرك (ريكاردو) من مكانه سواها لأنه يحبها وكل من الملجأ يعلم ذلك ترددت (چيانا) فى بادئ الأمر لكنها استسلمت لطلب صديقتها في النهاية ..
اقتربت (چيانا) من موظف غرفة المراقبة (ريكاردو)، تحدثت إليه بلطف وطلبت منه أن يرافقها خارج المكتب لشيء هام، بدا عليه التردد، لكن بضع كلمات منها كانت كفيلة بأن يستجيب، فلا يستطيع رفض لها طلب ..
وما إن ابتعد معها حتى تسللت (چوليا) إلى الداخل أغلقت الباب خلفها بهدوء، وبدأت تنظر حولها بسرعة كانت الغرفة صغيرة، وفيها أجهزة كمبيوتر بثلاث شاشات متراصة أمام مقعد جلدي قديم، بينما يومض ضوء صغير بجانب زر التسجيل، كان كل شيء موصولًا بجهاز رئيسي يحفظ تسجيلات الكاميرات الخارجية ..
جلست وبدأت تبحث في اللقطات المحفوظة، تقلب بين الأيام والليالي، تبحث عن تلك السيارة السوداء التي ذكرها الطفل، وتأكد منها (معتصم) وها هي، تظهر على الشاشة بوضوح، متوقفة لعدة دقائق أمام البوابة الخلفية للملجأ، ثم تغادر بهدوء، بعد بضع نقرات، وجدت لقطات أخرى مشابهة ..
فى نفس التوقيت ..
أخرجت هاتفها، وأوصلته بالجهاز عبر كابل USB وبدأت في نقل الملفات، وهي تراقب الساعة بقلق شديد حتى فُتح الباب ..
دخل أحد زملائها الذي كان سيستلم الوردية من (ريكاردو)، فتجمدت (چوليا) في مكانها، حدّق بها بدهشة، ثم اقترب بخطوات سريعة وسأل بحدة
- ماذا تفعلين هنا، أيتها الفتاة؟!
تلعثمت وهي تحاول أن تسحب هاتفها بسرعة من الجهاز
- لا .. لا شيء فقط ..
لم تعرف ماذا عليها أن تقول له، فرمقها بنظرة متفحصة، لاحظها وهى تأخذ الهاتف المتصل بالجهاز، وشاشة النقل التي كانت ما تزال مفتوحة، ثم قال بنبرة شبه غاضبة
- لا تكذبي، أنتِ لا تملكين إذنًا للدخول .. هذا ممنوع!
وفي تلك اللحظة، اندفعت (چيانا) إلى الداخل، كانت أنفاسها متقطعة، ولكنها أدركت أن زميلهم الآخر دخل قبل أن تتم المهمة فقد لمحته بالخارج وهو يدخل، تبادلت نظرة سريعة مع (چوليا)، عرفت من خلالها أن الأمر قد انكشف ..
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة علا السعدني، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية
