تم النشر في: 8 مايو 2026
قراءة رواية ظلها في قلبه كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية ظلها في قلبه
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة علا السعدني
الفصل الخامس عشر
تم النشر الجمعة
8/5/2026
وقفت (أوهيلا) على أطراف اللوكيشن، تتأمل المشهد من بعيد كانت ترتدي كنزة سوداء واسعة وبنطال جينز بسيط، إلا أن عينيها كانتا منصبتا عليه، تتأمل تحركاته، صوته وهو يوجه فريقه بحسم، إشاراته إلى الكاميرات والإضاءة، وانفعالاته على فريق عمله ،لم تكن تتصور أن (هيثم) الذي كانت تقوم بتصوير الأعلان معه هو نفس الشخص الذي يصرخ الآن على طاقم العمل ..
فهو أربعيني ذو ملامح رجولية، ذا لحية قصيرة منمقة، وعينين ضيقتين بلون بني داكن، ما أن انتهى من تصوير مشاهد اليوم حتى اقترب منها بخطى هادئة وهو يبتسم، فقد كان يلاحظ تأملها له طوال التصوير، لم تستطع كتمان انبهارها، نظرت إليه بنظرة إعجاب وقالت بصدق
- أنا بصراحة .. عمري ما شفت مخرج بيصور قدامي قبل كده .. ومكنتش متخيلة إن المخرج شخصيته قوية كده .. وقت الإعلان كنت هادي خالص .. مكنتش بالعصبية دي
تأملها للحظة، فهو يعلم جيدًا أنها معجبة به، ثم قال بصوت منخفض فيه نبرة واثقة
- شغل الإعلانات حاجة .. والأفلام حاجة تانية خالص وبعدين .. انتِ استثناء عندي يا (أوهيلا)
ابتلعت ريقها في توتر، لم تعرف بماذا تجيب، ابتسم (هيثم) بتلك الابتسامة الجذابة، وسألها بأهتمام
- ها كلمتي مامتك فـي موضوع الفيلم؟ أنا جمعت فريق العمل تقريبًا وهنبدء تصوير قريب
تنهدت (أوهيلا) وأبعدت عينيها عنه لوهلة، قبل أن تقول بتردد
- مش عارفة .. ماما منفتحة وكل حاجة، بس موضوع التمثيل ده مش سهل .. متأكدة إنها هترفضه .. أنا نفسي توافق بس .. مش عارفة أفاتحها إزاي
هز (هيثم) كتفيه بلا مبالاة، وقال بهدوء
- (أوهيلا) .. إنتِ مش صغيرة .. ومن حقك يبقى ليكِ حياتك الخاصة .. بعيد عن مامتك وباباكِ .. إنتِ حرة، يعني دي حياتك
أومأت برأسها بصمت، لكن بداخلها مترددة، فهي تعلم أن الأمر ليس بتلك السهولة التي يتحدث بها ..
فجأة، مدّ يده نحوها، وأمسك بيدها برفق ، وهمس بصوت منخفض لا يخلو من حنان كاذب
- أنا فعلاً .. بقيت أرتاح معاكِ .. ومع وجودك حواليا
تجمدت نظراتها للحظة، ثم انخفضت إلى يدها في يده ،قلبها تسارع، فسحبت يدها بسرعة وارتبكت، بينما ابتسم (هيثم) بخفة وقال، محاولًا أن يبرر لها فعلته
- أنا مش قصدي حاجة طبعًا .. بس بسرعة كده عشان نبقى جاهزين قبل الجدول ما يتحدد
هزت رأسها بالإيجاب، لكنها لم تنطق بشيء، تتمنى عندما تحدث والدتها لا تخذلها وتقدر ذلك الحلم الذي تحلم به ..
❈-❈-❈
جلست هي على الأريكة القريبة من التلفاز وهي تشاهده، رنّ الهاتف الخاص بزوجها فجأة الذي كان يوجد على الشاحن، اقتربت من الهاتف لتجد اسم صديقه ثم توقف عن الرنين، لكن الفضول قد اشتعل داخلها، لتبحث وترى فيما يتحدث زوجها كانت تعرف الرقم السري الخاص بالهاتف، فتحت الشاشة، تنقلت بين التطبيقات، لا شيء يثير الريبة .. حتى وقعت عيناها على سجل البحث، وهناك تجمّدت عيناها حيث رأت الكثير من الفيديوهات الخارجة، محتوى قذر، لا يمكن تبريره ..
شعرت ببرودة غريبة تجتاح أطرافها، نبضها تسارع، وعقلها لم يستعب في البداية ما تراه، تراجعَت خطوة إلى الوراء وقررت مواجهته فاتجهت نحو الغرفة الخاصة بهم، وألقت نظرة على (سليم) النائم ببرود تام، ثم اندفعت نحوه لتوقظه، فثار عليها بسبب أنه كان نائم لكنها وجهت الهاتف نحوه نحو تلك الفيديوهات التي لا تعلم لما يشاهدها فشعر بالأرتباك، حاول تبرير الأمر، ثم ثار لغضبها، وقرر تغيير مسار الحديث بأنها فتحت هاتفه دون أذن وتفتيش في خصوصيته ..
بل اتهمها بالتجسس والتعدي عليه، وفي لحظة تهوّر، دفعها بذراعه بقوة اختل توازنها، ووقعت على الأرضية ارتطم كتفها بعنف بزواية حادة بعد الشئ بالكومود الي بجانب الفراش لتصدر منها صرخة مكتومة، فشعرت بألم حارق يتسلل إلى كتفها، لم تعد تشعر بكتفها من كثرة الألم الذي اصابها، وعندما شاهدها على ذلك الحال لم يهتم أو يأبه، التقط مفاتيحه وغادر، تركها ممددة على الأرض، تبكي على حالها، عيناها وقعت على هاتفها المستقر فوق السرير، على مسافة لا تبدو بعيدة، لكنها بدت كأنها قمة جبل زحفت نحوه ببطء، تتألم مع كل حركة، حتى وصلت إليه، مدّت يدها المرتجفة، أمسكت الهاتف، وتردّدت من أن تُخبر والدتها، وخافت من رد فعل زوجها أكثر فقد حذرها أكثر من مرة أن لا تستعين بوالداتها فى شجارهم ..
أخذت نفسًا مرتجفًا، فتحت جهات الاتصال، وتوقّفت عند اسم واحد (سدرة) فأتصلت بها وطلبت منها الحضور من أجلها شعرت (سدرة) حينها بالقلق ارتدت ملابسها بسرعة، وغادرت منزلها على عجل، حين وصلت إلى بيتها، كانت (فريدة) بالكاد تستطيع أن تقف، فتحت الباب بيد مرتجفة، متكئة على الجدار، وجهها شاحب، وجسدها منحنٍ لا تستطيع الوقوف مصلوبة الطول، اتسعت عينان (سدرة)، وارتجفت شفتاها، اقتربت منها بسرعة، وقالت بنبرة قلقة
- يا نهار أبيض! إيه اللي عمل فيكِ كده يا (فريدة)؟!
لم تستطع (فريدة) الأجابة فأسندتها حتى غرفة النوم الخاصة بها وساعدتها على ارتداء ملابسها بسرعة، كل حركة كانت تؤلمها بشدة، خرجتا معًا، تتساندان، وتستوقفان سيارة أجرة، توجهتا لأقرب مستشفى ..
وما أن وصلوا حتى فحصها الطبيب، وبعد دقائق، خرج الطبيب ليخبرهم بأن الضربة كانت قوية للغاية وأن كتفها قد حدث له تمزق وهي بحاجة إلى جبيرة وراحة تامة، وبعد أن أنهى الطبيب عمله استقلا سيارة آجرة لتقلهم إلى المنزل فطلبت (سدرة) منها أن تفهم ما الذي حدث بالظبط، فقصت (فريدة) عليها أنها مشاجرة عنيفة بينها وبين زوجها وهو دفعها بقوة، شعرت (سدرة) بالغضب من ذلك الوغد الذى لا يفعل شئ سوى أنه يقوم بضرب زوجته فسألتها بضيق
- هو أنتِ ليه مستحملة كل ده ليه؟!
أطرقت (فريدة) رأسها، تجنبت عينيها، وهمست بصوت بالكاد يُسمع
- بحبه .. ده غير إن لسه معداش وقت كتير على جوازنا يا (سدرة) بس مش عارفة .. المشاكل بدأت بدري قوي كده ليه
اقتربت منها (سدرة) أكثر واحتضنتها بلطف، وربتت على يدها بحنان
- تحبي أقول لمامتك؟ انتِ أصلًا مين هيقعد معاكى؟ أنتِ متقدريش على شغل البيت دلوقتي الأكل، الغسيل وكده
هزّت (فريدة) رأسها نفيًا بسرعة، ودمعة انسلت على وجنتها
- ماما هتعمل مشكلة كبيرة و(سليم) قالي لما تحصل أي مشكلة بيني وبينه ماندخلش أهالينا .. وفعلاً هو عنده حق في دي علشان المشاكل متكبرش
شعرت (سدرة) بالضيق من حديثها، وقالت بعينين يملؤهما الاستنكار
- بس ده بيِمدّ إيده يا (فريدة)! وانتي شايفة النتيجة .. تمزق ليكي كتفك! المرة الجاية ممكن يعمل فيكِ إيه؟
هزّت (فريدة) كتفها السليم بإعياء، وقالت بصوت خافت
- مش عارفة .. أنا بضعف قدامه بحبه قوي .. رغم إنك عارفة إني مش ضعيفة بس مقدرش أتخيل حياتي من غيره
ربّتت (سدرة) على يدها برفق، وقالت
- أنا هاجي كل يوم بعد الشغل أساعدك .. متشغليش بالك بأي حاجة ولو تحبي أكلم بابا يكلمه من غير ما مامتك تعرف أنا هعمل كده
رفعت (فريدة) رأسها بسرعة، وعيناها تتوسلان
- لأ أوعي تعملي كده! (سليم) بيتضايق لما حد يتدخل وأنا كمان .. هحاول أغيّره هو مش وحش بس فيه حاجات محتاجة تتظبط
حين وصلا إلى باب الشقة، كان (سليم) ينتظرها فهو لا يعلم إلى أين اختفت، التقت عيناه بعيني (سدرة) التي تسند زوجته وشاهد الجبيرة المعلقة على كتفها، ليسألها بتهكّم
- كنتِ فين يا هانم؟
اشتعلت (سدرة) غضبًا منه ومن أنه حتى لم يسأل عن حالها رغم ما يراه لذا أجابت قبل أن تجيبه (فريدة)
- حضرتك نزلت وسِبتها لوحدها وكتفها حصوله تمزق! .. وروحت بيها المستشفى ولا مش شايف
صر (سليم) على أسنانه غضبًا فتدخلت (فريدة) بسرعة، بصوتٍ مرتجف
- خلاص يا (سدرة) حصل خير ..
ثم نظرت إلى (سليم) وقالت بلطفٍ متوتر
- معلش يا (سليم) وصّل (سدرة) .. الوقت اتأخر ومينفعش تروح لوحدها
همهمت (سدرة)
- مفيش مشكلة يا بنتي، هطلب عربية من أي أبلكيشن وأروّح
أصرّت (فريدة) قائلة
- لأ، مش هينفع، الوقت متأخر جدًا
أخرج (سليم) مفاتيح سيارته من جيبه وقال بتهكم
- قدامي
نظرت له (سدرة) للحظة، ثم إلى (فريدة)، التي همست
- معلش يا (سدرة) متضايقيش من أسلوبه
أومأت (سدرة) برأسها بتفهّم، ثم قالت وهي تهمّ بالخروج
- هبقى أجيلك بكرة .. متعمليش أي حاجة أنا هجهزلك الأكل وكل حاجة ريحي نفسك وخدي دواكي أرجوكي
- حاضر
نزلت (سدرة) مع (سليم) في السيارة التى استقلها، وهى ظلت واقفة متوترة، نظراتها قلقة، يداها على حقيبتها ،فقال (سليم) بنبرة ساخرة
- مش هاكلك يعني، ما تخلّصي
زفرت بضيق، ثم استقلت السيارة وقالت
- ركبت اهو
بدأ في القيادة، ثم سأل فجأة
- هي (فريدة) قالتلك إيه؟
أجابت دون تردد، بنبرة غاضبة
- قالتلي حصل خناقة وإنك ضربتها .. وده أصلاً غلط مفيش راجل محترم يمدّ إيده على مراته بالشكل ده
ارتاح قليلًا .. فمن الواضح أن (فريدة) لم تذكر أمر الفيديوهات ليقول مبررًا
- ماحستّش بنفسي .. هي بتعصبني، يا (سدرة)
- ولو! دي بنت .. دي مش أي بنت دي مراتك ومش مستاهلة كل ده
ابتسم (سليم) بهدوء مفاجئ وقال
- واضح إنكم قريبين من بعض أوي مع إن عمرها ما قالتلي كده
صمتت (سدرة)، ثم نظرت من النافذة، ولم تجيب، وهي تعلم تمامًا أن (فريدة) لم تلجأ إليها إلا اضطرارًا وليست العلاقة بينهم قوية لذلك الحد لتجيبه
- تقدر تقول كده
حين وصلا، وجدت والدها يتصل بها مرارًا فقررت الصعود إليه لطمئنته فقد أخبرته أن (فريدة) متعبة قليلًا وهي معها لتوديع (سليم) قائلة
- شكرًا يا (سليم) أنا طالعة .. بابا اتصل كتير وقلت له إني مع (فريدة)
وقبل أن تترجل من السيارة، توقفت عن الحركة، ثم التفتت إليه مجددًا، وقالت بنبرة هادئة بها شئ من الرجاء
- أرجوك .. خليك حنين عليها وساعدها هي مش قادرة تعمل حاجة أرجوك متتخانقش معاها تاني
ابتسم (سليم) وهو يتأمل ملامحها مع صوتها الرقيق، وقال بصوت منخفض
- عشان خاطرك بس
لم تفهم مغزى ابتسامته، ولم تهتم وقالت بسرعة
- مع السلامة
ترجلت من السيارة، وظل (سليم) يراقبها وهي تدخل العقار، اتسعت ابتسامته، وهمس لنفسه
- حلو ده ..
❈-❈-❈
فى الصباح ..
دخل (معتصم) حديقة الملجأ في موعد زيارته المعتاد لصديقه الصغير، فقلبه تعلّق بذلك الطفل الذي اعتاد ان يكون صامتًا ..
اتجه نحو المقعد الخشبى في الفناء الخلفي، وهناك كان (فابيو)، جالسًا ينظر إلى الأرض بعينين ساكنتين ينظر إلى اللا شئ ..
اقترب منه، وفي اللحظة التي التقت فيها عيناه بعيني الطفل، لاحظ (معتصم) ابتسامة خفيفة، بالكاد تُرى، لكنه لاحظها رغم ملامحه الجامدة ..
ابتسم هو الآخر، وجلس إلى جواره قائلاً بصوت دافئ
- لقد اشتقت إليك كثيرًا، يا صديقي
أجابه (فابيو) بإيماءة صامتة، فابتسم (معتصم) من جديد، ثم قال
- ألا ترغب في قول شيء؟ أشعر وكأنني أثرثر للغاية وأنت فقط تُصغي
ابتسم (فابيو) ابتسامة خافتة، وفي تلك اللحظة، عاد إلى ذهن (معتصم) تلك الرسمة التي فى دفتر الصغير عندما لاحظ أن (فابيو) ما زال ممسكًا بدفتره، فمدّ يده إليه وقال بلطف
- هل تسمح لي برؤية ما ترسمه؟
لم يُجيبه الطفل، لكن تراخت يده عن الدفتر، فأخذه (معتصم) بلين، وبدأ يقلب صفحاته، حتى توقفت عيناه على تلك الرسمة ..
ولد فاقد الوعي، وسيارة سوداء تنتظره في الخارج، ارتجف صدره، وأخذ نفسًا عميقًا، وهو يتذكر ما حدث منذ عدة أيام وهو يقوم بتوصيل الطعام لأحد العاملين هنا ثم التفت إليه متسائلًا
- تدري، يا (فابيو)؟ لقد رأيت ما يشبه هذه الرسمة بعيني .. لكنني لا أفهم هل رأيت شيئًا مماثلًا؟
رفع (فابيو) بصره إليه فجأة، واتسعت عيناه قليلًا
- أنت أيضًا، يا (معتصم)؟ هل رأيت ذلك؟
ازدرد (معتصم) ريقه بصعوبة، ثم قال بهدوء مشوب بالتوتر
- نعم، رأيت .. ولكن أريد أن أفهم .. ماذا رأيت أنت؟ صدقني أنا أثق بك، وأريد أن أعرف ما الذي يحدث، هل هذا الأمر متكرر؟
أطرق (فابيو) برأسه، فتابع (معتصم) حديثه لكي يكتسب بعضًا من ثقته
- كنت أوصل الطعام إلى أحد العاملين هنا .. وأخبرني أن الطفل مريض وسيُنقل إلى المشفى .. لكنني لم أصدق ولم أكذبه أيضًا
ابتسم (فابيو) بسخرية وهو يقول
- صدقت ذلك الهراء
اعتدل (معتصم) في جلسته، وحدّق فيه باهتمام
- أخبرني، يا صديقي .. إن كان هناك ما يُقلقك، فأنا أعدك أنني سأحاول مساعدتك
أخذ (فابيو) نفسًا عميقًا، وصوته خرج ممزوجًا بألم دفين
- كنت أنا و(أندريا) أعز الأصدقاء في هذا المكان .. حتى جاءت أسرة لتتبناه في إحدى الليالي، رأيت أحدهم يوقظه بهدوء وطلب منه أن يذهب معهم نهض (أندريا) ومضى خلفهم، ولم أشأ أن ألفت الانتباه، فظللت صامتًا .. لكنني بقيت أراقبهم من النافذة لم يكن طبيعيًا أن يأخذ أحدهم طفلًا في الليل .. دون إجراءات، دون أوراق
هزّ (معتصم) رأسه، مشجعًا إياه على المواصلة، فأكمل (فابيو)
- بعد برهة من الوقت رأيتهم يحملونه وهو فاقد الوعي ويضعونه في سيارة سوداء .. لم أفهم ما جرى، لكنني لم أنسَ تلك الليلة أبدًا وفي اليوم التالي أخبرونا أن والديه قد حضرا صباحًا وأخذوه .. لكنني كنت أعلم أن ذلك لم يحدث
أطبق (معتصم) على قبضته دون أن يشعر، فأردف (فابيو) بنبرة واهنة
- أردت أن أخبر المدير وذهبت إلى مكتبه لكنني اختبأت خلف الستارة حين سمعت صوته مرتفعًا وهو يدخل لا اعرف لما شعرت بالخوف وأردت الأختباء فقد كان يبدو من صوته أنه عصبيًا للغاية
صمت (فابيو) وهو يطرق رأسه لأسفل يعلم أن ما يقوله ثقيل عليه للغاية وتابع
- رأيته يدخل ومعه رجل آخر، وسمعته يقول كانت نسبة المخدّر ضعيفة .. الطفل كاد يفيق! لا أريد مشاكل .. هؤلاء الأطفال يُسلَّمون مخدّرين للطبيب وهو يتكفّل بالباقي
اتسعت عينا (معتصم)، وغاصّت أنفاسه في صدره، بينما انهمرت دموع (فابيو) دون توقف ثم أردف
- لا أعلم متى سيحين دوري يا (معتصم) ..لكنني أعلم جيدًا أننا لسنا في مكان آمن
لم يتمالك (معتصم) نفسه، فضمّ الطفل إلى صدره بقوة، كأنه يودّ لو يحميه من هذا العالم كله
- لا تخف، يا صغيري .. لا تخف أعدك .. أعدك أنني لن أتركك، سأكشف الحقيقة، حتى لو كلفني الأمر حياتي
ابتعد (فابيو) قليلًا، ونظر إليه برجاء
- أرجوك .. لا تبتعد عني .. لا أريد أن أراك متأذي
ابتسم (معتصم) ابتسامة حزينة، ومسح على رأسه برفق وقال
- لن أؤذي نفسي .. ولن أتركك، هذا وعد
❈-❈-❈
قرر (آسر) أن يذهب اليوم فى أحد السهرات مع أصدقائه كي يقابلها ويفهم منها ماحدث، فشخصيتها قد تبدلت تمامًا عما عرفها وصل لڤيلا أحد اصدقائه كانت الموسيقى عالية، بحث بعينيه عنها بين الحضور وعن (هادي) صديقه لعلها تكون بجواره، حتى وقع نظره على (هادي)، واقفًا بجانبها ..
ظل يتابعها من بعيد، إلى أن لاحظها تخرج إلى الحديقة، متجهة نحو ركن هادئ تحت شجرة، وأخرجت سيجارة، وقفت بثبات وهي تنفث دخانها في الهواء، تقدّم (آسر) منها بخطوات مترددة، ثم قال بصوت خافت
- (هايدي)
استدارت ببطء، وما إن رأته حتى تجمدت في مكانها وصُدمت مما تراه ليتابع هو حديثه بنبرة غاضبة حادة بعض الشئ
- إيه اللى لمك على الأشكال دي؟
نظرت له طويلًا، ثم ضحكت بصوت عالٍ
- وانت مالك؟ غيران عليا ولا إيه؟
عض (آسر) شفته، ليكتم ضيقه من أسلوبها فهو لا يتخيل أنها نفس البريئة التي كان يتحدث معها
- (هايدي) أنا مبهزرش، إيه علاقتك بالزفت (هادي) ده؟
نفثت دخان السيجارة ببرود، ونظرت له من فوق إلى أسفل تتفحصه ثم قالت باستهزاء
- عيب الكلام ده
ضاق صدره أكثر، أمسك يدها بعصبية
- إنتِ اتجننتى؟ أنا عاوز أفهم، إنتِ مش كده! ده انتِ كنتِ أكتر واحدة محترمة في الجامعة! ده إنتِ كنتِ لابسة خمار! أنا لو ما كنتش دورت على اسمك واتأكدت إنه إنتِ .. كنت هقول واحدة شبهك!
تحول وجهها فجأة، وانطفأت نظرتها، ثم قالت بصوت مكسور
- مش عارف السبب يا (آسر)؟ ولا بتستعبط؟ مش عارف إنك إنت السبب في اللي أنا فيه؟
تراجع خطوة، مذهولًا مما يسمعه ليجيب مبررًا
- أنا؟! وأنا مالي؟ أنا مجيتش جنبك يا (هايدي) .. ولا لمستك حتى!
القت السيجارة، ودهستها بغضب ثم قالت بأنكسار
- ليه يا (آسر)؟ مين كسر قلبي؟ مش إنت؟ مين أوهمني إن مفيش حد في حياته غيري؟ مش إنت؟ مين كان بيسمعني أجمل كلام حب؟ برده إنت!
صمت (آسر) للحظات، تذكر كل شيء حدث بينهم والذكريات التي تجمعهم .. أيام الجامعة، وحزنه بعد وفاة والدته، وكم كان هشًّا وقتها، فبعد أن حدثت الحادثة التي فقد فيه والديه ظل سنة كاملة لايعي ما حوله هو لم يكن أبدًا مستهترًا بل كان يشبه شقيقه إلى حد كبير ولكنه كان متعلق بوجود والدته حد الجنون وبعد عام تقريبًا من وفاتها وهو فى السنة الأخيرة من الجامعة، شعر أن شيئًا داخله انكسر، فحاول أن يملئ ذلك الفراغ الذى تركه موت والديه ..
فبدأ يحدّث الفتيات، يبحث معهم عن شيءٍ يشبه الحنان الذي يفتقده منذ أن توفت والدته الحبيبة،(هايدي) كانت واحدة منهن، لكنه لم يتجاوز حدوده معها قط، لأنه كان يعلم جيدًا أنها مختلفة فرغم كل شئ كان يكن لها الأحترام، لأنها كانت أكثر الفتيات وقارًا في الجامعة في الحقيقة، لم يكن ينوي التحدث إليها من الأساس، لولا أن أحد أصدقائه أخبره ذات مرة بأنها معجبة به وأنها تراقبه في صمت، دفعه الفضول حينها لفتح باب الحديث معها، وحين استجابت له (هايدي)، شعر بسعادة كبيرة فتلك أول مرة يكسب فيها قلب فتاة يعرف الجميع أنها لا تقترب من الرجال ..
أول مرة يشعر بأنه سبق أصدقاءه بشيءاستثنائي، كان فخورًا، مبهورًا بنفسه ، فهو لم يحبها بصدق وقتها، بل لأن الوصول إليها كان مستحيل وهو فعلها ذلك ما جعله مبقيًا على علاقته معها، كل تلك الذكريات مرت في ذهنه، شعر بغصة فى حلقه، ابتلع ريقه ببطء، ثم قال
- إحنا مش أول اتنين نرتبط ونفركش .. بتحصل
ابتسمت بسخرية
- أنا مش مستنية منك أعذار ولا مبررات .. إنت هتفضل في نظري أسوأ راجل في الدنيا .. الراجل اللى حولني لشخص تاني
استدارت، وكانت ستغادر لولا أنه أمسك يدها بسرعة
- استني رايحة فين؟ يعنى إيه أنا السبب؟! إحنا ارتبطنا وبعدها عرفتي إني بكلم بنات تانية وافترقنا! بتحمليني ليه ذنبك؟!
نظرت له، ودموعها تتلألأ
- آه، إنت مش ناوي تجيبها البر ماشي
شعرت وكأنه يوجد حجارة ثقيلة على صدرها لكنها تابعت قائلة بحزن
- بس إنت كسرت قلبي وكسرت ثقتي في كل الرجالة، بعد ما سيبتني، كنت بموت كل يوم مستنية منك حتى رسالة اعتذار عن كرامتي اللي إنت دوست عليها .. عن حبك اللى طلع كذبة
اتسعت عيون (آسر) بدهشة، حاول أن يتكلم، لكنها تابعت
- أنا كنت مدمنة وجودك كنت عارفة إن علاقتنا حرام .. بس مكنتش قادرة أبعد وبعدها بأسبوع بابا مات .. وبقيت لوحدى لا أبويا، ولا إنت، ولا حد قريب مني وعيلتي مش بتسأل عليا أصلًا، قررت بدل ما أبقى أنا الضحية أبقى الجلاد
تنهدت، وقالت بنبرة متكسّرة
- ابتديت أتعرف على شباب، وأكلم كذا واحد في نفس الوقت قلت أعمل زيك .. لحد ما عرفت كلب زيك أوهمني إنه هيتجوزني كتبنا ورقتين عند محامي لحد ما الظروف تسمح ونعلن ده قريب، كنت فاكرة إني خلاص اتجوزت، وخرجت من السكة دي .. طلع كل ده كدب، وقطع الورقة ومشي ومن يومها، أنا ببيع نفسي .. للي يدفع أكتر
وقف (آسر) مذهول، لايصدق ما يسمعه منها ولا يتخيل أن أمر كذلك حدث لشخص بسببه فابتسمت بمرارة
- صعبت عليك يا إيسو؟ ولا لسه؟ بكرة تتعود
استدارت، وغادرت، ظل (آسر) واقفًا مكانه، عاجزًا عن الكلام أو الحركة كل شيء ينهار بداخله .. أسرع خارج الڤيلا، جلس في سيارة شقيقه الذي اخذها منه منذ قليل، أغلق الباب بعنف، وانحنى فوق المقود، يلتقط أنفاسه بصعوبة ثم شغل المحرك، وانطلق، لا يعلم إلى أين، فقط أراد أن يهرب من كل ما سمعه منها ..
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة علا السعدني، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية
رواياتنا الحصرية كاملة
أقسام:
ظلها في قلبه
