ما تبقى لدي - الجزء الثاني من ثنايا الروح - الفصل 8 | رانيا الخولي

تم النشر في: 8 مايو 2026

قراءة رواية ما تبقى لدي الجزء الثاني من رواية ثنايا الروح كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى




رواية: ما تبقى لدي 

ثنايا الروح الجزء الثاني 

رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات

الكاتبة: رانيا الخولي

الفصل الثامن 

تم النشر الجمعة 

 8/5/2026




لم تنم روزا ليلة أمس قضت الليل كله وهي تجلس في الظلام تعيد كل كلمة قالها تميم في المكتبة
 "الأساس الضعيف سينهار حتمًا." 
لم تكن هذه مجرد أسئلة أو شكوك لقد كانت اتهامات مغلفة بهدوء قاتل لقد أخبرها بوضوح أنه يعرف أنها كاذبة، والآن هو فقط يجمع الأدلة
أصبحت كل حركة في السرايا مصدرًا للرعب كلما سمعت صوت خطوات تقترب من غرفتها يخفق قلبها بعنف متوقعة أن يكون هو قادمًا ليواجهها بالحقيقة الكاملة 
أصبحت تراقبه من بعيد، من نافذة غرفتها تراه وهو يتحدث مع العمال أو يضحك مع والدته أو يناقش شيئًا بجدية مع يامن. 
وفي كل مرة كان يبدو هادئًا وطبيعيًا، وهذا ما كان يرعبها أكثر 
كيف يمكن لشخص يحمل كل هذه الشكوك أن يحافظ على هذا الهدوء الجليدي؟
أثار انتباهها بشيء عجيب
فكلما رأته تشعر بأن قلبها يكاد يخرج من بين ضلوعها من شدة خفقاته
تساءلت 
من انت؟
وما تلك الجاذبية التي تجذبني إليك؟
لقد تحول تفكيرها من تميم إلى هوس
لم يعد مجرد تهديد بل أصبح ظلًا يطاردها في كل زاوية.

في عصر ذلك اليوم لم تعد قادرة على تحمل الجلوس في غرفتها، حبيسة أفكارها قررت أن تفعل شيئًا، أي شيء لتشعر بأنها لا تزال تملك زمام المبادرة
قررت أن تختبر حدودها وحدوده ارتدت عباءتها وحجابها الذي حدد وجهها الجميل بطريقة تخطف الأنفاس ثم توجهت إلى الإسطبل المكان الذي أخبرتها ليال أن يامن وتميم يقضيان فيه وقت فراغهما أحيانًا
 كانت تأمل ألا تجد أحدًا هناك وأن مجرد الخروج سيشعرها بالتحسن لكنها وجدته

كان تميم واقفًا بمفرده يعطي ظهره للمدخل ويمرر يده بحنان على عنق حصان أسود ضخم ويتحدث إليه بهمس لم تستطع سيرا التقاطه. 
كان المشهد يحمل تناقضًا صارخًا؛ القوة الهادئة للرجل والضخامة المهيبة للحصان واللحظة التي بدت مليئة بالرقة والسكينة
للحظة نسيت خوفها وهي تتأمل المشهد هذا هو الرجل الذي وصفته ليال، الرجل ذو القلب الطيب لكن عقلها صرخ محذرًا: 
"هذا هو نفسه الرجل الذي يطاردك في صمت"

أخذت نفسًا عميقًا وقررت أن تقوم بخطوتها سارت نحوه بخطوات ثابتة محاولة إظهار ثقة لا تشعر بها
قالت بصوت حاولت جاهدة أن تجعله يبدو طبيعيًا
_حصان جميل.

تصلب جسد تميم لوهلة عندما سمع صوتها لقد كان غارقًا في التفكير بما عرفه من السائق وآخر شخص أراد رؤيته الآن هو هي
أحكم السيطرة على رد فعله واستدار ببطء شديد محاولاً التحلي بقناع من الهدوء ليخفي العاصفة التي تدور في صدره.

أخفض بصره عنها عمدًا كأنه يرفض الاعتراف بوجودها للحظة ثم نظر إلى الحصان
_ده ابن أهم حصان كان عندنا اسمه ركان شبه أبوه أوي وقدر يعوضنا عن موته بس مشكلته... إنه مش بيحب الغريب.

قالها بهدوء وكانت كلماته تحمل معنى مزدوجًا واضحًا وحادًا
تحدته روزا بنظرة مباشرة واقتربت أكثر من الحصان، ومدت يدها المرتعشة قليلاً لتلامس وجهه
_أنا لست غريبة تمامًا الآن أليس كذلك؟ لقد أصبحت جزءًا من هذا البيت... مؤقتًا.

في اللحظة التي كادت يدها أن تلمس الحصان تحرك "ركان" فجأة بعصبية وأصدر صهيلاً خافتًا وابتعد خطوة للوراء رافضًا لمستها
سحبت روزا يدها بسرعة وشعرت بالخزي والإهانة
حتى حيواناتهم ترفضها
نظر إليها تميم ولم تكن في عينيه نظرة شماتة بل نظرة باردة كالثلج نظرة قاضي يصدر حكمه
_الخيول مش بتشوف المظاهر بتحس بالخوف والجلج ولو كنتي خايفة مش هتسمحلك تجربي أبدًا.

كانت هذه هي الضربة القاضية لم يعد يتحدث عن الخيول لقد وضع إصبعه مباشرة على جرحها على خوفها الذي أصبحت غير قادرة على إخفائه
شعرت بالدموع تحرق عينيها  استدارت لتغادر لكنها توقفت وقالت بصوت يرتجف من المشاعر المكبوتة
_ماذا تريد مني يا تميم؟

اقترب منها خطوة واحدة وبينهما مسافة طويلة لكنها كانت مشحونة بالتوتر قال بصوته العميق 
_عايز الحجيجة مش عشاني ولا عشان عيلتي... عشانك أنتِ لأن الكدبة اللي عايشة فيها هتدمرك جبل ما تدمر أي شخص تاني، انا واحد اكتر حاجة بيكرها في حياته هي الكدب والخداع، لما أعرف إن حد خدعني مش بديله فرصة حتى يبرر لانه فقد ثقتي فيه واللي بفجد ثقتي فيه بخرجه من حياتي وحياة اللي بحبهم.

ثم تركها واقفة بمفردها في وسط الإسطبل وعاد إلى حصانه ليهدئه تاركًا روزا تواجه الحقيقة المرة
 لقد سقطت كل أقنعتها أمامه ولم يعد لديها مكان آخر تختبئ فيه لقد أصبحت كتابًا مفتوحًا أمامه وهو يقرأ الآن أخطر فصوله.

…..

كانت هذه هي الفرصة التي ينتظرها علم تميم أن روزا في المكتبة مع ليال، وهذا يعني أن لديه نافذة زمنية قصيرة لكنها قد تكون كافية تحرك بخطوات هادئة وحاسمة نحو جناح الضيوف وقلبه ينبض بقوة متحكم بها
 لم يكن يشعر بالذنب لاقتحامه خصوصيتها، فالخطر الذي يشعر به تجاه عائلته طغى على أي اعتبار آخر.

دخل الغرفة وأغلق الباب خلفه بصمت كانت الغرفة مرتبة وأنيقة لا يوجد فيها شيء خارج عن مكانه، تمامًا مثل صاحبتها التي تجيد إخفاء كل شيء خلف قناع هادئ
 بدأ تميم عملية البحث بذكاء ومنهجية فتش تحت السرير، وفي خزانة الملابس، وبين طيات الفراش لا شيء
لا يوجد أي شيء شخصي لا رسالة، لا صورة، لا أي أثر يدل على ماضيها.

كان على وشك أن ييأس حتى وقعت عيناه على حقيبة السفر القديمة الملقاة في زاوية الغرفة بدت بالية ومتهالكة لا تنتمي إلى فخامة هذا المكان إنها الأثر الوحيد الذي تحمله معها من حياتها السابقة توجه إليها مباشرة وفتحها قلب محتوياتها القليلة مجرد قطع ملابس رخيصة ومغسولة بعناية بحث في الجيوب الداخلية والخارجية لا شيء.

تنهد بإحباط وبينما كان يعيد الملابس إلى مكانها حتى لا تلاحظ أي تغيير لمست أصابعه شيئًا غريبًا في بطانة الحقيبة خياطة يدوية غير متقنة تختلف عن بقية خياطة المصنع
 توقف فورًا واقترب بعينيه ليفحصها لقد كان جيبًا سريًا صنع على عجل وبدائية.

بأصابع ثابتة فتح الخياطة بحذر وأدخل يده في الفتحة الصغيرة لمس شيئًا صلبًا أخرجه، فوجده جواز سفر قديمًا وبطاقة هوية شخصية لم يكن جواز السفر المزيف الذي تحمله الآن بل كان جواز سفر حقيقيًا، يحمل هويتها الأصلية.

فتحه بقلب يخفق بقوة ووقعت عيناه على الصورة ثم على الاسم المطبوع بجانبها.

الاسم: نادين فايز صخر التهامي.

في تلك اللحظة شعر تميم وكأن لكمة خفية قد أصابته في صدره سحبت كل الهواء من رئتيه.
"صخر التهامي" الاسم الذي كان كابوسًا يطارد تاريخ عائلته الاسم الذي يمثل الخيانة والثأر والدم
عم أبيه الرجل الذي تسبب في كل هذا الجحيم القديم.

اتسعت عيناه بصدمة مطلقة وشعر بالدم ينسحب من وجهه جلس على حافة السرير، وجواز السفر في يده يرتجف رغماً عنه
 لم تعد مجرد فتاة غامضة قادمة بهدف مجهول لقد أصبحت الآن شبحًا من الماضي، حفيدة العدو اللدود لعائلته سليلة الرجل الذي كاد أن يدمرهم جميعًا.

كل شيء أصبح منطقيًا الآن بطريقة مرعبة معرفتها بالاسم القديم لوالده، قدومها إلى هذا البيت تحديدًا قصتها الملفقة لم تأتي لتبحث عن أمان بل جاءت لتكمل فصلاً قديمًا من فصول الانتقام.

أغمض تميم عينيه بقوة وشعر بثقل الحقيقة يسحق صدره لقد كان يطارد لغزًا فإذا به يكتشف أنه كان يرقص مع الموت المتخفي في هيئة ملاك حزين، الخطر لم يعد مجرد شعور بل أصبح له اسم ووجه وتاريخ دموي يربطه بهم جميعًا.

…….


بعد أن استعاد تميم رباطة جأشه بصعوبة غادر غرفة روزا وجواز السفر والبطاقة في يده وكأنهما جمر يحرق كفه
 لم يتوجه إلى غرفته بل سار مباشرة نحو مكتب والده حيث كان جاسر لا يزال غارقًا في أوراق قضاياه
دلف تميم إلى المكتب دون أن يطرق الباب ووجهه يحمل قناعًا من الجدية  رفع جاسر رأسه عن الأوراق وشعر ببرودة غريبة تسري في الأجواء
_خير يا تميم؟ في حاجة حصلت؟ 

لم يتكلم تميم بل وضع جواز السفر والبطاقة على المكتب أمام والده
 التقط جاسر الوثيقتين ونظر إلى الصورة أولاً ثم قرأ الاسم:
 نادين فايز صخر التهامي
تصلب جسد جاسر في مكانه واتسعت عيناه بصدمة فاقت كل تصور وسقطت الأوراق من يده على المكتب
 "صخر التهامي"
الاسم الذي حاول أن يدفنه في أعماق النسيان الاسم الذي كان يمثل جرحًا غائرًا في تاريخ عائلته يعود ليظهر من جديد ولكن هذه المرة في هيئة فتاة ضعيفة كانت تعيش تحت سقف بيته
_نادين... حفيدة صخر... 

تمتم جاسر بصوت بالكاد مسموع وكأن الكلمات تخرج بصعوبة من حلقه
 رفع عينيه إلى تميم وقد امتلأتا بالذهول والارتباك
_إزاي؟ وإيه اللي جابها هنا؟

قال تميم مؤكدًا الحقيقة المرة
_هي اللي كانت هنا يا بابا روزا... هي نادين.

وضع جاسر يده على رأسه وكأنه يحاول استيعاب الأمر
_ يمكن... يمكن جاية تاخد حجها حج أبوها اللي اختفى بعد اللي حصل

 هز تميم رأسه برفض قاطع ونبرته تحمل حدة غير معتادة
_ تاخد حجها؟ وليه جاية باسم مزيف؟ لو جاية تطالب بحجها المفروض تكون جاية بأدلة وتطالب بورثها بشكل رسمي، وبعدين فين أبوها؟ فين أخوها؟ فين أي حد من عيلتها؟ ليه فايز يبعتها هي بالذات؟

تنهد جاسر وشعر بقلبه يعتصر
_ يمكن خافت يا تميم يمكن جاية تتأكد الأول إذا كنا هنجبلها ولا لأ، يمكن الظروف اللي مرت بيها خلتها تعمل كده

 حاول جاسر أن يدافع عنها لكن دفاعه كان مهتزًا ممزوجًا بشعور عميق بالذنب والحيرة
لكن تميم لم يجتنع كان منطقه أجوى وتدينه يرفض هذا التبرير
_ اللي تزور بالدقة دي يا بابا لدرجة إنها تعدي من تفتيش في مطار أمريكا ومطار مصر تبجى مش شخصية عادية أبدًا دي شخصية مدربة أو على الأقل عندها مساعدة جوية مش بت خايفة وتايهة
دي بت جايه بهدف وهدف مش بريء

نظر جاسر إلى الوثائق في يده ثم إلى ابنه الذي كان يرى الأمور بمنطق حاد لا يقبل التأويل أدرك أن تميم على حق في شكوكه وأن الأمر أكبر بكثير من مجرد فتاة تائهة
_طيب... خلينا نشوف البطاجة دي نعرف العنوان بالظبط ونسأل عليها، لازم نعرف كل حاجة عنها

أومأ تميم برأسه وهو يعلم أن هذا هو بداية فصل جديد، فصل قد يكون أكثر خطورة مما يتخيلون.

……..


في تلك الليلة وبعد أن خيم الصمت على السرايا، استدعى جاسر ابنه تميم إلى مكتبه
كان جاسر لا يزال يحمل وثائق نادين في يده وعلامات الحيرة والألم بادية على وجهه.
قال جاسر بصوت خفيض وهو يمد يده بالبطاقة وجواز السفر
_عايزك ترجع دول مكانهم في شنطتها.

نظر تميم إلى الوثائق ثم إلى والده
 _مينفعش يا بابا أدخل أوضتها في وقت زي ده وهي نايمة؟ ده حرام.

تنهد جاسر وهو يعلم مدى تمسك ابنه بمبادئه
_أنا عارف يا ابني بس محدش يعرف مكان الجيب السري ده غيرك ومينفعش حد تاني يعرف بالموضوع ده دلوقت لحد ما فريد يجيب لنا كل المعلومات عنها أنا اديت له صورة البطاقة وهو هيجيب لنا كل حاجة.

صمت تميم للحظة يصارع بين مبادئه وضرورة الحفاظ على سرية الأمر وحماية عائلته 
 _حاضر يا بابا بس ده عشان خاطر السرية مش أكتر.

أخذ تميم الوثائق وغادر مكتب والده
 سار بخطوات هادئة نحو جناح الضيوف وقلبه يضطرب وصل إلى باب غرفة روزا وفتحه ببطء شديد وحذر
 تسلل ضوء خافت من الردهة إلى داخل الغرفة المظلمة كاشفًا عن روزا وهي نائمة على سريرها تبدو هادئة ووديعة كطفلة.

دخل تميم بهدوء وتسلل نحو حقيبة السفر القديمة فتحها ببطء شديد وبحث عن الجيب السري الذي اكتشفه بأصابع ثابتة
 أعاد البطاقة وجواز السفر إلى مكانهما ثم أغلق الجيب بعناية وأعاد الحقيبة كما كانت.

وبينما كان على وشك الانسحاب لاحظ صوتًا خافتًا همهمة غير واضحة
توقف وأنصت، كان الصوت يأتي من روزا اقترب منها خطوة فوجد جسمها كله يرتعش بشكل خفيف
 وكانت تلف ذراعيها حول جسدها، كأنها تحميه من خطر غير مرئي
 كانت تتحدث بالإنجليزية بكلمات غير مفهومة لكن اسمًا واحدًا تكرر بوضوح بين همهماتها
 _آدم... آدم...

كانت كلماتها خليطًا من الخوف والاحتياج وكأنها تنادي منبع أمانها الوحيد الذي فقدته 
شعر تميم بقلق حقيقي ينتابه تجاهها
 أراد أن يقترب أكثر، أن يطمئنها، أن يوقظها من كابوسها لكن عندما سمع اسم "آدم" مرة أخرى تراجع فجأة
انقبض قلبه بشدة وشعر بغيرة عجيبة لم يفهم سببها غيرة آلمته حقيقيًا غيرة لم تكن في مكانها لكنها كانت قوية ومؤلمة.

انسحب تميم بهدوء من الغرفة تاركًا روزا ترتعش في نومها تاركًا خلفه شعورًا غريبًا بالغيرة والألم عاد إلى غرفته، وعقله يضج بالأسئلة
 من هو آدم هذا؟ ولماذا يثير هذا الاسم كل هذه المشاعر الغريبة في قلبه؟ لقد جاء ليكشف حقيقتها، فإذا به يكتشف حقيقة جديدة عن نفسه لم يكن يعلم بوجودها.

...........   

تفتكروا رد فعله هيكون ايه؟
التالي

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة رانيا الخولي، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة‏

1 تعليقات

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل