ما تبقى لدي - الجزء الثاني من ثنايا الروح - الفصل 7 | رانيا الخولي

تم النشر في: 4 مايو 2026

قراءة رواية ما تبقى لدي الجزء الثاني من رواية ثنايا الروح كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى




رواية: ما تبقى لدي 

ثنايا الروح الجزء الثاني 

رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات

الكاتبة: رانيا الخولي

الفصل السابع 

تم النشر الإثنين 

 4/5/2026




كانت (روزا) قد اعتادت على روتينها المسائي بالهروب إلى المكتبة الضخمة بجانب السرايا 
كانت مكانًا هادئًا نادرًا ما يدخله أحد في هذا الوقت مما يمنحها شعورًا مؤقتًا بالعزلة والأمان. 
كانت تتصفح كتابًا قديمًا عن تاريخ العمارة الإسلامية، ليس لأنها مهتمة بل لأن الصور كانت تبعد عقلها عن التفكير.

فجأة سمعت صوت خطوات هادئة تقترب
رفعت رأسها بتوتر فتجمدت في مكانها عندما رأت تميم يدخل المكتبة
لم يكن ينظر إليها بل توجه مباشرة إلى أحد الرفوف العالية وبدأ يبحث عن كتاب معين.

شعرت روزا بأنفاسها تنقطع، أرادت أن تختفي، نهضت بهدوء شديد محاولة الانسحاب من الغرفة دون أن يلاحظها
لكن صوته الهادئ الذي جاء من خلفها، أوقفها كجدار من الجليد
_انتي ازاي تخرجي من غير الحجاب؟

رفعت أناملها المهتزة إلى شعرها كأنها تخفيه بتلك الحركة، حاولت التحدث بقوة واهمة
واستدارت ببطء لتواجهه
_أ...أنا...فقط ظننت أن لا أحد هنا في ذلك الوقت.

_ولو برضه مينفعش تخرجي من غيره، انا عارف ان ديانتك مش بتلزمك به، بس انتي هنا لازم تلتزمي بشريعتنا احنا.

أومأت له وقد اخفضت عينيها بحزن لا يعرف لما لامس قلبه
 ثم نظر إلى الكتاب الذي تحمله بيدها فأراد أن يعتذر عن حدته معها فقال بروية
_الكتاب الذي في يدك اختيار مثير للاهتمام.

رفعت نظرها إليه وهي تضغط على الكتاب بيديها كي تمنع رعشتهما
كان لا يزال يقف عند الرف لكنه كان ينظر إليها الآن بأعين ثاقبة
كانت تلك هي النظرة نفسها الثاقبة والهادئة التي تجردها من كل دفاعاتها
- أنا... أنا فقط أنظر إلى الصور فأنا لا أتقن القراءة والكتابة الغربية فقط اخذتها تلقين.
 قالتها بصوت خفيض وشعرت بسخافة إجابتها.

اقترب منها تميم خطوتين ليس بشكل ينم عن تهديد بل بفضول هادئ
أشار إلى الكتاب
- الكتاب ده بيتحدث عن كيفية بناء الجباب والمآذن عشان تتحمل أجسى الظروف
وبيبين أن الأساس هو كل شيء إذا كان الأساس ضعيف فإن أجمل وأعلى بناء هينهار لازم.

كان يتحدث عن العمارة لكن روزا شعرت بأنه يتحدث عن شيء آخر تمامًا. 
شعر بأنه يتحدث عنها عن قصتها عن أساسها الضعيف الذي يوشك على الانهيار.

أكمل تميم وهو ينظر في عينيها مباشرة
_بنعتجد أننا بنبني شيء جوي بس بنستخدم مواد غلط أو نبني على أرض مش مستجرة والنتيجة تكون دائمًا كارثية.

ابتلعت روزا ريقها بصعوبة، لم يعد هذا حوارًا عاديًا
_ولماذا تخبرني أنا بهذا يا سيد تميم؟ هل تعتقد أنني مهندسة معمارية مثلك؟

ظهرت شبه ابتسامة على طرف شفتيه 
_لا أنا بس شايف كويس اوي معنى أن الانسان يعيش على أساس مهتز.

كانت هذه الجملة بمثابة صفعة، لقد قالها لقد كشف لها أنه يرى ما وراء قناعها، لم يعد هناك مجال للمراوغة.

همست روزا بالجملة دون وعي وكان صوتها يحمل رعشة حقيقية من الصدق
-أنت تخيفني. 

تغيرت نظرة تميم للحظة، تلاشت حدة المحقق وظهر شيء آخر... شيء أقرب إلى التفهم، أو ربما الشفقة
_ الخوف شعور طبيعي لما يكون عندنا اللي نخسره، أو لما نخفي شيء نخاف انه ينكشف.

ثم أضاف جملة قلبت كل توقعاتها 
_بس في بعض الأحيان الخوف نفسه هو اللي بيحمينا من ارتكاب أخطاء لا يمكن إصلاحها.

صمت كلاهما كانت الغرفة مليئة بالكلمات التي لم تقل، روزا أدركت أنه لا يحاول فقط كشفها بل ربما... يحاول تحذيرها، يحاول منعها من السقوط قبل أن تسقط.

قالت روزا وهي تضع الكتاب من يدها بعصبية وشعرت بحاجة ماسة للهروب من هذه المواجهة التي استنزفتها تمامًا.
- أنا يجب أن أذهب. 

- روزا. 
ناداها باسمها المزيف فتوقفت عند الباب
_جريب أوي هخلي السواج ده ييجي ويعتذرلك.
ثم استدار وعاد إلى بحثه عن كتابه كأنه ألقى بمعلومة عابرة عن الطقس بينما كان في الحقيقة قد ألقى بقنبلة في عالمها الهش وأخبرها بوضوح: 
"أنا أعرف أكثر مما تظنين وأنا أراقبك."

خرجت روزا من المكتبة وقلبها يدق بعنف ليس فقط من الخوف من الانكشاف بل من الشعور المربك بأن هذا الرجل الذي يمثل أكبر تهديد لها، قد يكون هو الوحيد الذي يفهم حقًا حجم الخطر الذي وضعت نفسها فيه.

…….

كان الليل قد انتصف لكن أضواء مكتب المحاماة الخاص بعائلة التهامي الملحق بالسرايا كانت لا تزال مضاءة. 

جلس جاسر خلف مكتبه يرتشف قهوته بهدوء وهو يراجع أوراق قضية معقدة
وأمامه كان يامن جالساً وعلامات نفاد الصبر واضحة على وجهه وهاتفه في يده لا يفارقه.

كانا ينتظران مكالمة من فريد، صديق يامن الذي يعمل في السفارة والذي وعد بالبحث في سجلات "روزالين ميلر" بشكل غير رسمي.

أخيرًا توقف جاسر عن القراءة ورفع عينيه نحو ابنه، وقال بصوته العميق والهادئ الذي يخفي وراءه عقلًا لا يهدأ
_اهدى يا يامن هتفضل جلجان كده كتير؟ التفكير محتاج هدوء، مش حركة.

اسند يامن ظهره على المقعد لكنه لم يستطع إخفاء قلقه.
_فريد اتأخر أوي يا بابا جلبي مش مطمن للبنت دي وكل ساعة بتعدي وهي في بيتنا بتزود جلجي.

وضع جاسر القلم جانبًا وشبك يديه فوق المكتب، ناظرًا إلى ابنه نظرة فاحصة
_بصراحة أنا مش شايف منها أي خطر مباشر البنت شكلها ضعيفة ومكسورة أكتر من اللازم نظراتها تايهة وجسمها كله بيقول إنها مرت بحاجات صعبة مش دي ملامح واحدة جاية تنتجم أو تأذي.

اعترف يامن بهذا في قرارة نفسه لكن والده علّمه ألا يثق أبدًا في المظاهر.
_أنا معاك إن شكلها يوحي بكده يا بابا بس أنت اللي علمتني إن المحامي الشاطر لازم يتأكد من كل التفاصيل وميسبش حاجة للصدفة لو هي بالضعف ده طيب ليه تكدب؟ ليه تختار الصعيد بالذات؟ وليه تزور اسمها؟ الأسئلة دي ملهاش إجابة منطجية.

أومأ جاسر برأسه متفقًا مع منطق ابنه
_تحليلك سليم بس خلينا نفكر في كل الاحتمالات.
قال جاسر وهو يميل بكرسيه للخلف
_ممكن تكون هربانة من حاجة تانية خالص ملهاش علاجة بينا يمكن كانت ضحية عنف أسري، أو ليها علاجة بشخص مؤذي، وجاية هنا تستخبى في أبعد مكان ممكن حد يفكر يدور عليها فيه
 تزويرها لاسمها ممكن يكون عشان تضلل اللي بيدور عليها هي، مش عشان تخدعنا إحنا.

كان هذا احتمالًا منطقيًا لكنه لم يطفئ نار الشك في قلب يامن
_وممكن برضه يكون كل الضعف اللي بنشوفه ده تمثيلية متقنة مسلسل بتعمله عشان تجنعنا إنها ضحية وبكده نأمن لها ونديها فرصة تنفذ اللي هي جاية عشانه.

ابتسم جاسر ابتسامة خفيفة كان يرى في ابنه صورته وهو شاب حذراً متشككاً، ولا يترك ثغرة.
_كل الاحتمالات واردة وعشان كده مش هناخد أي خطوة جبل ما نسمع من صاحبك.

ثم تابع جاسر بحسم وهو يلتقط القلم مرة أخرى
_لحد ما فريد يرد خلينا نجفل على الموضوع ده كلمني عن الجضية الجديدة إيه آخر التطورات؟

فهم يامن أن والده قد حسم النقاش مؤقتًا أخذ نفسًا عميقًا، وحاول أن يفرغ عقله من لغز "روزا"
وبدأ في عرض تفاصيل القضية الجديدة على والده، بينما ظل هاتفه بجانبه صامتًا، كقنبلة موقوتة تنتظر اللحظة المناسبة للانفجار.

استمع جاسر باهتمام بينما كان يامن يسرد تفاصيل قضية الدكتورة حنين
 شرح الموقف الظلم الواقع عليها
 زيارته لبيت المريضة والثغرة القانونية التي وجدها بخصوص المعايير المزدوجة للمستشفى لكن ما لفت انتباه جاسر لم يكن تفاصيل القضية بقدر ما كان شيئًا آخر... شيئًا في نبرة ابنه.

عندما أنهى يامن حديثه، صمت جاسر للحظات، وعيناه الثاقبتان تدرسان ملامح ابنه.
_الجضية واضحة وموجفك القجنوني سليم لكن اهتمامك الزايد بالجضية دي هو اللي مش واضح.

ارتبك يامن قليلًا محاولًا إخفاء رد فعله خلف قناع الجدية
_جضية رأي عام يا أبويا وفيها تحدي كبير طبيعي أهتم بيها.

ابتسم جاسر ابتسامة العارف الخبير
_يامن... أنا أبوك أعرف نبرة المحامي اللي بيتكلم عن جضية ونبرة الراجل اللي بيتكلم عن حاجة لمست جلبه الجضية دي مش مجرد جضية عادية بالنسبة لك صح؟

تنهد يامن مدركًا أنه لا يستطيع المراوغة مع والده
_مخبیش عليك يا أبويا البنت لفتت نظري جوية ومبدأها سابق مصلحتها حاجة نادرة اليومين دول.

أومأ جاسر برأسه ببطء وتحولت ملامحه إلى الجدية والنصح
_خلي بالك يا يامن الحب اللي بيجي من أول نظرة أو من موجف واحد غالبًا بيكون هش وضعيف زي البيت اللي بيتبني من غير أساس مع أول هزة بيجع
 الإعجاب سهل لكن الحب الحقيقي بيحتاج وجت واختبارات.

نظر إليه يامن بابتسامة جانبية ذكية
_يعني حضرتك محبيتش نغم من أول نظرة؟

تغيرت ملامح جاسر على الفور عند ذكر اسم زوجته
 ظهرت على وجهه ابتسامة دافئة وحقيقية، ابتسامة لا يراها الكثيرون
_أمك دي حاجة تانية خالص.

صمت للحظة كأنه يسترجع شريطًا طويلاً من الذكريات ثم أكمل بنبرة عميقة
_حبي لأمك متولدش من نظرة يا يامن حبي ليها اتولد من المواجف من النار، كان كل واحد فينا واضح جدام التاني زي الشمس بكل عيوبه وجوته وضعفه مكنش فيه تمثيل ولا أجنعة أنا شفتها في أصعب الظروف وهي شافتني في أقسى حالاتي حبيتها لما شفت جوهرها الأصيل اللي يخلي راجل يضحي بعمره عشانها وهو بيحترج، حبيتها لما وجفت قصادي بعناد وجوة ولما سامحتني بكبرياء أعظم.

تنهد جاسر ونظر إلى نقطة بعيدة كأنه يراها أمامه
_ولما عاجتني... كان عجابها بالبعد، وجتها بس عرفت إن بعدها ده أجوى وأجسى عجاب ممكن أتعرض له في حياتي كنت مستعد أحط الدنيا كلها تحت رجليها بس عشان تسامحني وترجع وفي الآخر... سامحتني، الحب ده اتنحت على الصخر يا ولدى  مش اترسم على الرمل.

كان يامن يستمع باهتمام ووقار متأثرًا بعمق مشاعر والده التي نادرًا ما يكشف عنها بهذه الصراحة. 
ثم قرر أن يلطف الأجواء بلمسة من المرح الوقور الذي ورثه عنه
_بصراحة نغم تستاهل اللهم بارك رغم السن لسه زي ما تكون بنت عشرين سنة وحضرتك صحتك ما شاء الله... مش مقصر خالص.

كانت الكلمات تحمل تلميحًا وقحًا ومبطنًا جعلت جاسر يضيق عينيه وينظر إليه نظرة حادة لكنها كانت نظرة تحمل في طياتها ضحكة مكتومة استعاد وقاره بسرعة كأنه يقول "احترم نفسك" دون أن ينطقها
_ اتكلم عن جضيتك يا محامي ملكش دعوة بجضايا غيرك.

ضحك يامن ضحكة خافتة ثم عادا للحديث عن القضية بدأ جاسر بعقليته الاستراتيجية يطرح أسئلة دقيقة ويشير إلى ثغرات محتملة في دفاع المستشفى ويفتح أمام يامن زوايا جديدة لم يفكر بها مثبتًا أنه حتى في لحظات العاطفة يظل هو "جاسر التهامي" العقل المدبر الذي يرى دائمًا عشر خطوات للأمام.

……..


كان يامن يعمل كآلة لا تهدأ منذ عودته من البلد، سخر كل طاقته وشبكة علاقاته الواسعة للتعجيل بإجراءات القضية استطاع في أيام ما قد يستغرقه غيره أسابيع وبعد أن نجح في تحديد موعد مبكر لأولى الجلسات، رفع سماعة الهاتف وطلب رقم الدكتورة حنين

رن الهاتف مرتين قبل أن يأتي صوتها الهادئ.
_ألو.

_دكتورة حنين، معاكي يامن التهامي.

_أهلًا يا أستاذ يامن فيه أي جديد؟

_فيه جديد طبعًا محتاجك في المكتب لو وجتك يسمح فيه شوية تفاصيل لازم نراجعها جبل الجلسة.

_تمام نص ساعة وأكون عندك.

وصلت حنين إلى المكتب ولاحظت على الفور هالة من النشاط غير المعتاد كانت السكرتيرة تتحرك بسرعة وأوراق القضية مكدسة على طاولة  أشار لها بالجلوس 

جلس خلف مكتبه وبدا عليه الإرهاق الممزوج بالرضا
_أهلًا يا دكتورة جدرت أحدد معاد أول جلسة الأسبوع الجاي.

اتسعت عينا حنين بدهشة
_بالسرعة دي، إزاي؟

ابتسم يامن ابتسامة واثقة
_دي طريجتي المهم، لازم نكون جاهزين.

جلست على حافة مقعدها كعادتها وبدا عليها التوتر
_أستاذ يامن... أنت واثق إننا ممكن نكسب؟ أنا خايفة.

نظر إليها يامن نظرة هادئة وثابتة نظرة تزرع الثقة في أكثر القلوب ترددًا
_اسمعيني يا دكتورة أنا مش بدخل جضية إلا وأنا عارف إني هكسبها الموضوع مش ممكن الموضوع هو إمتى وإزاي سيبي الجلج ده ليا وركزي بس في إنك تكوني مستعدة نفسيًا للمواجهة.

تنهد يامن
_عمومًا التفاصيل دي محتاجة جعدة أطول وأهدى من المكتب إيه رأيك نتقابل بره في أي مكان نتكلم فيه على العشا؟

في اللحظة التي خرجت فيها الكلمات من فمه أدرك فداحة ما قاله
 لم يكن يقصد دعوة شخصية بل كان يفكر بصوت عالي كعادته يبحث عن بيئة أكثر راحة لمناقشة استراتيجية القضية المعقدة.

لكن بالنسبة لحنين  كانت هذه الكلمات بمثابة جرس إنذار تغيرت ملامحها على الفور من القلق إلى البرود الجليدي
 
وقفت فجأة والتقطت حقيبتها بحركة حادة
_أعتقد إن حضرتك فهمتني غلط يا أستاذ يامن أنا جيت هنا عشان قضيتي مش عشان أي حاجة تانية.

تجمد يامن في مكانه للحظة مصدومًا من رد فعلها وسوء الفهم السريع وقف هو الآخر بسرعة محاولًا تدارك الموقف
_استني يا دكتورة إنتي اللي فهمتي غلط تمامًا.

لم تتوقف بل أكملت طريقها نحو الباب تقدم يامن وسد عليها الطريق بجسده ليس بأسلوب عنيف بل بوقفة حاسمة تفرض على من أمامه التوقف
_لو سمحتي اسمعيني أنا بعتذر بعتذر عن سوء الفهم اللي حصل ده.

توقفت ونظرت إليه بتحدي والغضب يخيم على وجهها
_اعتذارك مش مقبول لو سمحت عديني.

تحدث بنبرة جادة لم تكن تتوقعها نبرة تحمل صدقًا نادرًا
_أنا أول مرة في حياتي أعتذر لحد بالشكل ده الكلمة خرجت مني غلط ومكنش ده قصدي أبدًا كل اللي كان في بالي هو القضية وبس من فضلك بلاش تمشي وإنتي زعلانة اقعدي وأنا هوضحلك كل حاجة.

صمته واعتذاره الصريح والمباشر واعترافه بأن هذه هي المرة الأولى التي يعتذر فيها كل هذا أثر فيها أكثر من أي حجة أخرى رأت في عينيه صدقًا وارتباكًا حقيقيًا وليس مراوغة.

تنهدت وتراجعت ببطء لتعود إلى مقعدها لكنها ظلت متأهبة
تنفس يامن الصعداء وعاد إلى مكانه ضغط على الزر
_يا أميرة اتنين قهوة.

ثم نظر إليها وقد عادت إليه ثقته وابتسامته الخفيفة
_أنا طلبت قهوة عشان نفوق ونركز لما قولت نتقابل بره كان قصدي إننا محتاجين مكان نقدر نتكلم فيه بصوت عالي ونرمي ورقنا براحتنا من غير الرسميات دي مكتبي هنا مش هينفع للخناق اللي هيحصل وإحنا بنحط الخطة ده كل الموضوع أنا آسف مرة تانية لو طريقتي كانت غلط.

بدأت ملامح حنين تلين وشعرت ببعض الخجل من تسرعها أومأت برأسها بصمت وبدأت تستمع إليه وهو يكمل شرح مدركة أن الرجل الذي أمامها أكثر تعقيدًا ووقارًا مما ظنت في البداية.

……..

كان تميم في مكتبه بموقع البناء يراجع مجموعة من المخططات الهندسية المعقدة، لكن جزءًا من عقله كان لا يزال يعمل في الخلفية يحلل المعلومات القليلة التي جمعها عن "روزا"
واهمهم صورة السائق الغامض الذي أنزلها في ذلك المكان المنعزل كان يعرف أن هذا السائق هو مفتاح اللغز.

رن هاتفه فجأة وكان المتصل رقمًا غريبًا تردد للحظة قبل أن يجيب
 قال تميم بصوته الهادئ
_السلام عليكم.
جاءه صوت رجل كبير في السن مألوف قليلاً.
_وعليكم السلام يا باشمهندس تميم؟ معاك الحاج مسعد صاحب المحل اللي شرفتني فيه امبارح.

اعتدل تميم في جلسته على الفور وازداد تركيزه.
_أهلاً يا حاج مسعد خير إن شاء الله؟

_خير يا ابني خير الراجل اللي كنت بتسألني عنه امبارح السواق... جاعد جدامي أهه بيشرب شاي لو لسه عايز تجابله، يبجى ده وجته.

شعر تميم بتدفق الأدرينالين في عروقه لكنه حافظ على هدوء نبرته تمامًا.
_ممتاز يا حاج مسعد خليه عندك متخليهوش يمشي مسافة الطريق وأكون عندك واوعى تحسسه بأي حاجة اعتبرني زبون عادي جاي المحل.
_في عنيا يا باشمهندس متجلجش في حمايتك.

أغلق تميم الخط ونظر من نافذة مكتبه إلى موقع البناء الصاخب بالأسفل لقد جاءت اللحظة 
اللحظة التي سيواجه فيها أول شخص يعرف جزءًا من الحقيقة. 
لم يخبر يامن أو والده كان هذا تحقيقه الخاص وسيكمله بطريقته الخاصة.

ارتدى نظارته الشمسية وأخذ مفاتيح سيارته وغادر الموقع بخطوات سريعة وهادئة لم يكن يعرف ما الذي سيسمعه من هذا السائق لكن حدسه كان يخبره أن القصة التي سيسمعها ستكون أكثر قتامة وخطورة بكثير من قصة "سائحة تائهة" التي روتها تلك الفتاة ذات العينين الخائفتين.

***

وصل تميم بسيارته وتوقف أمام المحل الصغير فجذب انتباه كل من في الشارع
ترجل من السيارة بهدوء وثقة، وكانت هيئته وحدها كافية لفرض الصمت
بشعره الأسود الكثيف ولحيته المصففة بعناية التي تزيده وقارًا وهيبة وبنيانه القوي الذي يبرز من تحت ملابسه الأنيقة، كان حضوره طاغيًا.

دلف إلى المحل فوجد السائق الذي رآه في الكاميرا يتحدث مع صاحب المحل.
_السلام عليكم.
 قالها بصوته العميق الهادئ الذي قطع حديثهما.

رد الاثنان بارتباك واضح
_وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
تابع مسعد صاحب المحل
_اتفضل يا باشمهندس نورت.

جلس تميم على كرسي لكنه بدا كملك يجلس على عرشه تطلع إلى السائق "خليل" الذي انكمش في مكانه تحت وطأة نظراته الثاقبة، كان خليل يبدو رجلاً عاديًا بمظهر بسيط لكنه الآن شعر بأنه متهم في محكمة.

سأله تميم دون مقدمات وبنبرة لا تحتمل المراوغة
_انت صاحب التاكسي اللي برة ده؟

رد خليل وهو ينظر لسيارة تميم الفارهة المتوقفة أمام المحل والتي جعلت سيارته الأجرة تبدو كعلبة صدئة
_ايوة يا بيه خير.

_من خمس ايام في بنت اجنبية ركبت معاك ونزلتها على اول البلد.

لم يكن سؤالاً بل كان تقريرًا لحقيقة، ظهر الخوف واضحًا على وجه الرجل وسأل بارتباك شديد
_أ..أيو..ة يا بيه خير؟ هي... هي عملت حاجة؟

رد تميم بهدوء جليدي كي لا يدفعه للهرب، لكن عينيه كانتا كالصقر الذي يراقب فريسته
_خير ان شاء الله أنا بس عايز اسألك هي ركبت معاك منين بالظبط؟ وجالتلك إيه؟

ازدرد الرجل لعابه بصعوبة وشعر بأن حلقه قد جف.
_ركبت معايا من المطار يا بيه... وادتني ورجة مكتوب فيها العنوان اللي عايزة تروحه.

قال تميم بهدوء لم يخدع أحدًا
_إيه هو العنوان؟

التزم خليل الصمت للحظات والخوف يمنعه من الكلام فمال تميم بجسده قليلاً إلى الأمام وقال بنبرة آمرة ومطمئنة في آن واحد، نبرة لا يمكن مقاومتها
_اتكلم متخافش.

شعر خليل أنه لا يملك خيارًا آخر فتابع بصوت خفيض
_هي... هي كان معاها مبلغ صغير أوي مكنش يكفي يوصلها العنوان كانت عايزة تروح لواحد في البلد هنا اسمه... جاسر التهامي.

في تلك اللحظة اتسعت عينا تميم بصدمة حقيقية وظهر فيهما بريق من الغضب البارد الذي جعل الهواء في المحل يتجمد كانت صدمة معرفة أن هذه الفتاة لم تأتي صدفة، بل جاءت تحمل اسمًا من الماضي، اسمًا مدفونًا تحت طبقات من الألم والذكريات. 

ارتبك خليل من رد فعل تميم لكن تميم أشار له برأسه إشارة خفيفة وحادة أن يكمل، وكأنه يشد اللجام على غضبه بصعوبة.

تابع خليل بارتباك أكبر
_أنا... أنا صعبت عليا فنزلتها على أول البلد ودليتها على الطريق عشان أروح أشوف أكل عيشي وبس يا بيه، هو ده كل اللي حصل والله ما في حاجة تاني.

زمّ تميم فمه بقوة وظهرت عروق عنقه بوضوح في دلالة على صعوبة تحكمه في غضبه الهائل الذي يغلي تحت سطحه الهادئ
ثم غمغم من بين أسنانه بكلمات خرجت كفحيح أفعى
_اخفي من جدامي.

لم يسمعه الرجل جيدًا من شدة خوفه، فسأله بوجل
 _بتجول حاجة يا بيه؟

هنا لم يستطع تميم كبت غضبه أكثر لم يصرخ بصوت عالي بل قالها بنبرة حادة وقاطعة كالسيف مليئة بالتهديد المبطن الذي كان أشد رعبًا من أي صراخ
_جلتلك إخفي من وشي.

انتفض الرجل في مكانه من الرعب، وأسرع بالخروج من المحل وهو يكاد يتعثر في خطواته واختفى في لحظات.

ظل تميم جالسًا في مكانه لعدة دقائق يتنفس ببطء وعمق محاولاً السيطرة على العاصفة التي تدور في صدره لقد تأكد الآن إنها ليست ضحية إنها عدو
عدو جاء قاصدًا ويعرف كيف يفتح أبواب الجحيم القديمة وقوته وهيبته الآن لم تعد مجرد طباع بل أصبحت سلاحًا سيحتاجه في هذه المواجهة القادمة
التالي

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة رانيا الخولي، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة‏

1 تعليقات

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل