ما تبقى لدي - الجزء الثاني من ثنايا الروح - الفصل 6 | رانيا الخولي

تم النشر في: 30 أبريل 2026

قراءة رواية ما تبقى لدي الجزء الثاني من رواية ثنايا الروح كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى




رواية: ما تبقى لدي 

ثنايا الروح الجزء الثاني 

رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات

الكاتبة: رانيا الخولي

الفصل السادس

تم النشر الخميس 

 30/4/2026



في ركن هادئ من شرفة السرايا وقف تميم يتأمل الأفق بملامح جامدة وكأن أفكاره معلقة في مكان بعيد اقتربت منه نغم بهدوء ووضعت يدها على كتفه بحنان فالتفت إليها فوراً وارتسمت على وجهه ابتسامة وقورة تليق بـ ابن جاسر انحنى وقبل يدها وقال بنبرة ملؤها الاحترام
_منورة يا ست الكل محتاجة حاجة؟

ابتسمت نغم وجلست على المقعد المجاور له وقالت بهدوء
_منورة بيك يا تميم يا ولدي كنت عايزة أطمنك روزا وافقت تلبس الحجاب والعباية اللي جبتهم لها ومبينتش أي اعتراض.

صمتت نغم للحظة ثم تابعت بنبرة نصح حكيمة
_بس يا تميم بلاش تزودها معاها يا ابني البنت أمانة عندنا لحد ما تمشي ومش عايزين نضايقها بزيادة، خاصة إن طبعها وعيشتها في الغرب غير طبعنا تماماً الرفق بالضيف واجب يا ولدي.

تغيرت ملامح تميم قليلاً واستعاد صرامته المعهودة وقال بصوت رخيم وحازم
_يا أمي أنا مقولتش حاجة زيادة عن الأصول بس إنها تلبس اللبس اللي كانت جاية بيه وتتحرك بيه قدامنا في السرايا، ده شيء مش هسمح بيه نهائي إحنا بيت له حرمته، وعيونا ليها حق علينا.

تابع تميم بحدة طفيفة وهو ينظر بعيداً
_وكفاية إني وافقت إنها تقعد معانا في نفس البيت وده في حد ذاته كان قرار صعب عليا بس الأصول أصول والستر ملوش بديل عندي.

نظرت نغم إليه بإعجاب خفي؛ فقد رأت فيه نسخة من أبيه في شبابه نفس الشموخ والغيرة والتمسك بالمبادئ قالت له بصوت دافئ محاولة احتواء غضبه
_عارفة يا تميم وعارفة إنك بتعمل إ كدة عشان خايف على حرمة بيتك بس البنت ضعيفة، والشدة الزيادة ممكن تكسرها أو تخليها تنفر مننا خليك صقر في حمايتها، بس خليك رحيم في تعاملك معاها.

تنهد تميم بعمق وانحنى نحو والدته مرة أخرى وقبل رأسها بوقار
_حاضر يا ست الكل عشان خاطرك إنتي بس هحاول أكون أهدى معاها بس افتكري إن كلمة تميم التهامي في الأصول مابترجعش.

ابتسمت نغم وربتت على يده بيقين
_عارفة يا ولدي وعارفة إنك طالع لأبوك في كل حاجة حتى في العناد اللي وراه قلب أبيض زي الشهد.

انصرف تميم بخطوات واثقة بينما ظلت نغم تراقبه وهي تشعر بالفخر؛ فقد ربت رجلاً يعرف كيف يصون بيته، حتى وإن كان يغلف ذلك بوشاح من القسوة الظاهرة.


❈-❈-❈


وقفت روزا أمام المرآة الطويلة في غرفتها تحدق في الانعكاس الذي يحدق بها مرة أخرى لم تكن ترى نفسها، كانت ترى امرأة غريبة، شبحًا يرتدي ملابس ليست لها وينتمي إلى عالم ليس عالمها.

كانت العباءة الزرقاء التي اختارتها نغم تنسدل على جسدها تخفي منحنياته التي اعتادت عليها وتمنحها هالة من الغموض والوقار
ووضعت الوشاح الأبيض على شعرها الأشقر بتردد فأخفى لون الذهب الذي كان دائمًا علامتها المميزة.

نظرت إلى عينيها في المرآة كانتا الجزء الوحيد المتبقي منها، لكنهما كانتا تحملان نظرة ضائعة لم ترها من قبل، شعرت بأنها ممثلة على وشك الصعود إلى مسرح خطير وهذا هو زيها التنكري
قناع من الحرير الناعم يخفي حقيقتها

همست للانعكاس بصوت خفيض لم يسمعه سواها
"من أنتِ؟"

اجتاحها شعور عارم بالضعف لقد هربتى من الخوف في شوارع نيويورك من مطاردة المجرمين من ذكرى الرصاص لتجدى نفسك في مواجهة خوف من نوع آخر. 

خوف أكثر هدوءًا لكنه أعمق وأكثر تعقيدًا، خوف من هذه العائلة المتماسكة كالبنيان المرصوص، من قوتهم الهادئة من حبهم الذي يظهر في كل لفتة
هي أضعف من أن تقف أمامهم، أضعف من أن تهدم هذا الحصن
 شعرت بأنها مجرد ورقة خريف جافة في مواجهة عاصفة قادمة.

في تلك اللحظة فتح الباب بهدوء ودخلت نغم وعلى وجهها ابتسامة دافئة لكن الابتسامة تجمدت للحظة، وحل محلها تعبير من الدهشة الصادقة والإعجاب

تجمدت روزا في مكانها وشعرت بأنها طفلة تم ضبطها وهي تجرب ملابس والدتها

اقتربت نغم منها ببطء ووقفت بجانبها أمام المرآة وعيناها تتفحصانها بحنان
_ ما شاء الله تبارك الله إيه الجمال ده كله.

كانت نبرتها لا تحمل أي مجاملة بل كانت مليئة بالدهشة الصادقة 
الحجاب لم يخفي جمال روزا بل أبرزه بطريقة مختلفة، أبرز دقة ملامحها الأوروبية التي اكتسبتها عن والدتها، لون عينيها الصافي وبياض بشرتها الذي أصبح أكثر وضوحًا بجانب لون العباءة الأزرق، لقد منحها وقارًا وسكينة لم تكن موجودة من قبل.

ابتسمت روزا ابتسامة باهتة مجاملة رقيقة خرجت رغمًا عنها أمام هذا الإطراء الصادق

أمسكت نغم بيدها برفق وقالت بحب أمومي
_ يلا يا حبيبتي الفطار چاهز لازم تايچي توفطري معانا كلنا على السفرة.
اومأت لها روزا وخرجت معها من الغرفة وهي تشعر بالخجل من نظراتهم حينما يرونها.

شعرت روزا بقلبها يهبط أن تجلس معهم جميعًا أن تواجههم جميعًا بقناعها الجديد كان هذا هو الاختبار الحقيقي الأول أومأت برأسها بصمت وسمحت لنغم بأن تقودها خارج الغرفة.

عندما وصلوا إلى غرفة الطعام كان الجميع قد تجمع حول المائدة
 جاسر بهيبته المعتادة، يامن وتميم اللذان كانا يتحدثان بصوت خفيض، وليال التي كانت تضحك مع تاليا.

عندما دخلت نغم ومعها روزا ساد صمت مفاجئ، كل العيون اتجهت نحوها.

رأت نظرة الرضا الهادئة في عيني تميم الذي أخفضها سريعًا كأنه يرى أن الأمور قد عادت إلى نصابها الصحيح. 
ورأت الدهشة في عيني ليال وتاليا، دهشة ممزوجة بإعجاب صريح. 
ورأت نظرة جاسر الثاقبة التي تفحصتها لثانية قبل أن تعود إلى هدوئها المعتاد.

لكنها كانت تبحث عن عينين فقط عينا يامن
كان يامن ينظر إليها لكن نظرته كانت الأكثر تعقيدًا لم تكن إعجابًا أو رضا كانت نظرة تحليلية حادة تحمل شكًا ودهشة في آن واحد 
كأنه يرى القناع ويدرك تمامًا أنه قناع ويتساءل عن مدى دهاء الممثلة التي ترتديه، شعر بأنها ليست مجرد فتاة خائفة بل خصم ذكي يلعب أوراقه بمهارة.


كسرت نغم الصمت بصوتها الحنون
_ تعالي يا روزا يا بنتي اجعدي اهنه چاري.

لكن ليال سبقتها وقامت من مقعدها بسرعة وأمسكت بيد روزا
_ لأ يا ماما خليها تجعد چنبي أنا.

سحبتها ليال بحماس لتجلس بجانبها وبدأت تهمس لها بتعليقات عن جمالها في "اللوك الجديد" محاولةً أن تجعلها تشعر بالراحة.

جلست روزا على المائدة وشعرت بأنها في عين العاصفة محاطة بهم جميعًا كل واحد بنظرته الخاصة وكل واحد بانطباعه المختلف. 
شعرت بأنها تحت مجهر عملاق أمسكت بالشوكة ولاحظت أن يدها لا تزال ترتعش

 كانت مائدة الإفطار عامرة بكل ما لذ وطاب لكن روزا لم تكن تشعر بطعم أي شيء
 كانت تجلس متصلبة بجانب ليال التي لا تتوقف عن الثرثرة بلطف محاولة إشراكها في الحديث. 
كانت روزا تجيب بإيماءات وابتسامات باهتة بينما كان كل تركيزها منصبًا على ألا تفعل أي شيء يثير الشك
كان جاسر يجلس على رأس المائدة صامتًا كعادته يرتشف قهوته ويستمع إلى أحاديث أبنائه الصباحية
كان يامن يشاركه الصمت لكن عينيه لم تترك روزا، يحلل كل حركة تقوم بها 
أما تميم فكان يتناول طعامه بهدوء يبدو وكأنه في عالمه الخاص لا يشارك في النقاشات الدائرة، لكن حضوره كان قويًا وملموسًا
فجأة ودون أي مقدمات ألقى جاسر سؤاله في منتصف المائدة، كأنه يلقي حجرًا في بحيرة هادئة وجه حديثه مباشرة إلى روزا ونبرته كانت حيادية لكنها تحمل وزنًا جعل الجميع يصمت.
_ جوليلي يا روزا إيه اللي خلاكي تختاري الصعيد بالذات تزوريه في مصر؟ بلدنا كبيرة والقاهرة والأقصر وأسوان فيهم آثار أكتر للسياح.

تجمدت الشوكة في يد روزا قبل أن تصل إلى فمها. 
كان سؤالاً مباشرًا منطقيًا لكنه كان فخًا، شعرت بأن كل العيون عليها تنتظر إجابتها 
ارتعشت يدها بشكل ملحوظ وشعرت بالقطعة الصغيرة من الطعام تسقط من الشوكة وتعود إلى الطبق 
في حركة سريعة لا إرادية سحبت يدها من على المائدة وأخفتها في حجرها تحت الطاولة كأنها تخفي دليلاً على جريمة
لم يلاحظ أحد هذه الحركة السريعة فقد كانوا جميعًا مركزين على وجهها الشاحب ينتظرون الجواب... إلا شخص واحد
تميم الذي كان ينظر إلى طبقه رفع عينيه في نفس اللحظة التي ارتعشت فيها يدها. 
لم تكن نظرته موجهة لوجهها بل كانت موجهة ليدها وهي تسقط الطعام وتهرب تحت الطاولة، رأى الرعشة ورأى محاولة الإخفاء اليائسة ثم رفع نظره ببطء إلى وجهها ورأى الارتباك والخوف في عينيها قبل أن تتمالك نفسها.
شيء ما لم يكن صحيحًا 
رعشة اليد هذه لم تكن مجرد توتر سائحة في بيئة غريبة
كانت رعشة شخص تم ضبطه شخص يخفي كذبة كبيرة.
في تلك الثواني التي بدت كدهر استحضرت روزا القصة التي جهزتها 
رسمت ابتسامة حزينة على وجهها وقالت بصوت خفيض ومكسور لتستخدم ضعفها كسلاح مرة أخرى
_ في الحقيقة أنا لم أخترها لقد كانت مجرد نقطة على الخريطة نقطة بعيدة احتاجت إليها بعد موت اخي بعيدة عن كل شيء أعرفه، كنت أهرب... ولم أكن أهتم إلى أين أذهب طالما كان مكانًا لا يعرفني فيه أحد حتى ابكي فراقه واشتياقي له.
كانت إجابة ذكية تحول السؤال عن المكان إلى سؤال عن حالتها النفسية وتستدر عطفهم
وبالفعل نجحت، رأت نظرة الشفقة في عيني نغم وتعابير الحزن على وجه ليال وتاليا.

حتى جاسر أومأ برأسه بتفهم ظاهري كأنه قبل الإجابة. 
ويامن رغم شكه لم يستطع أن ينكر أن القصة تبدو متماسكة مع حالتها النفسية
لكن تميم لم يشتري هذه القصة
كان عقله يعمل بطريقة مختلفة لم يكن يحلل الكلمات، بل كان يحلل ما وراء الكلمات كان يربط النقاط التي لا يراها الآخرون.
النقطة الأولى: 
فتاة أجنبية تظهر في أرضهم فجأة
احتمال وارد
النقطة الثانية: 
ترتدي ملابسهم وتقبل بتقاليدهم بهذه السرعة والسهولة
مريب قد يدل على دهاء ورغبة في التكيف السريع لهدف ما
النقطة الثالثة: 
رعشة يدها عند سؤال بسيط ومباشر، ومحاولتها اليائسة لإخفاء هذا الضعف الجسدي.
هذا هو المفتاح، الخوف ليس من السؤال بل من الانكشاف.
بدأ تميم يستمع إليها الآن بأذن مختلفة، لم يعد يراها ضيفة تائهة أو فتاة مثيرة للشفقة، بدأ يراها كمشروع كا لغز يجب حله، ذكاؤه لم يكن كذكاء يامن العملي أو حكمة جاسر المبنية على الخبرة. 
كان ذكاءً فطريًا حدسيًا يعتمد على قراءة الروح والنوايا وهو ما جعله الأخطر على الإطلاق
بينما كان الجميع يتعاطف مع "الضحية" التي أمامهم كان تميم هو الوحيد الذي بدأ يشك في أنها قد تكون "المفترس" الذي يرتدي قناع الضحية ولم يظهر أي شيء على وجهه الهادئ، استمر في تناول طعامه بصمت لكن عقله كان قد بدأ للتو في العمل، ينسج شبكة من الملاحظات والشكوك حول الضيفة الغامضة.
ولأول مرة منذ وصولها شعر تميم بشيء من الفضول الحقيقي تجاهها فضول لم يكن شفقة، بل كان تحديًا وأخطر أنواع العلاقات هي تلك التي تبدأ بتحدي.

❈-❈-❈

بمجرد أن أغلقت روزا باب غرفتها خلفها سقط قناع الهدوء الذي كانت ترتديه وظهر وجهها الحقيقي المنهك والخائف
أسندت ظهرها على الباب الخشبي الثقيل وأخذت أنفاسًا عميقة متلاحقة، كأنها كانت تحبس أنفاسها طوال الوقت الذي قضته في الأسفل.

لم تكن نظرات يامن الشاكة أو أسئلة جاسر الحادة هي ما يطاردها الآن، بل كانت نظرة واحدة صامتة وحادة كشفرة سكين
نظرة تميم.

لقد لاحظت كيف لم يرفع عينيه عن طبقه طوال الوقت لكن في اللحظة التي خانتها فيها يدها، التقطت عيناها نظرته الخاطفة، لم تكن نظرة موجهة لوجهها بل ليدها المرتعشة. 
لقد رآها، رآى نقطة ضعفها الأكبر، الآخرون رأوا الارتباك في وجهها لكن هو، هو رأى الانهيار في جسدها.

بدأت موجة من البرد تسري في أوصالها هذا الرجل مختلف صمته مخيف أكثر من كلام الآخرين، لا يهاجم بل يراقب ويحلل بصبر قاتل. 
شعرت بأنه لا يرى القصة التي ترويها بل يقرأ ما بين سطور روحها الممزقة.

بدأ الخوف يسيطر عليها وشعرت بالوحدة تعتصر قلبها، لم يعد لديها من تلجأ إليه، لا يوجد "آدم" هنا ليقف بينها وبين العالم.

"آدم..."

همست بالاسم دون وعي كأنها تستنجد بطيفه ومع ذكر اسمه بدأت يدها اليمنى ترتعش بعنف تلك الرعشة اللعينة التي تفضحها دائمًا. 

جلست على حافة السرير تضم يدها المرتعشة بيدها الأخرى بقوة محاولة السيطرة عليها، لكنها كانت كمن يحاول إيقاف زلزال.

_ آدم... أنا خائفة... احتاج لك...

تسللت الدموع إلى عينيها وهي تردد اسمه، لقد مات مصدر أمانها الوحيد وتركها وحيدة في عرين الأسود. 
فكرة الانسحاب والهرب لمعت في رأسها للحظة، أن تهرب الآن قبل أن يكشفوا أمرها لكن إلى أين؟ ليس لها مكان تذهب إليه ولا مال ولا هوية. 
هروبها الآن سيؤكد كل شكوكهم وسيجعلهم يطاردونها بلا هوادة، هي محاصرة.

في خضم يأسها لمعت في ذهنها فكرة تذكارها الوحيد من هويتها الحقيقية.

نهضت بسرعة وتوجهت إلى حقيبة سفرها القديمة الملقاة في زاوية الغرفة، فتحتها بعصبية وأفرغت بعض الملابس ثم أدخلت يدها في البطانة الداخلية، كانت أصابعها المرتعشة تتحسس القماش حتى وجدت ذلك الخيط غير المتجانس الذي وضعته بنفسها، سحبته بحذر لتكشف عن جيب سري صغير صنعته بيديها بمهارة ليلة هروبها.

أخرجت منه جواز سفر أزرق داكن مختلف عن ذلك المزيف الذي تحمله الآن، فتحته ومررت إبهامها على اسمها الحقيقي المطبوع بجانب صورتها القديمة صورة لفتاة كانت تبدو أصغر وأكثر براءة قبل أن يسحقها العالم.

الاسم: نادين فايز صخر التهامي.

تنهدت بعمق وهي تنظر إلى اسم والدها "فايز صخر التهامي". 
الاسم الذي يربطها بكل هذا الجحيم، حمدت الله في سرها ألف مرة أن أحدًا لم يكتشف هذا الجيب السري في المطار أو عند تفتيش حقيبتها هنا. 
هذا الجواز كان آخر ما تبقى لها من نفسها الحقيقية وكان في نفس الوقت أخطر دليل إدانة ضدها.

أعادته إلى مخبئه السري بسرعة وأغلقت الحقيبة، شعرت بلحظة من القوة الزائفة، هي ليست روزالين ميلر الضعيفة التائهة فقط هي نادين التهامي ابنة الرجل الذي ظُلم وجاءت إلى هنا بهدف.

لكن هذه القوة تلاشت بسرعة عندما تذكرت نظرة تميم الثاقبة
 هو لا يبحث عن "روزالين ميلر" التي ماتت ولا عن "نادين التهامي" التي لا يعرفها، هو يبحث عن الكذبة التي تقف أمامه. 
وهو بخلاف الآخرين يبدو أنه يعرف تمامًا أين ينظر.

 كانت لا تزال تحت تأثير لقائها بليال وتشعر بوخز الذنب تجاه تلك الفتاة النقية، لم يدم هدوؤها طويلاً فقد سمعت طرقًا خفيفًا على الباب مرة أخرى. 
ترددت في الفتح لكن صوت ليال المرح جاء من الخارج
 _روزا انتِ صاحية؟ الجو في الجنينة جميل دلوجت، خلينا نتمشى شوية. 

تنهدت روزا وفتحت الباب، لا يمكنها أن ترفض فذلك سيثير الشكوك حولها خاصة وأنها ادعت أنها بخير.

كانت الحديقة غارقة في ضوء الشمس الدافئ ورائحة الزهور تملأ الهواء. 
سارت الفتاتان جنبًا إلى جنب في صمت مريح لبعض الوقت قبل أن تبدأ ليال في الحديث كعادتها محاولةً أن تجعل ضيفتها تشعر بأنها جزء من العائلة.

- بابا زي ما شوفتي هادئ وجليل الكلام، بس هو جلب العائلة وكل شيء چميل فيها، هو ويامن محاميين، عشان كدة عقلهم دايمًا شغاله تحليل وتدقيق، متضايجيش من اسئلتهم لأنهم بيعملوا اكدة برضك معانا.

أومأت نادين برأسها وقد فهمت الآن سبب النظرات الفاحصة من يامن والأسئلة الدقيقة من جاسر.

_تاليا أختي التوأم أصل ماما مش بتجيب غير بالتوأم، هي مشروع دكتورة في المستقبل.

 أكملت ليال بابتسامة فخر. 
_دايمًا مشغولة بكتبها ودراستها بس جلبها من ذهب، أنا وتاليا محجبات ده جزء من دينا وتقاليدنا التي نعتز بها ياريت ميكونش ضايجك.

ثم صمتت ليال للحظة كأنها تجمع أفكارها لتتحدث عن شخص مميز.
_ باجي تميم...

عند سماع اسمه شعرت نادين ببرودة خفيفة تسري في جسدها لكنها أجبرت نفسها على الاستماع.

_ تميم هو توأم يامن بس مختلفين تمامًا.
قالت ليال وعيناها تلمعان بإعجاب وحب أخوي. 
_تميم هو مهندس العيلة العبقري
بس هو اكتر من كدة بكتير، هو الأمان... والحكمة... هو الشخص اللي تلجأ إليه لما تحس أن العالم كله ضدك.

كانت كل كلمة تقولها ليال تقع على قلب روزا كضربة مطرقة، كانت تصف كل ما فقدته كل ما كانت تحتاجه بشدة.

- هو متدين جدًا، بس تدينه مش جسوة أو تزمد 
تدينه رحمة، دايمًا تلاقي له طريقة لمساعدة الناس بهدوء، من غير ما حد يحس بده، بيعلمك الصح بالحكمة والحب مش بالأمر، قلبه طيب لدرجة لا يمكن تصورها 
ورغم هدوئه ده بس تلاقيه صخرة
 تستندي عليه وأنتِ مغمضة عينيكي وتكوني واثقة تمامًا أنه مش هيسمح لك تقعي ابدا، لكن عيبه الوحيد انه عصبي أوي ولما بيتعصب مش بيميز ولا بيحاول يفهم اللي قدامه عمل كدة ليه.

توقفت نادين عن المشي فجأة كانت كلمات ليال ترسم صورة لرجل مثالي... صورة تتطابق بشكل مؤلم ومخيف مع صورة "آدم" في ذاكرتها، لكنها أكثر نضجًا وعمقًا
هذا الرجل الذي تخافه وتعتبره أكبر تهديد لها هو نفسه تجسيد الأمان الذي كانت تتمناه طوال حياتها. 
هذا التناقض كان أكثر من أن يحتمله قلبها المنهك.

شعرت بالاختناق وبدأت يدها ترتعش بخفة مرة أخرى.

لاحظت ليال توقفها ونظرت إليها بقلق.
- _"روزا؟ أنتِ كويسة؟

همست نادين بصوت متقطع وبالكاد يسمع
_كفاية..

_ ايه؟ مش سماعكي

رفعت نادين رأسها وحاولت رسم ابتسامة باهتة
- كفاية يا ليال أرجوكِ. 

ثم تحججت بسرعة قبل أن تسألها ليال أكثر
_أشعر ببعض التعب فجأة، أعتقد أنني لم أستعد عافيتي بالكامل بعد سأعود إلى غرفتي لأرتاح قليلاً.

وقبل أن تتمكن ليال من قول أي شيء استدارت روزا وعادت بخطوات سريعة نحو السرايا، تاركةً ليال واقفة في حيرة وقلق.

دخلت غرفتها وأغلقت الباب ثم استندت عليه وقلبها يخفق بعنف لم يعد خوفها من تميم لأنه ذكي أو لأنه يشك بها، لقد أصبح خوفًا من نوع آخر أعمق وأكثر تعقيدًا. 
أصبحت تخاف من حقيقة أنه يمثل كل ما كانت تحلم به، وأن القدر وضعه في طريقها كعدو لها وليس كحليف

❈-❈-❈

في صباح اليوم التالي توجه تميم إلى موقع بناء المستشفى كعادته لكن عقله لم يكن منشغلاً بالكامل بالمخططات الهندسية وأطنان الخرسانة، كان جزء منه لا يزال عالقًا عند تلك الضيفة الغامضة في السرايا. 
لقد قرر أنه لن ينتظر تحقيقات والده وأخيه بل سيبدأ في جمع قطعه الخاصة من اللغز.

لم يذهب إلى السجلات الرسمية أو يتصل بمصادر خارجية، كانت نقطة بدايته أبسط وأعمق: 
السيارة.
 السيارة التي نقلت روزا إلى البلدة أول مرة.

بعد انتهاء عمله في الموقع لم يعد تميم إلى السرايا مباشرة، بل توجه إلى المكان الذي أخبرتهم بأن السائق انزلها فيه على أول البلدة 
 نظر حوله ليتأكد من وجود كاميرات وبالفعل وجدها على أول الطريق
ذهب لصاحب المحل الذي رحب به
_أهلا يا باشمندس اؤمر.
رد تميم بتهذيب
_الأمر لله وحده، كنت بس عايز أراجع الكاميرا لو سمحت.

رد الرجل بترحيب
_بس كدة من عينيا اتفضل اقعد يا باشمهندس وعرفني الوجت والتاريخ.
جلس تميم على المقعد ونظر إلى الشاشة وهو يملي عليه الوقت والتاريخ وبعد دقائق بدت كدهر
توقفت السيارة المنشودة وترجلت منها روزا بالفعل
قال للرجل
_قربلي المشهد ده لو سمحت.
قام الرجل بتوسيع المشهد فظهر السائق من نافذة السيارة، سأل تميم
_تعرف السواق ده؟

دقق الرجل النظر بالشكل ثم تحدث بشك
_مش عارف اذا كان اللي في بالي ولا لأ.

أكد الرجل أكثر
_أيوة هو خليل السواق، خير يا باشمهندس هو عمل حاجة، هو مادي صحيح بس غلبان وماشي جانب الحيط.

طمئنه تميم 
_لأ متقلقش انا بس هسأله عن حاجة مهمة، هسيبلك رقمي لما تقدر توصله كلمني.

أومأ الرجل
_من عينيا انت بس تؤمر.

خرج تميم وقد اطمئن قلبه قليلاً 
لقد انزلها السائق فعلا على أول البلدة وبكلمة مادي التي أخبره بها صاحب المحل أنه مادي وذلك يؤكد حديثها.
حاول أن يرى المشهد من منظورها هي
ماذا رأت؟ بماذا شعرت؟ أغمض عينيه للحظة متخيلاً فتاة غريبة مصابة ومذعورة تجلس في هذا المكان بالذات.

 
مر يومان على حوارها مع ليال في الحديقة، يومان قضتهما روزا في حالة من الهدوء المصطنع والحرب الداخلية الطاحنة. 

أصبحت تتجنب التجمعات العائلية قدر الإمكان متحججة بالتعب والإرهاق وهو ما لم يكن بعيدًا عن الحقيقة، لكن سببه كان نفسيًا لا جسديًا.

كانت تقضي معظم وقتها في غرفتها أو في ركن قصي من الحديقة بعيدًا عن أعين الجميع كي لا تضطر للتقيد بالحجاب
كانت تحمل كتابًا لا تقرأه وعقلها يعيد ترديد كلمات ليال عن تميم
"الأمان... الحكمة... لن يسمح لكِ بالسقوط أبدًا" 
كانت هذه الكلمات بمثابة الملح على جرحها المفتوح كل صفة جميلة وصفت بها ليال أخاها، كانت تذكرها بما فقدته مع آدم وبما لم تمتلكه يومًا في حياتها.

في عصر ذلك اليوم وبينما كانت تجلس شاردة تحت شجرة ياسمين وجدتها نغم. 
اقتربت منها بهدوء وجلست بجانبها حاملةً في يدها كوبين من الشاي بالنعناع
قالت بصوتها الدافئ الذي يبعث على الطمأنينة
_ عملت شاي قلت نشربه مع بعض مادام مش عايزة تقعدي معانا 

أخذت روزا الكوب وشكرتها بصوت خفيض، لم تكن تريد التحدث لكنها لم تستطع أن تكون فظة مع هذه السيدة التي عاملتها بلطف منذ اللحظة الأولى.

قالت نغم وهي تنظر إليها بحنان أموي
_أنا عارفة انك زعلانة على موت أخوكي، وانا حاسة بيكي لإني مريت بنفس الشيء مع أخويا زمان بس كان بطريقة اصعب بكتير
شوفت لحظات اصعب من تخيل اي بشر بس الحمد لله كل ده عدى وانتهى.

ربتت نغم على ساقها بابتسامة مشرقة تخفي بها آلام الماضي
_متخافيش انتي معانا في امان.

كلمة "أمان" مرة أخرى. 
شعرت روزا بغصة في حلقها كيف يمكن أن تشعر بالأمان في بيت عدوها؟ وكيف يمكن لهذه السيدة أن تكون بهذا اللطف وهي زوجة الرجل الذي تسبب في مأساة والدها؟

قالت روزا بصدق وشعرت بالخجل من نفسها
- أنتِ طيبة جدًا معي سيدتي، لا أعرف كيف أرد لكِ هذا الجميل
 
ابتسمت نغم
_الجميل هو أني اشوفك مبسوطة وابتسامتك تكون من قلبك مرة تانية، وبعدين كفاية ليال اتعلقت بيكي بسرعة وحبتك جوي.

هذا زاد من شعور روزا بالذنب لم تكن تخون جاسر ويامن بشكوكهما، بل كانت تخون ثقة نغم البريئة وحب ليال الصادق.

في تلك اللحظة مر تميم على بعد أمتار منهما عائدًا من عمله
كان يبدو عليه الإرهاق وقميصه ملطخ بغبار العمل، ألقى عليهما التحية بإيماءة رأس هادئة وتبادل نظرة سريعة مع والدته، ثم أكمل طريقه إلى داخل السرايا.

كانت نظرة خاطفة لم تدم أكثر من ثانية، لكنها كانت كافية لتجمد الدم في عروق روزا لم تكن نظرة شك مثل نظرات يامن، ولا نظرة فاحصة مثل نظرات جاسر. 
كانت نظرة هادئة قارئة وكأنها تخترق كل دفاعاتها وترى مباشرة إلى روحها المرتعشة شعرت وكأنه يعرف كل شيء.

بعد أن غادر قالت نغم وكأنها تقرأ أفكارها
- متخافيش من تميم هدوءه بيبان انه مخيف بس هو أطيب قلب في الدنيا 

لم تجب روزا كل ما كانت تفكر فيه هو أن هذا القلب الطيب هو آخر شيء تحتاجه الآن. 

كانت تحتاج إلى أعداء واضحين إلى قسوة تبرر كراهيتها وانتقامها، لكن هذه العائلة 
بلطف نغم، وبراءة ليال، وحتى بحكمة تميم الهادئة، كانت تدمر خطتها ببطء ليس بكشف أكاذيبها بل بجعلها تشك في هدفها نفسه.

عندما عادت إلى غرفتها تلك الليلة وقفت أمام المرآة ونظرت إلى انعكاسها. 
لم تعد ترى "نادين التهامي" ولا روزالين ميلر التي جاءت للانتقام رأت فتاة ضائعة وممزقة، عالقة بين ماضي يطالبها بالثأر، وحاضر يغمرها بلطف غير متوقع يجعل هذا الثأر يبدو بشعًا وخاطئًا. 
ولأول مرة منذ وفاة والدها لم تسأل نفسها "كيف سأنتقم؟" بل سألت نفسها بصوت يملؤه اليأس: 
"هل أنا على حق؟"
عندما لاحظت نغم شرودها قالت وهي تشير لها على أحد المباني الصغيرة والمنعزلة
_في هنا مكتبة لو حابة تقرأي اي حاجة تسليكي.
لم تستطيع روزا الرفض كي لا تشك نغم بها، فهي لا تجيد القراءة العربية
أومأت لها مرغمة وعندما سمعت نغم صوت تاليا استئذنت منها
_طيب هروح اشوف تاليا لحسن دي مش بتصبر.

كانت (روزا) قد اعتادت على روتينها المسائي بالهروب إلى المكتبة الضخمة بجانب السرايا 
كانت مكانًا هادئًا نادرًا ما يدخله أحد في هذا الوقت مما يمنحها شعورًا مؤقتًا بالعزلة والأمان. 
كانت تتصفح كتابًا قديمًا عن تاريخ العمارة الإسلامية، ليس لأنها مهتمة بل لأن الصور كانت تبعد عقلها عن التفكير.

فجأة سمعت صوت خطوات هادئة تقترب
رفعت رأسها بتوتر فتجمدت في مكانها عندما رأت تميم يدخل المكتبة
لم يكن ينظر إليها بل توجه مباشرة إلى أحد الرفوف العالية وبدأ يبحث عن كتاب معين.

شعرت روزا بأنفاسها تنقطع، أرادت أن تختفي، نهضت بهدوء شديد محاولة الانسحاب من الغرفة دون أن يلاحظها
لكن صوته الهادئ الذي جاء من خلفها، أوقفها كجدار من الجليد
انتي ازاي تخرجي من غير الحجاب؟
التالي

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة رانيا الخولي، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة‏

1 تعليقات

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل