رواية جديدة دماء ذهبية لسمر إبراهيم - الفصل 6 - الخميس 30/4/2026

تم النشر في: 30 أبريل 2026

قراءة رواية دماء ذهبية كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية: دماء ذهبية 

رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات

الكاتبة: سمر إبراهيم 

الفصل السادس

تم النشر يوم الخميس 

30/4/2026

ولادة متعسرة




- هالة، يا هالة، اصحي يا بنتي انتي نايمة كدا ليه.


صوت آتٍ من بعيد ينادي باسمها، يقترب شيئًا، فشيئًا، حتى أصبحت تسمعه بوضوح؛ لتتنبه جميع حواسها، وتبدأ في استعادة وعيها تدريجيًا، فتحت عيناها لتجد زوجها يقف أمامها، ينظر إليها بقلق، وفور تذكرها ما حدث شهقت بقوة وهي تتحسس رقبتها، وتنظر إلى بطنها بصدمة، فوجدت أن ملابسها تغطيها ولا شيء مما رأته قبل أن تغيب عن الوعي، فأخذت تكشف ملابسها وتتحسس بطنها بخوف، لتجد أن كل شيء طبيعي، وبروز بطنها الطفيف كما هو، بل وأحست بحركة طفيفة تحت يدها من طفلها، وكأنه يخبرها بأنه بخير، فتنفست الصعداء، وتيقنت بأن ذلك لم يكن سوى كابوس سيء حدث لها بسبب الضغط الذي تعرضت له من حديث حماتها، فأرجعت ظهرها للخلف باسترخاء وهي تردد:


- الحمد لله.


للحظات نسيت ذلك الواقف أمامها ينظر إليها عاقدًا حاحبيه بعدم فهم، لتتحول نظراته إلى الغضب لاعتقاده بأنها تفعل ذلك لتهرب من فعلتها مع والدته  وهنا حدجها بنظرات نارية وحدثها بصياح:

- لهو انتي فاكرة إنك لما تعملي الشويتين دول هتلغوشي على اللي عملتيه في أمي من شوية؟


ضيقت ما بين حاجبيها وأجابته بعدم فهم:


- شويتين إيه؟ وإيه اللي أنا عملته في أمك أصلا؟ هي حكتلك إيه عشان تيجي مقلوب بالمنظر ده؟


تفاقم غضبه فور سماعه لحديثها الجديد على مسامعه، فـ فيما يبدو أنها بدأت تتمرد عليه بسبب حملها معتقدة بأنه سيترك لها الحبل على الغارب لمجرد أنه ينتظر طفل منها:


- انتي شكلك كدا نسيتي نفسك وافتكرتي إنك عشان هتخلفي خلاص هتركبي وتدلدلي رجليكي وتغلطي براحتك من غير ما حد يردك بس إظاهر كدا انتي لسة متعرفينيش كويس أنا لا يهمني حامل ولا مش حامل ومن بكرا أتجوز غيرك تلاتة وأجيبهم يعيشوا معاكي هنا، اتلمي وعيشي بدل ما تشوفي وشي التاني.


طريقته ليست غريبة عليها فالجديد كان اللطف الزائد منه هو ووالدته أما الآن فلقد عاد كل شيء لطبيعته نظرت إليه وعقبت باقتضاب وعلى وجهها ابتسامة متهكمة:


- والمطلوب.


- تنزلي تحبي على إيد امي وراسها وتراضيها بكلمتين وبعد كدا تتعدلي معاها في الكلام واللي حصل النهاردة ده ميتكررش تاني.


زفرت بإرهاق فلم تعد تمتلك طاقة للجدال معه:


- ماشي أي أوامر تانية.


هدأ غضبه قليلًا بعد تيقنه من خضوعها له، وتنفيذها لجميع أوامره، ليتحول غضبه شيئًا، فشيئًا إلى رغبة بها فهو لم يقترب منها منذ ما يقارب الثلاثة أشهر، لا يعلم لما أمرته أمه بعدم الاقتراب منها طوال مدة الحمل، فذلك شيء شاق للغاية بالنسبة له، ولم يسمع به من قبل.


اقترب منها وجلس جوارها ليحدثها بصوت رخيم، وهو يحرك إصبعه على زراعها صعودًا، وهبوطًا:


- يعني أنا جاي وعمال أقول يا واد يا قدري روح قضي يوم حلو مع لولو حبيبتك اللي شايلة ابنك في بطنها، وعوضها عن ال 3 شهور اللي فاتوا اللي كنت بعيد عنها فيهم غصبن عنك، آجي ألاقي المشاكل دي كلها وأنا اللي ما صدقت إن الأمور استقرت بينك وبين أمي ومعدتش بتشتكي منك.


نظرت له بجانب عينها دون أن تلتفت، وهزت رأسها بيأس راسمة على فمها ابتسامة متهكمة، فهو لم ولن يتغير ،طفل أمه المدلل، العالم كله لا بد وأن يدور في فلكه هو ووالدته، وليذهب الباقي إلى الجحيم، لا يحسن تعامله معها سوى إن أراد منها شيء، وما دون ذلك لا تجد منه سوى الجفاء، والكلمات السامة إن لم يتطور الأمر إلى الضرب في أغلب الأوقات.


طال صمتها فاقترب منها أكثر وحدثها بهمس:


- ساكتة ليه بذمتك موحشتكيش.


ابتعدت عنه وأجابته وهي تبتسم ابتسامة صفراء.


- لا طبعا وحشتني بس انت عارف إن مينفعش يحصل بينا حاجة أمك مأكدة على ده.


اقترب منها المسافة التي بعدتها عنه وحدثها بصوت يملأه الرغبة:


- ومين هيعرف أمي بس ولو عالحمل متخافيش أنا سألت وعرفت إننا ممكن نعمل اللي احنا عايزينه بعد الشهر الرابع متبقيش فصيلة بقى وتبوظي الليلة.


لم تنطق، ولم تعترض على حديثه، فحتى إن اعترضت سيفعل ما يريد، لتجده بدأ يتقرب منها، ولكنه صرخ فجأة، وابتعد عنها وهو يمسك بظهره وعلامات الألم واضحة عليه، فاعتدلت وعدلت من ملابسها وهي تنظر إليه بعدم فهم، وهو يقفز على الأرض قفزات متتالية من كثرة الألم، ويتلفت حوله بزعر شديد، فاستقامت واقتربت منه لترى ما به، وفو، لمسها لساعده قفز بعيدٌا عنها بفزع وهو يصيح:


- ابعدي عني متلمسنيش.


عقدت حاجبيها وعقبت بعدم فهم:


- مالك يبني حصلك إيه؟


كانت عيناه تجوب المكان بزعر وكأنه يبحث عن شيء ما وأجابها دون أن ينظر إليها:


- مش عارف بس حد ضربني على ضهري بحاجة زي ما تكون كرباج وسمعت صوت مرعب في ودني بيقول "متقربلهاش" أنا مش هقربلك تاني خلاص، حاضر، حاضر مش هقربلها.

كان يمد يديه أمامه علامة على استسلامه، وهو يهذي بكلمات غير مفهومة وكأنه يتحدث إلى شيء غير مرئي يقف أمامه، وهرول سريعًا ليخرج من الشقة وهو يتلفت حوله، فشعرت بالفزع من حالته هذه وازداد فزعها فور خروجه خاصة عندما أحست بأنفاس تقترب منها وكأن أحد يقف أمامها، ويتنفس فابتعدت للخلف لتتعثر في الأريكة التي كانت خلفها لتسقط عليها، ووجدت هذا الشيء الخفي يكشف ملابسها لتشعر بيد خفية تتحسس بطنها، وهي غير قادرة على التحرك ولكن فجأة ودون مقدمات وجدت ضوء قوي يخرج من بطنها وكأنه يدفع هذا الشيء بعيدًا عنها، فسمعت صرخة مدوية لا تعرف مصدرها، وصوت يتردد داخل عقلها لا تعلم مصدره:

- متخافيش أنا جمبك وهحميكي.


وكان هذا آخر شيء تتذكره قبل أن تغيب عن الوعي.


❈-❈-❈

بعد مرور خمسة أشهر

خمسة أشهر مروا عليها شهدت بهم العديد من الأحداث الغريبة التي لا تجد لها تفسير، تجنبها زوجها طوال هذه المدة، كان يخشى الاقتراب منها، حتى الحديث معها كان في أضيق الحدود، كوابيس مفزعة تلازمها كلما غفت جميعها تتعلق بجنينها، لتتضارب مشاعرها ما بين الخوف منه وعليه، تخشى أن يكون مولودها هذا بلاءً عليها وأن يعاقبها الله بسبب ما فعلته، فهي على يقين بأن ذهابها إلى الدجالين والمشعوذين هو شرك بالله، وكفر بنعمته، ولكن ما عساها أن تفعل فلقد ذهبت رغمًا عنها، فهي مسلوبة الإرادة، عديمة الشخصية، دائمًا ما ترضخ وتفعل ما يٌطلب منها دون قيد أو شرط، رضخت لوالدها عندما أجبرها أن تتزوج من قدري رغمُا عنها، وتركت من كان يهواه قلبها، رضخت لزوجها الذي سلب حريتها، ومنعها من العمل لتتفرغ لخدمته هو وعائلته، أما عن حماتها فحدث ولا حرج، فلقد تفننت هذه المرأة في تعذيبها، ومحو شخصيتها بشتى الطرق، حتى أصبحت على ما هي عليه الآن حطام إنسان.


دمعة قهر نزلت من عينها وهي تتذكر ما عانته بداخل هذا المنزل، ست سنوات من المعاناة التي لا تنتهي، وعائلتها كل الذي يهتمون لأمره هو ألا تحصل ابنتهم على لقب مطلقة مهما حدث عليها أن تتحمل مالا يتحمله بشر فقط حتى لا توصم بهذه الصفة وكأنها وصمة عار، تنهدت بحصرة وهي تقوم بصعوبة شديدة لكي تحضر الحقيبة الخاصة بالولادة فلم يتبقى الكثير على موعد ولادتها كما أخبرتها الطبيبة اليوم، ففيما يبدوا أنها لن نكمل شهرها التاسع.


دخل زوجها الغرفة وأخذ بعض الملابس من الخزانة واتجه نحو باب الغرفة وهو يتأفف دون أن يحدثها أو حتى ينظر إليها وقبل خروجه حدثته بتهكم:

- طب ارمي السلام عالأقل دا حتى السلام لله.


وقف معطيًا ظهره إياها والتفت بوجهه فقط ليعقب بنفاذ صبر:


- خير، عايزة حاجة.


ضحكة متهكمة خرجت منها وهي تعقب باقتضاب:

- شكرًا كتر خيرك.


أكمل طريقه خارج الغرفة ولكنه توقف فجأة والتفت إليها ليحدثها بأمر:


- اعملي حسابك إن مفيش ولادة في مستشفى خاصة والكلام الفاضي اللي الدكتورة قالت عليه ده انتي لما يجيلك وجع الولادة هنروح مستشفى حكومي كدا كدا مفيش فرق مصاريف عالفاضي.


وقفت لتحدثه بغضب وهي عاقدة زراعيها:


- ودا من امتى الكلام ده إن شاء الله انت مش كنت معايا عند الدكتورة ومعترضتش على المستشفى اللي هي قالت عليها؟ إيه اللي اتغير في الكام ساعة دول؟


حاد بنظره عنها وعقب بتردد:


- مفيش حاجة اتغيرت، أنا بس فكرت مع نفسي وقولت حرام نصرف الفلوس دي كلها عالفاضي، احمدي ربنا إني هولدك في مستشفى أصلًا مش في البيت زي باقي سلايفك.


فهمت أن ذلك بالتأكيد رأي والدته فهي من أصرت قبل ذلك على عدم ذهاب سلفتيها إلى المشفى أثناء الولادة حتى أن عايدة كادت أن تموت وهي تلد أطفالها التوأم والآن تتفضل عليها بأن تجعلها تلد في مشفى حكومي فعقبت بلامبالاة:


- اعمل اللي يريحك.


نعم تعلم أنها مهما حاولت لن تستطيع أن تثنيه عن رأيه أو بالأحرى رأي والدته وهي لم يعد لديها القدرة على المجادلة ولم تكن عندها يومًا فليفعل ما يريد وما كتبه الله لها ستراه لا محالة.


❈-❈-❈


بعد مرور عشرة أيام 


تقف أمام المرآة تتحسس بطنها المنتفخ وهو يقف خلفها يحتضنها ويضع يده على يدها يحركها بلطف على بطنها وكأنه يطمئن على الجنين الذي بداخلها.


كانت تنظر إليه خلال المرآة بحب لا تعلم كيف له أن يتغير إلى هذه الدرجة فهذه المرة الأولى منذ بداية حملها التي يفعل بها هذا، فحدثته بابتسامة وهي تنظر إلى انعكاسه الذي أمامها في المرآة:


- أنا مش مصدقة إنك اتغيرت أوي كدا كانت فين المعاملة دي من زمان؟


ابتسم وهو يحيطها بزراعيه وينظر إلى انعكاسها بابتسامة وعيون لامعة:

- كنت غلطان من دلوقتي كل حاجة هتتغير عشان خاطر ابننا.


افتر فمها بابتسامة واسعة ومالت برأسها على صدره ولكنها تعجبت لعدم سماعها لدقات قلبه وازدياد الحرارة المنبعثة من جسده فرفعت رأسها والتفتت إليه محدثة إياه بحاجبين معقودين:


- مالك انت كويس؟

اتسعت ابتسامته حتى صارت مخيفة بالنسبة لها وعقب وهو ينظر في عينيها بتركيز:

- مالي؟! أنا كويس جدًا طول ما انتي وابننا جمبي.


انقبض قلبها وشعرت بعدم الراحة في قربه فحاولت الابتعاد قليلًا ولكنه أبى ذلك وظل محتضنًا إياها بقوة حتى شعرت بالألم فحاولت فك قبضته وإبعاد يديه عنها ولكنها فشلت بذلك وبدأ ألمها يزداد فحدثته متوسلة إياه أن يبتعد:


- قَدري ابعد شوية لو سمحت انت بتوجعني.


اشتدت قبضته أكثر وحدثها وقد تحولت عيناه إلى اللون الأسود واختفى اللون الأبيض منها لتشعر بالزعر يسري في جميع جسدها وتأكدت بأن هذا الشخص ليس بزوجها وإنما هو شخص يشبهه:

- عايزة تبعدي عني ليه؟ مش انتي بتحبيني أنا مش هسيبك انتي وابننا هاخدك معايا ونعيش إحنا التلاتة مع بعض علطول.


ارتعش جسدها، وشعرت وكأن العالم يدور من حولها، وبدأت تغيب عن الوعي وهو يشدد من احتضانها، وهنا استيقظت فجأة وهي تصرخ، لتدرج أن ما حدث كان مجرد حلم، ولكنها شعرت بألم شديد يصعب احتماله في ظهرها وبطنها ضربات متتالية تضرب ظهرها وتشعر بثقل أسفل بطنها وكأن شيئًا سيسقط منها فمدت يدها بصعوبة شديدة تحاول إيقاظ ذلك الذي يغط في نوم عميق بجوارها ولا يدري أيًا مما يدور حوله.


هزته أكثر من مرة ولكن دون فائدة فحاولت التحدث عله يتنبه ليخرج صوتها مهزوز تخرج الكلمات منها بصعوبة بالغة:


- اصحى يا قدري، اصحى أبوس إيدك أنا مش قادرة.


تململ في نومه لا يقوى على فتح عيناه وحدثها بنزق:


- فيه إيه عالمسا؟ بتصحيني ليه؟ أنا مكملتش ساعتين نوم على بعض.


حاولت التغلب على ألمها، ولكنها فشلت في ذلك، فخرجت منها صرخة رغمًا عنها، ولم تستطع الرد عليه، ليفزع فور سماعه صرختها، وجلس على الفراش يفرك وجهه يحاول أن يستوعب ما يحدث ففتح عينيه بصعوبة، ونظر إليها وهو يتأفف ليرى علامات الألم بادية على وجهها، تتنفس بصعوبة شديدة، تمسك بظهرها بيد وتعض على اليد الأخرى حتى لا تصرخ ثانية ليفزع من حالتها هذه واقترب منها يمسك بيدها يخرجها من فمها وحدثها باهتمام قلما يظهر عليه:


- إيه مال؟ فيكي إيه؟


حاولت تنظيم أنفاسها حتى تستطيع أن تجيبه ففشلت في ذلك ليخرج صوتها بصياح


- الحقني يا قدري شكلي بولد.


انتفض من مكنه وأخد يدور حول نفسه لا يعلم ما الذي عليه فعله لتصرخ فيه مرة أخرى بنفاذ صبر:


- خدني عالمستشفى وكلم أمي تجيلنا على هناك بسرعة.


❈-❈-❈


يقف أمام غرفة العمليات بقلق شديد، لا يستطيع الجلوس، ينظر من النوافذ الصغيرة الموجودة بالباب تارة، وينظر في ساعته تارة أخرى، لا يعلم لم تأخرت بالداخل كل هذا الوقت، فلقد مضى ما يقارب الثلاث ساعات وهي بالداخل، لم يخرج أحد ليطمئنه، والدتها تجلس تبكي على أحد المقاعد، أما عن والدته فتجلس بجمود على المقعد المقابل لها، تشير إليه أن يذهب ويجلس بجوارها، لكنه أبى ذلك وظل واقفًا أمام الغرفة، بداخله العديد من الأحاسيس المتضاربة لا يعلم هل هو قلق عليها أم على طفله؟ ولكن ما ما يدركه الآن هو رغبته الملحة في أن يصير أب ويحمل طفله بين زراعيه.


هرج ومرج أمام غرفة العمليات اثنتان من الممرضات خرجتا مهرولتين لم يستطع أن يحدث إحداهما يتبعهما أحد الأطباء ليقوم بتوقيفه وسؤاله عن الحالة وهو يتآكله القلق:


- خير يا دكتور فيه إيه.


خلع الطبيب الكمامة الطبية عن وجهه وحدثه بأسف:


- محتاجين أكياس دم بأقسى سرعة المشيمة كانت لازقة في جدار الرحم والمريضة نزفت كتير جدًا ولازملها نقل دم.


عقب بلهفة دون تردد:


- طب والطفل؟


تعجب الطبيب من حديثه فكيف له ألا يقلق على حالة زوجته الخطرة وكل ما يشغله هو حالة طفله ولكنه أجابه بعملية:


- الطفل بخير الحمد لله الممرضة بتجهزه وهيخرج كمان شوية الأم هي اللي حالتها خطيرة لو سمحت روح بنك الدم في الدور التالت اتبرع بالدم واتصل بمعارفك مش مهم تكونوا نفس الفصيلة احنا هنوفر فصيلتها من بنك الدم بس لازم حد يتبرع قصاد الأكياس اللي هتخرج.


أماء له وهو يعقب باقتضاب:


- ماشي يا دكتور.


أسرعت والدتها التي كانت تستمع لحديث الطبيب وحادثت زوجها عبر الهاتف ليأتي مع أبنائها الآخرين وجميع من يستطيع إحضاره لإنقاذ حياة ابنتها وهرولت إلى حيث أخبرهم الطبيب لكي تتبرع بدمائها بل بروحها أيضًا إن استطاعت حتى تنقذ فلذة كبدها.


كاد أن يلحق بحماته ولكن يد والدته أوقفته لتسأله باستفهام:

- رايح فين؟


أشار بيده إلى حيث اتجهت والدة زوجته وهو يجيبها بتيه:


- رايح بنك الدم زي ما الدكتور قال عشان اتبرع لهالة بدمي.


ضغطت بيدها على ساعده وهي تأمره بحزم:


- متروحش في حتة أقف جمبي استنى ابنك على ما يطلع أهلها أولى بيها.


حاول الاعتراض على أوامر والدته:


- بس يمّا.

قاطعته بحزم وهي تحدجه بنظرات تحذيرية:

- مبسش اللي أقول عليه يتعمل احنا اللي يهمنا ابننا هي إن طلعت ولا نزلت ماعون إن راحت يجي غيرها.


استسلم لأمرها كعادته وجلس بجوارها بخنوع مطأطئ الرأس، يشاهد هرولة الفريق الطبي واستماتتهم لإنقاذ زوجته بصمت وكأنها شخصًا غريبًا عنه لا تربطها به أية صلة.


خرجت إحدى الممرضات بعد ما يقارب النصف ساعة حاملة بين يديها طفله الصغير وأعطته إياه وهي تناظره من أعلى لأسفل بازدراء خاصة بعد سماعها لصوت زغاريد والدته التي أطلقتها فور رؤيتها لها دون أن تضع في اعتبارها تلك النائمة بالداخل بين الحياة والموت، ولكنه لم يلتفت لنظراتها فلقد كانت عيناه مسلطتان على ذلك الكائن الصغير الذي بين يديها ليأخذه منها ويحمله بين زراعيه بحرص شديد متجهًا نحو والدته وتحدث بابتسامة دون أن يحيد بنظره عنه وعيناه تلمعان بالدموع:


- شوفتي ابني يمّا، دا ابني، حتة مني، أنا مش مصدق إني خلاص بقيت أب.


ربتت على كتفه وعقبت وهي تنظر إلى الصغير بفرحة عارمة فأخيرًا تحقق حلمها ورأت حفيدها أمام عينيها:


- يتربى في عزك يا حبيبي.


جلس على أقرب مقعد وهو يحتضنه برفق يأبى أن يعطيه لأحد حتى والدته وبعد ما يقارب الساعة خرج الطبيب فأقبل عليه عائلة هالة لكي يطمئنوا على ابنتهم أما هو فلم يتحرك من مكانه وكأنه انعزل عن العالم فور رؤيته لطفله.


زفر الطبيب، وتحدث الطبيب بعملية:

- احنا عملنا اللي نقدر عليه عشان نوقف النزيف هي دلوقتي هتدخل العناية المركزة كام يوم على ما الوضع يستقر دعواتكم ليها.


قال ذلك وانصرف لتبكي والدتها وإخوتها بشدة ووقف والدها بجوار شقيقها ساندًا ظهره على الحائط يحدج قدري بنظرات نارية ليجد ابنه ذاهبًا في اتجاهه يريد التشاجر معه ليمنعه بصعوبة هامسًا في أذنه:


- اهدا يا محمد متفرجش الناس علينا يبني ده لا وقته ولا مكانه.


حاول التملص من والده، ولكنه فشل في ذلك فلقد أحكم قبضته على ساعده ليعقب بغضب من بين أسنانه:


- سيبني يابا أفش غلي فيه البارد ده، دا ولا كأنه يعرفها دي حتى لو كانت واحدة غريبة ميعرفهاش المفروض تصعب عليه، إنما دي مراته واللي حصلها ده حصل وهي بتجيبله ابنه.


حاول امتصاص غضبه فهو لا يريد أن تتفاقم الأمور وتخرج عن السيطرة وابنته في هذه الحالة:

- معلش نلتمسله العذر بص عليه كدا دا شكله في عالم تاني من ساعة ما شاف ابنه انت عارف جاله على شوقه ولما اختك تفوق إن شاء الله لينا قاعدة معاه إنما دلوقتي دا لا وقته ولا مكانه.


زفر بضيق، ولكنه أذعن لأمر والده، وعاد ليقف بجواره مطأطئ الرأس، يمنع دموعه بصعوبة شديدة، لا يتوقف لسانه عن الدعاء لشقيقته بالنجاة من هذه المحنة، وما هي سوى لحظات حتى خرجت شقيقته من غرفة العمليات غائبة عن الوعي يتجه بها العاملون بالمشفى نحو غرفة العناية الفائقة ومن خلفها عائلتها وعندما تأهب قدري للذهاب خلفهم أمسكت والدته بساعده وحدثته بحزم:


- هنروح وراهم عشان محدش يجيب علينا غلط وخمس دقايق ونمشي وهناخد الواد معانا على ما نشوف أمه هتقوم بالسلامة ولا إيه.


أماء لها وبالفعل نفذ جميع ما أمرته به لتعترض والدة زوجته في البداية أن يأخذ حفيدها ولكنها رضخت في النهاية أمام إصراره هو ووالدته ليأخذ طفله ويذهب به إلى منزله لتعطيه والدته لزوجة ابنها الأكبر وهي تحدثها بأمر:


- خدي يا عايدة سمي، الواد ده يفضل معاكي وخلي بالك منه لحد ما نشوف أمه هيحصلها ايه؟


أماءت لها بموافقة وأخذت الطفل من والده وهي تردد البسملة، ضمته إلى صدرها، وجلست به، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة حنونة فور رؤيتها لوجهه الملائكي لدرجة أنها لم تستطع أن تحيد بنظرها عنه وكأن محبته قد زُرِعت بقلبها وبعد لحظات أدركت أنها تريد بعض الأشياء من أجل الصغير فوجهت حديثها لقدري:


- هات ورقة وقلم يا قدري عشان أكتبلك على حاجات تجيبهاله من الصيدلية.


عقد حاجبية وسألها باستفهام:


- حاجة إيه.


ابتسمت وهي تنظر للصغير بحب لا تعلم مصدره فلقد دخل هذا الطفل قلبها منذ أن حملته بيديها:


- لبن، وببرونة، ولهاية، ولو معندوش بامبرز هاتله.


حرك رأسه لأعلى ولأسفل، وذهب مسرعَا ليحضر لها ما طلبته، وكل من يراه يظن أنه قد فقد عقله من فرط سعادته، فهو الآن يشعر وكأنه امتلك الدنيا وما فيها غير مبالٍ بزوجته أو ماذا حدث أو سيحدث لها.
التالي

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة سمر إبراهيم، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة‏

1 تعليقات

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل