تم النشر في: 27 أبريل 2026
قراءة رواية دماء ذهبية كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: دماء ذهبية
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة: سمر إبراهيم
الفصل الخامس
تم النشر يوم الإثنين
27/4/2026
حمل غريب
تتحسس بطنها المسطحة بحرص شديد، لا تصدق أن حلمها تحقق أخيرًا وهي الآن تحمل في أحشائها طفل صغير، فرحتها بحملها أنستها كل شيء سيء مر بحياتها حتى أنها أنستها ما تعرضت له على يد حماتها وتلك المرأة، فالآن كل ما تشعر به هو الإمتنان لهما فإن كان ما فعلاه بها هو سبب حملها فهي غير نادمة على ذلك.
دمعة نزلت من عينها وهي تتذكر ذهابها إلى الطبيبة وتأكيدها لها خبر حملها ورؤيتها لكيس الحمل على جهاز الموجات فوق الصوتية "السونار" وسماعها لصوت نبض جنينها؛ لتطمئنها الطبيبة على حالتها، ووضع الجنين، وكتبت لها بعض الأدوية التي تساعد على تثبيت الحمل، فشعرت بأن اليوم هو أسعد يوم مر عليها منذ أن قدمت لهذه الحياة.
انتبهت على صوت طرقات على باب الغرفة؛ لتدخل أختها وتخبرها بأن زوجها، وأمه، قد حضرا، وما هي سوى لحظات ووجدته يدخل عليها الغرفة ومن خلفه أمه، التي تطلق الزغاريد دون انقطاع، لتتفاجأ به يضمها إليه، ورأت السعادة تتجلى على وجه والدته، فلأول مرة منذ يوم زواجها تجدها تنظر إليها بنظرات مليئة بالحب، بل والاكثر من ذلك وجدتها تحتضنها بقوة، وتحدثت بسعادة بعد أن فرقت عناقها:
- مبروك يا مرات ابني، بركاتك يا ستنا ياريتني كنت روحتلك من زمان.
للحظات تذكرت ما مرت به عندما ذكرت حماتها هذه المرأة ولكنها تناست ذلك وعقبت بابتسامة هادئة:
- الله يبارك فيكي يا ماما كله بفضلك بعد ربنا.
عقبت وهي تربت على صدرها بفخر مما فعلته:
- شوفتي لما سمعتي كلامي ربنا رضاكي إزاي؟
أماءت لها بموافقة لتستأنف الأخرى حديثها:
- أني هروح دلوقتي حالًا أقولها البشارة وأديها الحلاوة وانتي روحي بيتك مع جوزك.
حركت رأسها لأعلى ولأسفل دون أن تنطق، وبالفعل تركتهم وفاء وذهبت لبيت صباح لإخبارها بما حدث إذعانًا منها لما أمرتها به وهم في المقابر.
دخلت الغرفة ووجدتها تجلس على مقعدها كمان رأتها أول مرة فنظرت إليها وابتسمت ابتسامة لم تلامس عيناها وحدثتها بخبث:
- إيه نقول مبروك.
ذهبت مسرعة إلى حيث تجلس وأمسكت بيدها تقبلها وهي تجيبها:
- إيدك أبوسها يا ستنا طلباتك وأني من إيدك دي لإيدك دي.
تركتها تقبل يدها وحدثتها بتعالي وقد شعرت بالنشوة وهي تراها منحنية أمامها هكذا:
- أنا مبطلبش أنا هسيبك إنتي تحددي الحلاوة اللي تليق باللي عملته، ولما تروَحِي لازم تقولي لابنك إنه لو عايز الحمل ده يكمل على خير لازم ميقربش منها طول التسع شهور بتوع الحمل.
رفعت رأسها تنظر إليها بحاجبين معقودين وعقبت بتزمر:
- مش كتير يا ستنا؟
حدجتها بغضب وتحدثت بصوت أجش غير صوتها الذي اعتادته:
- اللي أقول عليه يتسمع يا نرة انتي من غير أخد ورد قولي لابنك لو فكر بس يقرب منها هيشوف اللي مش هيعجبه فاهمة؟
قالت كلمتها الأخيرة بصراخ لتنتفض الأخرى ورجعت للخلف بضع خطوات برعب شديد وأخرجت من صدرها منديل ملفوف فتحته وأخرجت منه ثلاثة أطواق ذهبية مخصصة للرسغ ومبلغ مالي ليس بقليل ووضعتهم أمامها وتراجعت للخلف في إتجاه باب الغرفة دون أن تستدير وتحدثت وهي تنحني لها وتلوح بيدها علامة على الطاعة:
- اللي تؤمري بيه يا ستنا السمع والطاعة، السمع والطاعة.
اكتفت بإشارة من يدها لتسمح لها بالذهاب وهي تنظر إلى الحلي الذهبية والنقود الموضوعين أمامها بيعينان تلمعان بالظفر وابتسامة رضا مرتسمة على وجهها.
❈-❈-❈
عادت إلى منزل العائلة مرة أخرى ولكن هذه المرة كانت مختلفة فلقد حظيت باهتمام الجميع خاصة حماتها التي كانت تجعلها ترتاح معظم الوقت وتلقي بجميع الأعمال المنزلية على عاتق سلفتيها مما جعلهما يتزمران ويشعران بالغيرة منها فأثناء حملهما لم ترحمهما وفاء وكانت تقسم الأدوار على ثلاثتهن وإن كانت تجعل هالة تقوم بالمهام الأصعب والاكثر ولكنها لم تعفيهما من عمل أي شيء مثلما تفعل معها الآن.
ولجت عايدة إلى شقتها وجلست بجوار زوجها وهي تتأفف فوضع جهاز التحكم الخاص بالتلفاز من يده ونظر إليها وتحدث بضيق:
- مالك مش طايقة نفسك ليه عالمسا؟
اعتدلت في جلستها لتكون في مقابلته وأجابته بغضب:
- يعني مش عارف؟! انت يعني عاجبك اللي بيحصل ده الست هالة متبغددة ومبتعملش حاجة وأنا وحنان طلعان عنينا طول النهار في شغل البيت.
ربت على كتفها وعقب محاولًا توضيح وجهة نظر والدته:
- معلش إنتي عارفة إن الحمل ده جه بعد شوقة وأمي كانت هتموت وتشيل ابن لقدري ودفعت دم قلبها في اللف عالدكاترة والمشايخ لحد ما حصل مش هتضحي بدا كله وتخليها تشتغل في البيت ويحصلها حاجة وتخسر كل حاجة وتعيد الكارة من تاني وبعدين هالة برضه ياما شالت وياما أمي جت عليها، مجاتش من كام شهر ترتاح فيهم وبعد ما تولد تبقى ترجع تشتغل تاني.
تخصرت وعقبت على حديثه بغضب جم:
- وانت بتدافع عنها كدا إيه إن شاء الله؟
زفر بضيق وحدثها وهو مقطبًا جبينه محاولًا التحلي بالبرود:
- وأنا هدافع عنها ليه بس يا بنتي إنتي عارفة إنها بالنسبالي زي أختي ولا أكتر ولا أقل، أنا بقولك اللي بيدور في دماغ أمي وانتي حرة أنا مش عايز وجع دماغ معاها معترضه عاللي بيحصل يبقى تنزلي زي الشاطرة كدا تقوليلها أنا مش عاجبني الوضع وقابلي بقى اللي هتعمله فيكي أنا ماليش دعوة دي أمور حريم متخصنيش.
عند هذه اللحظة قد وصل غضبها عنان السماء، هل قال أن هذا الأمر لا يخصه؟ أنّ له أن يتفوه بذلك؟ وهل هي متزوجه به أم بوالدته؟ فلم تستطع إلجام غضبها فخرجت الكلمات من فمها باندفاع دون إرادة منها:
- بذمتك مش مكسوف من نفسك وانت بتقول الكلام ده هو أنا متجوزاك انت ولا متجوزة أمك دا بدل ما تنزل وتاخد موقف وتعزلنا عنها يبقى ده رد فعلك.
لم يتمالك نفسه وصرخ بوجهها غير مبالي بما سوف يحدث إن سمع من بالمنزل جدالهما:
- بقولك إيه لمي نفسك وانتي بتتكلمي معايا بدل ما ألمك انتي من قبل جوازنا وانتي عارفة إنك داخلة بيت عيلة وعارفة إنك هتخدمي في بيت حماتك أنا مغصبتكيش على حاجة ومضحكتش عليكي انتي وافقتي من الأول متجيش دلوقتي وتقوليلي أتعزل والوضع مش عاجبني هو ده اللي عندي عاجبك عاجبك مش عاجبك يبقى على بيت أهلك الباب يفوت جمل وفي ظرف أسبوع أكون جايب غيرك.
تجمعت العبرات بعينيها وهي تنظر إليه غير قادرة على النطق بكلمة لتجده ينهي حديثه ويخرج من الشقة صافعًا الباب خلفه بقوة فانهارت من البكاء على ما وصل إليه حالها وكأنها قد كتب عليها الشقاء لباقي عمرها لمجرد أن ارتضت الزواج في منزل عائلة.
❈-❈-❈
قبضة تعتصر قلبها منذ أن عادت إلى شقتها، فبرغم معاملة حماتها وزوجها اللطيفة معاها إلا أنها لا تشعر بالراحة، خاصة كع وجود هذا الإحساس الذي يسيطر عليها بأنها ليست بمفردها في الشقة، فدائمًا ما تشعر بأن هناك من يراقبها، فكثيرًأ ما تشعر بأنفاس ساخنة أسفل شعرها خاصة عندما تكون واقفة أمام المرآة أو في المرحاض، ولكنها لم ترى أحدًا حتى هذه اللحظة، لتحاول أن تقنع نفسها بأن ذلك مجرد خيال سببه هرمونات الحمل وإحساسها بالذنب لاتباعها حماتها في الذهاب إلى الدجالين ولكن ماذا عساها أن تفعل فهي لم تكن تملك رفاهية الرفض.
اليوم أتم حملها ثلاثة أشهر كاملة، الأعراض التي كانت تشعر بها قلت كثيرًا عن ذي قبل، وعندما انتابها القلق ذهبت إلى الطبيبة؛ لتطمئنها على وضع الجنين، وشاهدته وهو يتحرك، فلم تستطع منع دموعها، ولكنها لاحظت شيء غريب، أحست وكأنه ينظر إليها، لاتعرف كيف ذلك؟ ولكنه وجه رأسه إليها، ولم يحيد بها عنها، وكأنه يراها ويعلم أنها والدته، ووقتها أحست بحركة غريبة في بطنها لم تشعر بها من قبل وكأنه يخبرها بأن حدثها صادق وبأنه يرسل إليها رسالة، شعرت بالفزع ولكنها طمأت نفسها بأن ذلك ما هو سوى أوهام في رأسها.
انتهت الطبيبة من الكشف وجلست في مقعدها خلف المكتب فعدلت هالة ملابسها وذهبت لتجلس أمامها، ووجدتها تحدثها بعملية وهي تدون شيء في دفتر الوصفات الطبية الذي أمامها.
- الحمد لله الوضع كويس جدًا انتي دلوقتي بدأتي الشهر الرابع هيبدأ الترجيع يهدا شوية وممكن يختفي خالص دا شيء طبيعي متقلقيش، هتبدأي تحسي بحركة الجنين، وهنغير العلاج هنوقف الفوليك أسيد، والمثبت، وهنكتب كالسيوم، وحديد، وهنقلل الزيارات هتبقى مرة في الشهر بدل كل إسبوعين يعني الزيارة الجاية هتبقى أول الخامس وإن شاء الله ممكن وقتها أقولك نوع الجنين.
قامت الطبيبة بنزع الورقه من الدفتر وأعطتها إياها وهي تستأنف بابتسامة هادئة:
- يلا تعالي نقيس الوزن والضغط عسان نتطمن على كله.
نفذت ما طلبته منها لتطمئنها بأن كل شيء طبيعي وعادت إلى المنزل وهي تشعر براحة فقابلتها وفاء بنظرات يتطاير منها الشرر وحدثتها بغضب:
- كنتي فين دا كله يا ست هانم؟ هو دلعي فيكي اليومين اللي فاتوا هيخلوكي تنسي نفسك وتخرجي من غير إذن؟
جلست على أقرب مقعد لتلتقط أنفاسها وأجابتها بهدوء:
- كنت عند الدكتورة حسيت بشوية تعب قولت أروح أطمن ومرضيتش أقلقكم معايا.
تحول غضبها إلى قلق واقتربت منها تحدثها باهتمام:
- تعبانة حاسة بإيه قولي؟ ومقولتيش ليه إنك تعبانة؟ ومخدتينيش معاكي ليه؟ والدكتورة قالتلك إيه؟ لو كدا قومي بينا نروح للشيخة صباح تعملك تحويطة للعيل عشان تحفظه.
تملكها الغيظ فور سماعها جملتها الأخيرة وكادت أن تخرج غضبها عليها ولكنها حاولت تمالك نفسها قدر المستطاع وحدثتها ببرود ظاهري ينافي ما بداخلها من غضب:
- الحافظ هو الله يا ماما، والحمد لله الدكتورة طمنتني، وكتبتلي علاج جديد، وقالتلي إن الجنين كويس جدًا وإن شاء الله الزيارة الجاية هتقولي هو ولد ولا بنت.
تهللت أساريرها فور سماعها لما قالته وعقبت بفرحة:
- لا بت إيه تفي من بوؤك ولد إن شاء الله يشيل اسم أبوه، هو أنا صرفت المصاريف دي كلها عشان تجيبي بت دي الشيخة صباح مأكدالي إنه ولد.
طحنت أسنانها بعنف تحاول تمالك أعصابها حتى لا تنفجر بها فهذه المرأة تتفنن في إغضابها بكافة السبل الممكنة فنظرت إليها ورسمت على وجهها ابتسامة سمجة:
- يعني هو الولد بس اللي بيشيل اسم ابوه والبنت مبتشيلوش كل اللي يجيبه ربنا كويس ولد أو بنت كله رزق احنا كنا طايلين.
لوت فمها كعادتها عندما لا يعجبها حديث من أمامها:
- مكوناش طايلين ليه يختي إن شاء الله اتكلمي عن نفسك انتي إنما أني ابني سيد الرجالة وكان كدا كدا هيخلف بيكي أو من غيرك لولاش احنا اللي ولاد أصول وفضلنا مستحملينك لحد ما ربنا كرمك.
اغرورقت عيناها بالدموع ولم تعقب اكتفت بالقيام والصعود إلى شقتها لتستمع إلى صوتها من خلفها وهي تصيح بغضب:
- شوف البت سابتني أهاتي ومشيت من غير ما تعبرني إزاي مهو أني اللي غلطانة إني مرفياكي من يوم ما حبلتي واحدة غيري مكانتش سألت فيكي بس ملحوقة من بكرا ترجعي تخدمي تاني زي الأول ويتقسم عليكي الشغل زيك زي سلايفك يا نكارة الجميل انتي.
كان ذلك على مرأى ومسمع من حنان وعايدة اللتان كانتا تتبادلان النظرات بسعادة بالغة ففيما يبدو أن الهدنة التي كانت بين حماتهما وسلفتهما قد انتهت سريعًا ودون تدخل أحد منهما.
❈-❈-❈
صعدت شقتها وهي تستمع لكلماتها السامة وما أن ولجت للداخل حتى إنهارت من البكاء دون توقف لا تدري ما الذي فعلته حتى تفعل معها هذا، ولكنها توقفت عن البكاء فور شعورها بحركة غريبة داخل بطنها وعندما رفعت ملابسها لترى ما بها تفاجأت ببطنها تعلو وتهبط بسرعة شديدة وكأن هناك شيء بالداخل يود الخروج كان الألم غير محتمل تريد الصراخ ولكن صوتها أبى الخروج وكأنها أصيبت بالخرس، عروق سوداء انتشرت في بطنها بالكامل وازداد الألم إلى الحد الذي لم تعد تحتمله ووجدت بطنها تنشق من للداخل ويخرج منها سائل أسود اللون لتظهر يد صغيرة تحاول شق الطريق لكي تخرج كل هذا على مرأى منها صوتها لا يخرج لا تستطيع حتى أن تنطق ببعض الآيات القرآنية، الألم فاق كل احتمال حتى شعرت وكأن روحها قاربت على مفارقة جسدها.
بدأ هذا الكائن بالخروج من بطنها ليظهر رأسه فوجدتها رأس صغيرة سوداء اللون له أذنان كبيران يشبه الوطواط، أسنانه مدببة تصدر صوتًا مخيفًا فور اصتكاكهما سويًا، بدأ بالزحف على بطنها وهو ينظر إليها بتوعد وفجأة ودون أي مقدمات انقض عليها وبدأ بغرس أنيابه في رقبتها وكأنه يريد امتصاص دمائها وهي مقيدة مكانها لا تستطيع التحرك أو الدفاع عن نفسها حتى أحست بدمائها الدافئة تسيل على رقبتها وبدأت الرؤية تتشوش شيئًا فشيئًا حتى انعدمت وغابت عن الوعي وعندها يقين بأنها ستفارق الحياة لا محالة.
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة سمر إبراهيم، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية
