ما تبقى لدي - الجزء الثاني من ثنايا الروح - الفصل 5 | رانيا الخولي

تم النشر في: 27 أبريل 2026

قراءة رواية ما تبقى لدي الجزء الثاني من رواية ثنايا الروح كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى




رواية: ما تبقى لدي 

ثنايا الروح الجزء الثاني 

رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات

الكاتبة: رانيا الخولي

الفصل الخامس

تم النشر الإثنين 

 27/4/2026




في وقت متأخر من تلك الليلة بعد أن تأكد أن جميع من في السرايا قد خلدوا إلى النوم، أغلق جاسر التهامي على نفسه باب مكتبه لم يوقد سوى مصباح مكتبي صغير ألقى بضوء أصفر باهت على وجهه وجعل ظله يمتد عملاقًا على الجدران المكسوة بالكتب.

لم يكن أمامه أوراق قضايا اليوم، بل كان أمامه دفتر هاتف جلدي قديم مهترئ الأطراف، يحمل في طياته أسماء وأرقامًا تمثل تاريخًا كاملاً من التحالفات والعداوات والمعارك القانونية. 
مرر إصبعه على الأسماء حتى توقف عند اسم معين تردد للحظة كأنه يتردد في فتح باب قديم ومغلق بإحكام ثم التقط الهاتف وطلب الرقم ببطء.

بعد عدة رنات طويلة جاء صوت من الطرف الآخر
 صوت عجوز مبحوح ومتعب، كأنه قادم من بئر عميق.
_ ألو...

قال جاسر بصوت هادئ يحمل احترامًا عميقًا
_ السلام عليكم استاذ مهران أنا جاسر التهامي، آسف على الإزعاج في وقت متأخر زي ده.

ساد صمت للحظات ثم تغيرت نبرة الصوت المبحوح وأصبحت أكثر انتباهًا، كأن الاسم قد أيقظ شيئًا في الذاكرة.
_ جاسر... أهلاً يا ولدي خير، إيه اللي يخليك تفتكر عجوز زيي في نصاص الليالي؟

المحامي مهران الأسيوطي لم يكن مجرد محامي متقاعد. 
كان ثعلب قضايا قديم الرجل الذي كان يعرف كل أسرار العائلات الكبرى في الصعيد، وكان هو معلم جاسر. 
تقاعد منذ سنوات طويلة بعد أن فقد بصره وأصبح يعيش في عزلة، لا يملك سوى ذاكرته التي كانت أرشيفًا كاملاً لماضي معقد.

جلس جاسر مستقيماً في كرسيه وقال مباشرة
_ عايز أنبش في قضية قديمة، قضية عدى عليها أكتر من خمسة وعشرين سنة قضية "صخر التهامي".

ساد صمت أثقل من ذي قبل على الخط كان الصمت طويلاً لدرجة أن جاسر ظن أن الاتصال قد انقطع
 ثم تحدث مهران بصوت خفيض كأنه يخشى أن يسمعه أحد.
_ صخر... يااااه، إنت بتفتح قبر اتقفل بالضبة والمفتاح يا جاسر إيه اللي فكرك بيه دلوقتي؟

_ اللي فكرني بيه شبح من الماضي ظهر على بابي مش هقدر أقول تفاصيل في التليفون، بس محتاج ذاكرتك، محتاج اللي مش مكتوب في ورق القضايا، محتاج اللي إنت بس اللي تعرفه.

تنهد مهران تنهيدة طويلة.
_ قضية عمران دي كانت لعنة، لعنة دمرت بيوت ومنهم أبوك الله يرحمه وعامر الرفاعي

قال جاسر بتركيز
_ بس اللي عايز أعرفه التفاصيل الصغيرة الخيوط اللي متوصلتش ببعضها.

فكر مهران للحظة وبدأ يتحدث كأنه يقرأ من كتاب مفتوح في عقله الكفيف
_ تقصد مين.

_ فايز ابن عمي.
التزم مهران الصمت قليلاً ثم تحدث وهو يردد اسم فايز
_ فايز صخر؟ ماله
قال جاسر
_ انت عارف اني حاولت اوصله، بس عمي مكنش معرف اي حد مكانه
حتى اخواته البنات، وطبعا مرات عمي بس زي ما انت عارف انها ماتت بعد اللي حصل لعمي، ومن وقتها وانا بحاول اوصله وكلمت السفارة المصرية وللأسف مقدرتش اوصله.

تنهد جاسر وتابع
_في حد ظهر في حياتنا وشاكك ان يكون له علاقة بفايز.

_تقصد ابنه مثلاً.

_زي كدة بس مش متأكد.
صمت جاسر قليلاً ثم سأل السؤال الأهم الذي كان يدور في ذهنه.
_ هل كان فيه أي طريقة حد يعرف بيها مكانه؟ أي حد غير عمي ومراته الله يرحمهم؟

فكر مهران طويلاً
_ حد علمي لأ السر ده مات معاهم عمك كان حريص حرص الموت إن محدش يعرف طريقه
كان خايف عليه من تار عيلة، ليه بتسأل؟

لم يجب جاسر مباشرة بل التف على السؤال
_ مجرد فضول يا عم مهران بحاول أفهم الماضي 
طيب سؤال أخير لما طلبت منك تمسك قضية عمي، متكلمش معاك في اي حاجة عن فايز.

_عمك متكلمش اصلا عن اي شيء ولما اتعرض للذبحة الصدرية كان لوحده في الحجز
ولما مات محدش قال انه فاق او اتكلم، بس لو عايز توصله
كلم السفارة المصرية هناك وهي هتوصلك له.
_حصل وعملت كدة فعلاً بس قالوا انه مش موجود في شقته وانه باعها ونقل مكان تاني.

اغلق جاسر الهاتف بعد ان انهى النقاش مع استاذه الذي ارهقته السنين ولم يعد كما كان في السابق.

❈-❈-❈

لم يتجه يامن إلى مكتب والده مباشرة بعد حديثه المتوتر مع تميم بل تسلل بهدوء نحو جناح والدته نغم
 كان يعلم يقيناً أن مفتاح تميم وعناده الصعيدي لا يملكه أحد سوى هذه المرأة التي تروض العواصف بابتسامة حانية
 وجدها جالسة تطوي بعض الثياب بوقارها المعهود فاقترب منها وجلس بجوارها وقال بنبرة يشوبها الضيق
_ صباح الخير يا أمي.

ردت نغم بابتسامة 
_صباح الخير يا حبيبي.

_وبعدين في تميم اللي مس عايز يهدى ده الأخ العزيز مصمم إن روزا تلبس الحجاب عشان الكل يكون على راحته في السرايا، وشايف إن ده الحل الوحيد.

تنهد يامن وتابع باستنكار
_يا أمي دي سائحة أجنبية وليها حياتها وطريقتها وتشدد تميم ده ممكن يخليها تخاف مننا.

توقفت نغم عن العمل ونظرت إلى ابنها بعينين تفيضان بالعقل والرزانة وقالت بهدوء
_يا يامن تميم مغلطش إحنا في بيت أصول وديننا وعاداتنا وتقاليدنا فوق كل شيء، تميم لما أمر بكده مكنش قصده يتحكم فيها كان قصده يصون نفسه، ويصونك إنت ويصون هيبة أبوكم في بيته الستر مبيزعلش حد يا يامن، والحشمة وقار للست وللبيت اللي هي فيه.

لمعت عين يامن بالمرح وقرر أن يخرج والدته من دائرة الجدية قليلاً فغمز لها بمكر وقال
_أيوة يا ست الكل قولي بقى إن الكلام جاي على هواكي عشان غيرانة على جاسر بيه من البنت الأجنبية وشعرها الأصفر ده.

اتسعت عينا نغم بذهول مصطنع وارتسمت على وجهها حمرة الخجل وهي تحاول الحفاظ على وقارها
_عيب يا ولد وبعدين أنا واثقة في أبوك ثقة عمياء، وعارفة إن عيونه عمرها ما شافت ولا هتشوف غيري فاخرج إنت منها ومتحاولش توقع بيني وبينه

ضحك يامن ضحكة صافية وقبل يدها قائلاً بمديح
_ ده صحيح هيسيب القمر اللي منور السرايا ده ويبص لغيره؟ ده يبقى مبيفهمش واصل لو عمل كدة.

هنا مدت نغم يدها بسرعة وشدته من أذنه بخفة وهي تبتسم برغم محاولتها التكشير
_عيب يا قليل الأدب ده أبوك، ومسمحلكش تتكلم عنه كدة حتى لو بتهزر ولو كررتها تاني هقوله وشوف بقى هيعمل فيك إيه إنت عارف غيرة أبوك عليا شكلها إيه.

ضحك يامن وهو يتملص من يدها برفق
_خلاص يا ست الكل توبة بس المهم دلوقتي، شوفي لنا حل مع تميم لإن البنت شكلها مش فاهمة حاجة وتميم مش ناوي يتنازل.

ربتت نغم على كتفه بحنان وقالت بيقين
_سيب الموضوع ده عليا أنا هعرف أوصل لها المعلومة بطريقتي وتميم هيهدى لما يشوف إن الأمور ماشية بالهداوة روح إنت لشغلك وسيب روزا ليا.

خرج يامن من الغرفة وهو يشعر بأن نصف الحمل قد انزاح عن كاهله فدائماً ما كانت نغم هي الملاذ الآمن والبوصلة التي توجه سفينة عائلة التهامي نحو شاطئ الأمان.

❈-❈-❈

طرقت نغم باب غرفة روزا بهدوء ودخلت وهي تحمل حقيبة أنيقة وعلى وجهها ابتسامة دافئة كفيلة بتبديد أي وحشة
كانت روزا تجلس على طرف الفراش ملامحها لا تزال تحمل آثار الحذر وعدم الاطمئنان وكأنها تتوقع هجوماً في أي لحظة.

دنت نغم منها وجلست بجوارها وقالت بصوت ناعم
_عاملة إيه دلوجت يا روزا؟ يا رب تكوني ارتحتي شوية في السرايا عندنا.

حاولت روزا أن ترسم ابتسامة باهتة على وجهها وأجابت بلكنتها الأجنبية 
_أنا بخير شكراً لكِ يا سيدة نغم المكان هنا جميل جداً.

ترددت نغم للحظة ثم فتحت الحقيبة وأخرجت منها عباءة صعيدية من الحرير الفاخر، مطرزة بخيوط ذهبية رقيقة عند الأكمام ومعها طرحة من الشيفون الناعم يفيض جمالاً، وضعتها برفق أمام روزا وقالت
_جبتلك الهدية البسيطة دي يا بنتي يارب تعجبك وتكون على ذوقك.

نظرت روزا إلى الثياب بذهول ثم رفعت عينيها لنغم وقالت بحيرة
_شكراً لكِ لكن هذه الملابس لا تناسبني أنا لا أرتدي مثل هذه الأشياء.

أمسكت نغم يد روزا بحنان وقالت بنبرة هادئة ومقنعة
_اسمعيني يا روزا إحنا هنا في الصعيد، ولينا عاداتنا وتقاليدنا اللي بنعتز بيها، اللبس اللي إنتي چيتي بيه چميل بس مش مناسب للجو هنا ولا للناس اللي في النجع، الحجاب والعباية دول هتلبسيهم بس وإنتي خارجة من أوضتك في ممرات السرايا لكن چوه أوضتك إلبسي اللي يعجبك إنتي حرة تماماً.

عقدت روزا حاجبيها وسألت بفضول
_لكنني أراكِ أنتِ وتاليا وليال تتحركن في البيت بدون حجاب لماذا أنا فقط؟

ابتسمت نغم لتساؤلها الذكي وأوضحت لها بصبر
_إحنا بنبين شعرنا بس قدام المحارم يعني قدام الأب والأخ والزوج، لكن قدام أي حد غريب أو حتى في الممرات اللي ممكن يدخلها العمال لازم نكون محتشمين ودي هتكون فترة إقامتك معانا بس عشان تكوني في أمان ومحدش يضايقك بنظرة مش كويسة.

صمتت روزا للحظة وأدركت بذكائها أن هذا الطلب يقف خلفه تميم بصرامته المعهودة، لكن طريقة نغم الرقيقة جعلت الرفض مستحيلاً شعرت روزا بأنها لا تريد خسارة هذه المرأة التي تعاملها كابنة لها، فقالت بهدوء
_حسناً يا سيدة نغم سأفعل ذلك من أجلكِ ومن أجل احترام هذا البيت.

تهلل وجه نغم بالبشر وقامت واحتضنت روزا بقوة
_تسلمي يا بنتي كدة إنتي بقيتي واحدة مننا فعلاً تعالي بقى أجرب عليكي الطرحة دي وأشوف القمر لما يلبسها.

استسلمت روزا ليد نغم وهي تلف الوشاح حول رأسها ولأول مرة شعرت بأن هذا القماش لا يخنقها، بل يحيطها بنوع من الوقار والأمان الذي افتقدته طوال حياتها في الغربة.

❈-❈-❈

أنهى جاسر مكالمته مع "مهران" وظل جالسًا في الظلام لدقائق صدى الكلمات الأخيرة يرن في أذنيه: "القبور اللي بتتنشن عليها دي، بيطلع منها تعابين". 
شعر بثقل الماضي يعود ليضغط على كتفيه، ثقل كان يظن أنه قد دُفن مع أصحابه.

صعد درجات السلم بخطوات بطيئة، وكل درجة كانت تزيد من إرهاقه لكن بمجرد أن فتح باب جناحه الخاص تبدد جزء كبير من هذا الثقل. 
كانت نغم لا تزال مستيقظة تجلس على طرف السرير، ترتدي ثوب نوم حريريًا بسيطًا وشعرها الطويل منسدل على كتفيها. 
كانت تقلب في كتاب لكن من الواضح أنها لم تكن تقرأ بل كانت تنتظره.

أغلق الباب خلفه بهدوء ووقف يراقبها للحظة، بعد كل هذه السنوات بعد كل العواصف التي مرا بها كانت لا تزال هي المنارة التي يجد طريقه إليها في أحلك الليالي، كانت هي ملاذه الآمن.

اقترب منها بخطوات خافتة ووقف خلفها 
انحنى ببطء ولف ذراعيه حول خصرها ودفن وجهه في شعرها الذي كان لا يزال يحتفظ بنفس العطر الذي أسره منذ أول يوم
همس بصوت عميق ودافئ قرب أذنها
_ وإيه اللي مصحي ورد السرايا لحد دلوجت؟

أغمضت نغم عينيها وشعرت بتوتر يومها يذوب بمجرد لمسته
وضعت يدها فوق يديه اللتين تحيطان بها
_ مستنياك هو انا بعرف انام وإنت مش جنبي؟

أدارها إليه برفق ورفع ذقنها بيده وتأمل وجهها في الضوء الخافت القادم من المصباح الجانبي. 
كانت علامات الزمن قد بدأت ترسم خطوطًا رقيقة حول عينيها لكنها في نظره لم تزدها إلا جمالاً وعمقًا. 
انحنى وطبع قبلة طويلة وحنونة على جبينها، قبلة تحمل في طياتها سنوات من الحب والاحترام والرفقة.

نظر في عينيها مباشرة وسألها بصوت خفيض سؤال لا يسأله إلا العاشق الذي لا يرتوي
_ لسة حبي چواكي مجلش؟

ابتسمت نغم ابتسامة جعلت عينيها تلمعان
_ يجل؟ ده عامل زي النيل يا جاسر، كل سنة بياچي فيضان چديد يغرجني أكتر، حبك بيزيد مينفعش أبدًا يجل.

أمسك بيدها وقبلها ثم قال وهو يتأملها كأنها معجزة
_ ساعات بستغرب إزاي بعد كل السنين دي، لسة بتوحشيني وإنتي جاعدة جصادي.

قالت وهي تمرر يدها على خده
_ عشان إنت لسة بتشوفني بنفس العين اللي شفتني بيها أول مرة، عين بتشوفني أنا، نغم مش بس أم ولادك وست بيتك.

كانت كلماتها هي الحقيقة المطلقة، بالنسبة له لم تكن نغم مجرد زوجة كانت شريكته وصديقته وسره، كانت المرأة الوحيدة التي استطاعت أن ترى ما خلف قناع جاسر التهامي القوي، ورأت الرجل الذي بداخله بكل قوته وضعفه

وقف جاسر ومد يده إليها
_ تعالي.

أمسكت بيده فأقفها برفق، لم يقل شيئًا آخر فقط أطفأ المصباح الجانبي فغمر الظلام الغرفة ولم يعد هناك سوى ضوء القمر الخافت المتسلل من النافذة.

في هذا الظلام لم يكن جاسر هو كبير عائلة التهامي الذي يحمل هموم الماضي والمستقبل ولم تكن هي سيدة السرايا القلقة على ضيفتها كانا فقط جاسر ونغم.

قادها إلى السرير وفي صمت الليل أخذها إلى عالمه الخاص
ذلك العالم الذي لم يسمح لأي امرأة أخرى بدخوله أو حتى الاقتراب من أسواره 
عالم كانت هي فيه كل نساء الأرض وكانت هي فيه البداية والنهاية والسكينة التي يجد فيها روحه بعد كل معركة.

❈-❈-❈

في مكتب يامن

كانت الطاولة الزجاجية الفاصلة بين يامن وحنين مغطاة بالأوراق، عقد عمل حنين، اللائحة الداخلية للمستشفى، تقارير طبية ومراسلات رسمية، كان يامن يقرأ كل ورقة بتركيز شديد عيناه تتحركان بسرعة ودقة كصقر يمسح الأرض بحثًا عن فريسته، أما حنين فكانت تجلس أمامه تراقبه بقلق وتشعر بأنها غريبة عن هذا العالم المعقد من البنود والمصطلحات.

فجأة توقف يامن ورفع رأسه إليها
_ لقيتها.

انحنت حنين إلى الأمام باهتمام.
_ لقيت إيه؟

أمسك يامن بنسخة من عقد عملها وأشار بإصبعه إلى بند صغير في نهاية إحدى الصفحات.
_ في بند هنا بيقول إنه 'في حالات الطوارئ القصوى اللي بتهدد حياة المريض بشكل مباشر وفوري، من حق الدكتور المناوب ياخد الإجراءات الطبية اللازمة عشان ينقذ الحياة، حتى قبل ما يكمل الإجراءات الإدارية والمالية'.

تهلل وجه حنين.
_ ده حلو أوي يعني أنا كده مخالفتش العقد.

هز يامن رأسه ببطء مفسدًا فرحتها
_ مش بالسرعة دي يا دكتورة، محامي المستشفى هيقول إن البند ده مش بيلغي ضرورة موافقة الإدارة العليا، وإن الإجراءات اللازمة دي متوصلش لعملية جراحية كاملة ومكلفة هيقولوا إنك اتعديتي حدود سلطتك.

عادت ملامح الإحباط إلى وجهها
_ أمال إيه لزمته بقى؟
قال يامن وهو يتكئ على كرسيه، وعيناه تلمعان ببريق الذكاء الحاد. 
_إنه بيفتح لنا باب، باب صغير بس كفاية هما هيعتمدوا على تفسيرهم لللايحة، وإحنا هنعتمد على تفسيرنا بس إحنا محتاجين حاجة أقوى من مجرد تفسير، محتاجين سابقة.

_ سابقة؟ قصدك إيه؟

_ قصدي حالة شبه حالتك حصلت في نفس المستشفى، واتطبق فيها البند ده بالطريقة اللي تخدم قضيتنا، حالة أنقذوا فيها المريض الأول وبعدين سوّوا الأمور المادية.

صمتت حنين للحظة تفكر بعمق.
_ مش فاكرة... الإدارة ناشفة أوي في المواضيع دي.
قال يامن بنبرة حاسمة.
_ فكري كويس يا دكتورة أي حالة، أي مريض، حتى لو من سنين ذاكرتك هي سلاحنا دلوقتي.

أغمضت حنين عينيها وبدأت تسترجع مئات الحالات التي مرت عليها وجوه أسماء، إصابات... فجأة، اتسعت عيناها وكأنها تذكرت شيئًا.
_ فيه... فيه حالة من حوالي سنة رجل أعمال مهم أوي، جاتله أزمة قلبية مفاجئة وهو بيزور مريض عندنا، مكنش معاه أي ورق أو حتى محفظته، مدير المستشفى بنفسه دخّله أوضة القسطرة فورًا، وفضل واقف جنبه، محدش سأل على فلوس خالص إلا بعد ما حالته استقرت تمامًا.

ابتسم يامن ابتسامة حقيقية هذه المرة كانت ابتسامة الصياد الذي حاصر فريسته.
_ ممتاز مين رجل الأعمال ده؟

_ معرفش اسمه... بس هو شخصية معروفة الكل كان بيتعامل معاه باهتمام زيادة عن اللزوم.
قال يامن وهو يدون ملاحظة سريعة
_ مش مهم أنا هعرفه، هي دي الثغرة اللي إحنا محتاجينها هنثبت إن المستشفى بيكيل بمكيالين. 
حياة الأغنيا الأول دي مش سياسة يقدروا يدافعوا عنها في المحكمة.

كانت حنين تنظر إليه بإعجاب ودهشة لقد حول نقطة ضعفها إلى نقطة قوة في دقائق، لقد رأى في قصتها ما لم تره هي؛ ليس مجرد فعل إنساني بل حجة قانونية دامغة.

لكن فجأة تغيرت ملامحها إلى القلق
_ بس... ده معناه إننا هنهاجم المستشفى جامد أنا مش عايزة أأذي زمايلي أو سمعة المكان فيه دكاترة وممرضين هناك كويسين أوي أنا كل مشكلتي مع الإدارة وقراراتها.

هنا توقف يامن ونظر إليها مطولاً لقد صدمه تفكيرها مرة أخرى هي في خضم معركة لاستعادة وظيفتها وسمعتها ومع ذلك لا تزال تفكر في حماية الآخرين طيبة قلبها كانت نقية إلى درجة السذاجة في عالمه المليء بالصراعات.

تحدث بنبرة أكثر ليونة من المعتاد، نبرة تحمل شيئًا من التعجب.
_ دكتورة حنين هما رفدوكي من غير ما يترددوا لحظة مستعدين يدمروا مستقبلك المهني كله عشان سياستهم المالية وإنتي في المقابل قلقانة على سمعتهم؟

_ أنا قلقانة على الناس يا أستاذ يامن، المستشفى مش مجرد مبنى وإدارة، ده مكان بيشتغل فيه صحابي ومكان الناس بتروحه عشان تخف، مش عايزة أكون السبب في إن كل ده يتهد.

في تلك اللحظة رأى يامن ما هو أبعد من القضية، رأى امرأة تضع مبادئها فوق كل اعتبار حتى فوق مصلحتها الشخصية هذا المزيج من القوة في مواجهة الظلم، والطيبة في التعامل مع الأبرياء كان شيئًا لم يقابله من قبل، لقد لفت انتباهه كمحامي والآن... بدأ يلفت انتباهه كرجل.

تنهد وأغلق الملف الذي أمامه.
_ متقلقيش أنا مش بشتغل بفاس أنا بشتغل بمشرط جراح هستهدف الجزء الفاسد بس، من غير ما أأذي باقي الجسم سيبيلي الموضوع ده.

أومأت برأسها وشعرت بثقة غريبة تجاهه، لأول مرة شعرت بأنها ليست وحدها في هذه المعركة وأن المحامي البارد الذي يجلس أمامها ليس مجرد آلة قانونية بل هو فارس ذكي يمتلك أقوى سلاح على الإطلاق: القدرة على رؤية الحقيقة واستخدامها لتحقيق العدالة.


❈-❈-❈

كانت الشمس حارقة في منتصف النهار والغبار يتصاعد من موقع البناء الضخم الذي سيصبح قريبًا "مستشفى الخير الخيري". 
كانت هذه الأرض بالذات تحمل تاريخًا من الخلافات القديمة بين عائلة التهامي وعائلة والدته نغم واليوم، يقف تميم جاسر التهامي فوقها لا ليبني جدرانًا من الطوب والأسمنت فحسب، بل ليبني جسرًا من الأمل والشفاء يمحو آثار الماضي.
كان تميم يتحرك في الموقع بهيبة وقوة هادئة يرتدي خوذته الهندسية وسترة العمل لكن خطواته الواثقة ونظراته الحادة كانت تفرض احترامًا أكبر من أي زي رسمي، لم يكن يصرخ أو يعطي أوامر بصوتٍ عالي بل كانت كلماته القليلة والمدروسة كافية لتحريك فريق كامل من العمال والمهندسين.
في تلك اللحظة اندفع نحوه مقاول وهو رجل ضخم الجثة بدا على وجهه الغضب والارتباك.
_يا باشمهندس تميم! مش هينفع اكده، العمال بتوعي موجفين شغل وبيجولوا مش هيكملوا جبل ما ياخدوا فلوس زيادة.
توقف تميم عن مراجعة المخططات التي بين يديه ورفع عينيه ببطء نحو المقاول، لم تظهر على ملامحه أي علامة توتر بل ظل هادئًا كالصخر.
_وليه عايزين فلوس زيادة يا عم صالح؟ مش ده الاتفاق اللي مضينا عليه؟
قال المقاول بانفعال
_بيجولوا الشغل أصعب من اللي اتفجنا عليه والحديد تجيل والشمس حامية... كلام عمال يا باشمهندس وانت عارفه.
لم يرد تميم مباشرة بل ألقى نظرة شاملة على العمال المتجمهرين عن بعد ثم عاد بنظره إلى عم صالح وقال بصوت ثابت وحاسم، لكنه خالي من أي إهانة
_عم صالح انت عارف إن كلمتي واحدة، الاتفاج اللي بيني وبينك هيتنفذ بالحرف لكن أنا مش هظلم حد شغال معايا في الشمس دي.

ثم تحرك تميم بخطوات ثابتة نحو مجموعة العمال، صمت الجميع فور اقترابه منتظرين ما سيقوله. 
وقف في وسطهم خلع خوذته ومسح جبينه من العرق ونظر إليهم جميعًا، من أكبرهم سنًا إلى أصغرهم.
_السلام عليكم سمعت إن ليكم شكوى؟
تكلم أكبرهم سنًا بتردد
_يا باشمهندس الشغلانة دي طلعت تجيلة علينا، واليومية اللي بناخدها مش چايبة همها في الحر ده.
أومأ تميم برأسه متفهمًا ثم قال بحكمة وهدوء
_حجكم الشغل في عز الضهر صعب ومچهوده مضاعف بس إحنا كمان ورانا معاد لازم نسلم فيه المستشفى دي عشان تخدم أهالينا إيه رأيكم في حل يرضي الكل؟
صمت العمال ينصتون باهتمام 
_من بكرة الشغل هيبدأ من بعد صلاة الفجر مباشرة نستغل طراوة الجو وننجز الشغل التجيل كله جبل الضهر واللي هيشتغل الساعات دي، ليه عندي مكافأة زيادة عن يوميته هقبضهاله بنفسي آخر كل أسبوع 
كده يبقى اشتغلنا في وقت أريح، ومحدش فيكم حجه راح، اتفجنا؟

تبادل العمال النظرات وعلت وجوههم ابتسامة رضا حقيقية. 
هتف أحدهم بحماس
_اتفجنا يا باشمهندس ربنا يبارك لك.

عاد الهدوء إلى الموقع وبدأ العمال يستعدون للعودة إلى عملهم بنشاط أكبر
ربّت تميم على كتف العامل المسن ثم استدار ليعود إلى عمله فوجد المقاول عم صالح ينظر إليه بإعجاب شديد
_حكمتك دي منين بس يا باشمهندس؟ أنا بجالي عشرين سنة في الشغلانة دي، لو كنت مكانك كان زماني زعجت وطردتهم.

وضع تميم خوذته مرة أخرى ونظر إلى أساسات المستشفى التي ترتفع بثبات وقال بنبرة عميقة
_الجوة مش في الصوت العالي يا عم صالح الجوة إنك تعرف إزاي تكسب اللي معاك عشان يبنوا معاك بقلبهم مش بس بإيديهم.

عاد تميم لمراجعة مخططاته، وقد أثبت في دقائق معدودة أنه ليس مجرد مهندس يبني مبنى، بل هو قائد يبني الرجال، وحكيم يحل أعقد المشاكل بهدوء وثقة. 
كان يمثل الأمان والقوة والحكمة تمامًا كما أراد له والده أن يكون.

كان يوم العمل الطويل قد أوشك على الانتهاء وبدأ العمال في جمع أدواتهم استعدادًا للمغادرة، كان تميم يقوم بجولته التفقدية الأخيرة يتأكد من أن كل شيء في مكانه الصحيح وآمن. 
وبينما هو يسير بالقرب من السور الخارجي للموقع، لمح شيئًا لفت انتباهه
كان هناك شاب من العمال اسمه "سيد"
شاب مجتهد وهادئ يعرفه تميم جيدًا. 
كان سيد يقف متواريًا خلف كومة من مواد البناء ويتحدث بصوت خفيض مع فتاة تقف خارج السور كانت نظراتهما لبعضهما البعض تحمل كل معاني الشوق والحب المكتوم، وكانت يداهما تكادان تتلامسان عبر فتحات السياج.
لم يقاطعهما تميم أو يحرجهما بل أشاح بنظره بعيدًا وأكمل جولته وكأنه لم ير شيئًا، لكنه عقد حاجبيه في صمت وقد استقر في قلبه شعور بالمسؤولية تجاه هذا الشاب.
في طريق العودة إلى السرايا توقفت سيارة تميم بجانب سيد الذي كان يسير على قدميه، فتح نافذة السيارة وقال بهدوء
_سيد اركب هوصلك في طريجي.

تردد سيد في البداية لكنه لم يستطع أن يرفض طلب المهندس الذي يكن له كل الاحترام، ركب في صمت وشعر بالتوتر يملأ السيارة.

بعد مسافة وقبل أن يصلا إلى القرية أوقف تميم السيارة في مكان هادئ والتفت إلى سيد 
لم تكن في عينيه نظرة اتهام بل نظرة أخ كبير.
_سيد أنا بعتبر كل اللي شغالين معايا إخواتي وأمانة في رجبتي وعشان أنت أخويا، لازم أجولك كلمة حج.
ابتلع سيد ريقه بصعوبة وقد فهم ما يلمح إليه تميم.
_اللي بتعمله ده غلط كبير يا سيد وحرام، ديننا چميل بس بيحفظ كرامة الراجل والست، العلاجة اللي من غير رباط شرعي دي بتفتح باب للشيطان وبتنجص من جيمتك وجيمتها في عين بعض جبل عين الناس.
لم يرفع تميم صوته كانت كلماته هادئة وحكيمة تنفذ إلى القلب مباشرة.
امتلأت عينا سيد بالدموع وقال بصوت مخنوق
_غصب عني يا باشمهندس، بنحب بعض ومش جادر أبعد عنها وفي نفس الوجت حالتي متسمحش أتجدملها دلوجت، أبوها مش هيرضى بيا وأنا على لحم بطني.

نظر إليه تميم بتعاطف عميق وربت على كتفه.
"وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ".
قال تميم الآية الكريمة بهدوء وخشوع ثم أكمل
_لو اتجيت ربنا فيها وبطلت تجابلها بالطريجة دي وصبرت واجتهدت، ربنا هو اللي هيفتح لك أبواب رزجه من مكان متتخيلوش، وهيجربها منك في الحلال، سيب الحرام عشان ربنا يرضيك بالحلال.
ثم أضاف بنبرة عملية
_ولو على الجهاز أنا ممكن أساعدك فيه...

قاطعه سيد بسرعة وأدب جم
_كرمك كبير يا باشمهندس، بس أنا عايز أبني نفسي بنفسي عشان أروح لأبوها وأنا رافع راسي، لو تجدر بس تشوفلي أي شغل إضافي بعد الظهر، أكون شاكر فضلك لآخر يوم في عمري.

ظهرت ابتسامة رضا وإعجاب على وجه تميم، لقد رأى في هذا الشاب عزة نفس وطموحًا يستحقان الدعم.
_هو ده الراجل…خلاص من بكرة بعد ما تخلص شغل في الموقع هتروح على مخازن الشركة، كلمت المحاسب هناك، محتاجين حد أمين زيك يساعد في الجرد والمراجعة بالليل 
كده يبقى معاك شغلانتين، وربنا يكرمك وتجدر تفتح بيت في أجرب وجت.

نظر سيد إلى تميم بعيون تملؤها الدموع لكنها هذه المرة دموع امتنان وأمل
_معرفش أجولك إيه يا باشمهندس، ربنا يچعله في ميزان حسناتك.
أعاد تميم تشغيل السيارة وهو يقول
_الشكر لله شد حيلك بس وخلي إيمانك بربنا كبير.

في تلك الليلة لم يساعد تميم شابًا في زيادة دخله فحسب، بل أنقذ قلبين من الوقوع في الحرام وأرشدهما إلى طريق النور والصبر مُثبتًا أن التدين الحقيقي يكمن في الحكمة والرحمة ومد يد العون، لا في الحكم على الآخرين.
التالي

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة رانيا الخولي، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة‏

إرسال تعليق

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل