تم النشر في: 5 مايو 2026
قراءة رواية ظلها في قلبه كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية ظلها في قلبه
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة علا السعدني
الفصل الرابع عشر
تم النشر الثلاثاء
5/5/2026
في صباح يوم صافٍ ومشرق، توجه (معتصم) إلى الملجأ برفقة (چوليا)، يحمل بين يديه حقيبةً مليئةً بالوجبات والألعاب التي جلبها للأطفال، ما أن وطأت قدماه أرض الحديقة الخاصة بالملجأ، شاهد الأطفال وهم يضحكون ويلعبون ابتسم قليلًا ولا يعلم لما عند مشاهدة هؤلاء الأطفال زال الكثير من مرارة الغربة عن وطنه وحبيبته وأسرته التي كانت تلازمه اينما ذهب ..
بدء فى توزيع الوجبات على الأطفال الذين استقبلوه بابتسامة دافئة، وقفت (چوليا) بجانبه، تراقب ملامحه، ثم قالت بصوتٍ هادئٍ ولكنه ملئ بالأسف
- أعلم يا (معتصم) أن هذ المبلغ الذى قمت بصرفه لأجل الأطفال أنت بحاجة له أكثر .. وأشعر بالحزن لأنك تحتاج لكل يورو من أجل أمر التسوية
ابتسم (معتصم) ابتسامةً رقيقة، وهو يجيب بهدوء
- على العكس هذه السعادة التي شعرت بها اليوم لم أشعر بها قط منذ وطأت قدماي إيطاليا، رؤية هؤلاء الأطفال تملأ قلبي فرحًا لا يُوصف .. ثم تلك الأموال لن تضيع ابدًا لا تشغلي رأسك
تنهدت (چوليا)، ملتقطة نفسًا عميقًا، ثم قالت بجدية
- أنا أعمل جاهدًا لكي تجعل إقامتك قانونية .. لكن علينا جمع الكثير من المال لتسوية وضعك كي نقدم لصاحب المطعم ما يطلبه كي أطلب منه أن يقدم لك طلب بالتسوية .. بالنسبة لي سأشهد بأنك في إيطاليا منذ مدة، وأنك لا تملك أوراقًا، وأنك تشاركني المعيشة والمصاريف .. لكنك تعلم جيدًا جشع أصحاب المال .. وصاحب المحل يطلب ..
صمتت ثوان فهي تحاول أن تجد الكلمة المناسبة كي يفهمها (معتصم) فقالت
- لا اعلم ماذا اقول .. بقشيش!!
ضحك (معتصم) ضحكة خفيفة وهو يقول ممازحًا
- تُسمّينها بقشيش؟! بل إنها رشوة يا (جوليا) موجودة في كل مكان فلا تكوني ساذجة .. فالعالم ليس مثلك انتِ الوحيدة التي تملكين قلبًا طيبًا وأي شخص آخر يطلب مقابل لخدماته
احمرّ وجه (جوليا) من الخجل، وأطرقت رأسها قليلاً ثم قالت، محاولة كبح ابتسامة خجولة ارتسمت على شفتيها
- اصمت أيها الوغد! هل تغازلني الآن؟ أليس لديك امرأة؟
اتسعت ابتسامة (معتصم)، وقال وهو يهز رأسه بآسى
- أنا؟ أغازلك؟! لا يا سيدتي ..لا تتذرّعي .. لا أفعل ذلك
ثم غيّر نبرة صوته إلى الجدية قائلًا
- عليّ أن أذهب الآن .. أودّ أن ألتقي ب (فابيو) قبل أن يلاحظ أحدهم وجودي هنا
أومأت (جوليا) برأسها تفهمًا، ثم أشارت بيدها نحو زاوية بعيدة في الحديقة، حيث كان (فابيو) جالسًا وحيدًا، يحدق في الأرض، لا يشارك أقرانه اللعب، اتّجه (معتصم) بخطوات هادئة، يحمل وجبة له، مغلّفة بعناية وعليها صورة صغيرة لشخصية (سبايدرمان) وعندما اقترب، انحنى قليلاً وقدّمها له قائلاً بلطف
- تفضل هذه من أجلك يا بطل
رفع (فابيو) عينيه إلى (معتصم) للحظة، ثم أشاح بوجهه بعيدًا، دون أن ينبس بكلمة، لم يتراجع (معتصم)، بل جلس إلى جواره على المقعد ذاته، وقال بصوت هادئ
- لماذا لا تلعب مع أصدقائك؟ الجو جميل .. واللعب ممتع جدًا
أخذ (فابيو) نفسًا عميقًا، دون أن ينظر إليه، وتمتم بصوت خافت
- من فضلك .. اتركني وشأني .. لا أريد الحديث
ابتسم (معتصم) ابتسامة لطيفة، دون أن يظهر خيبة أمله، فقد كان يتوقع ذلك، ثم وضع الوجبة إلى جانبه وقال
- كما تشاء .. أتمنى لك وجبة شهية .. وسأزورك من وقت إلى آخر فأنا أيضًا، لا أملك أصدقاء هنا
ثم نهض من مكانه وسار مبتعدًا بخطوات هادئة، تركت كلماته اثر فى نفس (فابيو) وهو جالسًا، وظلّ ينظر نحو (معتصم) وهو يبتعد، وعيناه تتابعانه بدهشة خفيفة فقد أثار فضوله من جملته الأخيرة تلك ..
أما (معتصم)، فقد خرج من الملجأ بعد أن ودّع (جوليا) بإشارة من يده، وهو يفكر بإن الحديث مع ذلك الطفل لن يكون سهلاً، لكنه يعلم جيدًا أنه لن يستطيع مصادقة طفل مثله من أول لقاء .. وسيأتي اليوم الذي يتحدث فيه ..
❈-❈-❈
في المساء ..
جاء (سليم) ليأخذ (فريدة) من منزل والدتها، بعد أن استأذنها بالهاتف مسبقًا، لكن ما إن دخل حتى فوجئ بوجود رجل آخر في المكان، كانت تجلس إلى جواره فتاة التي علم بعد ذلك أنها (سدرة) ، فتذكر انه رآها من قبل برفقة (معتصم) تأملها لبعض الوقت دون أن يلاحظ أحد، فرغم بساطة ملامحها، إلا أن جمالها كان مختلفًا، ناعمًا وهادئًا، لا يشبه جمال (فريدة) الصاخب ذو الجاذبية الواضحة، لأن (فريدة) تمتلك نفس ملامح شقيقها التي ورثوها عن والدهم بينما (سدرة) جمالها هادئ ببشرتها القمحية وعينيها العسلية تلك وملامح وجهها التي تتناسب مع وجهها، قطع تلك الشرود صوت والد (سدرة) وهو يقول بنبرة جدية
- ممكن نتكلم شوية؟
شعر (سليم) باندهاش ففي ماذا يريده ذلك الرجل، لكنه لم يُظهر شيئًا، واكتفى بهزّ رأسه وهو يتبعه إلى غرفة الجلوس جلسا معًا، وبينهما صمت فقطع (رشاد) ذلك الصمت وهو يقول بنبرة هادئة
- بص يا ابني .. بنات الناس مش لعبة ..أنا عارف إنكم لسه في أول سنة جواز ولسه بتتعرفوا على طباع بعض وسهل المشاكل تحصل، ده عادي وطبيعي ..
شعر (سليم) بالملل فذلك الرجل يلقي عليه محاضرة لا يريد أن يستمع إليها، تابع (رشاد) حديثه بلهجة أكثر حزمًا
- بس اللي مش طبيعي إن أي غلطة صغيرة من (فريدة) يكون رد فعلك انت الضرب، ده مش اسلوب ولا دي رجولة البنت متربية كويس وانت مش صغير
احمرّ وجه (سليم) من الغضب، واشتعلت عيناه بوميضٍ كاد يحرق المكان من حوله، لكنه كتم انفعاله، مدركًا أن الرد لن يجدي نفعًا، خاصة أن الرجل ضيف عند حماته، وهي لن تتقبل أن يُهان ضيفها، ضغط (سليم) على أسنانه ثم حرّك رأسه دون أن ينبس بحرف، تابع (رشاد) حديثه وكأنّه لا يشعر بالغضب الذي يحتل ملامح (سليم)
- العنف هيولد عناد والبنات عمرها ما تيجي بالقسوة البنات بتيجي بالحنية .. واي مشكلة بينكم حلوها جوا البيت متخرجهاش .. لأن كلمة من ده على كلمة من ده تلاقي الدنيا خربت
نهض (سليم) فجأة، فضيقه بات واضحًا، وقال بنبرةٍ مختنقة
- ماشي يا عمي .. معلش بس أنا مستعجل هاخد (فريدة) وامشي، ورايا حاجات
أومأ (رشاد) برأسه، وقد بدا عليه الانزعاج هو الآخر فهو ذو قلة ذوق واضحة للضرير، ثم قال ببرود
- اتفضل يا ابني
شعر (رشاد) حينها انه لا جدوى من ذلك الشاب فهو يتعامل مع الجميع بأسلوب غير متحضر، خرج (سليم) بصمتٍ ثم استأذن من والدة زوجته كي ينصرف رافقته (فريدة) إلى الأسفل وما إن جلسا داخل السيارة حتى انفجر غاضبًا نحوها
- جايبالي واحد يعلّمني الأدب يا (فريدة)؟ هو مين ده أصلًا؟ يتكلم في حياتنا كده ليه؟!
انكمشت (فريدة) في مقعدها، وقالت بلهجة معتذرة
- والله يا (سليم) ماما اللي قالت إنه ييجي .. أنا معرفتش أقولها لأ وهو قال هيكلمك شوية .. مكنتش أعرف إنه هيضايقك كده صدقني .. ارجوك مش عاوزة زعل تاني
نظر إليها بطرف عينه، ثم أعاد نظره للطريق وهو يبدأ بالقيادة
- ماشي يا (فريدة) .. بس أنا مش عاوز أى حاجة بينا توصل لأمك تاني .. مفهوم؟
رمشت بعينيها عدة مرات وهي تقول
- طب مانت اللي قولتلي امشي .. كنت هروح فين؟
زفر بضيق، وقال بنبرة حادة
- بعد كده متروحيش في حتة .. وتسمعي اللى بقولك عليه
أومأت برأسها
- حاضر .. متزعلش بقى
ابتسم أخيرًا وهو ينظر لها
- أيوه .. شاطرة كده بحبك وانتِ مطيعة
❈-❈-❈
بعد مرور شهر ..
كان (مالك) يعامل (سدرة) فى حدود العمل فقط، حريصًا على ألا يتجاوز في حديثه معها حدود العمل، تجنّب الخوض في أي أحاديث جانبية أو شخصية، مدركًا تمامًا أن الاقتراب منها ليس من حقّه، ولا من نصيبه، حاول جاهدًا أن يمنح قلبه فرصة جديدة مع (شيرين)، لكنّه فشل في رؤيتها سوى كأخت له، لا كحبيبة، وتملّكه الخوف من أن يُوهمها أو المحاولة معها فلا يقدر على منحها الحب الذي تحتاجه، فتتعلق به أكثر لذا قرر التريث لربما يحبها فيما بعد أو تأتي من تسرق قلبه مجددًا ..
أما (معتصم)، فقد اعتاد زيارة الأطفال أسبوعيًا، وكان دائمًا ما يحاول التقرّب من (فابيو) ، يسرد له أجزاء من حياته ليكسب ثقته، يحدثه عن غربته، وأنه من بلد آخرى ويحمل جنسية ثانية، يحدثه عن وحدته اليومية، وأنه لا يشعر بالسعادة سوى في الدقائق التي يتحدث فيها مع أهله أو حبيبته أو المجئ هنا وسط الأطفال التي تنسيه معاناته ..
أما (آسر)، فكان يتعامل مع (أوهيلا) بطريقة مختلفة عن باقية الفتيات التي يمزح ويتسكع معهم، بل كان يراها مسؤولية في رقبته، لأن أفعالها طائشة، بعدما أيقن أنها نسيت (رأفت) هملها لبعض الوقت ..
كانت (أوهيلا) قد أنهت امتحاناتها، وبدأت تشق طريقها في عالم الإعلانات، حتى عُرض عليها العمل مع مخرج شهير يُدعى (هيثم البكري) انبهرت بأسلوبه، كما أنه اخبرها انه يحتاج لوجه جديد في أحدى افلامه، فشعرت أن الفرصة قد جاءت أخيرًا لتعويض نقصها، لسدّ تلك الفجوة العميقة التي خلّفها غياب والدها، وكأن الشهرة ستمنحها ما فقدته وما تحتاجه من غياب ذلك الرجل عنها ..
أما (سدرة)، فقد بقيت على تواصل دائم مع (معتصم)، لكن بداخلها كانت تشتاق إليه بصمت، تبكي كثيرًا دون أن تخبر او يراها أحد، لا يوجد شخص تقص عليه مرارة غياب حبيبها عنها، كما أن (معتصم) اخبرها عن محاولاته لتحسين وضعه القانوني، عن الأموال التي يجمعها لتسوية أوضاعه، ورغم كل هذا، كان يشعر أنه يظلمها، طلب منها، في لحظة ضعف، أن تختار نفسها وتبتعد عنه فهو رغم أمله بتسوية أوضاعه كان يعمل جاهدًا ليوفّر مبلغًا كبيرًا من المال، ينوي تسليمه لصاحب العمل كي يتقدّم بطلب تسوية قانونية لوضع إقامته، فيصبح وجوده في البلاد شرعيًا، ولكن صاحب العمل طلب أيضًا مبلغًا إضافيًا لنفسه، مما زاد العبء على كاهله، لكنه مع ذلك لم يكفّ عن المحاولة، يبذل كل ما بوسعه ليجمع تلك النقود، يعلم أنه بات يظلمها بتلك الخطبة التي لا يعلم متى ستتحول لزواج، لكنها رفضت، وآثرت البقاء ..
وعلى الرغم من أنها تُخفِّف عنه وتعلم أن ظروفه النفسية ليست جيدة إلا أنها تريد من أحد إلى أن يستمع لأوجاعها وأحزنها وعن فراقه الذي ترك فراغ كبير في حياتها ولكن لمن ستتحدث؟!
لم تملك أن تُحدّث والدتها، فهي لا تحب (معتصم) فكيف ستكون عليها غيابه ولم يكن والدها ليسمح لها بالاستمرار إن شعر بأنها لا تعيش سعادتها، أما زملاؤها السابقون في الاستقبال، فقد انقطعت علاقاتها بهم منذ انتقالها إلى فريق (مالك)، الذي يكاد يكون كله من الرجال، فلا يوجد فى حياتها من تقص عليه أمر حزنها، وجيرانها يخبروها أنه لا فائدة من تلك الخطبة وعليها تركه ..
وفي الوقت ذاته، كانت (شيرين) تحاول أن تبتعد قليلًا عن (مالك) لعلّ الغياب يصنع فارق، لعلّ المسافة تثير اهتمامه، أو يجعله يهتم بها فقد نفذت كل أفكارها في التقرب منه فلما لا تجرب البعد إلم تترك في نفسه ولو أثرًا صغيرًا يجعله يشتاق لها ؟! ..
إما عن (فريدة) فكانت المشاكل كما هي من زوجها وعائلته ولكنها لا تريد الأبتعاد عن زوجها لا تستطيع تخيل الحياة بدونه و(سليم) رأى (سدرة) فى تجمع عائلي آخر في عزيمة عند والدة زوجته ولا يعلم لما تثير فضوله تلك الفتاة بكل ما فيها صمتها حزنها ملامحها جمالها المميز ليس حبًا بها بالتأكيد ولكن لما لا تكون نزوة من نزواته ..
❈-❈-❈
جلست على مكتبها في وقت الأستراحة في ركنٍ هادئ، تسند وجهها بكف يدها، بينما عيناها متعلقتان على شاشة هاتفها، تقلب ببطء بين صوره وملامحه التي اشتاقت لها، صورة له وهو يضحك، أخرى بملامحه الجادة، ثم ثالثة وهو يبتسم تلك الابتسامة التي تحفظها عن ظهر قلب، تنهّدت في صمت، كم تشتاق لوجود ذلك الوغد فى حياتها ..
في تلك اللحظة، كان (مالك) يمرّ بهدوء خلف مكتبها، يحمل زجاجة الماء بيده، لمح بطرف عينه صور لرجل على الشاشة، تتنقل (سدرة) بينهم تتأمل ملامحه، توقف فجأة، أنزل الزجاجة عن فمه، حدّق للحظات فهو يعلم أن (سدرة) ليست من هؤلاء الفتيات التفاهات التي يعجبنا بالمشاهير، فنطق بدهشة خفيفة
- هو ده تيك توكر؟ ولا يوتيوبر؟
قفز قلب (سدرة) من مكانه، وانتفض جسدها تلقائيًا، وأغلقت الشاشة بسرعة قبل أن تلتفت بحدة
- حد يخضّ حد كده؟!
ابتسم (مالك) بامتعاض، عضّ شفته بضيق وهو يقول
- حضرتك اللي سرحانة أنا بقالي ساعة بتمشى في المكتب وإنتِ مش هنا أصلًا!
- طيب يا سيدي خلاص أنا اللي كنت سرحانة شوية!
قالتها بلهجة دفاعية، لكنها لم تكن غاضبة بقدر ما كانت محرجة، جلس (مالك) أمامها على الطرف الآخر من المكتب، وضع الزجاجة أمامه وسألها بنبرة يكسوها الفضول
- يعني مش هتقولي مين ده بقى؟
ابتسمت (سدرة) ابتسامة خفيفة، وبدت نظرتها دافئة وهى تتحدث بتلقائية
- ده ميمو
رفع حاجبه باندهاش
- ميمو؟!
هزّت رأسها بحياء
- سوري .. (معتصم) خطيبي
لحظات من الصمت ،ثم قال (مالك) ببطء، وعيناه لا تفارقان الشاشة المغلقة
- ده خطيبك؟!
تغيّر وجه (سدرة) للأمتعاض، وظهر عليها الضيق، وتحوّلت ابتسامتها إلى انقباض
- آه، هو .. على فكرة أنا عارفة إنه أحلى مني ومش فاهمة ليه كل اللي بيشوفه يسأل نفس السؤال! بجد الموضوع بقى مستفز أوي
فوجئ (مالك) بردّها، شعر بوخزة في قلبه، تراجع قليلاً للوراء فهو لم يقصد التقليل من شأنها، وقال وهو يهز رأسه نافيًا
- أنا مقولتش كده خالص .. إنتِ أكيد أحلى منه أصلًا
برقت عيناها بدهشة
- هاه؟!
توتر، ثم ابتلع ريقه بصعوبة، عدّل نظارته وقال متلعثمًا
- لا مش قصدي .. والله مش قصدي كده أنا أصلاً مقولتش عليكِ حاجة .. أنا بس .. يعني ..
توقف عن الحديث ماذا سيقول ماذا سيبرر؟! هو فقط انزعج كثيرًا من رؤية وسامة خطيبها انزعج لأنه لا يشبه خطيبها فى شئ واحد هو يشعر بالأنجذاب نحوها ولم يتخطاها حتى الآن، وهي حتى لا تراه كفتى أحلامها هو بعيدًا عن مواصفات فارس أحلامها كليًا ..
قطعت (سدرة) صمته بإحباط
- عمومًا إنت مش أول واحد يقول كده .. بس أنا فعلاً مش بحب المقارنة دي تبقى بيني وبينه
ظل (مالك) صامتًا لحظة، ثم قال بصوت أهدأ
- صدقيني .. أنا مش قصدي أي حاجة خالص .. أنتِ مميزة جدًا يا (سدرة) بجد .. والإنسان مش بالشكل لو على الشكل فالحلوين كتير .. وأنواع ..أنا بس استغربت .. عشان هو شكله مختلف عنك شوية مش أكتر
نظرت إليه (سدرة) مطولًا، ولم تجيب فهو بالفعل يرى مثلهم أن (معتصم) كثير بالنسبة لها، فزفر هو ببطء ماذا يقول الأمر محرج وكلما قال شئ سيزداد الأمر سواءًا، فقال متململاً
- بقولك إيه .. اقفلي على الحوار ده، مش عاوز أتكلم فيه
أخفضت نظرها، وشعرت بتلك الغصة .. نفس الغصة التي تشعر بها كلما يرى أحدهم (معتصم) ويستكثره عليها ..
وقف (مالك) فجأة، شعر أنه قام بمضايقتها دون قصد، ولم يجد الكلمات الكافية ليصلح ما أفسد لذا خرج خارج المكتب ..
❈-❈-❈
فى المساء ..
كانت الشقة تغرق في دخان كثيف اثر تدخين جميع الشباب والفتيات، أنوار خافتة حمراء تنبعث من زوايا الجدران، تعكس الزجاجات نصف الفارغة المنتشرة على الطاولة، صوت موسيقى ينبعث من مكبّر صوت صغير،
الجدران مغطاة بصور ملصقات المغنيين وممثلين أجانب، والكثير من الشباب والفتيات يقفون بداخل الشقة وأريكة بالجوار، جلس عليها (آسر) وهو ينفث دخان سيجارته ببطء، جلس إلى جواره صديقه المقرّب في تلك السهرات المتكررة، يميل برأسه وهو يتحدث بصوت منخفض
- تعرف؟ .. اتعرفت على بنت حلوووة أوووي بقالنا شوية مع بعض .. تحب أشوفلك صحبتها؟
لم يُجيب (آسر) فورًا، سحب نفسًا عميقًا من سيجارته، أغمض عينيه للحظة، هو يعلم أن صديقه ليس مثله، فـصديقه لا يبحث عن متعة عابرة مثلما يفعل بل صديقه يزني مع الفتيات ،فتح (آسر) عينيه وقال بهدوء
- لا يا (هادي) .. أنا مرتاح كده .. الحرام ده مليش فيه إحنا بنتبسط مع بعض .. بنسلّي وقت بعض .. لكن الغريق ده محبوش
هزّ (هادي) رأسه بيأس، ثم قال بنبرة نصف ضاحكة ونصف حزينة
- وايه الفرق يعني عمومًا براحتك يا عم .. أنا مش فاهمك معايا في كل حاجة إلا دي مش عارف ليه
ابتسم (آسر) بسخرية مريرة، وقال وهو ينفث الدخان
- معلش يا صاحبي أنا مرتاح كده .. أنا آه مش صح، وعارف إني مش صح، بس بعوض اللي ناقصني وخلاص
ابتسم (هادي) ابتسامة خفيفة، ظل (أسر) في مكانه، نصف عينيه على السيجارة، ونصفه الآخر هائم لا يدري أين؟! فجلست بجواره فتاة أخرى، بادلها الحديث وظلا يمرحان معًا حتى وقعت عيناه على تلك الفتاة التي كانت ترقص مع (هادي) تجمّد في مكانه، ضاقت عيناه لوهلة، ونظر مرة أخرى لها نعم هي ..
ملامحها؟
ربما تغيّرت قليلًا .. لكنه يعرف تلك العينين وذلك الوجه ملابسها أصبحت أكثر جرئة ..
أخفض بصره إلى السيجارة في يده، هل تلك هلوسة؟
هل ما يشربه الليلة أثّر عليه إلى هذا الحد؟
رفع رأسه ببطء وسأل الفتاة التي بجواره
- (مرام) .. مين اللى مع (هادي) دي؟!
نظرت إليه بدهشة، وقالت
- دي صاحبته الجديدة .. عجباك ولا إيه؟!
نظر إليها طويلًا، ثم عاد ببصره نحو تلك الفتاة، وقال
- اسمها إيه يا (مرام)؟!
رفعت الفتاة حاجبها باستغراب من تركيزه الغريب، مع تلك الفتاة وقالت
- (هايدي) .. فى إيه مالك يا (آسر)؟!
ارتعشت شفتاه، كرّر الاسم بنبرة خافتة
- (هايدي)؟!
ثم حدّق في السيجارة مجددًا كأنها السبب في تلك الهلوسة التي تحدث الآن
- (هايدي) ازاي بس؟!
❈-❈-❈
قاد (معتصم) دراجته النارية متجهًا نحو الملجأ، يحمل صندوق الطعام الذي طُلب على عجلٍ من قِبل أحد العمّال هناك، كان الهواء كان باردًا، ولكنه اعتاد تلك البرودة ..
وصل إلى البوابة الخلفية، توقف أمام الباب الحديدي، ترجل عن دراجته، وانتظر قليلًا حتى يأتيه أحدهم ليأخذ الطعام منه ..
ما إن مرت لحظات حتى فُتح الباب ببطء، وخرج عامل متوسط القامة، اقترب بهدوء من (معتصم)، وأخذ منه حقيبة الطعام ..
وقبل أن يسلمه النقود، التفت (معتصم) صدفة إلى الداخل، جذب انتباهه ظل يتحرك بسرعة داخل الممر الجانبي للحديقة الخلفية، ضيّق عينيه ليرى بوضوح ..
كان هناك رجلان، أحدهما يحمل طفلًا صغيرًا متدلّي الأطراف، كأنّه فاقد للوعي، ويتّجه به نحو سيارة سوداء ضخمة تقف خلف السور الخارجي للملجأ ..
ارتبك (معتصم)، وجمّدت المفاجأة قدميه لثوانٍ، قبل أن يلتفت فجأة إلى العامل أمامه، الذي بدا وكأنه لاحظ ما رآه، مدّ العامل يده سريعًا بالنقود وهو يبتسم ابتسامة باهتة، حاول أن يُخفي بها ارتباكه
- شكرًا لك يمكنك الانصراف الآن
نظر إليه (معتصم) نظرة متفحّصة، ثم سأل بصوتٍ هادئٍ
- هل من خطبٍ ما؟ رأيت أحد الأطفال يُنقل في هذا الوقت المتأخر .. ويبدو أنه فاقد الوعي
ارتعشت يد العامل للحظة، قبل أن يبتلع ريقه ويشيح بنظره عن (معتصم)، ثم ردّ بنبرة حاول جاهدًا أن يجعلها طبيعية
- لا .. لا شيء على الإطلاق فقط .. طفل مريض سيتم نقله إلى المستشفى، لا تشغل رأسك
ظلّ (معتصم) يحدّق فيه للحظات، ملاحظًا ارتباكه الواضح وعينيه المتجنّبتين للنظر مباشرة إليه، ثم أومأ برأسه في صمت، ركب دراجته النارية ببطء، وأدار المحرك، لكنه لم يُبعد عينيه عن السيارة السوداء التي ما زالت متوقفة خلف السور، ثم تحرّك مبتعدًا عن الملجأ، لكن عقله ظل يفكر فى الأمر إن كان طفلًا مريضًا .. فلِمَ لا تُشبه السيارة سيارة إسعاف؟ ولما ما شاهده يشبه كثيرًا رسومات (فابيو) ..
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة علا السعدني، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية
