رواية جديدة ظلها في قلبه لعلا السعدني - الفصل 13 - الجمعة 1/5/2026

تم النشر في: 1 مايو 2026


قراءة رواية ظلها في قلبه كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية  ظلها في قلبه

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة علا السعدني 


الفصل الثالث عشر 

تم النشر الجمعة 

1/5/2026


الفصل السابق


ألقت (سدرة) الورق من بين يديها بمجرد أن استمعت إلى اعتذاره، رفعت عينيها نحوه، وكان التوتر قد بدأ يتسلل إلى ملامحها شيئًا فشيئًا، لأنها لم تتوقع اعتذارًا منه، أما (مالك)، عندما رأى اهتمامها وتوترها، أسرع بإكمال حديثه، فهو حقًا يشعر بالاختناق بسبب معاملتها الفاترة له منذ أن حدث الشجار بينهم، فقال بصوت هادئ يشوبه الحرج
- صدقيني .. أنا عارف إن غلطتي كبيرة مش صغيرة ومكنش ينفع أبدًا تحت أي ظرف إني أدخل في علاقتك بخطيبك إنتِ حرة وإنتِ وهو ليكم حياتكم .. وأنا كلامي كان سخيف أصلًا

نظرت إليه (سدرة) للحظة، ثم تنهدت بعمق، في محاولة منها لترتيب الكلمات في ذهنها، لتقول بنبرة هادئة
- حصل خير يا (مالك).. وبعدين إنت مش مضطر تعتذر ليا، العلاقة اللى بينا سطحية جدًا مجرد شغل وبس مكنش ليه لازمة تعتذر

رغم أنها محقة بكل كلمة قالتها إلا أنها أغضبته قليلًا ،لكنه لم يُظهر غضبه، شعر بوغزة خفيفة في قلبه، فأجابها بصوت منخفض وهو ينظر لأسفل لا يستطيع النظر داخل عينيها
- معاكِ حق طبعًا .. بس برده كنت شايف إن من الأفضل ميبقاش في بينا أي خلافات شخصية .. عشان الشغل يبقى احسن 

ابتسمت (سدرة) بخفة، فهو محق بحديثه، ثم قالت بلطف
- أنا مش مضايقة منك .. أي حد مكانك كان ممكن يفكر كده .. بس علشان أحسّن صورتي وصورة (معتصم) قدامك ومتبقاش فاكر إني واحدة معندهاش كرامة هاحكيلك اللي حصل

حاول (مالك) منعها، أخبرها بأن ذلك شئ خاص بينها وبين خطيبها ولا يجب عليها أخباره بتلك التفاصيل، لكن (سدرة) أصرت، أن تقص له كل شئ ،فبدأت بسرد كيف تعرض لعملية نصب وعن أصدقائه الذين لم يعد يعلم عنهم شئ بعد أن غرق ذلك المركب بمن فيه حتى وجد نفسه وحيدًا على أحدي الشواطئ ولم يدرى بنفسه حتى انقذه أحدهم وكيف أن كل ما مر به ترك فى نفسه أثرًا صعب، لم يكن يستطيع المواجهة بعد كل ما عاشه من مرارة وحزن، فبالتأكيد أُصيب بحالة نفسية جعلته غير قادر على اتخاذ أي قرار صحيح، لمعت عينيها بالدموع بينما استمع (مالك) ،وشعر بالضيق من نفسه من انه حكم على شخص دون أن يستمع للقصة كاملة، اخفض رأسه فى خجل، وهو يقول بنبرة آسفة
- متخيلتش إنه مر بكل ده .. أنا بعتذر تاني يا (سدرة)

أومأت له، وقالت بابتسامة هادئة
- يعني أنا عندي كرامة بس بنت أصول برده .. مش هجرّحه وهعاتبه وهو بالحالة دى

ابتسم قليلًا، فهو أصبح يعلمها حتى أكثر من نفسه
- عارف .. عارف إن كرامتك غالية .. دى كانت ذلة لسان .. صدقيني مقصدش

رفعت عينيها إليه، وسألته بعد لحظة من الصمت
- طب و(شيرين)؟ اعتذرت ليها؟

تنحنح (مالك)، وبدا عليه الارتباك، ثم قال
- بصراحة لسه مشوفتهاش من ساعة اللى حصل

أخذت (سدرة) نفسًا عميقًا، وقالت بنبرة رقيقة
- بس حرام .. لازم تعتذر ليها، هي على فكرة أقرب ليك مني

ضغط (مالك) على شفتيه بغيظ، كأن كلماتها أزعجته، لكنه لم يجيب اكتفى بهز رأسه على مضض ،أكملت (سدرة) كأنها تحسم الأمر
- فى البريك تعالى اتغدى معانا وكلمها

قال بفتور
- ماشي

بعد مرور وقت العمل وعند وقت الأستراحة اتجه (مالك) نحو قاعة الأستقبال، فوجدها تجلس على أحدى الطاولات، فجلس إلى جوار (شيرين) التي لم تلتفت إليه فورًا، لكنها شعرت بوجوده عندما استنشقت رائحة عطره الخاص، وتمنت لو تأملته قليلاً، فقد كانت تشتاق لرؤية وجهه، تلك الملامح التي لطالما أسرت قلبها ،لكنها كانت قد أخذت عهدًا على نفسها .. لا تريد أن تقلل من نفسها وشأنها بعد الآن، ألا تقدم مشاعرها التي يلقى بها فى سلة المهملات فى النهاية ولا يأبه حتى بوجودها ،جاء صوته هادئًا، وفيه حنان 
- ما خلاص بقى يا شيري .. هنفضل زعلانين من بعض؟ حقك عليا.. أنا آسف

 أدارت وجهها نحو (مالك)، وصوتها مرتجف قليلًا
- زعلت منك أوي .. بس مقدرش مش أسامحك

ابتسم (مالك)، لكنه شعر بمرارة، يتمنى لو كان يبادلها نفس المشاعر ولكنه لا يعلم حقًا ما خطب القلوب لما عندما يحبك شخص لا تشعر نحوه بشئ، فى حين يظل قلبك معلق فى اتجاه آخر، لم يرغب فى جرح مشاعرها، فأجاب بابتسامة خافتة، وقال
- مش هزعقلك تاني بجد .. خصوصًا لو فى حد معانا

نظرت له، وكأنها تريد أن تصدقه، وطلبت منه ببراءة 
- وتوصلني النهاردة كمان وأنا مروحة؟

أومأ برأسه، فى صمت يشبه الحسرة فهي لم ولن تتغير ابدًا ثم قال
- حاضر يا ستي
❈-❈-❈

في المساء ..
كان (آسر) جالسًا في شقتهما الهادئة، ينتظر حضور شقيقه وعلى غير عادته تمامًا، قرر أن يُعد العشاء لهما بنفسه فقد شعر بإنه ليس على ما يرام تلك الفترة الأخيرة فمنذ أن عاد من سفره وهو شعر بتغيره المفاجئ ذلك ولا يدري ما السبب ..

وضع الأطباق على مائدة الطعام ،ثم دلف نحو المطبخ مرة آخرى ليحضر بقية الأطباق ،سمع صوت المفتاح وهو يدور في الباب، علم أن (مالك) قد وصل ..

دلف (مالك) للداخل و رأى أن السفرة مجهزة، ارتسمت على وجهه ابتسامة صغيرة باهتة، اتجه بصمت إلى غرفته ليبدل ملابسه، ثم خرج بعدها، لم يكن يشعر بأي جوع ،جلس على الأريكة في غرفة المعيشة، مسندًا ظهره إليها، وهو شارد فى حظه الذي أوقعه في غرام فتاة على علاقة بشخص آخر ..

خرج (آسر) من المطبخ، يحمل طبقين وهو يضعهم على المائدة، ثم نظر نحو شقيقه وقال 
- يلا يا سيدي .. مش هتأكل ولا إيه؟

هزّ (مالك) رأسه نافيًا، وقال دون أن يلتفت
- مش جعان .. وبعدين من إمتى أصلاً بتجهز أكل وبتاع؟ مانت طول عمرك بتدخل تفتح التلاجة وتشقلب كيان المطبخ وتعمل سندوتش وتتهمد

ضحك (آسر) بخفة ثم اقترب منه بعدها جلس إلى جواره على الأريكة، ثم قال متأملًا ملامحه المرهقة
- مش عارف يا ابني ليه حاسس إن فيك حاجة .. مش على طبيعتك بقالك فترة، فقلت احضر أكلة حلوة ونتكلم

ضحك (مالك) رغمًا عنه، وقال وهو يزفر بسخرية
- أنا نفسي أفهم .. ليه إنت و(شيرين) بتتعاملوا معايا كأني (ياسين جينكيز) ده! اللى بيأكل أى حاجة في وشه .. بتستخدموا الأكل وسيلة معايا كأنى أكيل وأنا أصلاً مليش في الأكل

نظر إليه (آسر) بجدية أكثر، مدّ يده على ظهر الأريكة، واستدار نحوه
- خلاص سيبنا من الأكل .. أنا شايفك مش مظبوط وغيرتك على البنت اللي كانت معاك الصبح دي؟ يا عم إنت عمرك ما غيرت على بنت! .. ارتبطت يا عين أمك؟ وهى معكننة عليك؟ أنا عارف البنات لما ترتبط بتقلب لغم!

تجهم وجه (مالك) فجأة، وتخشب في جلسته، ثم قال بانفعال، وقد بدأ صوته يعلو
- إيه؟ ارتباط إيه بس!! .. هى زميلة عادية .. مفيش الكلام ده خالص

رمقه (آسر) بنظرة مليئة بالشك، وأصر
- يعني إيه؟ مش مقتنع .. فيه حاجة وانا عارفك كويس

صرخ (مالك) وصوته بدا أكثر توترًا
- يا بني بقولك زميلة! دي مخطوبة أصلاً!

صمت (آسر) فجأة، وتجمدت ملامحه، كأن الصدمة شلت قدرته على التفكير ،بدأ يراقب وجه (مالك)، تلك الملامح الغاضبة التي تضجر من لا شئ، هو يعلم شقيقه أكثر من نفسه، لا يأبه لأمر فتاة ولكن تلك .. تلك رأى لمعة عينه وهو ينظر إليها صباحًا، رأى غيرته عليها حتى منه، يعلم جيدًا أنه كاذب ويكن لها الكثير من المشاعر لذا سأله
- إنت بتحبها يا (مالك)؟

رد (مالك) بسرعة، كمن يدفع عنه تُهمة
- لا لا مبحبهاش .. وقفلنا على الموضوع ده خلاص

لم يكن ساذجًا ليصدقه بتلك السهولة رأى ذلك الارتباك في عينيه، تلك الذبذبة الخافتة في نبرة صوته، فانحنى للأمام قليلًا، وقال
- من إمتى يا (مالك)؟

انخفضت نظرات (مالك)، وتمتم ببعض الكلمات فهو لم يعد قادرًا على دفن تلك المشاعر التي بقلبه
- مش عارف .. معرفهاش غير من شهرين تقريبًا .. بس مش عارف لحقت إمتى أتعلق بيها أصلاً .. ولما بدأت أحس بحاجة عرفت إنها مخطوبة

صمت لبعض الوقت بعد أن قال كلمات مبعثرة ثم عاد ليتحدث قائلًا
- (شامل) .. (شامل) الوحيد اللى كان عارف إني معجب بيها، جابها تشتغل معايا عشان نقرب من بعض .. بس أنا اتورطت .. مش عارف أهرب من وجودها .. بتجاهلها بس كل يوم حاسس إني بتعلق بيها أكتر .. 

ثم لمعت عيناه فجأة، وغص صوته، وبدأت الدموع تتجمع فى زوايا عينيه، فمدّ (آسر) يديه إليه، وجذبه لصدره، وقال بلطف
- اهدى.. اهدى يا (مالك) .. دى مشاعرك وانت مش مسئول عنها .. بس لازم تبعد عنها، كلم (شامل) يخليها ترجع شغلها الأولاني وخلاص

ابتلع (مالك) ريقه ثم ابتعد عن شقيقه ، وكان الحزن يملأ صوته
- هي لعبة يعني؟ أقوله جابها .. وأقوله رجّعها؟
بس متقلقش .. أنا عارف حدودي كويس .. صدقني .. مش بتكلم معاها غير فى الشغل حتى لما فتحت معاها موضوع برا الشغل شتمتها تقريبًا اطمن .. هي مش هتبص في وشي تاني

ضحك (آسر) رغمًا عنه، وقال
- إنت مشكلة يا بنى والله! بس مش قادر أديك نصايح .. لأن الوضع كله غلط

أومأ (مالك) برأسه، وقال بإرهاق
- متقلقش عليا .. هبقى كويس .. يومين وهيعدوا .. لحد ما أرجع طبيعي

ثم عاد لينظر إليه بجدية وتابع حديثه
- بس إنت كمان .. كفاية سهر وقرف، ركّز في شغلك بقى اللي بتعمله ده ميرضيش ربنا يا (آسر)

صمت (آسر) للحظة، ثم قال
- بس أنا مبعملش حاجة حرام يا (مالك)!

نظر إليه (مالك) بعينين حزينتين، وقال بأسى
- هو الحرام عندك يعني الزنا بس؟ طب شربك لحاجات بتدمر جسمك؟ وسهرك اللي بيضيعك؟ والكلام مع كذا واحدة فى نفس الوقت؟ بغض النظر إنه غلط تعشمهم كلهم .. هو أصلاً غلط تعشم واحدة بس بحبك، ما بالك بالقرف ده كله؟

انخفضت عينا (آسر) إلى الأرض، وهمس
- في ناس أوحش مني بكتير يا (مالك)

فقال (مالك)، وهو ينظر إليه بثبات
- ما هو في ناس أحسن منك بكتير برده .. ليه تبص للأوحش؟

زفر (آسر) بضيق، وقال
- عمومًا أنا بشرب تفاريحي وانت عارف .. مش مدمن يعني وموضوع البنات؟ أنا بحبهم كلهم يا سيدي .. قلبي كبير اعمل ايه!!

هز (مالك) رأسه بآسى، ونظر إلى السقف بتعب، يشعر بالعجز فى إقناع شقيقه ولكنه لن يتركه يسقط فى تلك الهاوية ..
❈-❈-❈

كانت جالسة على فراشها، تصع وسادة صغيرة على ركبتيها و الدموع تسيل على وجنتيها بلا توقف، حتى ابتلت الوسادة من بكائها، فمنذ أن جاءت إلى هنا .. لم يكلّف (سليم) نفسه حتى بسؤال ،كأن وجودها أو عدمه لا يصنع فرقًا لديه في حين هي تشتاق الآن إلى صوته، إلى حضوره، إلى غضبه .. 

كيف انقلب كل شيء؟ كيف تحوّل حنان حبيبها إلى هذا الجفاء؟

أغمضت عينيها، تاركة لذاكرتها أن تُعيد شريط ما مضى في آخر سنتين لها بالجامعة .. حين تعرفت عليه لأول مرة كيف كان حنونًا، يشعرها بحبه طوال الوقت يشعرها بجمالها الذى لم يرى له مثيل، جعلها تشعر بأنها الأنثى الوحيدة في العالم والباقيات نفاية، ثم .. بدء يتغير ذلك الحب شئ فشئ من غيرة إلى تحكم إلى تسلط حتى ليست على ماهية ملابسها فقط بل كان يتدخل حتى فى الوان الملابس ولكن الآن، لم يعد يكترث لا بها، ولا بألمها، ولا بدموعها ..

ابتلعت غصة في حلقها، ومسحت دموعها بأنامل مرتجفة، وهي تحاول أن تجد مبررًا واحدًا لتصرفه ذاك بأنه تطاول عليها بالضرب ربما عاد من عمله غاضبًا .. وربما هي استفزته .. وربما كانت تستحق ما فعله بها، لأنها أحرجته أمام أهله ..

زفرت بعمق، ثم مدت يدها ببطء نحو الهاتف الموضوع أعلى الكومود ،ترددت .. ارتجفت يداها، نبض قلبها كطبل حرب هل تحدثه؟ ما الخطأ في ذلك التصرف؟! .. في النهاية فعلتها ،ضغطت زر الاتصال دقّ قلبها عدة مرات متتالية، حتى جاءه صوته البارد، الخالى من أي عاطفة
- إيه؟ عرفتي غلطك وبتعتذري؟

صُدمت تجمدت مكانها، وشعرت أن الدموع على وجنتيها جفّت فهو لا يرى نفسه مخطأ بما فعله بها لكنها حاولت أن تتماسك، وقالت بصوتٍ مخنوق، تمسح دموعها بكفّها
- انت اللى ضربتني يا (سليم) .. مكنش ينفع تعمل كده

زفر (سليم) بضيق واضح، ورد بنبرة غاضبة
- وأكسر رقبتك كمان! مش طلعتي فاشلة؟ ولا عارفة تسدّى فى أول عزومة لينا؟!

اتسعت عينا (فريدة)، ولم تصدق أذنيها، فتمتمت باندهاش
- إنت عمرك ما كنت كده معايا يا (سليم) ..

قاطعها بضيق شديد، وارتفع صوته قليلًا
- وأنا هفضل أدلع لحد إمتى يا (فريدة)؟! .. ماهو لازم تفهمي إن الجواز مسئولية مش لعب عيال!

شعرت بالضيق لأنه لا يريد أن يُطيب خاطرها بأي كلمة حنونة لكنها لم تشأ أن تخسره لذلك همست بخضوع
- طيب .. خلاص عرفت غلطي .. ومش هزعلك تاني .. هتيجي تاخدني إمتى؟

ضحك بسخرية، وأجاب
- أجي آاخدك؟! .. إنتِ اللي غلطانة وأنا أروح أصالحك كمان؟! .. انتِ اللى تجيبي بعضك وتيجي!

عَضّت (فريدة) على شفتيها بقهر، وقالت برجاء
- مينفعش يا (سليم) .. كبرنى قدّام أهلي على الأقل وفى البيت، اعمل اللي إنت عاوزه .. (عمار) وماما مستحيل يسيبوني أجيلك بعد ما مدّيت إيدك عليّا .. أرجوك، تعالى خدني

ثم نزلت من عينيها دمعة حارقة وهى تكمل حديثها
- إنت مش بتحبّنى يا (سليم)؟ على الأقل متكسفنيش قدّام أهلي

ساد الصمت لثوانٍ، ثم سمعته يتأفف بضيق، ويقول باستسلام
- خلاص .. هكلم أمك، واجى آخدك بكرة

ثم تابع بلهجة محذرة
- بس .. لو عملتي غلطة تانية يا (فريدة) هتشوفي وش تاني!

انفرج وجه (فريدة) بفرحة ، ولمعت عيناها من جديد، ولكن هذه المرة بالبهجة، وسألته وهى تريد أن تستطعف حبه
- إنت بتحبّنى يا (سليم) مش كده؟ مش قادر تقعد من غيري، زي ما أنا مش عارفة أقعد من غيرك

كانت تريد أن تسمع منه كلمات حنونة فسمعته يأخذ نفسًا عميقًا، ثم رد بنبرة أكثر هدوءًا
- أكيد بحبّك يا (فريدة) .. أومال متجوّزِك ليه؟ بس أنا .. الحال المايل مش بيعجبني

أومأت برأسها بتفهم، وقالت
- مش هضايقك تاني .. وعد

أنهيا الاتصال، وظلت (فريدة) تحدق فى شاشة الهاتف، ثم ابتسمت، ابتسامة صغيرة لكن صادقة فغدًا، سيأتى وستعود إلى بيتها وإليه كما يريد قلبها الذي لا يستطيع تحمل البعد عنه ..
❈-❈-❈

عادت إلى منزلها مرهقة، وهي تشعر بالضيق والأختناق، حتى إنها لم تلحظ وجود (معتصم) في المطبخ وهو يجهز الطعام لكنها دخلت غرفة الجلوس وجلست على مقعد وعقلها مشتت بكثير من الأفكار ..

خرج (معتصم) من المطبخ، وما إن وقعت عيناه على ملامح وجهها الشاحبة، حتى ترك كل شيء خلفه، واتجه نحوها بقلق ظاهر، وجلس إلى جوارها، ثم سأل بصوت منخفض كي يعرف ما أوصلها لتلك الحالة 
- (جوليا) .. هل أنتِ بخير؟

رفعت عينيها نحوه ببطء، كان فيهما شيء من التيه، ثم هزّت رأسها نفيًا دون أن تنبس بكلمة، قطّب حاجبيه، واقترب أكثر قليلًا وهو يسألها مجددًا، بنبرة أكثر قلقًا ودفئًا
- ما الخطب؟ تلك المرة الأولى التي أراكِ بهذا الشكل

تنهدت تنهيدة ثقيلة، ثم قالت 
- لقد فعلت ما اقترحته عليّ يا (معتصم) .. أحضرت لـ(فابيو) دفتر رسومات وبعض الألوان .. لكنه لا يستخدم سوى اللون الأسود .. فقط الأسود

اعتدل (معتصم) في جلسته، وقد بدا عليه الانتباه الشديد، ثم قال
- وماذا بعد؟ أخبريني

تابعت (چوليا) بصوت واهن، لكن مضطرب
- قمت بتصوير رسوماته وعرضتها على خبير نفسي مختص .. وأخبرني بشيء لم أستطع فهمه حتى الآن .. رسوماته .. إنها تدور كلها حول الملجأ

توقفت للحظة، وكأنها تحاول لملمة ما تبعثر من أفكارها، ثم أضافت
- رسم أحدهم يُختَطف .. ورسمة آخرى تحوى أطفالًا يلهون بينما يراقبهم مخلوق شيطاني ضخم .. وحين عرضتها على المختص أخبرني أن هذا الطفل مرّ بصدمة شديدة وأن ما يراه ليس مجرد خيال بل ربما مشهد حقيقي رآه بعينيه .. أو على الأقل هكذا فسّره

وضعت كفيها على جانبي جبهتها، وكأنها تحاول أن تحجب ضجيج أفكارها، وقالت بقلقٍ شديد
- لم أعد أفهم ما الذي ينبغي عليّ فعله .. أخبرته بأن اعرضه على الأخصائي النفسي الموجود بالدار، لكن الخبير رفض .. قال لي إن (فابيو) يخاف الملجأ ذاته ولا يشعر بالأمان فيه وإننا إن وضعناه تحت ضغط أو عاملناه كمريض نفسي سيغلق على نفسه ولن يتحدث أبدًا

رفعت نظرها إلى (معتصم)، وقد بدأت نبرتها تزداد اضطرابًا
- حتى أنا .. أنا أعمل بالملجأ فكيف سأجعله يثق بي وهو يرى أن المكان بأكمله يشكل خطرًا عليه؟!

ساد الصمت لوهلة، وقال بصوت هادئ، حازم في الوقت ذاته
- (چوليا) .. اهدئي .. أنا معكِ .. لن أتركك وحدك في هذا .. سنفكر، سنبحث، وسنصل إلى الحقيقة .. لا تقلقي، سنجد الطريقة التي تجعله يتحدث وسنحميه إن لزم الأمر

شعرت بالأمتنان نحوه وابتسمت له بسمة حنونة فهي حقًا ترى أن (معتصم) هو الشخص الوحيد الذي يهون عليها مرارة تلك الأيام، لا تعلم أن كانت بمفردها في ذلك الأمر كيف كان سيمضي ؟!
التالي

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة علا السعدني، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة‏

إرسال تعليق

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل