رواية جديدة ظلها في قلبه لعلا السعدني - الفصل 20 - الإثنين 25/5/2026

تم النشر في: 25 مايو 2026


قراءة رواية ظلها في قلبه كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية  ظلها في قلبه

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة علا السعدني 


الفصل العشرون

تم النشر الإثنين 

25/5/2026


الفصل السابق


أصرّ (مالك) على إيصالها بنفسه، لم يكن ليتركها تمضي وحدها وهي بتلك الحالة فقد كانت منهارة للغاية، كما أن وجودها في الشارع وهي بهذا الانكسار، سيجعل الكثير يتعرضون لها، أيضًا شعر بالخوف من أن ذلك الوغد (سليم) يُكرر فعلته ..

استقلت السيارة بدون جدال فلم تستطع أن تُجادله أو تناقشه، والدموع ما زالت تنساب من عينيها فلم تتخيل أن يكون وغد بتلك الطريقة، أما (مالك) فقد كان يضبط المرآة الجانبية ببطء، وعيناه تتابعان حزنها وهو يشعر بالعجز فلا يحب رؤيتها على ذلك الحال، لكنه تركها تبكي، أن تُخرج ما بداخلها دون حرج، على أمل عندما يقوم بإيصالها لبيتها تكون قد هدأت، حتى لا تُقلق عائلتها بحالتها المذرية تلك ..

مرّت لحظات من الصمت، حتى استمعت فجأة لنغمة الهاتف، فنظرت (سدرة) إلى الشاشة، فإذا به (معتصم) ..

أزاحت الدموع سريعًا بكفها المرتجف، وهمّت بإنهاء المكالمة، فأن حدثته سيفهم من صوتها أنه يوجد خطب ما، لكنها لاحظت أنه يعاود الاتصال مرة بعد مرة، زفرت بضيقٍ ظاهر، فنظر إليها (مالك) بطرف عينه وسألها بهدوء
- مين اللى بيرن؟

أجابت وهي تمسح دموعها ثانية
- (معتصم)

رمق الطريق أمامه بنظرة هادئة، ثم قال
- طيب كلميه طمنيه عليكِ .. واهدي على الآخر عشان ميقلقش

أومأت برأسها، ورفعت الهاتف إلى أُذنها واجابت بنبرة مترددة، في الجهة الأخرى، كان (معتصم) يقف وحده فى غرفته الصغيرة، والدموع تغرق وجهه، كان قد خرج للتو من مكتب التوثيق، تم عقد قرانه على (چوليا) رسميًا، فقد انتهى شقيقه الأصغر بتوصيل الورق المهم له واستغرق انهائه من الإجراءات أسبوعين كاملين وهاهو أصبح زوج لامرأة غيرها، أغمض عينيه وهو يشعر بأنه نذل ثم قال بصوت مكسور
- وحشتيني أوي يا (سدرة) .. أنا من غيرك ضايع

ترددت (سدرة) فى الأجابة، حاولت أن تبدو ثابتة، لكن صوتها خرج مرتعشًا
- م.. معلش .. أنا في الطريق دلوقتي مش هعرف أتكلم .. أول ما أوصل هكلمك

لكن (معتصم) كان قد التقط رعشة الصوت وتجاهلها لكلمات حنينه لها ليس لها مبرر إلا أنه يوجد خطب ما، فهو يعرفها كما يعرف دقات قلبه
- كنتِ بتعيّطي ليه يا (سدرة)؟!

قالها بنبرة حادة بعض الشئ وبها المزيد من القلق، فارتبكت وخفضت عينيها، وقالت بضعف فهي تعلم أنه لن يغلق الهاتف حتى تعترف له بكل شئ
- م .. مفيش .. وأنا مروّحة واحد ضايقني .. و(مالك) زميلي بيوصلني

ضرب (مالك) جبهته بكفّه حين سمع اعترافها الأحمق بأنها معه الآن، أما (معتصم)، فاشتعل غضبًا وقال بصوت حاد للغاية
- بتقولي إيه؟! (مالك) تاني؟! أنا مش قولتلك ملكيش دعوة بيه؟!

رفعت (سدرة) عينيها إلى الهاتف بذهول، هل هذا حقًا صوت (معتصم)؟ هل هذا هو نفسه الشخص الحنون الذي تحبه؟ من كان يغار بصمت ويغلف غيرته بحنان؟!
تابع صراخه عليها لا يعلم يتهمها أم يتهم نفسه أراد فقط أن يجد لنفسه مبررًا، أنه ليس وحده من يُخطئ هي أيضًا تخطئ
- طبعًا ما صدقتي! مستنية اللحظة دي! اني أبعد .. ولا يمكن بتفكري تبعدي فعلاً؟! ولا عشان انا مش جنبك فمش مالي عينك .. طب مش تستني لما تنهي علاقتك بيا عشان تكوني مع غيري

رمقها (مالك) بنظرة جانبية، فنبرة (معتصم) كانت عالية تكفي لأن يسمعها دون مكبر صوت، لكنه لم يتدخل .. فقط ظل يضغط على أصابعه فوق عجلة القيادة بقوة ويتابع قيادته تركها هي تجيب عليه علها لا تتركه يتهمها تلك التهمة الشنعاء، اما (سدرة) فلا تصدق ما تسمعه منه فهو منذ أول لقاء بينها وبين (مالك) وهو يعلم كل شئ بل على العكس هي دائمًا تقص عليه طبيعة العلاقة بينها وبين (مالك)، هو صحيح يغار عليها لكن بطريقة هادئة بطريقة تعجبها، إما الآن فهو مختلف للغاية وهي ليست فى حالة أن تتحمل أسلوبه الحاد ذاك، فقالت بحرقة
- بتقولي أنا الكلام ده يا (معتصم)؟!

كلمتها أيقظت شيئًا داخله، فمسح وجهه بكفّه وقال بنبرة أقل حدة
- راكبة معاه ليه؟

ارتجفت نبرتها وهي تردّ
- انت حتى مسألتش مين اللي ضايقني ولا ازاي ولا أنا كنت عاملة إزاي! ولا حتى سألت عن حالتي اللي خلتني أركب معاه .. (مالك) اللي دايمًا بحكيلك كل حاجة عنه

صمتت لحظة، ثم أضافت بصوت منكسر
- لو سمحت .. سيبني دلوقتي أنا مش قادرة أتكلم .. ومش عاوزة اتكلم 

أنهت المكالمة دون أن تنتظر رده، ثم انفجرت بالبكاء من جديد، كان (مالك) يضغط مقود السيارة بضيق، يشعر بعجزه، لكنه بالتأكيد كان لن يتركها وهي بتلك الحالة ورغم صعوبة وثقل الحديث على قلبه وهو يبرر لها انزعاج خطيبها إلا أن انزعاجه اهون عنده من بكائها ذاك يتحمل هو ويتعذب هو و لكن لا يراها حزينة بتلك الصورة لذا قال بصوته الدافئ قائلاً
- اهدي كده .. بصراحة هو ليه حق برده يغير عليكِ يعنى بيحبك وطبيعي يغير لما زميلك في الشغل يوصلك أنا مش بلومه بس بصراحة برده .. مكنش ينفع أسيبك تمشي لوحدك، انتِ اديله العذر

مسحت (سدرة) دموعها بيدها ثم قامت بأغلاق هاتفها كليًا بعدما رأته يعاود الأتصال بها مرة آخرى، وقالت من بين شهقاتها
- أنا من أول يوم عرفتك فيه .. وأنا حاكية له طبيعة علاقتنا، آه ساعات كنت بحس إنه بيغير بس كان بيسكت لما بيفهم الموقف أو لما يعرف إني صريحة معاه .. بتبسط طبعًا بغيرته وحبه بس المرة دي .. بيتهمني بالخيانة يا (مالك)!

شعر (مالك) بوخزة في صدره، ليست بسبب الغيرة فقط، بل حزن لوجعها، ومع ذلك، شعر بالفخر بها، فهي لم تخفِ عن شريك حياتها يومًا شيئًا، وكانت لتخبره بما حدث من (سليم) لولا خوفها على أن يتم هدم بيت شقيقته ..

تابعت (سدرة) بأنفاس متقطعة
- أنا تعبت تعبت بجد ومحدش حاسس بيا .. من ساعة ما (معتصم) سافر وأنا بحتويه بحاول محسسوش بالنقص ولا إني متضايقة .. ولا عاوزة أبين لبابا وماما اني مضايقة من سفره اكتر منهم .. تفتكر يعني إني مش نفسي أتجوز زى أي بنت؟ راجل بحبه؟ وأعيش بسعادة أنا كمان .. أنا ضحيت .. ضحيت بمستقبلي عشانه علشان أخته تتجوز وضحيت بكلام الناس وأهلي وقرايبي .. وكنت دايمًا بقول (معتصم) يستاهل، هو اتنصب عليه وظروفه صعبة بس مش ذنبه (معتصم) اداني حب وحنان كتير ومن حقه أكون جنبه

ثم توقفت لحظة لتلتقط أنفاسها وتمسح دموعها
- بس يشكك فيا بالطريقة دي؟! بعد كل اللي عملته 

أدار (مالك) وجهه نحوها قليلاً، وعيناه تمتلئان بالشفقة عليها، وقال بصدق
- بصراحة يا (سدرة) .. اللي يعرفك ويحبك يتمنى يحافظ عليكِ بعيد عن جنس أي راجل تاني .. انتِ جميلة وتستاهلي حد يفضل جنبك على طول أنا .. أنا لو مكانه هفضل جنبك بس ومش عاوز حاجة من الدنيا غيرك

تجمدت ملامح (سدرة) لوهلة ثم شعرت بالدهشة، عقدت حاجبيها بتساؤل واضح، فشعر (مالك) بتسرّعه ثم ابتلع ريقه وقال محرجًا
- قصدي يعني .. انى هعمل كده مع البنت اللي هحبها، طبيعي أغير كده .. أصل حب الرجالة غبي شوية

أخذت (سدرة) نفسًا عميقًا وقد صدقت تبريره ذاك، دون أن تُعلّق، وصلا إلى أسفل العمارة، فتوقفت السيارة، ترجلت (سدرة)، فترجل (مالك) هو الآخر خلفها سريعًا وهو يقول
- استني استني

استدارت إليه، فأخرج من جيبه منديلًا ورقيًا ومدّه نحوها قائلاً بلطف
- امسحي وشك كويس .. عشان أهلك ميقلقوش وبالنسبة ل (سليم) .. متخافيش مش هيقرب منك تاني

هزّت رأسها موافقة بصمت، فتابع (مالك) بصوته 
- ولو كلمتي (معتصم) قولي له إن حد كان بيرزل عليكِ وإنه كان ممكن يركب معاكِ المواصلات وأنا وصلتِك عشان كده .. واعتذري له بالنيابة عني .. مش عاوزكوا تتخانقوا بسببي

قالت (سدرة) وهي تحاول أن تستعيد رباطة جأشها
- مش هكلمه اصلًا .. ده بيشك فيا

وفي تلك اللحظة، كانت (شهيرة) عائدة من السوبر ماركت، تحمِل اكياسًا ممتلئة بالمشتريات، فاستوقفها مشهد ابنتها تقف مع شاب غريب أسفل العقار، اقتربت منهما بسرعة، ونادت
- انتِ واقفة هنا مع مين يا (سدرة)؟!

ارتبكت (سدرة)، وتلعثمت
- مـ .. ماما، ده (مالك) .. زميلي في الشغل

لاحظ (مالك) اضطرابها وانها لا تستطيع شرح الأمر، فتقدم بخطوة وقال بلباقة ليبرر موقفهم معًا 
- أنا (مالك) .. زميل (سدرة) هي تعبت شوية وهي راجعة فقلت أوصلها بالعربية بدل ما تمشي لوحدها وتتعب أكتر

اقتربت (شهيرة) من ابنتها بقلق وقالت بخوف، سقطت الاكياس التي بيدها لتمسك يد (سدرة) وهى تسألها 
- تعبت؟! انتِ كويسة يا (سدرة)؟! ايه اللى حصل؟

أجابت (سدرة) بهدوء، فى محاولة منها لتهدئة الموقف
- اهدي يا ماما .. بس دوخت شوية مكنتش واكلة حاجة من الصبح بس .. الحمد لله

- طب اطلعي بسرعة وأنا هحضرلك الأكل

ثم التفتت إلى (مالك) وابتسمت له بود 
- متشكرة أوي يا بني .. بس لازم تطلع معانا تشرب حاجة، ده انت واقف تحت البيت

ابتسم (مالك) بأدب وحرج
- لا يا طنط أنا بس كنت بطمن عليها واطمنت الحمد لله

أصرت (شهيرة) قائلة
- مينفعش، على الأقل اشرب كوباية شاي ..

اعتذر بلطف مرة أخرى، وذهب تجاه سيارته، وبينما كانت والدتها تراقبه بعين متفحصة، فقالت بدهشة
- محكتليش على الواد الحيلاوة ده ليه قبل كده؟!

نظرت إليها (سدرة) بحدة، ثم إلى السيارة التي بدأ (مالك) أن يقودها، فزفرت براحة انه لم يستمع ثم لملمت الاكياس البلاستيكية مع والدتها وهى تقول
- تعالي يا ماما انتِ بتقولي إيه بس! ده زميلي .. وبس .. انتِ ناسية إني مخطوبة؟

دخلت (شهيرة) خلفها وهي تقول بضيق
- خطيب الندامة .. السهن السهتان اللي بتحبيه ده؟! بصي على الراجل اللي كان واقف معاكي .. راجل كده في نفسُه، مش زي التاني!

كتمت (سدرة) ضحكة صامتة وهزّت رأسها بأسى
- أول مرة أشوف أم بتحرض بنتها على الفساد!

ثم أردفت بضحكة حزينة
- اطلعي يا ماما بدل ما أقول لبابا إنك بتعاكسي (مالك)

ابتسمت والدتها وهي تتجه نحو المصعد ، وقلبها يتمنى أن ترى ابنتها سعيدة، مع من يستحق قلبها فعلًا، وهي كبيرة فى العمر بما يكفى لتعرف نظرات العاشق لحبيبته، وزميلها ذاك ينظر إليها بحب بالغ هذا شئ واضح لأى ضرير ولكن فى الحقيقة ابنتها هي وحدها ضريرة القلب ..
❈-❈-❈

في ظهيرة اليوم التالي ..
 أخبرت (أوهيلا) (آسر) أن (هيثم) قد عاد من السفر، وطلب رؤيتها، فأرسل لها عنوان الفندق الذي يعمل فيه شقيقه (مالك) وطلب منها أن تطلب من (هيثم) ان تقابله هناك لأنه سيكون هناك ليعطي لشقيقه بعض الأغراض فوافقته ..

وفى الموعد المحدد، ذهبت إلى الفندق كما اتفقا، جلست في بهو الاستقبال الواسع، تراقب الحركة من حولها وهى تفكر فيما ينوي فعله (آسر)، عيناها وقعتا على الأخير وهو يقف بمفرده، ينظر إلى ساعته مرارًا، كان يرتدي قميصًا أزرق أنيقًا، يبرز تفاصيل جسده الرياضي، وبنطال جينز داكن يزيد من وسامته، نظراتها علقت عليه رغمًا عنها، فقد كان اللون الأزرق من ألوانها المفضلة، بدا كما لو أنه خرج من إعلان لأزياء الرجال فى مجلة ما ..

ابتسمت ونهضت من مكانها، واتجهت نحوه وهى تقول
- إيه يا واد الاستايل الجامد ده؟ ده انت طلعت شقاوة على الآخر وأنا مش واخدة بالي؟!

رفع (مالك) حاجبًا لها بدهشة وقد كان لسوء حظ (أوهيلا) انه لا يرتدى نظارته لذا كان يبدو مثل (آسر) تمامًا، فحدّق فيها باندهاش، ثم أشار بيده اليمنى ناحية رأسه وهو يلفها بحركة خفيفة وكأنه يسألها إن كانت فقدت عقلها، ظنّت أنه يمازحها، فضحكت، ثم فجأة ضربته ضربة خفيفة على بطنه وهي تقول
- ماشي يا واد هتعمل فيها كاريزما وبتاع! خلاص تعالى معايا عشان نستنى (هيثم)

ثم أمسكت بيده ليسير معاها، لكنه سحب يده بسرعة كأنما لُسع، وحدّق فيها باندهاش
- فيه إيه يا ماما؟ سحباني ورايحة بيا فين؟ وإنتِ تعرفيني أصلاً؟

قطّبت (أوهيلا) حاجبيها، وقد بدأ الغضب يتسلل إلى ملامحها، ثم رفعت صوتها وقد ظنت أنه يتخلى عنها
- كده يا (آسر)؟! مش قولتلي هتقابل (هيثم)؟ ولا انت جايبني هنا وهتتخلى عني؟ إيه حكايتك بالظبط؟! عن إذنك .. أنا غلطانة إني وثقت فيك أصلاً!

استدارت وهمّت بالرحيل، لكن (مالك) كان قد تدارك الموقف سريعًا ولحق بها يقول
- استني يا ستي! إنتي فاهمة غلط! أنا مش (آسر) .. والله مش (آسر)، أنا أخوه التوأم!

توقفت في مكانها، واستدارت إليه ببطء، ترمش عدة مرات وكأنها تستوعب صدمة غير معقولة، أمعنت النظر في ملامحه مجددًا، هو ذاته نفس العيون، نفس طريقة الوقوف، نفس الذقن المشذبة، نفس الطول ثم صرخت فيه بتلقائية
- ولاه! انت ضارب حاجة؟! عامل فيها جامد وفارد عضلاتك ومبلبع نص مخدرات البلد؟! .. هتكلم (هيثم) ازاي وانت مش في وعيك كده 

هزّ (مالك) رأسه بأسى، ونظر لها نظرة مليئة بالتعجب، هل حقًا تلك الفتاة التي يحبها شقيقه، ولكن لن ينكر فهي مجنونة كشقيقه هم حقًا ثنائى مناسب، وهم ليبرر لها أن حقًا (آسر) لم يأتى بعد ..

ولكن في تلك اللحظة، ظهر (آسر) من بعيد، يتجه نحوهما، وما إن اقترب حتى قال بنبرة دافئة
- أوهي، إنتِ جيتي من إمتى؟ أنا آسف اتأخرت عليكِ


نظرت إليه (أوهيلا)، ثم إلى (مالك)، ثم عادت تقارن بين الاثنين وكأنها ترى شبحين من نفس الجسد، لم تصدق عينيها ، كاد أن يغشى عليها، فأستأذن (مالك) بحرج وقد كان وجهه محمرًا للغاية وقال
- خلص معاها وابقى تعالى على مكتبي ضروري

نظر (آسر) لها باستغراب
- الواد وشه محمر كده ليه؟ انا عارف اخويا لما يكون مكسوف إنتِ عملتي إيه بالظبط في أخويا؟

احمر وجهها خجلاً وقالت هامسة
- كنت فاكراه إنت .. عاكسته وهو يا عيني واقف مؤدب مش فاهم حاجة!

تغيرت ملامح (آسر) في لحظة، وقطّب حاجبيه وقال بغيظ
- يعني أنا أعرفك من قد إيه؟ عمرك بصتيلي حتى! وجاية تعاكسي اخويا؟! طب ماهو نفس السحنة ياللي تنشكي في قلبك

ابتسمت وهي تمازحه
- إنت بتغير يا كوكو؟ بصراحة .. الواد أخوك استايله أحسن من استايلك فافتكرتك نضفت كده!

ضغط (آسر) على أسنانه، ونظر إلى السماء يتحدث مع ربه فقد طفح الكيل من تلك الفتاة
- ياااارب .. خدت حقهم وزيادة كمان .. ارحمني من اللي بشوفه منها يا رب!

ضحكت (أوهيلا) فهي حتى الآن تعلم أن (آسر) يكن لها مشاعر إخوة وصداقة فقط لا تعلم حقيقة أن مشاعره تغيرت ولكنها معتادة منه على الحديث وكأنهم مرتبطان، رغم انه لا يجمعهم أي حب ..

وفى تلك اللحظة وجدت (هيثم) يدخل إلى الفندق وجلس إلى إحدى الطاولات، فأخبر (أوهيلا) أن تتبعه وأن تظل صامتة ولا تتحدث، فهزت رأسها موافقة على حديثه، تقدم نحوه بثبات وجلس أمامه، وحين رأى (هيثم) ذلك المستفز يجلس و(أوهيلا) بجواره، فنظر إليها كي تخبره لما ذاك الشخص موجود فأمسك (آسر) وجه (هيثم) بيده وهو يقول بضيق
- عينك ما تجيش عليها تاني

ثم قبض يده الأخرى بقوة، وكأنما يصارع نفسه ليضبط أعصابه
- أنا سكت المرة اللى فاتت عشانها .. بس المرة دي مش هسكت .. انسَ رقمها، انسَ شكلها، وانسَ إنها كانت في حياتك ولو اتصلت بيها تاني أقسم بالله .. لأفضحك! عندي صحاب صحفيين كتيير وأي كلمة هتطلع عنك هتقلب الدنيا! ولا إيه يا حضرة المخرج؟

حاول (هيثم) أن يجيب، لكن (آسر) استكمل بنفس الحدة وقد لكمه فى عينه كي يتذكر دائمًا تلك اللكمة ويبتعد عن (أوهيلا) تمامًا
- أنا حنين عليك فى البونية دي ومش راضي اقرص عليك .. لكن لو عرفت إن رقمك اتصل بيها .. هكون دفنك مكانك

كانت (أوهيلا) تتابع المشهد مذهولة، لم تكن تعلم أن (آسر) لديه مهارة قتالية، حتى أن حديثه أعطى له هيبة لم تراها فيه يومًا، نظر إليها وأشار لها
- يلا .. قدامي

فى حين وضع (هيثم) نظارته الشمسمية على عينه فلا يريد أن يلفت الأنظار لكنه لن يترك ذلك الوغد، صمت فقط كي لا يحدث جلبة بالمكان، ويتم التشهير به، ابتسمت (أوهيلا) ل (آسر) بخجل وسارت إلى جواره حتى خرجا من الفندق، وسار معها حتى وصلا لسيارتها، وقفت أمامه وقالت بامتنان
- ميرسي أوي يا (آسر) .. بجد مش عارفة أشكرك إزاي

رد بسخرية على لدغتها التى أصبح عاشقا لها
- تشكغينى (تشكريني) على إيه ولا على إيه ولا على إيه؟

ضحكت، ثم ضربته ضربة خفيفة في بطنه
- ولاه! مش عشان عملت جميل معايا تشوف نفسك عليا!

كز على شفتيه بغيظ من أسلوبها العنيف ذاك، وقال
- عيب بنوتة حلوة زيك تمد أيدها على راجل، عمومًا يلا روحي .. وعينك متجيش على أي واحد مهكع تاني! تعبت ألم من وراكي .. كلهم هيبقوا طماعين! محدش هيحبك بجد

تجمدت نظراتها، وبدت ملامحها حزينة، كانت كلماته مؤلمة بالنسبة لها هي بالفعل تريد من يحبها بصدق ويكون كبير بالعمر ايضًا، يعوضها عن حرمانها من حنان والدها تريد أن ترى فيه الأب قبل الزوج ..

فتحت باب سيارتها وقالت
- هبقى أكلمك يا (آسر) بعدين .. روح لأخوك كان مستنيك

ابتسم لها بهدوء ثم قال وهو يرمقها بنظرةٍ هائمةٍ تفيض عشقًا
- خلي بالك من نفسك .. ابقي اتصلي بيا لما تروحي

نظرت إليه باندهاش وقالت
- مالك يا واد؟ ما تظبط كده؟!

أغلق عينيه، وهز رأسه مستعوضًا الله مما يحدث له معها، ثم قال بطريقته الساخرة المعتادة
- هخلص شغل وأكلمك يا جعفر .. سلام!

ضحكت (أوهيلا) من قلبها وقالت
- سلام!
❈-❈-❈

كانت الغرفة الخاصة به مليئة بالفوضى، المقاعد مقلوبة، الأوراق مبعثرة، وزجاج محطم على الأرضية، ركل طرف الطاولة المكسور، فمنذ الأمس، و(سدرة) لا تجيبه لا رسالة، ولا مكالمة، لأول مرة فى حياتها تتجاهل اتصالاته والمه، فهو يحتاجها، يعلم أنه اخطئ بحقها ولكنه لم يعتاد منها تلك القسوة عليه ..

بالخارج سمعت (چوليا) صوت تحطيم الأشياء بداخل غرفته ففتحت الباب دون استئذان، وقفت على العتبة، وعيناها تجولان في الغرفة، ثم لاحظت هيئته الغاضبة، فزفرت بحدة، وقالت بنبرة أشبه بعتاب
- ما الذي دهاك يا (معتصم)؟ لم أجبرك على الزواج بي ولم أطلب منك شيئًا .. لكن منذ أن عدنا بالأمس من البلدية وأنت حالتك يرثى لها

استدار نحوها بوجه شاحب وعينين دامعتين، وقال وهو يُدير وجهه عنها بغضب
- الأمر لا يعنيكِ يا (چوليا)، لقد تشاجرتُ مع (سدرة) بالأمس .. لا تُجيب على الهاتف ولا أستطيع الوصول إليها .. شعرتُ بالاختناق، لا أكثر

شعرت بالغضب من حديثه عن امراءة آخرى وكأن ذلك أمر يجب أن تعتاد عليه، فما يزال قلبه مع خطيبته تلك، رغم أنها أصبحت زوجته الآن، كانت تعلم جيدًا أنه لم يتزوجها بدافع الحب، بل بسبب القضية، ولكن ذلك لا يمنع قلبها من أن يشعر بالضيق، وأن تغار عليه فقد هامت عشقًا بذلك الغبي ..

عضّت شفتها السفلية بغيظ مكتوم، ثم تقدّمت نحوه بحدة، وقالت بصوت غاضب متماسك
- اسمعني جيدًا يا هذا! .. لا يهمّني ما كانت علاقتك بها وما ستكون ولا أرغب في سماع المزيد من الترهات التي تُهين كرامتي، لقد سئمت منك ومن أسلوبك المُتقلب .. أنا زوجتك الآن شئت أم أبيت .. احترم وجودي في حياتك كما أفعل أنا .. أو على الأقل لا تُهِن هذا الرابط الذي جمعنا 

تقلصت قسمات وجهه، كأنها صفعت كبرياءه، اقترب منها فجأة وأمسك رسغها بقوة، وهتف بصوت غاضب
- أجننتِ يا (چوليا)؟! هل تُخاطبينني بذلك الأسلوب فعلًا؟!

لم تستطع أن تنظر في عينيه، خشيت أن يراها ضعيفة أو منكسرة، زفرت مرة أخرى، ولكن هذه المرة بانكسار
- اسمع .. المحامي يريدك غدًا صباحًا لا تنسَ ذلك، لقد استلمنا اليوم من مكتب البريد إيصالًا رسميًا يُثبت تقديمك لطلب تصريح الإقامة لأسباب عائلية وهو يُعدّ بمثابة إقامة مؤقتة قانونية يسمح لك بالمثول أمام القضاء ورفع دعوى ضد الملجأ لديك الآن صفة قانونية تجعلك أن تُدلي بشهادتك القضية على وشك أن تبدأ .. فلننهِ هذا الأمر!

ثم نزعت يدها من قبضته بعنف، والتفتت لتغادر، خرجت من الغرفة دون أن تلتفت خلفها، تاركةً إياه في تلك الفوضى التي صنعها ..

فقد أصبح يكره نفسه ويكره تلك اللحظة التي حاول فيها المهربين في عتمة الليل حين اقتربوا بالمركب الأُمّ إلى السواحل القريبة من العاصمة رغبةً في الفرار سريعًا، ولولا أن الأمواج سحبته وقذفته إلى شاطئ أوستيا هنا في روما، لكان الآن في عِداد الموتى ولكن السؤال الحقيقي هل نجى حقًا؟!
التالي

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة علا السعدني، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة‏

إرسال تعليق

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل