رواية جديدة رواية في فبضة فهد لهالة زين - الفصل 28 - الثلاثاء 26/5/2026

تم النشر في: 26 مايو 2026

 

قراءة رواية في قبضة فهد كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخر


رواية في قبضة فهد

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة هالة زين


الفصل الثامن والعشرون 


تم النشر الثلاثاء 

26/5/2026

أغلق آدم باب السيارة بعنف فور جلوس داليدا بجانبه.

الهواء داخل السيارة كان مشحونًا بشكل خانق.

حتى يوسف الصغير... الجالس في الخلف... شعر بالتوتر والتزم الصمت وهو يحتضن لعبته الصغيرة.

انطلقت السيارة بسرعة...بينما ظل آدم صامتًا....بشكل أخاف داليدا أكثر من غضبه نفسه....نظرت له بحذر ورددت أسمه

داليدا: آدم.......لكنه لم يرد.

قبضته على المقود اشتدت أكثر....تنهدت أكثر وأردفت

داليدا: إنت زعلان علشان يزن صح ؟

ضحك فجأة...ضحكة قصيرة باردة

آدم: زعلان...لا المفروض أتحزم وأرقص....وأنا شايف مراتي مقضياها ضحك وهزار مع واحد غريب غيري...و أنا محذرها من قربه والكلام معاه أصلا .

ثم التفت لها للحظة.... وعيناه مشتعلة

آدم : ولا إنتي شايفه إيه يا مدام داليدا

اتسعت عيناها بغضب غير مبرر من حديثه

داليدا : علي فكرة إنت مكبر الموضوع أوي . والموضوع مش مستاهل كل اللي إنت عامله ده

عاد بنظره للطريق واشتدت أصابعه علي المقود

آدم: إنتي هتجننيني يا داليدا ...ولما يبصلك بالطريقة دي قدامي... أبقى مكبر الموضوع برده ؟

عقدت حاجبيها بغضب

داليدا : صدقني هو ما عملش حاجة ...ومش أصده ... إحنا أصحاب وهو كان مديري ...وكنا واخدين علي بعض ...وبنتكلم عادي يعني .

ثم تنفست بعصبية

داليدا: إنت بس اللي كل شوية تتعامل كأني ملكية خاصه ليك ...ولا كأنك إشترتني من سوق العبيد .

ضغط آدم على المكابح فجأة عند إشارة المرور... ثم التفت لها بالكامل

آدم: نعم يا ختي ....أمال انتي ملكيه عامه ...وإيه سوق العبيد دي ...إظبطي كلامك وأعرفي إنتي بتقولي إيه يا داليدا ...إنتي مراتي يا هانم ...والمفروض هنعيش مع بعض العمر كله ...مش واحده ماشي معاها وهقضي معاها ليلتين والسلام .

شهقت بغضب أعمي يخنقها من حديثه

آدم: وده يديك الحق إنك تخنقني كده ...وتجبرني أكلم مين وما اكلمش مين يا آدم .

اقترب منها قليلًا بينما صوته أصبح أخفض لكنه أخطر.

آدم : أه يا داليدا ليا كل الحق اني أعمل كل ده ...لما الاقي واحد بيبص لمراتي وكأنه نفسه فيها.

تجمدت للحظة من قسوة كلماته...ومن تلميحاته التي تمس كرامتها فقالت بانفعال

داليدا: علي فكرة بقا يزن محترم معايا ...والله استحاله يعمل كده أو يفكر كده حتي .

سخر آدم بمرارة من دفاعها عنه وأردف بقله صبر

آدم : إنتي هبله يا زفته إنتي ولا بتستهبلي ... ده ناقص يقولك إنه بيحبك ومعجب بيكي صريحة.

ارتفع صوتاهما تدريجيًا...حتى جاء صوت صغير من الخلف

يوسف :بااابي....داليدا ...أنا خايف .

تجمدت داليدا فورًا.....التفتت بسرعة...لتجد يوسف ينظر لهما بعينين خائفتين....فانكسر شيء داخلها فورًا.

أغمضت عينيها للحظة، ثم التفتت إلى آدم بغضب مكتوم

داليدا: شايف عمايلك؟

ساد الصمت....فأشارت إلى الطفل

داليدا: مش واخد بالك إن إحنا بنتخانق قدامه.

هبطت نظرات آدم ببطء نحو يوسف...ورأى الخوف الحقيقي في عينيه....اختفت حدة غضبه تدريجيًا.

تنفست داليدا بصعوبة...وصوتها أصبح أهدأ لكنه موجوع

أكملت وهي تحاول تهدئة نفسها

داليدا: لو عندك مشكلة مع يزن... حلها معاه يا آدم ... مش معايا.....أنا عن نفسي مافيش عندي مشكله معاه .

صمت طويل ملأ السيارة...ثم أعاد تشغيل السيارة بهدوء هذه المرة.

آدم : عندك حق يا مدام داليدا ...بس أقسم بالله لو شفتك لمحتي إنك هتروحي فيلا الفهد تاني عند ميلا لهكسر رجلك ...ولو عاوزة تشوفي ميلا كلميها تجيلك هي...او اتقابلوا برة ...وأنا هعرف إزاي أتصرف مع أبن....الك....ب ده اللي حاطط عينه عليكي .

نظرت له دون رد...فأكمل وعيناه على الطريق

داليدا: ده آخر كلام عندي ...وما تخلينيش أفقد أعصابي عليكي ...واعتبري ده آخر تحذير .

تنهدت داليدا، ثم نظرت إلى يوسف في المرآة.... لتجده قد هدأ قليلًا....فهمست بوجع

داليدا: أنا مش عايزة أعيش خايفة من غضبك كل مرة يا آدم بعد إذنك ماتخنقنيش كده...أنا بني آدمه وليا شعور وإحساس ...دلوقتي انت هتروح تنتقم من يزن فيزن مش هيسكت ولو سكت ...يمان مش هيسكت وهيردهالك ...ما تفكر فينا شويه يا آخي ...إنت إيه عاوز تعيشنا حياه كلها مشاكل وخلاص .

تصلبت ملامح آدم للحظة...لأنه أدرك أن خوفها هذه المرة...لم يكن منه فقط....بل علي حياتهم القادمه معا .

ساد الصمت داخل السيارة بعد حديث داليدا...صمت ثقيل... لم يقطعه سوى صوت أنفاس يوسف الهادئة في الخلف.

كان آدم يقود بعينين جامدتين... بينما كلماتها الأخيرة ما تزال تدور في رأسه...وفجأة...رن هاتفه....نظر إلى الشاشة سريعًا... ثم ضغط على زر الإجابة عبر السماعة

آدم : في ايه اتكلم.

جاءه صوت أحد رجاله فورًا

المساعد : لقينا المربيه بتاعه يزيد إبن يمان باشا الفهد ... يا باشا.

تبدلت ملامح آدم بالكامل.

آدم : لقيتوها فين؟

المساعد : كانت مستخبية في شقة قديمة متأجرة على أطراف البلد ورجاله يمان باشا لقوها ... شكلها كانت ناوية تهرب يا باشا ...وهما عكشوها

اشتدت قبضته على المقود

آدم: يعني هي معاكم دلوقتي ؟

المساعد : أيوه. يا باشا ...هي ورجاله يمان باشا ...بس الغريب ان اللي إسمه محمود ده كان عاوز يهربها مننا لما لقيناهم  ....فإحنا دلوقتي مستنين أوامر حضرتك .

ساد صمت لثانية...ثم جاء صوت آدم باردًا بشكل أخاف حتى داليدا الجالسة بجواره

آدم: خدوهم على المخزن القديم اللي في الصحراوي

ابتلع الرجل ريقه واردف باستسلام

المساعد : تمام يا باشا.

لكن آدم أكمل بصوت أكثر خطورة

آدم : وظبطوهم ... لحد ما أوصل ....ثم أغلق الخط.

شعرت داليدا بتوتر غريب وهي تراقب تغير ملامحه فسالته

داليدا: في إيه؟

أجاب دون أن ينظر لها
آدم : مافيش.... مشكله صغيره في الشغل .

بعد دقائق...

توقفت السيارة أمام منزل داليدا ....نزل آدم أولًا ...ثم فتح الباب لداليدا بصمت....حمل يوسف بين ذراعيه للحظة...و قبّل رأسه بهدوء... وكأن غضبه كله يختفي أمام هذا الطفل الصغير الذي يذكرة بأخته الراحله ...ثم سلّمه لداليدا مجددًا.

لاحظت التوتر الواضح في عينيه... فسألته بخفوت

داليدا: مش هتطلع معايا تسلم علي صباح .

نظر لها أخيرًا...وبدا مرعبًا بهدوئه....ثم دخل معها الي مدخل المنزل .

آدم : هخلص موضوع الشغل وأعدي عليكم آخد يوسف  وأسلم عليها .

شعرت بقشعريرة تسري في جسدها....اقترب منها خطوة... ثم وضع يده على خدها برفق مفاجئ....

آدم:خلي بالك من نفسك .

عقدت حاجبيها وأمسكت بذراعه تمنعه من الرحيل

داليدا: آدم إنت رايح فين بالظبط  ؟ما تقلقنيش عليك .

قاطعها بنبرة حاسمه وقبلها قبله شرسه .

آدم : هقولك كل حاجه لما أجيلك بالليل .

ثم نظر إلى يوسف بين ذراعيهاوصوته لان قليلًا

آدم:خلي بالك منه.

راقبته داليدا بصمت.... تشعر أن شيئًا خطيرًا على وشك الحدوث.

استدار آدم متجهًا نحو سيارته مجددًا....لكن قبل أن يركب...

التفت لها للحظة أخيرة....وعيناه حملتا تحذيرًا واضحًا

اللي حاول يأذي أي حد يخصني ... هيتمنى إنه ما اتولدش أصلا وأنا عايش علي وش الدنيا ....ثم انطلق بسيارته الي انتقام محتد....بينما وقفت داليدا مكانها، تضم يوسف إليها بقوة...وقلبها يخبرها...أن الليله لن تمر بسلام.

❈-❈-❈

في الصعيد

كانت زينب تجلس داخل جناحها الفخم بدوار عيله العماري تدخن بعصبية وهي تستمع إلى صوت الرجل عبر الهاتف.

الرجل : آدم بيه الفهد مسك حنان ومحمود بيهربها بعد ما عزه هانم المصري سلمتها الفلوس اللي بعتهالها يا ست الناس .

تجمدت يدها للحظة...ثم نهضت فجأة بعنف

زينب : إنت بتقول ايه يا واد المركوب إنت ...ميته وكيف حوصل كل ده ؟

أكمل الرجل بتوتر

الرجل : والله يا ست زينب ماكانوش خابرين ان آدم باشا الفهد بيراقبهم من بدري لأجل سلامه بت الخوجايه .

زينب : وهم فين دلوق ؟

الرجل : متجمعين دلوقتي في مخزن آدم بيه القديم..علي الطريق الصحراوي .

اشتعلت عينا زينب بخوف حقيقي لأول مرة.

زينب : الاغبيا دول لو اتكلموا...كلنا هنروح في داهيه .

همست بها لنفسها وهي تضغط على الهاتف بقوة.
لأنها تعرف جيدًا...محمود لن يتحمل التعذيب طويلًا.
وسيعترف بكل شيء....بكل الأوامر....وباسمها هي شخصيًا.

ألقت السيجارة بعنف... ثم التقطت هاتفًا آخر بسرعة

زينب : إسمعني زين

جاءها صوت خشن من الجهه الأخري للهاتف

الرجل : أوامرك يا هانم.

اقتربت زينب من النافذة...وعيناها تمتلئان بشر

زينب : عايزاك تخلصلي علي حد
ساد صمت قصير...ثم سأله الرجل بحذر

الرجل :محمود وحنان؟ مش كده يا ست الناس ..أنا عرفت باللي حصل من رجالتي .

أغلقت عينيها ببرود قاتل
زينب : تخلص عليهم الليله ...يموتوا ويغوروا علشان أغبيه ..من غير ما تسيب وراك دليل .

الرجل : رقبتي سداده يا ست الناس .

❈-❈-❈

كان الليل ساكنًا داخل فيلا الفهد ...لكن ذلك السكون انكسر فجأة بصوت خطوات عنيفة تهبط الدرج بسرعة....خرج يمان بسرعه وهو ينادي

يمان : يزن

دوّى صوت يمان في أرجاء المكان بشكل أرعب الخدم.

خرج يزن من غرفته بسرعة... ليجد أخاه ينزل الدرج بعينين مشتعلة وهاتفه بيده.... وملامحه كانت مرعبة.

يزن : في إيه؟

رفع يمان الهاتف أمامه بعنف

يمان : كلم رؤوف بسرعه وخليهم يحضروا الرجاله

أخذ يزن الهاتف بسرعة...لتتغير ملامحه فورًا وهو يقرأ رساله ليل

ليل: آدم بيه خطف محمود المساعد بتاعك ... وحنان معاه. وخايفه تكون اعترفت إن عزة المصري هي اللي كانت بتساعدهم وورا اللي حصل ليزيد وكان هيحصل لمدام ميلا .

رفع يزن رأسه بصدمة

يزن : إيه؟يا نهار أسود ؟

قبض يمان على فكه بعنف... وصوته خرج كزئير منخفض

يمان : اتحرك بسرعه قبل ما يعمل فيهم حاجه ...قبل ما نوصل لهم .

ثم تحرك بسرعة نحو الباب....يلتقط مفاتيحه وسلاحه من فوق الطاولة.

ولكن ما إن أُغلق باب الفيلا خلف يمان...حتى شعرت ميلا وكأن شيئًا بداخلها انهار بالكامل....وقفت في منتصف الجناح للحظات ...تحاول أن تلتقط أنفاسها.... لكن عقلها لم يتوقف عن تكرار اسم واحد...

ليل....الرسالة....اتصاله بها....طريقة ارتباكه عندما رأت اسمها على هاتفه....كل شيء عاد يطعنها من جديد.

دخلت إلى الحمام بخطوات سريعة.... وكأنها تهرب من شيء يطاردها.أغلقت الباب خلفها بعنف...ثم استندت عليه....وانهمرت دموعها أخيرًا.

ميلا : غبية...اقسم بالله غبيه

همست بها لنفسها وهي تهز رأسها بقهر....تقدمت نحو المرآة... تنظر إلى انعكاسها بعينين حمراوين....تذكرت
حضنه...كلماته...اعتذاره...قبلاته ...وذلك العشق الذي رأته في عينيه....ثم تذكرت اسم ليل على شاشة هاتفه....فضحكت بمرارة وهي تمسح دموعها بعنف

ميلا : أكيد كنتي مصدقة نفسك يابنت سعد

خرجت من الحمام وجلست على طرف الفراش... تضم ذراعيها حول نفسها... بينما الألم يعتصر قلبها بقوه ...تذكرت كيف تعلقت به تدريجيًا...كيف أصبحت تنتظر خطواته... نظراته... غيرته عليها....كيف شعرت بالأمان لأول مرة بين ذراعيه.

ثم همست بصوت مرتجف

ميلا : أنا اللي حبيته...هو ما أجبرنيش إني أحبه .

خرجت الكلمة منها كاعتراف موجع.

وضعت يدها على فمها تبكي أكثر...رفعت رأسها فجأة...وكأنها ترفض ضعفها....مسحت دموعها بقوة...ونهضت من مكانها.

ميلا : بس لأه... يا أنا يا أنت يابن الفهد

قالتها بحزم هذه المرة....فاقتربت من مرآة الزينه مرة أخرى... وعيناها مليئتان بالوجع والكبرياء.

ميلا : ورحمه ابويا وأمي مش هكون واحدة من حريمك يابن الفهد .

تذكرت كيف كانت تذوب كلما اقترب منها...وكيف كانت تسامحه علي كل ما فعله معها بنظرة واحدة.

فضغطت على قلبها بقوة

ميلا : كفاية أرجوك بلاش توجعني كده .

ثم أضافت بدموع ساخنة

ميلا : مش هسمحله يكسرني أدام نفسي أكتر من كده.

جلست على الأريكة هذه المرة بعيدًا عن الفراش الذي يحمل رائحته...وكأنها تعاقبه حتى في غيابه فأغمضت عينيها وهي تهمس بقهر
ميلا : من النهارده... مش هركعلك يا يمان يا فهد تاني .

لكن رغم كلماتها القوية...ظل قلبها يؤلمها بنفس الحقيقة القاسية ...أنها... لا تحبه فقط ...بل تعشقه.

شقّت سيارات يمان الليل بسرعة مخيفة...أصوات المحركات الحادة... والرجال المدججون بالسلاح....جعلت الطريق إلى المخزن يبدو كأنه بداية حرب...في السيارة الأمامية...كان يمان يجلس بصمت قاتل.

عيناه مثبتتان على الطريق، بينما الغضب يغلي داخله بشكل مرعب...أما يزن ورؤوف الجالسان بجواره، فكانا يراقبانه بحذر

رؤوف : يمان خليني أنا ويزن نتعامل الأول ...بلاش إنت ..وأوعى تدخل بعصبية مع آدم .

لم يرد يمان....كانت قبضته على السلاح بين يديه كانت كافية للإجابة....فتنهد يزن

يزن : آدم لو عرف إن عزة هي اللي ورا الموضوع كله ... مش هيسيب حد عايش .

جاء رد يمان أخيرًا... باردًا بشكل مخيف

يمان : مش هو لوحده ...ميلا مراتي ويزيد ابني واللي يأذيهم يبقي بيأذيني .

بعد دقائق...

ظهرت المخازن الضخمة المعزولة وسط الظلام....وسيارات آدم السوداء كانت تحاصر المكان بالكامل.

رجاله يقفون في كل زاوية... بأسلحة واضحة ونظرات متحفزة....بينما أعطي يمان الاشاره لسياراته بالتوقف وهو أوقف سيارته بعنف....ثم نزل أمامهم فورًا...وهبط يزن خلفه بسرعة

يزن : إستني يا يمان رايح فين .

لكن يمان كان قد بدأ بالفعل يتجه نحو باب المخزن بخطوات ثقيلة.....الرجال تحركوا فورًا نحوه بحذر... لكنهم توقفوا عندما لمحوه وعلموا بهويته ....اقترب أحد رجال آدم منه وأخبره

- آدم باشا جوه يا يمان  باشا .

نظر له يمان بعينين مرعبتين

يمان : عارف.

ثم دفع الباب الحديدي بنفسه.

أما في الداخل...كان الجو خانقًا....مع إضاءة ضعيفة...ورائحة دم تملأ المكان ...وصوت أنين مكتوم يأتي من أحد الأركان.

رفع يمان عينيه...ليجد محمود مساعده مقيدًا على الأرض... وجهه مليء بالكدمات....بينما كانت حنان تبكي بانهيار وهي تجلس مقيدة على كرسي ووجهها مورما وانفها تنزف .

أما آدم...

فكان يقف أمامهما بهدوء مرعب....أكمام قميصه مرفوعة... وآثار الدم واضحة على يده....رفع عينيه ببطء نحو يمان.

وللحظة...

ساد صمت ثقيل بين الرجلين....صمت أخطر من أي صراخ.

دخل يزن سريعًا يحاول كسر التوتر....لكن آدم لم ينظر إليه حتى...عيناه بقيتا مثبتتين على يمان وهو يقول ببرود

آدم : إتأخرت...ولولا أن رجالتك كانوا هيهربوها ...كنت سبتهالك .

لم يجيبه يمان بل اقترب ببطء.... ونظر أولًا إلى حنان التي بدأت تبكي أكثر

حنان : إرحمني يا يمان بيه ....والله ما كنت أعرف أن الدوا هيأذي يزيد بيه ...أنا ما أعملش في ابنك كده أبدا يا بيه .... ده إبني ...ده انا اللي مربياه ...ومدام سهر كانت موصياني عليه ...غصب عني والله يا بيه ... أنا ما كنتش عايزه أموته والله .

لكن إشاره يده ونظرة الغضب أوقفتها عن الصراخ

ارتجفت بالكامل....فاقترب يمان منها أكثر... وعيناه تحولت إلى جحيم فبدأت تبكي بهستيريا

حنان : غصب عني والله يا بيه ...كانت وزة شيطان .

اشتد فك يمان بعنف...وذهب الي محمود يضربه بعنف ويسدد له عده لكمات....فصرخ متألمًا

يمان : كنت عاوز تهربها ليه يا وسخ...بينكم أيه انا ما أعرفوش.

صرخت حنان بخوف

حنان : والله يا بيه ما بيناش حاجه ...كل اللي حصل أنا ماكنتش اعرف إن يزيد بيه اللي هيشربه...ده كان للست ميلا .

تجمدت ملامح آدم فورًا....أصبحت عيناه أكثر ظلامًا.

اقترب آدم من حنان ببطء مخيف

آدم : يعني المقصود بنت أختي زي ما قالت ...السم الهاري ده كان ليها ...يا بنت الكل...ب.....

صرخت حنان بخوف من صفعات آدم المؤلمه لها ...بينما لكمه  يمان بعنف أسقطت رأس محمود للخلف....

أما يزن فتدخل بسرعة

يزن : يمان... كفاية...هتموته ...وإنت يا آدم هتموتها ...أنا بقول نسلمهم للبوليس ونخلص

لكن يمان وآدم كانا  قد فقدوا أعصابهم تمامًا.

أما آدم...فسأل بغضب قاتل.

آدم : مين وراكم يا ولاد الكلب ؟مين اللي وزك علي بنت أختي ؟

كان التوتر يزداد في قلبي آدم ويمان... بينما حنان تبكي بانهيار... ومحمود بالكاد قادر على رفع رأسه.

لكن فجأة...توقف يزن عن الكلام...عقد حاجبيه وهو ينظر نحو الخارج

يزن : هو فيه إيه ... سمعتوا اللي أنا سامعه ؟

ساد الصمت....ثم دوّى صوت إطلاق نار بالخارج...انفجار حاد مزّق سكون الليل....التفت الجميع فورًا....صرخ أحد رجال آدم من الخارج

الرجل : إحنا بنتعرض لهجوم يا آدم بيه ؟

اشتعلت عينا آدم ويمان فورًا بينما قالا بصوت واحد

يمان : الكل ياخد مكانه بسرعه ...

وفي نفس اللحظه إنفتح باب المخزن بعنف....ودخل أحد الرجال مذعور

الرجل : في عربيات هجمت علينا من كل ناحيه يا باشا

قبض يمان على سلاحه فورًا.... بينما دفع يزن أرضا ليحتمي...ثم دوّى الرصاص مجددًا...كان أقرب هذه المرة.

خرج آدم بسرعة إلى الخارج....ويمان خلفه مباشرة.

ليتفاجآ بعشرات الرجال يطلقون النار من خلف السيارات السوداء.

بدأ محمود يصرخ بفرحه وهو ينظر لحنان

محمود : دي أكيد ست الناس قلتلك انها مش هتسيبنا ..إحنا رجالتها من سنين .

أما حنان فكانت تعلم حقيقه زينب حق المعرفه ...فكانت تبكي هستيريا

حنان : دي قتلت ابن أخوها علشان تورثه يبقي هتبقي علينا يا محمود ...دي باعته رجالتها تصفينه ياخوي .

لكن لا أحد كان يسمع....لأن الخارج...تحول إلى ساحة حرب حقيقية.

وقف آدم خلف إحدى السيارات يطلق النار ببرود مرعب...بينما كان يمان على الجهة الأخرى يتحرك بعنف وغضب قاتل.

الرصاص يمر بجوارهما...وصوت الرجال يملأ المكان.

وفجأةصرخ أحد رجال يمان

مساعد يمان : يمان باشا ...آدم باشا عايزين يدخلوا المخزن

اتسعت عينا يمان وآدم فورًا...لأنهم  ادركوا انهم ليسوا الهدف
بل الشاهدان بالداخل.

نظر يمان إلى آدم للحظة وسط صوت الرصاص....ورغم كل ما مر بهم الا أن هناك تفاهم صامت مرّ بينهما ....ثم قال آدم بحدة

آدم : لو ماتوا... الحقيقة هتضيع...وهيفضل القاتل موجود بينا وإحنا ما نعرفوش .

أومأ يمان بعنف...ثم أمسك سلاحه جيدًا وتحرك نحو باب المخزن وهو يزأر برجاله

يمان : محدش هيدخل هنا حي.

اشتعلت ساحة المخزن بالفوضى...الرصاص ينهمر من كل اتجاه ...وصوت الصراخ والحديد المتصادم يملأ الليل.

كان يمان يتحرك بعنف أمام باب المخزن ...يطلق النار بلا رحمة ... بينما يحاول منع الرجال من الوصول إلى الداخل.

وفجأة خرج أحد المسلحين من خلف سيارة محطمة وصوّب سلاحه مباشرة نحو آدم....لكن قبل أن تنطلق الرصاصةاندفع يمان غريزيا وهو يصرخ

يمان : حاسب يا  آدم

دوّى صوت الطلقة....وشعر يمان بألم حارق يمزق ذراعه....فتراجع خطوة بعنف ....والدم بدأ يسيل من كتفه بغزارة....صرخ يزن من بعيد

يزن : يمان

لكن يمان تجاهل الألم تمامًاوأشار الي يزن بالتوقف والإحتماء  ... وأطلق النار على الرجل فورًا ليسقط أرضا

بينما في الداخل...

كانت حنان تصرخ بهلع... ومحمود يحاول فك قيوده بجنون...لكن الباب الخلفي للمخزن انفجر فجأة...

ودخل رجلان ملثمان....إتسعت عينا حنان برعب وهي تتعرف عليهم فهم من رجال زينب.
٠
حنان : لا.....لا

ولكن كان دوّى الرصاص داخل المخزن معلنا عن صرخة محمود التي انقطعت فجأة...وسقط أرضًا غارقًا في دمه.

أما حنان...فأصابتها رصاصة في جانبها لتسقط من فوق الكرسي وهي تلهث بألم.

اندفع يمان إلى الداخل رغم إصابته... لكنه توقف فور رؤيته للمشهد.

الدماء في كل مكان...ومحمود ممدد بلا حراك....أما حنان...

فكانت تحتضر.

ركع يمان بجوارها بعنف... أمسكها من كتفيها

يمان : أعملي حاجه كويسه قبل ما تموتي وقوليلي مين وراكي ؟

سعلت دمًا....وعيناها ترتجفان بخوف حقيقي

حنان : سامحني ...سامحني يا بيه

اقترب أكثر...والغضب يحرقه

يمان : إتكلمي...اتكلمي يا حنان وقوليلي مين وراكي .

بدأت أنفاسها تتقطع...لكنها فجأة أمسكت قميصه المرتعش بقوة مفاجئة....ونظرت إليه بعينين مذعورتين.

حنان : في... في حاجة أهم لازم تعرفها...يا بيه

عقد حاجبيه بعنف

يمان : حاجه أيه ....إنطقي ؟

بدأت تبكي وهي تختنق بدمها

حنان : ست سهر كانت أشرف ست في الدنيا ...ما خانتكش مع أبو الست ميلا ...ويزيد .

تجمد يمان بالكامل أمامها ...بينما هي همست بصعوبة

حنان : أنا عارفه إنه مش ابنك.

ساد الصمت...صمت مرعب....حتى الرصاص بالخارج بدا وكأنه اختفى للحظة....اتسعت عينا يمان بصدمة....فنظر إلى حنان بحدة قاتلة....لكنه لم يتحرك....كأن جسده كله تجمد...نظر إليها بعدم استيعاب رغم معرفه أن ما تقوله صحيحا

يمان : بتخرفي بتقولي إيه؟

هزت رأسها بسرعة وهي تبكي

حنان : ابنك الحقيقي...توقفت أنفاسها للحظة...ثم همست بالكلمات التي مزقت روحه

حنان : لسه عايش يا بيه .

تجمد الزمن....شعر يمان وكأن الأرض انسحبت من تحته...قبضته على كتفها ارتجفت بعنف

يمان : ابني إيه؟ ابني فين انطقي.

لكن حنان كانت تلفظ أنفاسها الأخيرة...عيناها بدأت تفقد التركيز...وهمست بصوت شبه ميت
حنان : حقك عليا يا يمان بيه ....سامحني ثم سقط رأسها جانبًا....وسكنت تمامًا....بينما ساد صمت قاتل داخل المخزن.

فبقي يمان جالسًا مكانه.... والدم ينزف من ذراعه... لكن الألم الحقيقي لم يكن هناك...بل داخل صدره....عيناه كانتا جامدتين بشكل مخيف....وعقله يعيد كلماتها مرارًا ابنك الحقيقي لسه عايش....رفع رأسه ببطء شديد...وعيناه تحولت إلى جحيم.

ثم خرج صوته أخيرًا...مخيفًا، مكسورًا، ومرعبًا في الوقت ذاته وهو يغيب عن الوعي من شده الالم صارخا  ....
يمان : حنااااااااااااان .

❈-❈-❈

كان الظلام يحيط بكل شيء...صمت غريب... بارد... ومؤلم.

ثم فجأة...ظهر طفل صغير...يقف بعيدًا وسط الضباب... يرتدي ملابس بيضاء بسيطة... وملامحه غير واضحة بالكامل.

لكن عيناه...كانتا تشبهانه بشكل مرعب.وقف يمان مكانه يحدق فيه بعدم فهم...فهمس بصوت متعب.

يمان : إنت مين يا حبيبي ؟

ابتسم الطفل ابتسامة صغيرة بريئة...ثم بدأ يقترب منه بخطوات بطيئة....حتى وقف أمامه تمامًا....ورفع يده الصغيرة نحوه.

الطفل : إنت مش عارفني يا بابا ؟

تجمد يمان بالكامل....شعر بقلبه يتوقف....انخفض ببطء أمام الطفل...وعيناه ترتجفان...

يمان : إنت ابني أنا .

أومأ الطفل برأسه، ثم أمسك يده...كانت يده دافئة بشكل مؤلم.

الطفل : ممكن تيجي تاخدني ...إنت أتأخرت ليه ؟

ارتعشت أنفاس يمان بعنف

يمان : إنت كنت فين ؟

لكن الطفل لم يجب...بل ابتسم فقط...ثم بدأ يبتعد.

اتسعت عينا يمان بذعر

يمان : إستني ...ما تمشيش....حاول اللحاق به،...لكن الضباب بدأ يبتلعه تدريجيًا.

يمان : يزيييببببد

صرخ بها بعنف....مد يده نحوه بجنون....

يمان : ما تسبنيش يا حبيبي ....لكن الطفل كان قد اختفى....واختفى معه كل شيء.

الطبيب : ضغطه بينزل...جهزوا الإنعاش حالى

الطبيب : يمان باشا... إنت سامعني؟

تسللت الأصوات إليه تدريجيًا...رائحة المعقمات....أصوات الأجهزة....وألم حارق في ذراعه...فتح عينيه ببطء شديد...

لتضربه الإضاءة البيضاء بقوة....وإذ به بالمستشفى.

تنفس بصعوبة... محاولًا استيعاب ما حوله...حتى وقعت عيناه عليها ...ميلا.

كانت جالسة بجانبه مباشرة... وعيناها حمراوان من البكاء والسهر....بينما تمسك يده السليمة بقوة وكأنها تخشى أن يفلت منها....وما إن رأته يفتح عينيه...حتى شهقت براحة

ميلا : يمان ...إنت كويس ؟

اقتربت منه فورًا....وعيناها مليئتان بالقلق الحقيقي

ميلا : إنت سامعني؟

ظل ينظر إليها لثواني  طويلة...كأنه عاد من مكان بعيد جدًا...ثم همس بصوت مبحوح

يمان : ميلا

ارتجف قلبها فور سماع اسمه منها بتلك الطريقة الضعيفة.

ميلا : أنا هنا

قالتها بسرعة وهي تقترب أكثر...حاول يمان الجلوس...لكنه تألم فورًا....أسرعت تمسكه

ميلا : حاسب وخليني أساعدك

لكن فجأة...أمسك يدها بقوة...نظرت له بدهشة...أما هو...فكانت عيناه ضائعتين بشكل لم تره من قبل.

يمان : فين يزيد ؟

تجمدت ملامحها...فهمس مرة أخرى... وكأنه غير مصدق انه عاد علي قيد الحياه .

يمان : يزيد كويس ؟...ويزن وآدم ؟

ظل يمان ممسكًا بيد ميلا بقوة...

وكأنه يتشبث بها حتى لا يغرق وسط الفوضى التي تعصف داخله....أما ميلا...فكانت تنظر إليه بقلق حقيقي... بعدما رأت ذلك الانكسار الغريب في عينيه لأول مرة....اقتربت أكثر وهمست بلطف

ميلا : يزن وخالي بخير ما تقلقش .

رمش يمان ببطء...وكأنه عاد للحظة إلى الواقع.

يمان : ويزيد

أومأت بسرعة

ميلا : كويس... وفاطمة معاه...الدكتور قال إنه بقى أحسن....وقبل ما آجي وديته عند خالي يلعب مع يوسف هو بيحب يلعب معاه وأنا مروحه هعدي أخده معايا ....تنفس يمان بعمق...ثم أغلق عينيه للحظة وكأنه يحاول استيعاب كل شيء...لكن عندما فتحهما مجددًا...كانت عيناه مثبتتين عليها فقط....على وجهها المتعب من السهر....وعلى دموعها التي حاولت إخفاءها....ساد صمت طويل بينهما...صمت مليء بشيء أعمق من الكلام.

يداه ما تزالان تحتضنان يدها....بينما نظراتهما تشابكت بطريقة جعلت قلب ميلا يرتجف رغمًا عنها....شعرت فجأة بكل ما حاولت الهروب منه يعود إليها دفعة واحدة...خوفها عليه.

لهفتها عندما رأته مصابًا....ورعبها من فكرة خسارته.

همس يمان بصوت منخفض متعب

يمان : ليه إنتي اللي فضلتي هنا؟

ابتلعت ريقها بصعوبة وحاولت الهروب ودرجه حراره جسدها بدأت تعلو ...فتأمل خجلها  طويلًا...ثم رفع يدها ببطء وقبّل ظاهرها بهدوء شديد....ارتجف قلبها بعنف...وللحظة...نسيت اسم ليل ونسيت غضبها كله.

لكن الباب انفتح فجأة....ودلفت ليل بشخصها  إلى الغرفة بسرعة...و ملامحها مليئة بالقلق

ليل : حمد الله علي سلامتك يا يمان بيه

تجمدت ميلا فورًا....وكأن أحدهم سكب فوقها ماءً باردًا...ووقعت عيناها مباشرة على ليل...الجميلة... الأنيقة... والتي يبدو عليها التوتر الحقيقي عليه...ثم تذكرت المكالمه التي جاء مصاب بعدها ...فعاد الألم يضربها بقسوة.

اقتربت ليل بسرعة

ليل : إنت كويس؟ كنت هموت من الرعب لما عرفت إنك اتصبت...ومحمود اتقتل .

لكنها توقفت فجأة عندما لاحظت يد ميلا التي ما تزال بين يدي يمان....والتوتر الواضح على وجه ميلا.

أما ميلا...فشعرت بالاختناق....سحبت يدها بهدوء...ثم وقفت بسرعة

ميلا : أنا... هروح أشوفهم جهزولك الغدا ولا لسه

لكن قبل أن تتحرك...أمسك يمان ذراعها فورًا....بقوة واضحة.

فالتفتت له بدهشة....أما هو...فنظر إليها بحدة خفيفة

يمان : إستني ...رايحة فين؟

ارتبكت للحظه ثم تماسكت

ميلا : هسيبكم تتكلموا براحتكم .

ضاقت عيناه...وهو ينظر لها بغضب

يمان : ومين قال إني عايزك تمشي؟أنا وليل مافيش بينا أسرار تستخبي عليكي ...

شعرت ليل بالتوتر فورًا... بينما قلب ميلا بدأ يخفق بعنف....حاولت سحب ذراعها مرة أخري ...لكنه رفض تركها.

ثم رفع عينيه أخيرًا نحو ليل....وتغيرت ملامحه بالكامل...اختفى الضعف...وعاد يمان الفهد البارد القاسي.

قال بصوت حاد

يمان : ايه اللي جابك ...ومين سمحلك تدخلي من غير ما تخبطي؟

تفاجأت ليل من هجومه عليها

ليل : يمان بيه أنا كنت قلقانه عليك .

قاطعها ببرود

يمان : وده ما يديكيش الحق أن تيجي هنا و تدخلي أوضتي بالطريقة دي .

شعرت ليل بالإهانة... واتسعت عيناها قليلًا...فبدت الصدمة واضحة على وجهها للحظه ...، قبل أن تخفيها بسرعة.

بينما يمان جذب ميلا أقرب إليه قليلًا دون أن يرفع عينيه عن ليل

يمان : أنا بقيت كويس لو في حاجة مهمة كلمي رؤوف وبلغيه بيها  غير كده... تقدري تمشي.

ساد الصمت داخل الغرفة....أما ميلا...فكانت تنظر إليه بعدم استيعاب...لأول مرة...شعرت أن غيرتها ربما لم تكن في محلها بالكامل....لكن رغم ذلك...ظل قلبها يؤلمها من مجرد وجود ليل قربه.

بعد أقل من ساعة...كان يمان قد فقد صبره تمامًا داخل غرفة المستشفى....فنزع جهاز المحاليل بعصبية وهو يزأر

يمان : قولتلهم إني خارج ...شهقت الممرضة بخوف

الممرضه : بس يا فندم الدكتور قال ....

قاطعها بعينين مرعبتين

يمان : أنا قلت مش هقعد هنا دقيقة زيادة.

دخل يزن بسرعة بعدما سمع صوته

يزن : يمان إنت مجنون؟ الرصاصة كانت قريبة من العضم.

رد يمان ببرود غاضب

يمان : وأنا قولت خارج....يعني خارج .

ثم التفت يبحث بعينيه عن ميلا....حيث كانت تقف قرب النافذة بصمت...لكنها ما إن شعرت بنظراته حتى اقتربت بسرعة

ميلا : يمان إنت لازم ترتاح.

نظر لها للحظة طويلة...وكأنه وحده يسمع نبرة خوفها عليه.

ثم قال بصوت أخف قليلًا

يمان : هرتاح في بيتي وعلي سريري ...مابحبش نومه المستشفيات دي.

تنهدت ميلا بيأس....مدركة أن لا أحد يستطيع تغيير رأيه حين يكون بهذه الحالة....ثم التفتت نحو يزن .

ميلا : طب أأنا هحضر الشنطه يا يزن ..وانت ممكن تروح تجيب يزيد من عند خالي  علشان ما نتأخرش عليه أكتر من كده  ؟

نظر يزن إلى أخيه أولًا...فوجده يراقب ميلا بصمت غريب... قبل أن يومئ بالموافقة.

يزن : ماشي يا ست ميلا ....ثم خرج من الغرفة.

❈-❈-❈

عند قصر الشمري ...كان يزن ينتظر يزيد أمام القصر وهو يرسل رسالة سريعة لأحد رجاله في الشركه ...لكن خطواته توقفت فجأة...لأن داليدا كانت تنزل من سياره آدم الفا رهه التي خصصها لها... اقتربت منه وملامحها متوترة...ما إن رأته...

داليدا: يزن ...عامل ايه ؟

تفاجأ بوجودها وابتسم ساخرا .

يزن : إذيك يا داليدا...ولا نقول دودي هانم .

نظرت له بغضب و بقلق حقيقي وسألته

داليدا: يمان عامل ايه دلوقتي ؟

تنهد بغضب

يزن : الحمد لله فاق ... بس كالعادة... رافض يسمع كلام أي حد...ويقعد في المستشفي...وهيكمل علاج في البيت .

تنفست براحة واضحة

داليدا: مش مشكله...الحمد لله انه فاق وبقي بخير .

تأملها يزن للحظة...كانت تبدو مرهقة...وعيناها تحملان قلقًا حقيقيا ...فقال بهدوء.

يزن : إنتي كمان شكلك ما نمتيش كويس

ابتسمت بخفة متعبة

داليدا: بعد اللي حصل؟ طبيعي...ماحدش يجيله نوم .

ساد صمت قصير بينهما...لكن لم يكن مزعجًا...بل هادئًا بشكل غريب...حتى قال يزن بنبرة صادقة

يزن : شكرا علي إهتمامك بيزيد الفترة اللي فاتت ..وجودك جنبه انتي ويوسف فرق معاه كتير ومع نفسيته .

رفعت عينيها له

داليدا: ده في عنيا ما تقلقش عليه زيه زي يوسف بالظبط

ابتسم بخفة.

يزن : شكرا يا داليدا ...بس اسمحيلي بقا اعزمك علي العشا ..لأن شكرا كده ...بيبقي مالهاش طعم .

ارتبكت قليلًا من طريقته... فخفضت عينيها نحو يزيد القادم

وفي تلك اللحظة بالذات توقف شخص بجانبهم كان يستمع الي حديثهم من البدايه .

داليدا : آدم.

كان يحمل حقيبه وبعض الملفات بيده...لكن ما إن استمعت أذناه الي كلماته الاخيره ....حتى تجمد مكانه.

داليدا....تقف قريبة جدًا من يزن...وتخجل وتبتسم له.

بينما هو ينظر إليها بتلك الطريقة الهادئة التي يكرهها.

تحولت عيناه إلى سواد مرعب خلال ثانية.

لم يشعر أيٌّ منهما به إلا عندما وصل أمامهما مباشرة.

رفعت داليدا رأسها أولًا...لكنها لم تكمل....لأن آدم أمسك يزن من ياقة قميصه فجأة...ولكمه بعنف شديد....ارتطم يزن بالحائط بقوة
شهقت داليدا: آدم

أما يزن...فرفع رأسه ببطء... والدم نزل من جانب فمه... بينما اشتعل غضبه فورًا

يزن : إنت اتجننت؟ إنت بتعمل إيه؟

اقترب آدم منه بشكل مخيف

آدم : من هنا ورايح لو لقيتك بتبص لمراتي بس  هقتلك .

صرخت داليدا وهي تحاول إبعاده

داليدا: كفاية أرجوك يا آدم.

لكن آدم لم يكن يرى أمامه من شدة غيرته....أمسك يزن مجددًا وهو يزأر

آدم: أنا هسامحك المرة دي علشان أخوك اللي فداني بروحه ..لكن أقسم بالله المرة الجايه لهتويك ...ولا أخوك ولا ألف زيه هيقدروا ينجدوك من تحت إيدي ...والدبان الازرق ما هيعرفلك طريق جرة .

دفعه يزن بعنف هذه المرة

يزن : إنت واحد مريض!

اشتعلت عينا آدم أكثر وكاد يهجم عليه مجددًا...لكن داليدا وقفت بينهما فجأة وهي تصرخ

داليدا: بس ....ساد الصمت للحظة.

كانت تتنفس بسرعة... ودموع القهر تلمع بعينيها... بينما يزيد خاف وعاد باكيا الي الجده جميله مع يوسف من الصوت

أما يزن...فمسح الدم من فمه ببطء... وعيناه لم تفارقا آدم...واردف بسخريه .

يزن : واضح إنك هتخسرها بإيدك...مش مستني حد يآخدها منك يا آدم بيه .

غادر يزن أخيرًا وهو يحاول السيطرة على غضبه...بينما كان يزيد يمسك يده الصغيرة ويسأله بقلق عن يمان.

أما في الجهة الأخرى...فكان الصمت يشتعل داخل سيارة آدم.

حيث داليدا تجلس بجواره وملامحها متجهمة بعدما أخذها قصرا ...فكان يقود بعصبية واضحة....حتى توقفت السيارة فجأة أمام مبنى ضخم مضاء بالكامل....رفعت داليدا عينيها باستغراب

داليدا : وقفت هنا ليه ؟

أجابها دون أن ينظر لها

آدم: واحده فرحها بعد بكرة عاوزة تحضر فرحها بإيه بجلابيه؟

اتسعت عيناها بغضب علي سخريته ونظرت له بعدم تصديق

داليدا: إنت ليك عين تتكلم بعد اللي عملته؟

أوقف السيارة....ثم التفت لها أخيرًا

آدم : وايه اللي أنا عملته بقا يا ست داليدا ...واحد بيأدب واحد بيبص لمراته ...فيها إيه دي .

شهقت بغضب

داليد: آدم إنت بقيت مستفز علي فكره .

لكن آدم نزل بالفعل من السيارة وكأنه لم يسمعها.

وبعد دقائق...

كانت داليدا تسير خلفه داخل أكبر أتيليه في المدينة....محاطة بعشرات الفساتين الفاخرة.

الموظفات تجمعن فور رؤيتهما... خاصة عندما أدركن أن آدم الشمري بنفسه موجود....وإحدى الفتيات ابتسمت بحماس

_نورتوا يا فندم.

لكن داليدا كانت ما تزال غاضبة... فعقدت ذراعيها وقالت ببرود

داليدا : أنا مش هجرب حاجة.

رفع آدم حاجبه

آدم : وده من ايه بقا ؟اتمسي يا داليدا .

كادت الموظفات يختنقن من التوتر...بينما آدم نظر لها لثوانٍ...

ثم قال بهدوء مفاجئ

آدم: بس بردوا براحتك...وأنا بردو براحتي .

تفاجأت من هدوئه....لكن بعد لحظات... التقط أحد الفساتين البيضاء الراقية ورفعه أمامها

آدم :خدي  جربي ده.

نظرت للفستان رغمًا عنها...وكان فعلًا مذهلًا....لكنها تماسكت

داليدا: مش عاجبني.

ابتسم آدم فجأة...ابتسامة صغيرة مستفزة وقال من بين أسنانه

آدم : ده إنتي حتى ما بصتيش عليه يابنت صباح .

ضيقت عينيها

داليدا :بصيت....وما عجنيش

اقترب منها أكثر وهمس

آدم: طب إدخلي قيسيه علشان ما أخليكيش تقسيه بطريقه مش هتعجبك ....بس أنا بموت فيها .

احمر وجهها رغماً عنها...بينما الموظفات تبادلن النظرات بخفاء.

وبعد ساعة كاملة...تحول غضبهما إلى سلسلة مواقف مضحكة.

كلما اختارت الموظفة فستانًا...يعترض آدم ....

آدم : لا ده مفتوح زيادة....لا ده ضيق ...الضهر كله باين ...الفتحه دي لازم تتقفل

حتى إحدى الموظفات همست بخوف

الموظفه : هو إيه عايزها تلبس ملاية؟

كدت داليدا تضحك رغم غضبها....ثم التفتت له بعصبية

داليدا: إنت هتتحكم حتى في الفستان اللي المفروض أنا اللي أختاره يا آدم بيه .

أجابها بثبات وهو يبحث بالفستاتين الأخري

آدم: آه

ثم اقترب منها قليلًا وقال ببرود غيور

آدم : مش ناقص غير الناس تتفرج عليكي يوم الفرح كمان

ضحكت فجأة رغماً عنها وسرحت به وعيونها لمعت بدموع عاشقه له حد النخاع .

نظر لها للحظة...ثم هدأت ملامحه أخيرًا...وأخذ يتأملها وهي تقف بين الفساتين البيضاء....كانت جميلة...بشكل خطف أنفاسه للحظة...اقترب ببطء...حتى توقفت أنفاسها هي الأخرى....ثم رفع يده يعدّل خصلة شعرها برفق مفاجئ.

وقال بصوت منخفض صادق

آدم: أي فستان هتلبسيه ... هيبقى محظوظ.

ارتبك قلبها فورًا...أما هو...فابتسم وهو ينظر إليها بعشق واضح

آدم : لأنك هتبقي أجمل عروسة في الدنيا.

❈-❈-❈

عاد يمان إلى الفيلا أخيرًا بعد خروجه من المستشفى...

رغم اعتراض الطبيب... ورغم الألم الواضح في ذراعه المصابة....لكن كعادته...لم يكن يقبل الضعف....ما إن دخل الجناح حتى تنهد بضيق وجلس على الأريكة... بينما اقتربت ميلا منه فورًا تحمل علبة الدواء وبعض الشاش.

كانت تتحرك حوله بهدوء، تحاول إخفاء قلقها... لكنها كلما رأت الدم المتسرب من تحت الضماد شعرت بانقباض قلبها.

ميلا : مش قولتلك تتحرك براحة.

همست بها وهي تبدأ بتنظيف الجرح برفق....راقبها يمان بصمت طويل...صمت رجل يكتشف أنه يهدأ فقط بوجودها قربه.

وبينما هو سارحا بتفصيليها ...فتح الباب فجأة ...ودخل يزيد راكضا .

يزيد : بابي

تحولت ملامح يمان فورًا....فتح ذراعه السليمة... فركض الطفل إليه بسرعة وعانقه بقوة...أغمض يمان عينيه للحظة وهو يضمّه إليه...لكن هذه المرة...كان قلبه يرتجف...لأن كلمات حنان لم تفارق رأسه...ابنك الحقيقي لسه عايش.

نظر إلى يزيد طويلًا...ثم قبّل رأسه ببطء..وكأنه يخشى أن يفقده هو الآخر...دخل يزن بعدها مباشرة...توقفت ميلا فورًا عندما رأت الدماء وآثار الكدمة على وجهه شهقت بصدمه

ميلا :يزن إيه اللي حصلك؟ إنت اتخانقت ولا إيه؟

أما يمان...فقد فهم فورًا...نظر إلى أخيه نظرة طويلة.. ثم قال ببرود

يمان : ده خالك ...كان بيظبطه ...زي مانا ظبطت المعلم قاسم فاكراه .

ابتلعت ميلا ريقها بتوتر ...بينما ضحك يزن بسخرية وهو يرمي نفسه على المقعد

يزن : احب أقولك ان خالك الحيوان تقريبًا كان ناوي يدفني في جنينه بيتهم .

صفعته ميلا علي صدرة عندما سب خالها بينما تنهد يمان وهز رأسه

يمان : حقه ...قولتلك تبعد عن مراته .

رفع يزن عينيه نحوه

يزن : وأنا كنت بعمل إيه يعني ...إحنا كنا بنتكلم.

رد يمان بحدة هادئة وهو ينظر الي ميلا

يمان : الراجل اللي بيغير علي أهل بيته مش بيفرق أن كنت بتتكلم ولا ساكت .

ثم أضاف وهو ينظر مباشرة إلى أخيه

يمان: وخصوصا لما بيكون بيحبها ... بيبقى أعمى...ومش شايف .

ساد الصمت للحظة...لأن الجميع فهم أن الكلام لم يكن عن آدم فقط...بل عنه هو أيضًا.

بعد قليل...

خرج يزن مع يزيد للأسفل... بعدما أصرت فاطمة على أن ينام الطفل...وأخيرًا...بقي يمان وميلا وحدهما.

كانت ميلا ترتب الأدوية بصمت... بينما يمان يراقبها بعينيه الهادئتين.ثم فجأة...مد يده السليمة وسحبها نحوه برفق.

شهقت بخفة : يمان... الجرح ممكن يتفتح تاني .

لكنه تجاهلها تمامًا....أجلسها بجانبه...ثم أسند رأسه المتعب إلى كتفها للحظة...تسارعت أنفاسها فورًا...همس بصوت منخفض

يمان: ممكن تخليكي جنبي شوية.

ذاب قلبها رغمًا عنها...رفعت يدها ببطء ومررت أصابعها في شعره بحنان...ليغلق عينيه مستمتعًا بلمستها...ولأول مره بدا وكأنه وجد راحته الحقيقية علي صدرها ...رفع رأسه بعدها قليلًا... ونظر إليها طويلًا...ثم ابتسم بخفة

يمان : كنتي هتموتي من الخوف عليا....صح ؟

ارتبكت وحاولت الهروب

ميلا : أنا....لا طبعا

أومأ وهو يقترب أكثر

يمان: طب عيني في عينك كده .

احمر وجهها...فأخفضت عينيها بسرعة...لكن يمان رفع ذقنها بأصابعه بلطف

يمان : بصيلي.

نظرت له أخيرًا...فضاعت للحظة داخل عينيه...ثم همست بتردد

ميلا : أنا... كنت عايزة أقولك حاجة...وخايفه ترفض

عقد حاجبيه بخفة وهو يأكلها بعينيه

يمان : قولي.

تنفست ببطء واردفت ببطء

ميلا : فرح خالو وداليدا بعد بكرة ...كنت عايزة أروحلها أجهز معاها حاجه فرحها واحضر معها ليله الحنه .

اختفت ملامحه الهادئة فورًا....وكأن أحدهم ضغط على غضبه مباشرة....ابتعد قليلًا عنها...وعيناه ضاقتا...ثم تناول علبه سجائره وأخذ يشعل أحدها .

يمان : أنا مش قلت مافيش مرواح لعابدين دي تاني ...وشقه والدتك دي تنسيها بقااا؟

أومأت بحذر: آه...إنت قلت ..بس خلاص داليدا هتتجوز وهتقعد في الفيلا اللي جانبنا ومش هروح هناك تاني ...بس كنت محتاجه ابقي معاها وجنبها في فرحها ..هي وطنط صباح .

جاء صوته باردًا فجأة حتي تفاجأت من تغيره وضحك بسخرية قصيرة وهو يزفر الدخان بغضب

يمان : ولاعاوزة تروحي علشان تشوفي وتطمني علي المعلم قاسم؟

اتسعت عيناها بصدمة

ميلا : انت بتقول إيه؟

وقف يمان فجأة رغم ألم ذراعه... وملامحه أصبحت مظلمة بشكل واضح.

يمان : الراجل ده مش عاجبني...وأنا مابرتحلوش.

شهقت بغضب

ميلا : إنت لسه فاكر الموضوع ده...إنت مش خليت رجالتك ضربوه ...هو اصلا هيقدر يبصلي بعد اللي عملته فيه .

اقترب منها أكثر...وعيناه تشتعلان بغيرة صريحة

يمان : السمج ده لمس إيدك وكان بيرقص معاكي كده عادي وكأني مش جوزك ...ولا مركب قرون .

كادت تضحك من غيرته رغم عصبيتها...هل حقا يغار من المعلم قاسم...فأجاب فورًا دون خجل

يمان : ولو قرب منك تاني هقتله

ارتبك قلبها للحظة...لكنها تماسكت

ميلا : يمان أنا مش طفلة عشان تمنعني بالطريقه دي .

اقترب أكثر حتى أصبحت محاصرة بينه وبين الأريكة ثم همس بصوت خطير

يمان : انا مابمنعكيش بس أنا ما بحبش أي راجل يبصلك.

تسارعت أنفاسها...لكن عناده أشعل عنادها أيضًا

ميلا : بس انا عاوزة أروح ...دي حنه صاحبتي الوحيده .

ساد الصمت للحظة....ثم نظر إليها يمان طويلًا ...وقال ببطء شديد

يمان : اعمليها وروحي ...وجربي غضبي يا ميلا .

ظلت ميلا تنظر إليه بعناد بعد كلمته الأخيرة...لكنها هذه المرة لم تخفض عينيها أو تتراجع....بل عقدت ذراعيها وقالت بإصرار

ميلا : هروح يعني هروح...ووريني بدراعك ده إزاي هتقدر تمنعني .

راقبها يمان لثوانٍ طويلة...ثم فجأة مد يده نحو هاتفه الموضوع على الطاولة....راقبته ميلا بعدم فهم.

ضغط رقمًا سريعًا...ثم قال ببرود

يمان :ابعت فاطمة فورًا تنظف شقة والد مدام  ميلا في عابدين

تجمدت ميلا مكانها...أما يمان فأكمل

يمان : وخلي العربية التانيه تجهز... هنروح كلنا عابدين الصبح بدري  .

اتسعت عيناها بصدمة حقيقية

ميلا : بجد...إحلف ؟

أنهى المكالمة بهدوء...ثم رفع عينيه إليها...ولثانية كاملة...بقيت تحدق به وكأنها غير مصدقة.

ثم فجأة اندفعت نحوه بسرعة وعانقته بقوة...تفاجأ للحظة...

قبل أن تلتف ذراعه السليمة حول خصرها تلقائيًا.

ضحك بخفوت وهو يشعر بحماسها الطفولي...رفعت وجهها إليه بابتسامة واسعة أذابت شيئًا داخله وقالت
ميلا : هتيجي معايا إزاي ...وانت لسه تعبان .

توقفت أنفاسه للحظة ...وهي يشتم عطرها ويضع أنفه داخل رقبتها .

يمان : مش هتروحي في حته بعد كده من غيري ...رجلي علي رجلك يابنت سعد .

لم تدرك حتى ماذا قالت هي من شدة فرحتها بعد ذلك

لكن يمان أدرك جيدًاأنه أصبح مدمنًا لتلك النظرة بعينيها.

اقترب منها أكثر...وعيناه تمتلئان بمكر رجولي واضح

يمان : طب ايه بقا

رمشت بعدم فهم

ميلا : إيه؟

ابتسم ببطء والمكر ينسال من عينيه

يمان :مفيش مكافأة ليا ...كده ولا كده .

احمر وجهها فورًا وكادت أن تغادرة ولكنه مال برأسه نحوها

يمان : آخد انا بنفسي بقا أدام ماعندكيش نيه المبادرة

شهقت بخجل وهي تحاول الابتعاد

يمان : إنت قليل الأدب علي فكرة

لكن ذراعه السليمه شدتها إليه أكثر.

يمام : وأنتِ بخيلة أوي علي فكرة

ضحكت رغماً عنها وهي تدفع صدره بخفةثم أومأت بتحدي خفيف

ميلا : بردو لا يابن الفهد

ساد الصمت للحظة...

ثم فجأة انقض عليها يمان بسرعة جعلتها تطلق شهقة قصيرة وهي تسقط معه فوق الأريكة.

ميلا : حاسب الغرز هتتفك تاني وجرحك هيرجع ينزف .

ضحك بصوت منخفض رجولي أربك قلبها

يمان : مش مهم .

حاولت مقاومته وهي تضحك بخجل لكنه حاصر وجهها بين يديه...وعيناه غرقتا داخل عينيها بشكل جعل مقاومتها تضعف تدريجيًا...وهمس قرب شفتيها عندما اشتد عليه ألم ذراعه .

يمان : هاخد حقي منك تالت ومتلت لما اخف .

ارتجفت أنفاسها....ثم شعرت بقبلته أخيرًا...هادئة هذه المرة....ومختلفة...بنكهه الألم ...وكأنها تحمل اعتذارًا... وشوقًا... وامتلاكا في الوقت نفسه.....وفي البداية حاولت التماسك...لكن يمان كان يعرف جيدًا كيف يهزم عنادها....شيئًا فشيئًا...لانت بين ذراعيه...ثم أغمضت عينيها أخيرًا...وبادلته قبلته بكل ما أخفته داخل قلبها.

في صباح اليوم التالي…

كانت فيلا الفهد تعيش هدوءًا خادعًا.

الخدم يتحركون بهدوء...وفاطمة تشرف بنفسها على تجهيز الطعام قبل خروجهم إلى الحارة كما أمر يمان...أما ميلا…

 فكانت تقف أمام المرآة داخل الجناح... ترتدي فستانًا بسيطًا بلون هادئ... بينما ترتب شعرها بابتسامة خفيفة لم تختفي  منذ الليلة الماضية...لأول مرة منذ أيام…تشعر بخفة حقيقية...لكن خلف ذلك الهدوء…كانت تشعر أن هناك  عاصفة تقترب.

أما في الأسفل…

كان يمان يقف في مكتبه... يراجع بعض الملفات بملامح جامدة...حين دخل إحدي رجاله  فجأة...ملامحه متوترة بشكل واضح.

رفع يمان عينيه فورًا

يمان : عملت اللي قلتلك عليه؟

أغلق الرجل  الباب خلفه

الرجل : عملت زي ما معاليك أمرت يا باشا .

اقترب الرجل أكثر ثم وضع  ملفًا فوق المكتب

الرجل : رجالتنا جمعوا كل حالات الولاده اللي كانت مع أبن حضرتك  في نفس اليوم في المستشفي اللي ولدت فيها مدام سهر الله يرحمها في الصعيد .

توقف الزمن للحظة...نهض يمان ببطء شديد...وعيناه أصبحتا مخيفتين.

يمان : اتكلم...لاحظت أي شئ مشبوه في اللي قلتلك تتحري عنه .

تنفس الرجل بعمق

الرجل :حنان كانت بتقول الحقيقة....قبل ما تموت يا باشا ...قبض يمان على حافة المكتب بقوة

يمان : وعرفت إزاي ؟

فتح الرجل الملف بسرعة... لتظهر صورة قديمة لطفل صغير داخل مستشفي الأقصر وتحمله حنان.

حتى يمان نفسه شعر بأنفاسه تختنق وهو يراه فهمس بصوت شبه ميت
يمان : ده إبني…اللي معاها ده

أومأ الرجل : الممرضه اللي ساعدت حنان أنها تبدل الطفلين ...ابنك  بإبن سعد العماري  ...لأنهم للأسف اتولدوا بنفس الاسبوع

رفع يمان عينيه إليه بعنف : ابن سعد العماري مات وأمه بعتته لجده يدفنه هناك في الصعيد جنب ابوه .

هز الرجل  رأسه بنعم ...فاشتعلت ملامح يمان فورًا وقطع بضع شعيرات من شعره ووضعه بكيس صغير

يمان : تسافر الصعيد بنفسك وتعملي (DNA) لجثه  الطفل المدفون مع سعد  في سريه تامه .

أجاب الرجل  بسرعة

الرجل : أوامرك يا باشا

اقترب يمان منه بعينين مشتعلتين لكي يتسائل عن الممرضه ...لكن قبل أن يتكلم .

انفتح باب المكتب فجأة....ودخلت ميلا بابتسامتها الهادئة

ميلا :يمان إحنا جاهزين ...هنتحرك دلوقتي ؟

ثم توقفت....لأنها شعرت فورًا بالتوتر...نظرت بينهما بقلق

ميلا : في حاجة حصلت؟

رفع يمان عينيه إليها…وكانت مليئة بمشاعر لم تفهمها...صدمة...خوف...ولهفة رجل يبحث عن جزء ضائع من روحه...ثم فجأة…أخذ الملف وأغلقه بعنف...وقال ببرود متعمد

يمان : شويه مشاكل في الشغل .

لكن ميلا لم تصدقه...خصوصًا عندما رأت يده ترتجف لأول مرة....أشار لمساعدة بالرحيل ولكن ظل التوتر يملأ المكتب حتى بعد دخولها .

كانت تشعر أن شيئًا ما تغيّر...طريقة وقوفه ...ارتجاف يده...ونظرته الشاردة التي لم ترها منه من قبل.

حاولت تجاهل ذلك وهي تقترب بابتسامة خفيفة

ميلا : مش يلا ...علشان ما نتأخرش؟

لكن يمان لم يبتسم...بل ظل يراقبها بصمت طويل أربكها...ثم فجأة طلب منها الجلوس أمامه بصوت لم يكن طبيعي.

جلست ببطء أمامه  بينما  شعرت بالتوتر فورًا خاصة عندما لمحت نظرات شك في عينيه ....نظرة رجل بدأ يربط الخيوط ببعضها.

اقترب يمان من المكتب ببطء، ثم سألها فجأة

يمان :أخوكي مات إزاي؟

تجمدت ميلا بالكامل...واتسعت عيناها دون إرادة.

نظر إليها بتركيز حاد...بينما ابتلعت ريقها بصعوبة

ميلا : إيه ...أخويا ؟

كرر يمان السؤال وعيناه لا تفارقانها

يمان :آه أخوكي؟ثم أضاف ببطء

يمان : بسألك مات إمتى؟

شعرت ميلا بأن الدم انسحب من وجهها...قلبها بدأ يخفق بعنف مرعب...لأن ...لا أحد يعلم الحقيقة...خفضت عينيها سريعًا تحاول إخفاء ارتباكها

ميلا :بتسأل ليه ...ده موضوع فات عليه اكتر من خمس سنين

اقترب يمان أكثر... حتى توقف أمامها مباشرة...صوته أصبح أخفض… وأخطر

يمان : خمس سنين مش كتير ...وانتي كنتي ساعتها كبيره ..في سن المراهقه ..يعني كنتي كبيره وواعيه للي بيحصل .

ارتعشت أنفاسها...تذكرت كيف مات والدها ...وكيف أخفت والدتها أخيها عن الجميع....الطفل الذي قيل للجميع إنه مات.

بينما الحقيقة…أنه ما يزال حيًا...وهي وحدها هي وخالها وداليدا من يعلموا .

شعرت بدوار مفاجئ...لكن نظرات يمان كانت تطاردها بلا رحمة....كأنه يشعر أن هناك شيئًا تخفيه...فلاحظ فورًا الخوف الحقيقي داخلها....ليس توترًا عاديًا...بل رعب.

وقفت فجأة من مكانها
ميلا : أنا… هروح أشوف داده  فاطمة ويزيد .

لكن يمان أمسك معصمها فورًا...برفق هذه المرة…لكنه كان كافيًا ليوقفها...همس وهو يراقب ارتجافها

يمان : إستني أنا جاي معاكي .

رفعت عينيها إليه…وكانت مليئة بذعر حقيقي لأول مرة منه.

لكن يمان اقترب أكثر وعانق خصرها ...ولأول مرة…شعرت ميلا أن الرجل الذي تعشقه…قد يصبح أخطر شخص عليها إذا عرف حقيقه أن أخيها علي قيد الحياه ويأخذ إنتقام زوجته منه .

❈-❈-❈

وفي مكان آخر…داخل إحدي المنازل المهجوره …

كانت زينب تقف أمام امرأة تجلس في الظل....امرأة أخفت ملامحها بالكامل قالت زينب بحدة

زينب : ابن الفهد وجوز بتك بدأوا يقربوا  للحقيقة يا بت المصري

خرج صوت المرأة هادئًا… لكنه مرعب

عزه : يبقى لازم الحقيقة تموت قبل ما يوصلوا لها يا زينب .

ضيقت زينب عينيها

زينب : ماني قلت إكده من اللول

ساد الصمت للحظة…

ثم ابتسمت عزة داخل الظلام....ابتسامة باردة خطيرة.

عزه :أنا هقتل آدم وبنتي تورثه ...وانتي أقتلي يمان وحفيدتك تورثه ...وانتي تكوشي علي كل حاجه في الصعيد ...يتبع

أغلق آدم باب السيارة بعنف فور جلوس داليدا بجانبه.

الهواء داخل السيارة كان مشحونًا بشكل خانق.

حتى يوسف الصغير... الجالس في الخلف... شعر بالتوتر والتزم الصمت وهو يحتضن لعبته الصغيرة.

انطلقت السيارة بسرعة...بينما ظل آدم صامتًا....بشكل أخاف داليدا أكثر من غضبه نفسه....نظرت له بحذر ورددت أسمه

داليدا: آدم.......لكنه لم يرد.

قبضته على المقود اشتدت أكثر....تنهدت أكثر وأردفت

داليدا: إنت زعلان علشان يزن صح ؟

ضحك فجأة...ضحكة قصيرة باردة

آدم: زعلان...لا المفروض أتحزم وأرقص....وأنا شايف مراتي مقضياها ضحك وهزار مع واحد غريب غيري...و أنا محذرها من قربه والكلام معاه أصلا .

ثم التفت لها للحظة.... وعيناه مشتعلة

آدم : ولا إنتي شايفه إيه يا مدام داليدا

اتسعت عيناها بغضب غير مبرر من حديثه

داليدا : علي فكرة إنت مكبر الموضوع أوي . والموضوع مش مستاهل كل اللي إنت عامله ده

عاد بنظره للطريق واشتدت أصابعه علي المقود

آدم: إنتي هتجننيني يا داليدا ...ولما يبصلك بالطريقة دي قدامي... أبقى مكبر الموضوع برده ؟

عقدت حاجبيها بغضب

داليدا : صدقني هو ما عملش حاجة ...ومش أصده ... إحنا أصحاب وهو كان مديري ...وكنا واخدين علي بعض ...وبنتكلم عادي يعني .

ثم تنفست بعصبية

داليدا: إنت بس اللي كل شوية تتعامل كأني ملكية خاصه ليك ...ولا كأنك إشترتني من سوق العبيد .

ضغط آدم على المكابح فجأة عند إشارة المرور... ثم التفت لها بالكامل

آدم: نعم يا ختي ....أمال انتي ملكيه عامه ...وإيه سوق العبيد دي ...إظبطي كلامك وأعرفي إنتي بتقولي إيه يا داليدا ...إنتي مراتي يا هانم ...والمفروض هنعيش مع بعض العمر كله ...مش واحده ماشي معاها وهقضي معاها ليلتين والسلام .

شهقت بغضب أعمي يخنقها من حديثه

آدم: وده يديك الحق إنك تخنقني كده ...وتجبرني أكلم مين وما اكلمش مين يا آدم .

اقترب منها قليلًا بينما صوته أصبح أخفض لكنه أخطر.

آدم : أه يا داليدا ليا كل الحق اني أعمل كل ده ...لما الاقي واحد بيبص لمراتي وكأنه نفسه فيها.

تجمدت للحظة من قسوة كلماته...ومن تلميحاته التي تمس كرامتها فقالت بانفعال

داليدا: علي فكرة بقا يزن محترم معايا ...والله استحاله يعمل كده أو يفكر كده حتي .

سخر آدم بمرارة من دفاعها عنه وأردف بقله صبر

آدم : إنتي هبله يا زفته إنتي ولا بتستهبلي ... ده ناقص يقولك إنه بيحبك ومعجب بيكي صريحة.

ارتفع صوتاهما تدريجيًا...حتى جاء صوت صغير من الخلف

يوسف :بااابي....داليدا ...أنا خايف .

تجمدت داليدا فورًا.....التفتت بسرعة...لتجد يوسف ينظر لهما بعينين خائفتين....فانكسر شيء داخلها فورًا.

أغمضت عينيها للحظة، ثم التفتت إلى آدم بغضب مكتوم

داليدا: شايف عمايلك؟

ساد الصمت....فأشارت إلى الطفل

داليدا: مش واخد بالك إن إحنا بنتخانق قدامه.

هبطت نظرات آدم ببطء نحو يوسف...ورأى الخوف الحقيقي في عينيه....اختفت حدة غضبه تدريجيًا.

تنفست داليدا بصعوبة...وصوتها أصبح أهدأ لكنه موجوع

أكملت وهي تحاول تهدئة نفسها

داليدا: لو عندك مشكلة مع يزن... حلها معاه يا آدم ... مش معايا.....أنا عن نفسي مافيش عندي مشكله معاه .

صمت طويل ملأ السيارة...ثم أعاد تشغيل السيارة بهدوء هذه المرة.

آدم : عندك حق يا مدام داليدا ...بس أقسم بالله لو شفتك لمحتي إنك هتروحي فيلا الفهد تاني عند ميلا لهكسر رجلك ...ولو عاوزة تشوفي ميلا كلميها تجيلك هي...او اتقابلوا برة ...وأنا هعرف إزاي أتصرف مع أبن....الك....ب ده اللي حاطط عينه عليكي .

نظرت له دون رد...فأكمل وعيناه على الطريق

داليدا: ده آخر كلام عندي ...وما تخلينيش أفقد أعصابي عليكي ...واعتبري ده آخر تحذير .

تنهدت داليدا، ثم نظرت إلى يوسف في المرآة.... لتجده قد هدأ قليلًا....فهمست بوجع

داليدا: أنا مش عايزة أعيش خايفة من غضبك كل مرة يا آدم بعد إذنك ماتخنقنيش كده...أنا بني آدمه وليا شعور وإحساس ...دلوقتي انت هتروح تنتقم من يزن فيزن مش هيسكت ولو سكت ...يمان مش هيسكت وهيردهالك ...ما تفكر فينا شويه يا آخي ...إنت إيه عاوز تعيشنا حياه كلها مشاكل وخلاص .

تصلبت ملامح آدم للحظة...لأنه أدرك أن خوفها هذه المرة...لم يكن منه فقط....بل علي حياتهم القادمه معا .

ساد الصمت داخل السيارة بعد حديث داليدا...صمت ثقيل... لم يقطعه سوى صوت أنفاس يوسف الهادئة في الخلف.

كان آدم يقود بعينين جامدتين... بينما كلماتها الأخيرة ما تزال تدور في رأسه...وفجأة...رن هاتفه....نظر إلى الشاشة سريعًا... ثم ضغط على زر الإجابة عبر السماعة

آدم : في ايه اتكلم.

جاءه صوت أحد رجاله فورًا

المساعد : لقينا المربيه بتاعه يزيد إبن يمان باشا الفهد ... يا باشا.

تبدلت ملامح آدم بالكامل.

آدم : لقيتوها فين؟

المساعد : كانت مستخبية في شقة قديمة متأجرة على أطراف البلد ورجاله يمان باشا لقوها ... شكلها كانت ناوية تهرب يا باشا ...وهما عكشوها

اشتدت قبضته على المقود

آدم: يعني هي معاكم دلوقتي ؟

المساعد : أيوه. يا باشا ...هي ورجاله يمان باشا ...بس الغريب ان اللي إسمه محمود ده كان عاوز يهربها مننا لما لقيناهم  ....فإحنا دلوقتي مستنين أوامر حضرتك .

ساد صمت لثانية...ثم جاء صوت آدم باردًا بشكل أخاف حتى داليدا الجالسة بجواره

آدم: خدوهم على المخزن القديم اللي في الصحراوي

ابتلع الرجل ريقه واردف باستسلام

المساعد : تمام يا باشا.

لكن آدم أكمل بصوت أكثر خطورة

آدم : وظبطوهم ... لحد ما أوصل ....ثم أغلق الخط.

شعرت داليدا بتوتر غريب وهي تراقب تغير ملامحه فسالته

داليدا: في إيه؟

أجاب دون أن ينظر لها
آدم : مافيش.... مشكله صغيره في الشغل .

بعد دقائق...

توقفت السيارة أمام منزل داليدا ....نزل آدم أولًا ...ثم فتح الباب لداليدا بصمت....حمل يوسف بين ذراعيه للحظة...و قبّل رأسه بهدوء... وكأن غضبه كله يختفي أمام هذا الطفل الصغير الذي يذكرة بأخته الراحله ...ثم سلّمه لداليدا مجددًا.

لاحظت التوتر الواضح في عينيه... فسألته بخفوت

داليدا: مش هتطلع معايا تسلم علي صباح .

نظر لها أخيرًا...وبدا مرعبًا بهدوئه....ثم دخل معها الي مدخل المنزل .

آدم : هخلص موضوع الشغل وأعدي عليكم آخد يوسف  وأسلم عليها .

شعرت بقشعريرة تسري في جسدها....اقترب منها خطوة... ثم وضع يده على خدها برفق مفاجئ....

آدم:خلي بالك من نفسك .

عقدت حاجبيها وأمسكت بذراعه تمنعه من الرحيل

داليدا: آدم إنت رايح فين بالظبط  ؟ما تقلقنيش عليك .

قاطعها بنبرة حاسمه وقبلها قبله شرسه .

آدم : هقولك كل حاجه لما أجيلك بالليل .

ثم نظر إلى يوسف بين ذراعيهاوصوته لان قليلًا

آدم:خلي بالك منه.

راقبته داليدا بصمت.... تشعر أن شيئًا خطيرًا على وشك الحدوث.

استدار آدم متجهًا نحو سيارته مجددًا....لكن قبل أن يركب...

التفت لها للحظة أخيرة....وعيناه حملتا تحذيرًا واضحًا

اللي حاول يأذي أي حد يخصني ... هيتمنى إنه ما اتولدش أصلا وأنا عايش علي وش الدنيا ....ثم انطلق بسيارته الي انتقام محتد....بينما وقفت داليدا مكانها، تضم يوسف إليها بقوة...وقلبها يخبرها...أن الليله لن تمر بسلام.

❈-❈-❈

في الصعيد

كانت زينب تجلس داخل جناحها الفخم بدوار عيله العماري تدخن بعصبية وهي تستمع إلى صوت الرجل عبر الهاتف.

الرجل : آدم بيه الفهد مسك حنان ومحمود بيهربها بعد ما عزه هانم المصري سلمتها الفلوس اللي بعتهالها يا ست الناس .

تجمدت يدها للحظة...ثم نهضت فجأة بعنف

زينب : إنت بتقول ايه يا واد المركوب إنت ...ميته وكيف حوصل كل ده ؟

أكمل الرجل بتوتر

الرجل : والله يا ست زينب ماكانوش خابرين ان آدم باشا الفهد بيراقبهم من بدري لأجل سلامه بت الخوجايه .

زينب : وهم فين دلوق ؟

الرجل : متجمعين دلوقتي في مخزن آدم بيه القديم..علي الطريق الصحراوي .

اشتعلت عينا زينب بخوف حقيقي لأول مرة.

زينب : الاغبيا دول لو اتكلموا...كلنا هنروح في داهيه .

همست بها لنفسها وهي تضغط على الهاتف بقوة.
لأنها تعرف جيدًا...محمود لن يتحمل التعذيب طويلًا.
وسيعترف بكل شيء....بكل الأوامر....وباسمها هي شخصيًا.

ألقت السيجارة بعنف... ثم التقطت هاتفًا آخر بسرعة

زينب : إسمعني زين

جاءها صوت خشن من الجهه الأخري للهاتف

الرجل : أوامرك يا هانم.

اقتربت زينب من النافذة...وعيناها تمتلئان بشر

زينب : عايزاك تخلصلي علي حد
ساد صمت قصير...ثم سأله الرجل بحذر

الرجل :محمود وحنان؟ مش كده يا ست الناس ..أنا عرفت باللي حصل من رجالتي .

أغلقت عينيها ببرود قاتل
زينب : تخلص عليهم الليله ...يموتوا ويغوروا علشان أغبيه ..من غير ما تسيب وراك دليل .

الرجل : رقبتي سداده يا ست الناس .

❈-❈-❈

كان الليل ساكنًا داخل فيلا الفهد ...لكن ذلك السكون انكسر فجأة بصوت خطوات عنيفة تهبط الدرج بسرعة....خرج يمان بسرعه وهو ينادي

يمان : يزن

دوّى صوت يمان في أرجاء المكان بشكل أرعب الخدم.

خرج يزن من غرفته بسرعة... ليجد أخاه ينزل الدرج بعينين مشتعلة وهاتفه بيده.... وملامحه كانت مرعبة.

يزن : في إيه؟

رفع يمان الهاتف أمامه بعنف

يمان : كلم رؤوف بسرعه وخليهم يحضروا الرجاله

أخذ يزن الهاتف بسرعة...لتتغير ملامحه فورًا وهو يقرأ رساله ليل

ليل: آدم بيه خطف محمود المساعد بتاعك ... وحنان معاه. وخايفه تكون اعترفت إن عزة المصري هي اللي كانت بتساعدهم وورا اللي حصل ليزيد وكان هيحصل لمدام ميلا .

رفع يزن رأسه بصدمة

يزن : إيه؟يا نهار أسود ؟

قبض يمان على فكه بعنف... وصوته خرج كزئير منخفض

يمان : اتحرك بسرعه قبل ما يعمل فيهم حاجه ...قبل ما نوصل لهم .

ثم تحرك بسرعة نحو الباب....يلتقط مفاتيحه وسلاحه من فوق الطاولة.

ولكن ما إن أُغلق باب الفيلا خلف يمان...حتى شعرت ميلا وكأن شيئًا بداخلها انهار بالكامل....وقفت في منتصف الجناح للحظات ...تحاول أن تلتقط أنفاسها.... لكن عقلها لم يتوقف عن تكرار اسم واحد...

ليل....الرسالة....اتصاله بها....طريقة ارتباكه عندما رأت اسمها على هاتفه....كل شيء عاد يطعنها من جديد.

دخلت إلى الحمام بخطوات سريعة.... وكأنها تهرب من شيء يطاردها.أغلقت الباب خلفها بعنف...ثم استندت عليه....وانهمرت دموعها أخيرًا.

ميلا : غبية...اقسم بالله غبيه

همست بها لنفسها وهي تهز رأسها بقهر....تقدمت نحو المرآة... تنظر إلى انعكاسها بعينين حمراوين....تذكرت
حضنه...كلماته...اعتذاره...قبلاته ...وذلك العشق الذي رأته في عينيه....ثم تذكرت اسم ليل على شاشة هاتفه....فضحكت بمرارة وهي تمسح دموعها بعنف

ميلا : أكيد كنتي مصدقة نفسك يابنت سعد

خرجت من الحمام وجلست على طرف الفراش... تضم ذراعيها حول نفسها... بينما الألم يعتصر قلبها بقوه ...تذكرت كيف تعلقت به تدريجيًا...كيف أصبحت تنتظر خطواته... نظراته... غيرته عليها....كيف شعرت بالأمان لأول مرة بين ذراعيه.

ثم همست بصوت مرتجف

ميلا : أنا اللي حبيته...هو ما أجبرنيش إني أحبه .

خرجت الكلمة منها كاعتراف موجع.

وضعت يدها على فمها تبكي أكثر...رفعت رأسها فجأة...وكأنها ترفض ضعفها....مسحت دموعها بقوة...ونهضت من مكانها.

ميلا : بس لأه... يا أنا يا أنت يابن الفهد

قالتها بحزم هذه المرة....فاقتربت من مرآة الزينه مرة أخرى... وعيناها مليئتان بالوجع والكبرياء.

ميلا : ورحمه ابويا وأمي مش هكون واحدة من حريمك يابن الفهد .

تذكرت كيف كانت تذوب كلما اقترب منها...وكيف كانت تسامحه علي كل ما فعله معها بنظرة واحدة.

فضغطت على قلبها بقوة

ميلا : كفاية أرجوك بلاش توجعني كده .

ثم أضافت بدموع ساخنة

ميلا : مش هسمحله يكسرني أدام نفسي أكتر من كده.

جلست على الأريكة هذه المرة بعيدًا عن الفراش الذي يحمل رائحته...وكأنها تعاقبه حتى في غيابه فأغمضت عينيها وهي تهمس بقهر
ميلا : من النهارده... مش هركعلك يا يمان يا فهد تاني .

لكن رغم كلماتها القوية...ظل قلبها يؤلمها بنفس الحقيقة القاسية ...أنها... لا تحبه فقط ...بل تعشقه.

شقّت سيارات يمان الليل بسرعة مخيفة...أصوات المحركات الحادة... والرجال المدججون بالسلاح....جعلت الطريق إلى المخزن يبدو كأنه بداية حرب...في السيارة الأمامية...كان يمان يجلس بصمت قاتل.

عيناه مثبتتان على الطريق، بينما الغضب يغلي داخله بشكل مرعب...أما يزن ورؤوف الجالسان بجواره، فكانا يراقبانه بحذر

رؤوف : يمان خليني أنا ويزن نتعامل الأول ...بلاش إنت ..وأوعى تدخل بعصبية مع آدم .

لم يرد يمان....كانت قبضته على السلاح بين يديه كانت كافية للإجابة....فتنهد يزن

يزن : آدم لو عرف إن عزة هي اللي ورا الموضوع كله ... مش هيسيب حد عايش .

جاء رد يمان أخيرًا... باردًا بشكل مخيف

يمان : مش هو لوحده ...ميلا مراتي ويزيد ابني واللي يأذيهم يبقي بيأذيني .

بعد دقائق...

ظهرت المخازن الضخمة المعزولة وسط الظلام....وسيارات آدم السوداء كانت تحاصر المكان بالكامل.

رجاله يقفون في كل زاوية... بأسلحة واضحة ونظرات متحفزة....بينما أعطي يمان الاشاره لسياراته بالتوقف وهو أوقف سيارته بعنف....ثم نزل أمامهم فورًا...وهبط يزن خلفه بسرعة

يزن : إستني يا يمان رايح فين .

لكن يمان كان قد بدأ بالفعل يتجه نحو باب المخزن بخطوات ثقيلة.....الرجال تحركوا فورًا نحوه بحذر... لكنهم توقفوا عندما لمحوه وعلموا بهويته ....اقترب أحد رجال آدم منه وأخبره

- آدم باشا جوه يا يمان  باشا .

نظر له يمان بعينين مرعبتين

يمان : عارف.

ثم دفع الباب الحديدي بنفسه.

أما في الداخل...كان الجو خانقًا....مع إضاءة ضعيفة...ورائحة دم تملأ المكان ...وصوت أنين مكتوم يأتي من أحد الأركان.

رفع يمان عينيه...ليجد محمود مساعده مقيدًا على الأرض... وجهه مليء بالكدمات....بينما كانت حنان تبكي بانهيار وهي تجلس مقيدة على كرسي ووجهها مورما وانفها تنزف .

أما آدم...

فكان يقف أمامهما بهدوء مرعب....أكمام قميصه مرفوعة... وآثار الدم واضحة على يده....رفع عينيه ببطء نحو يمان.

وللحظة...

ساد صمت ثقيل بين الرجلين....صمت أخطر من أي صراخ.

دخل يزن سريعًا يحاول كسر التوتر....لكن آدم لم ينظر إليه حتى...عيناه بقيتا مثبتتين على يمان وهو يقول ببرود

آدم : إتأخرت...ولولا أن رجالتك كانوا هيهربوها ...كنت سبتهالك .

لم يجيبه يمان بل اقترب ببطء.... ونظر أولًا إلى حنان التي بدأت تبكي أكثر

حنان : إرحمني يا يمان بيه ....والله ما كنت أعرف أن الدوا هيأذي يزيد بيه ...أنا ما أعملش في ابنك كده أبدا يا بيه .... ده إبني ...ده انا اللي مربياه ...ومدام سهر كانت موصياني عليه ...غصب عني والله يا بيه ... أنا ما كنتش عايزه أموته والله .

لكن إشاره يده ونظرة الغضب أوقفتها عن الصراخ

ارتجفت بالكامل....فاقترب يمان منها أكثر... وعيناه تحولت إلى جحيم فبدأت تبكي بهستيريا

حنان : غصب عني والله يا بيه ...كانت وزة شيطان .

اشتد فك يمان بعنف...وذهب الي محمود يضربه بعنف ويسدد له عده لكمات....فصرخ متألمًا

يمان : كنت عاوز تهربها ليه يا وسخ...بينكم أيه انا ما أعرفوش.

صرخت حنان بخوف

حنان : والله يا بيه ما بيناش حاجه ...كل اللي حصل أنا ماكنتش اعرف إن يزيد بيه اللي هيشربه...ده كان للست ميلا .

تجمدت ملامح آدم فورًا....أصبحت عيناه أكثر ظلامًا.

اقترب آدم من حنان ببطء مخيف

آدم : يعني المقصود بنت أختي زي ما قالت ...السم الهاري ده كان ليها ...يا بنت الكل...ب.....

صرخت حنان بخوف من صفعات آدم المؤلمه لها ...بينما لكمه  يمان بعنف أسقطت رأس محمود للخلف....

أما يزن فتدخل بسرعة

يزن : يمان... كفاية...هتموته ...وإنت يا آدم هتموتها ...أنا بقول نسلمهم للبوليس ونخلص

لكن يمان وآدم كانا  قد فقدوا أعصابهم تمامًا.

أما آدم...فسأل بغضب قاتل.

آدم : مين وراكم يا ولاد الكلب ؟مين اللي وزك علي بنت أختي ؟

كان التوتر يزداد في قلبي آدم ويمان... بينما حنان تبكي بانهيار... ومحمود بالكاد قادر على رفع رأسه.

لكن فجأة...توقف يزن عن الكلام...عقد حاجبيه وهو ينظر نحو الخارج

يزن : هو فيه إيه ... سمعتوا اللي أنا سامعه ؟

ساد الصمت....ثم دوّى صوت إطلاق نار بالخارج...انفجار حاد مزّق سكون الليل....التفت الجميع فورًا....صرخ أحد رجال آدم من الخارج

الرجل : إحنا بنتعرض لهجوم يا آدم بيه ؟

اشتعلت عينا آدم ويمان فورًا بينما قالا بصوت واحد

يمان : الكل ياخد مكانه بسرعه ...

وفي نفس اللحظه إنفتح باب المخزن بعنف....ودخل أحد الرجال مذعور

الرجل : في عربيات هجمت علينا من كل ناحيه يا باشا

قبض يمان على سلاحه فورًا.... بينما دفع يزن أرضا ليحتمي...ثم دوّى الرصاص مجددًا...كان أقرب هذه المرة.

خرج آدم بسرعة إلى الخارج....ويمان خلفه مباشرة.

ليتفاجآ بعشرات الرجال يطلقون النار من خلف السيارات السوداء.

بدأ محمود يصرخ بفرحه وهو ينظر لحنان

محمود : دي أكيد ست الناس قلتلك انها مش هتسيبنا ..إحنا رجالتها من سنين .

أما حنان فكانت تعلم حقيقه زينب حق المعرفه ...فكانت تبكي هستيريا

حنان : دي قتلت ابن أخوها علشان تورثه يبقي هتبقي علينا يا محمود ...دي باعته رجالتها تصفينه ياخوي .

لكن لا أحد كان يسمع....لأن الخارج...تحول إلى ساحة حرب حقيقية.

وقف آدم خلف إحدى السيارات يطلق النار ببرود مرعب...بينما كان يمان على الجهة الأخرى يتحرك بعنف وغضب قاتل.

الرصاص يمر بجوارهما...وصوت الرجال يملأ المكان.

وفجأةصرخ أحد رجال يمان

مساعد يمان : يمان باشا ...آدم باشا عايزين يدخلوا المخزن

اتسعت عينا يمان وآدم فورًا...لأنهم  ادركوا انهم ليسوا الهدف
بل الشاهدان بالداخل.

نظر يمان إلى آدم للحظة وسط صوت الرصاص....ورغم كل ما مر بهم الا أن هناك تفاهم صامت مرّ بينهما ....ثم قال آدم بحدة

آدم : لو ماتوا... الحقيقة هتضيع...وهيفضل القاتل موجود بينا وإحنا ما نعرفوش .

أومأ يمان بعنف...ثم أمسك سلاحه جيدًا وتحرك نحو باب المخزن وهو يزأر برجاله

يمان : محدش هيدخل هنا حي.

اشتعلت ساحة المخزن بالفوضى...الرصاص ينهمر من كل اتجاه ...وصوت الصراخ والحديد المتصادم يملأ الليل.

كان يمان يتحرك بعنف أمام باب المخزن ...يطلق النار بلا رحمة ... بينما يحاول منع الرجال من الوصول إلى الداخل.

وفجأة خرج أحد المسلحين من خلف سيارة محطمة وصوّب سلاحه مباشرة نحو آدم....لكن قبل أن تنطلق الرصاصةاندفع يمان غريزيا وهو يصرخ

يمان : حاسب يا  آدم

دوّى صوت الطلقة....وشعر يمان بألم حارق يمزق ذراعه....فتراجع خطوة بعنف ....والدم بدأ يسيل من كتفه بغزارة....صرخ يزن من بعيد

يزن : يمان

لكن يمان تجاهل الألم تمامًاوأشار الي يزن بالتوقف والإحتماء  ... وأطلق النار على الرجل فورًا ليسقط أرضا

بينما في الداخل...

كانت حنان تصرخ بهلع... ومحمود يحاول فك قيوده بجنون...لكن الباب الخلفي للمخزن انفجر فجأة...

ودخل رجلان ملثمان....إتسعت عينا حنان برعب وهي تتعرف عليهم فهم من رجال زينب.
٠
حنان : لا.....لا

ولكن كان دوّى الرصاص داخل المخزن معلنا عن صرخة محمود التي انقطعت فجأة...وسقط أرضًا غارقًا في دمه.

أما حنان...فأصابتها رصاصة في جانبها لتسقط من فوق الكرسي وهي تلهث بألم.

اندفع يمان إلى الداخل رغم إصابته... لكنه توقف فور رؤيته للمشهد.

الدماء في كل مكان...ومحمود ممدد بلا حراك....أما حنان...

فكانت تحتضر.

ركع يمان بجوارها بعنف... أمسكها من كتفيها

يمان : أعملي حاجه كويسه قبل ما تموتي وقوليلي مين وراكي ؟

سعلت دمًا....وعيناها ترتجفان بخوف حقيقي

حنان : سامحني ...سامحني يا بيه

اقترب أكثر...والغضب يحرقه

يمان : إتكلمي...اتكلمي يا حنان وقوليلي مين وراكي .

بدأت أنفاسها تتقطع...لكنها فجأة أمسكت قميصه المرتعش بقوة مفاجئة....ونظرت إليه بعينين مذعورتين.

حنان : في... في حاجة أهم لازم تعرفها...يا بيه

عقد حاجبيه بعنف

يمان : حاجه أيه ....إنطقي ؟

بدأت تبكي وهي تختنق بدمها

حنان : ست سهر كانت أشرف ست في الدنيا ...ما خانتكش مع أبو الست ميلا ...ويزيد .

تجمد يمان بالكامل أمامها ...بينما هي همست بصعوبة

حنان : أنا عارفه إنه مش ابنك.

ساد الصمت...صمت مرعب....حتى الرصاص بالخارج بدا وكأنه اختفى للحظة....اتسعت عينا يمان بصدمة....فنظر إلى حنان بحدة قاتلة....لكنه لم يتحرك....كأن جسده كله تجمد...نظر إليها بعدم استيعاب رغم معرفه أن ما تقوله صحيحا

يمان : بتخرفي بتقولي إيه؟

هزت رأسها بسرعة وهي تبكي

حنان : ابنك الحقيقي...توقفت أنفاسها للحظة...ثم همست بالكلمات التي مزقت روحه

حنان : لسه عايش يا بيه .

تجمد الزمن....شعر يمان وكأن الأرض انسحبت من تحته...قبضته على كتفها ارتجفت بعنف

يمان : ابني إيه؟ ابني فين انطقي.

لكن حنان كانت تلفظ أنفاسها الأخيرة...عيناها بدأت تفقد التركيز...وهمست بصوت شبه ميت
حنان : حقك عليا يا يمان بيه ....سامحني ثم سقط رأسها جانبًا....وسكنت تمامًا....بينما ساد صمت قاتل داخل المخزن.

فبقي يمان جالسًا مكانه.... والدم ينزف من ذراعه... لكن الألم الحقيقي لم يكن هناك...بل داخل صدره....عيناه كانتا جامدتين بشكل مخيف....وعقله يعيد كلماتها مرارًا ابنك الحقيقي لسه عايش....رفع رأسه ببطء شديد...وعيناه تحولت إلى جحيم.

ثم خرج صوته أخيرًا...مخيفًا، مكسورًا، ومرعبًا في الوقت ذاته وهو يغيب عن الوعي من شده الالم صارخا  ....
يمان : حنااااااااااااان .

❈-❈-❈

كان الظلام يحيط بكل شيء...صمت غريب... بارد... ومؤلم.

ثم فجأة...ظهر طفل صغير...يقف بعيدًا وسط الضباب... يرتدي ملابس بيضاء بسيطة... وملامحه غير واضحة بالكامل.

لكن عيناه...كانتا تشبهانه بشكل مرعب.وقف يمان مكانه يحدق فيه بعدم فهم...فهمس بصوت متعب.

يمان : إنت مين يا حبيبي ؟

ابتسم الطفل ابتسامة صغيرة بريئة...ثم بدأ يقترب منه بخطوات بطيئة....حتى وقف أمامه تمامًا....ورفع يده الصغيرة نحوه.

الطفل : إنت مش عارفني يا بابا ؟

تجمد يمان بالكامل....شعر بقلبه يتوقف....انخفض ببطء أمام الطفل...وعيناه ترتجفان...

يمان : إنت ابني أنا .

أومأ الطفل برأسه، ثم أمسك يده...كانت يده دافئة بشكل مؤلم.

الطفل : ممكن تيجي تاخدني ...إنت أتأخرت ليه ؟

ارتعشت أنفاس يمان بعنف

يمان : إنت كنت فين ؟

لكن الطفل لم يجب...بل ابتسم فقط...ثم بدأ يبتعد.

اتسعت عينا يمان بذعر

يمان : إستني ...ما تمشيش....حاول اللحاق به،...لكن الضباب بدأ يبتلعه تدريجيًا.

يمان : يزيييببببد

صرخ بها بعنف....مد يده نحوه بجنون....

يمان : ما تسبنيش يا حبيبي ....لكن الطفل كان قد اختفى....واختفى معه كل شيء.

الطبيب : ضغطه بينزل...جهزوا الإنعاش حالى

الطبيب : يمان باشا... إنت سامعني؟

تسللت الأصوات إليه تدريجيًا...رائحة المعقمات....أصوات الأجهزة....وألم حارق في ذراعه...فتح عينيه ببطء شديد...

لتضربه الإضاءة البيضاء بقوة....وإذ به بالمستشفى.

تنفس بصعوبة... محاولًا استيعاب ما حوله...حتى وقعت عيناه عليها ...ميلا.

كانت جالسة بجانبه مباشرة... وعيناها حمراوان من البكاء والسهر....بينما تمسك يده السليمة بقوة وكأنها تخشى أن يفلت منها....وما إن رأته يفتح عينيه...حتى شهقت براحة

ميلا : يمان ...إنت كويس ؟

اقتربت منه فورًا....وعيناها مليئتان بالقلق الحقيقي

ميلا : إنت سامعني؟

ظل ينظر إليها لثواني  طويلة...كأنه عاد من مكان بعيد جدًا...ثم همس بصوت مبحوح

يمان : ميلا

ارتجف قلبها فور سماع اسمه منها بتلك الطريقة الضعيفة.

ميلا : أنا هنا

قالتها بسرعة وهي تقترب أكثر...حاول يمان الجلوس...لكنه تألم فورًا....أسرعت تمسكه

ميلا : حاسب وخليني أساعدك

لكن فجأة...أمسك يدها بقوة...نظرت له بدهشة...أما هو...فكانت عيناه ضائعتين بشكل لم تره من قبل.

يمان : فين يزيد ؟

تجمدت ملامحها...فهمس مرة أخرى... وكأنه غير مصدق انه عاد علي قيد الحياه .

يمان : يزيد كويس ؟...ويزن وآدم ؟

ظل يمان ممسكًا بيد ميلا بقوة...

وكأنه يتشبث بها حتى لا يغرق وسط الفوضى التي تعصف داخله....أما ميلا...فكانت تنظر إليه بقلق حقيقي... بعدما رأت ذلك الانكسار الغريب في عينيه لأول مرة....اقتربت أكثر وهمست بلطف

ميلا : يزن وخالي بخير ما تقلقش .

رمش يمان ببطء...وكأنه عاد للحظة إلى الواقع.

يمان : ويزيد

أومأت بسرعة

ميلا : كويس... وفاطمة معاه...الدكتور قال إنه بقى أحسن....وقبل ما آجي وديته عند خالي يلعب مع يوسف هو بيحب يلعب معاه وأنا مروحه هعدي أخده معايا ....تنفس يمان بعمق...ثم أغلق عينيه للحظة وكأنه يحاول استيعاب كل شيء...لكن عندما فتحهما مجددًا...كانت عيناه مثبتتين عليها فقط....على وجهها المتعب من السهر....وعلى دموعها التي حاولت إخفاءها....ساد صمت طويل بينهما...صمت مليء بشيء أعمق من الكلام.

يداه ما تزالان تحتضنان يدها....بينما نظراتهما تشابكت بطريقة جعلت قلب ميلا يرتجف رغمًا عنها....شعرت فجأة بكل ما حاولت الهروب منه يعود إليها دفعة واحدة...خوفها عليه.

لهفتها عندما رأته مصابًا....ورعبها من فكرة خسارته.

همس يمان بصوت منخفض متعب

يمان : ليه إنتي اللي فضلتي هنا؟

ابتلعت ريقها بصعوبة وحاولت الهروب ودرجه حراره جسدها بدأت تعلو ...فتأمل خجلها  طويلًا...ثم رفع يدها ببطء وقبّل ظاهرها بهدوء شديد....ارتجف قلبها بعنف...وللحظة...نسيت اسم ليل ونسيت غضبها كله.

لكن الباب انفتح فجأة....ودلفت ليل بشخصها  إلى الغرفة بسرعة...و ملامحها مليئة بالقلق

ليل : حمد الله علي سلامتك يا يمان بيه

تجمدت ميلا فورًا....وكأن أحدهم سكب فوقها ماءً باردًا...ووقعت عيناها مباشرة على ليل...الجميلة... الأنيقة... والتي يبدو عليها التوتر الحقيقي عليه...ثم تذكرت المكالمه التي جاء مصاب بعدها ...فعاد الألم يضربها بقسوة.

اقتربت ليل بسرعة

ليل : إنت كويس؟ كنت هموت من الرعب لما عرفت إنك اتصبت...ومحمود اتقتل .

لكنها توقفت فجأة عندما لاحظت يد ميلا التي ما تزال بين يدي يمان....والتوتر الواضح على وجه ميلا.

أما ميلا...فشعرت بالاختناق....سحبت يدها بهدوء...ثم وقفت بسرعة

ميلا : أنا... هروح أشوفهم جهزولك الغدا ولا لسه

لكن قبل أن تتحرك...أمسك يمان ذراعها فورًا....بقوة واضحة.

فالتفتت له بدهشة....أما هو...فنظر إليها بحدة خفيفة

يمان : إستني ...رايحة فين؟

ارتبكت للحظه ثم تماسكت

ميلا : هسيبكم تتكلموا براحتكم .

ضاقت عيناه...وهو ينظر لها بغضب

يمان : ومين قال إني عايزك تمشي؟أنا وليل مافيش بينا أسرار تستخبي عليكي ...

شعرت ليل بالتوتر فورًا... بينما قلب ميلا بدأ يخفق بعنف....حاولت سحب ذراعها مرة أخري ...لكنه رفض تركها.

ثم رفع عينيه أخيرًا نحو ليل....وتغيرت ملامحه بالكامل...اختفى الضعف...وعاد يمان الفهد البارد القاسي.

قال بصوت حاد

يمان : ايه اللي جابك ...ومين سمحلك تدخلي من غير ما تخبطي؟

تفاجأت ليل من هجومه عليها

ليل : يمان بيه أنا كنت قلقانه عليك .

قاطعها ببرود

يمان : وده ما يديكيش الحق أن تيجي هنا و تدخلي أوضتي بالطريقة دي .

شعرت ليل بالإهانة... واتسعت عيناها قليلًا...فبدت الصدمة واضحة على وجهها للحظه ...، قبل أن تخفيها بسرعة.

بينما يمان جذب ميلا أقرب إليه قليلًا دون أن يرفع عينيه عن ليل

يمان : أنا بقيت كويس لو في حاجة مهمة كلمي رؤوف وبلغيه بيها  غير كده... تقدري تمشي.

ساد الصمت داخل الغرفة....أما ميلا...فكانت تنظر إليه بعدم استيعاب...لأول مرة...شعرت أن غيرتها ربما لم تكن في محلها بالكامل....لكن رغم ذلك...ظل قلبها يؤلمها من مجرد وجود ليل قربه.

بعد أقل من ساعة...كان يمان قد فقد صبره تمامًا داخل غرفة المستشفى....فنزع جهاز المحاليل بعصبية وهو يزأر

يمان : قولتلهم إني خارج ...شهقت الممرضة بخوف

الممرضه : بس يا فندم الدكتور قال ....

قاطعها بعينين مرعبتين

يمان : أنا قلت مش هقعد هنا دقيقة زيادة.

دخل يزن بسرعة بعدما سمع صوته

يزن : يمان إنت مجنون؟ الرصاصة كانت قريبة من العضم.

رد يمان ببرود غاضب

يمان : وأنا قولت خارج....يعني خارج .

ثم التفت يبحث بعينيه عن ميلا....حيث كانت تقف قرب النافذة بصمت...لكنها ما إن شعرت بنظراته حتى اقتربت بسرعة

ميلا : يمان إنت لازم ترتاح.

نظر لها للحظة طويلة...وكأنه وحده يسمع نبرة خوفها عليه.

ثم قال بصوت أخف قليلًا

يمان : هرتاح في بيتي وعلي سريري ...مابحبش نومه المستشفيات دي.

تنهدت ميلا بيأس....مدركة أن لا أحد يستطيع تغيير رأيه حين يكون بهذه الحالة....ثم التفتت نحو يزن .

ميلا : طب أأنا هحضر الشنطه يا يزن ..وانت ممكن تروح تجيب يزيد من عند خالي  علشان ما نتأخرش عليه أكتر من كده  ؟

نظر يزن إلى أخيه أولًا...فوجده يراقب ميلا بصمت غريب... قبل أن يومئ بالموافقة.

يزن : ماشي يا ست ميلا ....ثم خرج من الغرفة.

❈-❈-❈

عند قصر الشمري ...كان يزن ينتظر يزيد أمام القصر وهو يرسل رسالة سريعة لأحد رجاله في الشركه ...لكن خطواته توقفت فجأة...لأن داليدا كانت تنزل من سياره آدم الفا رهه التي خصصها لها... اقتربت منه وملامحها متوترة...ما إن رأته...

داليدا: يزن ...عامل ايه ؟

تفاجأ بوجودها وابتسم ساخرا .

يزن : إذيك يا داليدا...ولا نقول دودي هانم .

نظرت له بغضب و بقلق حقيقي وسألته

داليدا: يمان عامل ايه دلوقتي ؟

تنهد بغضب

يزن : الحمد لله فاق ... بس كالعادة... رافض يسمع كلام أي حد...ويقعد في المستشفي...وهيكمل علاج في البيت .

تنفست براحة واضحة

داليدا: مش مشكله...الحمد لله انه فاق وبقي بخير .

تأملها يزن للحظة...كانت تبدو مرهقة...وعيناها تحملان قلقًا حقيقيا ...فقال بهدوء.

يزن : إنتي كمان شكلك ما نمتيش كويس

ابتسمت بخفة متعبة

داليدا: بعد اللي حصل؟ طبيعي...ماحدش يجيله نوم .

ساد صمت قصير بينهما...لكن لم يكن مزعجًا...بل هادئًا بشكل غريب...حتى قال يزن بنبرة صادقة

يزن : شكرا علي إهتمامك بيزيد الفترة اللي فاتت ..وجودك جنبه انتي ويوسف فرق معاه كتير ومع نفسيته .

رفعت عينيها له

داليدا: ده في عنيا ما تقلقش عليه زيه زي يوسف بالظبط

ابتسم بخفة.

يزن : شكرا يا داليدا ...بس اسمحيلي بقا اعزمك علي العشا ..لأن شكرا كده ...بيبقي مالهاش طعم .

ارتبكت قليلًا من طريقته... فخفضت عينيها نحو يزيد القادم

وفي تلك اللحظة بالذات توقف شخص بجانبهم كان يستمع الي حديثهم من البدايه .

داليدا : آدم.

كان يحمل حقيبه وبعض الملفات بيده...لكن ما إن استمعت أذناه الي كلماته الاخيره ....حتى تجمد مكانه.

داليدا....تقف قريبة جدًا من يزن...وتخجل وتبتسم له.

بينما هو ينظر إليها بتلك الطريقة الهادئة التي يكرهها.

تحولت عيناه إلى سواد مرعب خلال ثانية.

لم يشعر أيٌّ منهما به إلا عندما وصل أمامهما مباشرة.

رفعت داليدا رأسها أولًا...لكنها لم تكمل....لأن آدم أمسك يزن من ياقة قميصه فجأة...ولكمه بعنف شديد....ارتطم يزن بالحائط بقوة
شهقت داليدا: آدم

أما يزن...فرفع رأسه ببطء... والدم نزل من جانب فمه... بينما اشتعل غضبه فورًا

يزن : إنت اتجننت؟ إنت بتعمل إيه؟

اقترب آدم منه بشكل مخيف

آدم : من هنا ورايح لو لقيتك بتبص لمراتي بس  هقتلك .

صرخت داليدا وهي تحاول إبعاده

داليدا: كفاية أرجوك يا آدم.

لكن آدم لم يكن يرى أمامه من شدة غيرته....أمسك يزن مجددًا وهو يزأر

آدم: أنا هسامحك المرة دي علشان أخوك اللي فداني بروحه ..لكن أقسم بالله المرة الجايه لهتويك ...ولا أخوك ولا ألف زيه هيقدروا ينجدوك من تحت إيدي ...والدبان الازرق ما هيعرفلك طريق جرة .

دفعه يزن بعنف هذه المرة

يزن : إنت واحد مريض

التالي


يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة هالة زين، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة‏

إرسال تعليق

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل