رواية جديدة رواية في فبضة فهد لهالة زين - الفصل 29 - الأحد 14/6/2026
تم النشر في: 14 يونيو 2026
قراءة رواية في قبضة فهد كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخر
رواية في قبضة فهد
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة هالة زين
الفصل التاسع والعشرون
تم النشر الأحد
14/6/2026
كانت سيارة يمان السوداء تشق طريقها داخل الحارة الشعبية بعابدين ، وسط نظرات الناس وهمساتهم المعتادة فور رؤية سيارات الفهد.
أما ميلا...فكانت تنظر من النافذة بابتسامة صغيرة ممتنة... تشعر بالحنين لكل زاوية تعرفها ولها بها ذكريات مع والدتها وأخيها وبجانبها...كان يمان يراقبها بصمت.
كانا عيناه لا تفارقان ملامحها السعيدة...رغم أن داخله ما يزال مشتعلًا بأسئلته عنها... وعن أخيها....لكن رؤيتها تبتسم كانت تُضعف أي شيء آخر داخله
ما إن توقفت السيارة...حتى نزلت ميلا بسرعة وهي تنظر حولها بفرحة واضحة....أما يمان فنزل خلفها بهيبته المعتادة... ليتجمع الرجال حوله فورًا باحترام.
- نورت الحارة يا باشا.
اكتفى يمان بإيماءة بسيطة... بينما كانت عيناه تبحثان تلقائيًا عن أي شيء قد يزعجها....أو أي رجل ينظر لها أكثر من اللازم.
وفجأة...
توقفت خطوات ميلا...ثم اتسعت عيناها قليلًا....عندما رأت المعلم قاسم كان جالسا أمام المقهى الشعبي القريب...يدخن الشيشة بحزن واضح....لكن منظره كان كفيلًا بجعل أي شخص يضحك رغمًا عنه.
ذراعه بالكامل داخل الجبيره ....وقدمه أيضًا مرفوعة فوق كرسي صغير ومجبره....حتى وجهه ما يزال يحمل آثار الكدمات الزرقاء والحمراء ...كان يبدو وكأنه خرج من حرب عالمية.
ما إن لمح ميلا...حتى اعتدل بسرعة رغم ألمه ونظر تلقائيا للجهه الأخري ...ثم حاول الوقوف والاستداره للجهه الأخري ....لكنه تأوه فورًا وسقط مجددًا على الكرسي.
كتمت ميلا ضحكة صغيرة رغم شفقتها عليه ونظرت إلي يمان بغضب
ميلا : يا حرام ...انت عملت فيه إيه ..هما رجالتك خرشموه كده ليه .
رمق يمان الرجل بنظرة باردة قاتلة
يمان : إيه صعبان عليكي ...ابعتهم يكملوا عليه .
أما قاسم...فعندما رأي نظرات يمان العدائيه تجاهه ..نادي علي عامل المقهي
قاسم : تعالي يا حمامه ساعدني أروح .
نظر يمان إلى الجبس بسخريه وحث ميلا علي المشي أمامه .
شعرت ميلا فعلًا بالشفقة عليه... خاصة عندما رأته يحاول تحريك يده المجبره بصعوبة شديده ...فهمست
ميلا : والله حرام عليك ... شكله تعبان اوي.
وهنا...التفت يمان إليها ببطء شديد....وعيناه امتلأتا بغيرة شرسة....اقترب منها حتى أصبح صوته لا يسمعه سواها
يمان : بلاش استفزاز وامشي إخلصي .
رمشت بشفقه وهي تتحدث بهدوء
ميلا : هو مش صعبان عليك . ..ده حاله يصعب علي الكافر .انت ايه يا أخي قلبك حجر .
مال نحوها أكثر، ونبرته أصبحت خطيرة
يمان : طب لو ما مشيتيش قدامي..وبطلتي
تبصي ناحيته ...هخلي رجالتي تخلص علي اللي باقي منه ...وحالته هتبقى أسوأ...علشان تبقي تعرفي أد ايه انا كنت رحيم بيه .
شهقت ميلا ثم انفجرت ضاحكة رغماً عنها
ميلا : لا بجد حرام عليك ...كفايه عليه كده والنبي
لكن يمان لم يكن يمزح.
بل ظل يرمق قاسم بنظرات جعلت الرجل يبتلع ريقه بخوف.
حتى عامل المقهي نفسه همس لقاسم
الهامل : هو يمان باشا الفهد بيبصلك كده ليه يا معلم ؟ هو لسه شايل منك من اليوم إياه ؟
رد قاسم بصوت خفيض وكأنه يحدث نفسه بخوف
قاسم :شكله ما إكتفاش وعاوز يجبس رقبتي هي كمان ...خلص وروحني يا حمامه ...خلي اليوم ده يعدي علي خير .
حاولت ميلا كتم ضحكتها...بينما أمسك يمان خصرها فجأة وقربها منه بشكل تملكي واضح.
ثم قال بصوت بارد وهو ينظر لقاسم مباشرة
يمام : قدامي يا مدام .
تجمد قاسم مكانه.أما ميلا...فاحمر وجهها فورًا....ثم همس يمان قرب أذنها بمكر غيور
يمام : ياريت نبص قدامنا ونخلص .
ضحكت بخفة وهي تهمس
ميلا : الراجل مدشمل خالص ...إيده ورجله متكسرين يا يمان .
أجابها فورًا دون أي خجل
يمان :تحبي أخزقلك عنيه كمان .
تركته ميلا معترضه علي تملكه وسبقته صعودا علي الدرج الي شقه داليدا .... بينما كانت شقة والدتها القديمة تمتلئ بالحياة لأول مرة منذ زمن...ففاطمة الخادمه تتحرك بين الغرف الصغيره وهي تتمتم بسعادة...والخادمات يجهزن الطعام والحلوى... بينما أصوات النساء في الحارة بدأت تتعالى بعدما عرف الجميع أن هناك ليلة حناء ستقام لداليدا اليوم بالحاره.
أما يمان فإستقر بسرعه في الشقه الصغيره ...فكان يجلس في الصالة القديمة على الأريكة الخشبية الصغيرة... كان يبدو غريبًا وسط المكان الشعبي البسيط بهيبته المعتادة وملابسه السوداء الأنيقة.
لكن الأغرب...أنه كان مندمجًا تمامًا اليوم مع يزيد وكأنه يريد تعويضه عما حرمه منه السنون الماضيه .....كان يزيد يجلس فوق ساقيه ...يضحك بصوت عالي .... بينما يمان يحاول تركيب لعبة صغيرة له بيد واحدة بسبب إصابته.
يزيد : لايا بابا لا... دي هنا.
قالها يزيد بحماس بينما ضيّق يمان عينيه
يمان : إنت بتعلم عليا يلا .
ضحك الطفل وهو يقهقه بسعاده
يزيد : أيوه...علشان انت مش عارف تركبها بإيد واحده .
ولأول مرة منذ أيام...ظهر على وجه يمان هدوء حقيقي...رغم إهتمامه بالبحث عن طفله الضائع ....حتى الرجال الجالسون بالخارج كانوا يرمقونه بدهشة....هذاالثري الملقب ب الفهد المخيف...كيف يجلس في شقة شعبية يلعب مع طفله بهدوء وكأنه رجل عادي هكذا ؟
وبعد قليل وفي إحدي الغرفة الداخلية لشقه ميلا ...فكانت ميلا تجلس مع داليدا وسط الفساتين والأقمشة وعلب الحناء التي أحضرتها لها خصيصا ..بينما أصوات البنات تملأ المكان بالضحك....ابتسمت ميلا بحماس
ميلا : بصوا يا بنات إحنا عاوزين ليلة الحنه النهارده تبقى جامدة.
ضحكت داليدا بخفه وأردفت
ميلا : الله الله يا ست ميلا ...ده إنتي متحمسة أكتر مني بقا .
جلست ميلا بجوارها وهي تمسك بعض الأساور
ميلا : علشان أول مرة أفرح كده...دي حنه داليدا صاحبه عمري ...علي خالي حبيب قلبي ...وحب عمرها اللي قرفتني بيه .
نظرت لها داليدا بحنان
داليدا: ربنا يخليكي يا ميلا ومايحرمنيش منك ابدا.
تعانقا الصديقاتان وبدأتا ترتبان التفاصيل بحماس حقيقي.
لون فستان الحناء....والأغاني....والزينة.
حتى أن ميلا أصرت أن تكون الليلة بطابع شعبي بسيط يشبه الحارة التي تربت بها.
ضحكت داليدا بسخريه .
داليدا :هو خالك هيخليني ألبس الفستان ده النهارده ...ده هاين عليه يلبسني شوال .
رفعت ميلا حاجبها بمكر
ميلا : غصب عنه هيقبل هو إحنا بنفرح كل يوم .
ثم همست ضاحكة
ميلا : بس غالبا هيبقى متوتر طول الليلة علشان يزن ...أصل أنا عزمته....ههههههه.
انفجرت داليدا ضاحكة رغمًا عنها
داليدا: والله العظيم ده ممكن يقتله ...إنتي ماشفتيش عمل فيه أيه المرة اللي فاتت ..حرام عليكي .
وفي الخارج...
كان يمان يسمع ضحكات ميلا المتواصلة من الداخل...رغم انه لا يسمع الحديث الدائر .
فرفع رأسه تلقائيًا نحو الباب المغلق....وتسللت ابتسامة خفيفة إلى شفتيه دون أن يشعر...لاحظ يزيد ذلك فورا وقال
يزيد : بابي إنت بتحب ميلا؟
تجمد يمان للحظة...ثم نظر إلى الطفل...لكن يزيد أكمل ببراءة الأطفال
يزيد : علشان لما بتسمع صوتها بتضحك.
ساد الصمت لثواني
قبل أن يمد يمان يده ويعبث بشعره بخفة
يمان : دي حاجات كبار ...فمالكش دعوة.
أخذ يمان يدغده فتعالت ضحكات يزيد بصوت عالي
وفي الداخل...كانت ميلا تضحك هي الأخرى دون أن تعرف...أن الرجل بالخارج...ينظر نحو بابها الآن وكأنه وجد أخيرًا المكان الوحيد الذي يشعر فيه بالراحة.
مع اقتراب المساء...تحولت الحارة بالكامل إلى لوحة من الأضواء والزينة الملونة.
الأطفال يركضون في كل مكان، والنساء يتجمعن أمام شقة صباح ، بينما تصدح الأغاني الشعبية التي أضفت على المكان فرحة حقيقية.
توقفت سيارة آدم الفارهة عند مدخل الحارة...فنزل أولًا...ثم ساعد والدته جميلة على النزول بكل احترام....وخلفهما كان يوسف الصغير يتمسك بيده بحماس وهو ينظر حوله بانبهار وينظر الي نافذه شقه والده ميلا ويصرخ بإسم صديقه يزيد الذي يبادله السرور وينظر له من الشرفه .
ابتسمت جميلة وهي تتأمل الزينة
جميله : الف الف مبروك يا حبيبي ربنا يجعلها جوازه السعد والهنا عليك .
أما آدم...فلم يكن ينظر للزينة أصلًا...بل كان يبحث بعينيه عن داليدا....وبمجرد أن رآها...توقف مكانه.
كانت تقف وسط النساء بفستان بسيط وأنيق، وشعرها مصفف بعناية، بينما تضحك مع مع إحدي فتيات الحاره ..تجمدت عيناه عليها...وكأن كل ما حوله اختفى...لكن المشكلة...أن رجال الحارة اختفت عيونهم أيضًا عن كل شيء إلا داليدا.
اشتد فك آدم فورًا....ورأى بعض الشباب يتابعونها بإعجاب واضح.
فهمس ببرود لرجاله
آدم : خرجوا كل الرجاله دي من هنا علي بره واعملوا قاعده تانيه علي أول الشارع للرجاله وقفولها علشان ما يبصوش علي الستات .
نظرت جميلة لابنها ثم ابتسمت بخبث
جميله : ابتدينا بقا ..يابني إفرح وخلي مراتك تفرح هو إنت هتتجوز كل يوم .
ولكنه لم يبالي بحديثها وذهب فورا ناحيتها .
أما يمان...فكانت له معركة أخرى....لأن ميلا خرجت من الغرفة في تلك اللحظة لكي تستقبل خالها عندما علمت بوصوله ....كانت ترتدي فستانًا أنيقًا بلون هادئ أبرز جمالها بشكل خطير....وتوقفت الأحاديث حولها لثوان حتى النساء بدأن يهمسن بإعجاب علي حسنها الخلاب الذي فتنهم جميعا
أما يمان...فنظر إليها...ثم نظر للنساء ...ثم عاد ينظر إليها.
ثم قال ببرود : إدخلي علي جوه تاني وغيري الزفت اللي إنتي لبساه ده .
رمشت ميلا بعدم فهم
ميلا : ليه ؟ هو مش حلو ؟
أشار إلى الفستان ...واقترب منها أكثر وهمس
يمان : لا هو حلو ......بس ما يتلبسش في حارة زي دي...الناس فيها عينيها يندب فيها رصاصه ... فاتفضلي غيريه عشان لو فضلتي لابساه... الحناء هتخلص وإنتي لسه قاعدة هنا .
اتسعت عيناها بخوف
ميلا : اف بقا ....ليه بس دي حنه خالي وصاحبتي وخالي ما بيتجوزوش كل يوم
لكن نظراته كانت تخبرها أنه لا يمزح وأشار الي فاطمه
يمان : إقفلي الباب ما خروج غير لما اللي قلته يتنفذ
وبعد جدال طويل...اضطرت لتبديل الفستان بآخر أكثر بساطة...وما إن عادت...حتي تحدثت له بأدب مسطنع
ميلا : طب ده كويس ...ولا أغيره هو كمان ؟
ظل ينظر لها طويلا ثم أومأ برأسه أخيرا وكأنه وافق على نتيجة تفتيش أمني دقيق ....
لم تنتظر ميلا حديثه وخرجت تجري لكي تلحق مراسم الحناء أخيرًا التي كانت مازالت في بدايتها وعندما رأت جمال صديقتها وأناقه خالها غمزت لهم و أرسلت لهم قبله في الهواء ..بينما داليدا كانت تجلس في المنتصف وسط زغاريد النساء والأغاني الشعبيه ...بينما كانت جميلة حماتها وصباح والدتها ينظران إليها بإعجاب حقيقي...وهن يحضرن معجون الحناء .
اقترب يوسف من داليدا وهو يحمل بعض الورود الصغيرة...فانحنت داليدا نحوه وقبلت رأسه بحنان...في مشهد جعل قلب آدم يهدأ قليلًا عندما تذكر أخته الراحله ... لكنه لم يتيح لاي ذكري حزينه أن تنقص من فرحتهما اليوم .
عندما رأت ميلا نظره الحزن في عين خالها همست لداليدا
ميلا : انا مش عارفه ورد لسه ماجاتش ليه ؟
ابتسمت داليدا وغمزت لميلا
داليدا : تلاقيها مع عمو رؤوف أصلي حاسه أنهم منسجمين شويه من يوم جات من الصعيد ...دي حتي بتفكر تستقر هنا وتسيب الصعيد خالص وقرفه ده خالص .
ضربتها ميلا علي كتفها
ميلا : هي برده دي معديتش عليكي ؟
هزت داليدا رأسها بخفوت.ولم تستطع إخفاء ضحكتها التي زادت من جمالها للحظة....لكنها سرعان ما ابتسمت بهدوء حتى لا يلاحظ أحد ما كانا يتحدثان عنه .
❈-❈-❈
أما في مكان بعيد...
فكان يزن يقف وحيدًا في شرفة منزله...ينظر إلى صورة وصلته من أحد رجاله لليلة الحناء....تظهر فيها داليدا وهي تبتسم وسط الزينة....تنهد ببطء...ثم أغلق الهاتف...مرددًا لنفسه
يزن : ربنا يهنيكي يا داليدا ...انتي انسانه طيبه وتستهلي كل خير .
لكن رغم كلماته...لم يستطع أن يمنع عينيه من العودة إلى الصورة مرة أخرى.
توقفت سيارة أميرة أمام فيلا الفهد مع اقتراب المساء، ونزلت بخطوات مترددة وهي تشعر بثقلٍ غريب في قلبها. لم تكن تتوقع أن تعود إلى هذا المكان بعد كل ما حدث، لكن شيئًا ما دفعها للمجيء.
ما إن دخلت الحديقة حتى لمحته جالسًا وحيدًا على الشرفة... يحمل كأسًا بين يديه وينظر إلى الفراغ بعينين مثقلتين بالهموم....رفع يزن رأسه فجأة...فتلاقت عيناه بعيني أميرة....فساد الصمت....كان صمت طويل حمل بين طياته ألف كلمة لم تُقال .
إقترب يزن ببطء... بينما بقيت أميرة مكانها عاجزة عن التقدم أو التراجع فقال بصوت خافت
يزن : إيه اللي جابك؟
ابتسمت بحزن وهي تقترب خطوه
أميره : مافيش مكان ألجأ إليه دلوقتي إلا هنا
خفض بصره للحظة قبل أن يهمس
يزن : إنتي اللي عملتي في نفسك وفينا كده يا بنت عمي ...فخلاص ما بقاش ينفع...بقا عندك جوز
شعرت أميرة بأن قلبها يخفق بعنف... سنوات من المشاعر المكبوتة والأسرار والخذلان كانت تقف بينهما كجدار شاهق....لكنها سئمت الصمت...رفعت رأسها بثبات وقالت...
أميره :لو كنت بتتكلم عن الندم... فأكبر ندم بحياتي إني ما قلتلكش اللي في قلبي من زمان.
نظر إليها باستغراب...وهو يشير إليها بالصمت .
يزن : إسكتي يا أميره واتفضلي أخرجي بره ..للأسف مافيش حد معايا النهارده في الفيلا كلهم مع يمان وميلا في حنه ضرتك .
تنفست بعمق ثم تابعت وهي تقترب منه وتصرخ به
أميره :أنا بحبك يا يزن...وإنت عارف و من زمان.
تجمدت ملامحه للحظة....وكأن الزمن توقف بينهما...فاقترب خطوة منها... وعيناه لا تفارقان وجهها.
يزن : أميرة...فوقي مابقاش ينفع إنتي واحده متجوزة دلوقتي ...ويالله روحي .
همس باسمها وكأنه لا يصدق ما سمع....فإغرورقت عيناها بالدموع وهي تكمل
أميره : ارجوك ..ارحمني وساعدني ...وهربني بعيد عن هنا وعن الظلم اللي عيشاه يا يزن .
إستدار لها ومد يزن يده يمسح دمعة هربت من عينيها...ثم قال بصوت مبحوح
يزن : ياريت ينفع ...بس خلاص انتي بقيتي مرات واحد تاني ...ماليش أي حق اعمل كل اللي بتقولي عليه ده .
نظرت له بإستعطاف وأردفت
أميره: يعني لو أنا مش متجوزة كنت هربت بيا من الظلم اللي بيحصل فيا ده .
إقترب منها بعد ما غاصت دموعها في قلبه وعانقها بكل حب
يزن : يمكن !يمكن يا بنت عمي
وفي تلك اللحظة ...سقطت كل الحواجز التي فرقت بينهما....لكن ما لم يدركاه أن اعترافهما لن يغيّر حياتهما فقط... بل سيشعل عاصفة داخل عائلة الفهد ...ويقلب موازين كثيرة كانت مستقرة لسنوات.
فقد كانت عزه المصري هناك و تراقبهما من بعيد...ومنذ تلك اللحظة...بدأت حرب جديدة لم يكن يتوقعها أحد....حيث ارتسمت على شفتيها ابتسامة خبيثة وهي ترى نظرات أميرة ويزن المتبادلة....لم تكن سعادتها نابعة من حبها لهما أو رغبتها في رؤيتهما معًا... بل لأن عقلها كان يعمل في اتجاه آخر تمامًا....كانت تعرف جيدًا أن مستقبل ثروة آدم هو مفتاح كل شيء...ومنذ زواجه من ابنتها وهي تبحث عن ثغرة تستطيع من خلالها التسلل إلى إمبراطورية الشمري ....جلست على مقعد سيارتها وهي تستعيد حساباتها القديمة...كانت تعلم أن آدم رجل لا يتخذ قراراته بسهولة... وأنه أكثر أفراد العائلة حذرًا في ما يخص أمواله وميراثه ...لكن الفوضى العاطفية...هي الشيء الوحيد القادر على إسقاط أقوى الرجال....ابتسمت وهي تتابع المشهد من بعيد....كلما تشابكت العلاقات أكثر... أصبح التحكم بالجميع أسهل....وفي تلك اللحظة أخرجت هاتفها وأجرت اتصالًا قصيرًا برجالها
قالت بهدوء
عزه : صورتهم ؟
الرجل : حصل يا هانم .
عزة : ابعت صورهم لآدم بيه من رقم جديد مش متسجل وصعب إنه يتعقبه .
ثم أغلقت الخط وعيناها تلمعان بالمكر...لم تكن أميرة ولا يزن يعلمان أن هناك من بدأ بالفعل في نسج شبكة من المؤامرات حولهما....شبكة قد تقلب حياة عائلة الفهد رأسًا على عقب....لكن المفاجأة التي لم تتوقعها عزة...أن أميرة لم تكن بتلك السهولة التي تتخيلها...وأن المواجهة القادمة قد تجعل الصياد يقع في الفخ الذي نصبه بنفسه.
كان تأثير الخمر واضحا على يزن... لكن ما أضعفه حقًا لم يكن الكأس الذي بين يديه... بل الكلمات التي سمعها من أميرة....ظل ينظر إليها وكأنه يراها للمرة الأولى....كل الحواجز التي بناها حول قلبه بدأت تتصدع....أما أميرة... فكانت تقف أمامه وقلبها يخفق بعنف بعد اعترافها الذي أخفته لسنوات.
قال يزن بصوت متعب : أخرجي يا أميره ؟
اغرورقت عينا أميرة بالدموع....اقتربت منه خطوة... ثم أخرى.
أميره :بجد عاوزني أخرج ؟ومش هتساعدني ؟
تنهد وهو يشد علي عناقها ويدفن رأسها في ثنايا رقبته
يزن : لا ...أكيد لا ....بس اللي أكيد ...اني هساعدك انك لازم تطلقي وتآخدي حريتك...وهرجع كل شئ لمكانه الطبيعي .
ابتسمت هي وزادت من عناقه هي الأخري وتمتمت بهدوء
أميره : أنا متجوزتهوش أصلا يا يزن ...والله ما إتجوزته ...
زاد من عناقه لها ولأنه كان مخمورا لم يستوعب كلماتها ولأول مرة منذ سنوات ...سمح كل منهما لنفسه بأن يكون صادقًا تمامًا مع الآخر....وفي تلك الليلة... سقطت كل المسافات بينهما....وتحوّل ما كان مجرد مشاعر مكبوتة إلى ارتباط عاطفي عميق غيّر طبيعة علاقتهما بالكامل الي علاقه جسديه غير شرعيه ..لكن بينما كانا يعتقدان أن تلك اللحظة بداية جديدة... كانت عزة المصري تراقب المشهد من بعيد بابتسامة منتصرة....لقد حصلت على ما كانت تريده.
ليس لأنها تعرف ما سيحدث لاحقًا....بل لأنها تعلم أن آدم لن يقترب من أميره أبدا ولن يلمسها مهما حدث ووجود طفل سيسهل الأمور علي الاستحواذ علي ثروه آدم دون قيد أو شرط حين تقوم بالتخلص منه .
بينما كانت أصوات الطبول والزغاريد تتعالى من أسفل منزل داليدا، كانت الأضواء الملونة تنعكس على شرفات المبنى فتمنح الليل سحرًا خاصًا...في شقة ميلا ويمان، كان المشهد مختلفًا تمامًا.
جلس يمان في الشرفة... ذراعه المصابة مثبتة برباط طبي... وعيناه معلقتان بالاحتفال في الأسفل...بدا الجميع سعداء... يرقصون ويضحكون... بينما كان هو يشعر بوخزة غيرة مؤلمة كلما لمح ميلا بين الحضور.
لم تكن الغيرة من الرجال حولها...بل من المسافة التي أصبحت تفصل بينهما...ومن حقيقة أنه لم يعد يقف إلى جوارها كما تمني منذ بدايه تعارفهما .
في الداخل... كان يوسف ويزيد يركضان بين الأثاث وسط ضحكات بريئة ملأت الشقة بالحياة....أخرج يزيد قطعة حلوى كبيرة من جيبه ولوّح بها بفخر.
يزيد : شوف يا يوسف تيته صباح أدتني إيه واحده ليا وواحده ليك .
تناولها يوسف بسعادة وبدأ يأكل منها... لكنه بعد عدة لقيمات توقف فجأة...نظر إلى ما تبقى منها ثم أعادها إلى يزيد.
يوسف : خد الباقي إنت ...أصل أنا بتعب لو أكلت حلويات كتير .
قطب يزيد حاجبيه باستغراب.
يزيد : ليه مش بتحبها؟
هز يوسف رأسه نافيًا.
يوسف : بحبها طبعا
يزيد : طيب ما تكملها ؟
ساد صمت قصير قبل أن يجيب يوسف ببراءة
يوسف : لأني مريض سكر... وبابا وميلا وتيته جميله قالولي ما ينفعش آكل حلويات كتير.
التفت يمان فورًا نحوه....شعر بشيء ينقبض داخل صدره....اقترب منه ببطء وجلس أمامه.
يمان : قلتلي مين قالك الكلام ده يا بطل؟
رفع يوسف كتفيه الصغيرين.
يوسف : الدكتور .. وقالي دايما كل اللي انت عاوزة بس أراقب أكلي...علشان ما أتعبش .
تأمل يمان ملامح الطفل طويلًا....كانت البراءة تملأ وجهه... ومع ذلك كان يتحدث عن مرضه وكأنه رجل أكبر من عمره بكثير....ربت يمان على شعره بحنان وقال
يمان : أنت شاطر جدًا وهتطلع راجل قوي لانك بتسمع كلام الدكتور وبتاخد بالك من نفسك يا يوسف .
ابتسم يوسف بفخر واستمر باللعب مع يزيد بينما يمان فرفع رأسه نحو الشرفة مرة أخرى...في الأسفل كانت ميلا تضحك مع داليدا والحاضرات.
جلس يمان أمام يوسف مرة أخري وهو يحاول إخفاء الاضطراب الذي اجتاحه فجأة... وكانت هناك أشياء كثيرة لا يفهمها.
تفاصيل صغيرة بدأت تتجمع في رأسه منذ فترة... لكنه كان يرفض التفكير فيها...نظر إلى الطفل وسأله بهدوء
يمان : يوسف... هي فين مامتك؟
ابتسم يوسف ابتسامة صغيرة...ثم أجاب بعفوية الأطفال
يوسف : تيته جميله قالتلي إن ماما راحت عند ربنا.
تجمد يمان للحظة...بينما انخفضت ابتسامة يوسف قليلًا .
يوسف : أصلها كانت بتتعب كتير أوي فربنا أخدها عنده علشان تخف .
ساد الصمت بينهما.أما يزيد فجلس بجوارهما يستمع بفضول.
يزيد : أنا كمان مامي راحت عن ربنا يا يوسف ما تزعلش .
نظر يمان بشفقه الي كلا الطفلين ثم سأل يمان يوسف مرة أخرى
هي إسمها إيه وأنت كنت عايش معاها ؟
رد يوسف فورًا
يوسف : ماما إسمها إيف وكنت عايش معاها هنا ...ما ده كان بيتنا ودي كانت أوضه ماما ودي أوضتي ودي أوضه ميلا .
اتسعت عينا يمان وابتلع ريقه بصعوبه
يمان : إيف؟
هز يوسف رأسه بحماس.
يمان : وإنت كنت عايش معاها هنا وده بيتكم ؟
بدأ قلب يمان ينبض بعنف.
كانت إيف اسمًا لم يسمعه منذ وفاتها دون أن يترك أثرًا بداخله....حاول الحفاظ على هدوئه.
يمان : وأنت تعرف الناس اللي هنا كلهم؟
ضحك يوسف قائلًا
يوسف :طبعًا أعرفهم كلهم
ثم أخذ يعد على أصابعه الصغيرة
يوسف : داليدا... وطنط صباح .. والمعلم قاسم
كان يذكر الأسماء وكأنه عاش بينهم سنوات طويلة ...تبادل يمان نظرة سريعة وطويله بين يوسف ويزيد ...شيء ما لم يكن طبيعيًا.
طفل في عمر يوسف لا يمكنه أن يعرف كل هذه التفاصيل إلا إذا كان عاش هنا بالفعل لمده طويله ...وآدم وإيف كانا مختلفين تماما وغير متقاربان بالمرة
اقترب يمان أكثر وسأله
يمان : وآدم ؟
فكر يوسف قليلًا قبل أن يجيب
يوسف : آدم يبقي خالو ...أخو ماما إيف ..
ثم همس بصوت منخفض
يوسف : .بس هو قالي لازم أقوله يا بابي علشان الحراميه ما تخطفنيش لأنهم بيخافوا منه .
شعر يمان وكأن الأرض اهتزت تحت قدميه.
يمان : خالك ؟
تردد صدى الكلمة في رأسه مرارًا...أما يوسف فتابع ببراءة
يوسف : وقالي متقولش لحد وخليه سر بينا ...بس انا قلتلك لانك بابا صاحبي يزيد ...فمتقلش لحد ...لأحسن خالو يزعل مني .
انعقد حاجبا يمان....هذه الجملة بالذات لم تكن من كلام طفل....بل من كلام شخص ترك رسالة خلفه...شخص كان يعلم أن الحقيقة ستظهر يومًا ما...وكأنه يخبره بتحري الأمر لكي يعود الطفل لأحضان أبيه .
في تلك اللحظة...ارتفع صوت الزغاريد من أسفل المنزل معلنًا بدء فقرة جديدة من احتفال داليدا...لكن يمان لم يعد يسمع شيئًا....كانت عيناه معلقتين بيوسف...ولأول مرة...سمح لنفسه بالتفكير في السؤال الذي كان يهرب منه منذ الصباح
ماذا لو كان طفله حي يرزق ....وماذا لو كانت إيف قد أخذت معها إلى قبرها سرًا قادرًا على تغيير حياة الجميع
حتي ...بعد انتهاء الاحتفال....لم يستطع يمان التخلص من الأفكار التي اجتاحت رأسه...كانت كلمات يوسف تتردد في أذنيه بلا توقف....آدم بيكون خالو
جلس بجانب الطفل وأمام عينيه عشرات الأسئلة التي لم يجد لها إجابة.....أمسك هاتفه ودخل الي إحدي الغرف وأخذ يهاتف أحد رجاله .
رفع يمان رأسه وقال بلهجة حاسمة دون تردد
يمان : عايز كل المعلومات اللي تقدروا توصلوا لها عن يوسف بن آدم الشمري
قال الرجل إليه باستغراب.
الرجل : بس آدم بيه خافي حياته الشخصيه تماما .
تذمر يمان وصرخ غاضبا
يمان : يعني ايه خافي حياته الشخصيه ؟ اتصرف ؟
ساد الصمت لثوانٍ....ثم أكمل يمان بنبرة أكثر جدية
أنا عايز أعرف كل حاجة... من أمه ...شهادة الميلاد... المستشفى اللي اتولد فيها... أي ملفات قديمة تخص ولادته ... أي شخص كان قريب منهم يعرف اي معلومات
الرجل : تمام يافندم ...لكن يمان لم ينتهِ بعد...نهض من مقعده واتجه نحو النافذة.
يمان : وفي حاجة أهم.
الرجل : اتفضل يا فندم.
استدار يمان ببطء...كانت ملامحه متجهمة بشكل يعتده رجاله
يمان : عاوز تحليل إثبات نسب ليوسف ومراتي مدام ميلا ...وليا وليوسف مع بعض ...وليوسف وآدم ...هبعتلك العينات بكرة الصبح والنتايج تكون علي مكتبي في أسرع ممكن ...وتكون علي رآس الدكتور وهو بيعمل التحاليل وماتفرقوش لحظه ...انت فاهم ؟
قطب الرجل حاجبيه.
الرجل : تقصد إيه...يا يمان بيه ؟
أجاب يمان
يمان : أقصد اللي انت فهمته ....في أسرار مستخبّية من سنين. وأنا عايزها كلها تظهر دلوقتي ...واكيد حد هيحاول يعطل ظهورها .
ثم أضاف بعد لحظة صمت .
يمان : وتحديدًا... عايز أتأكد إذا كانت ميلا ويوسف بينهم صلة دم ولا لا ؟
فهم الرجل أن الأمر أخطر مما ظن
يمان : اطمن يا يمان بيه هنبدأ التحقيق الليلة...وهستني العينات بكرة من حضرتك .
أغلق يمان هاتفه وبقي وحيدًا في الغرفه يفكر في خطوته التاليه ولكن قبل ذلك....أخرج صورة قديمة لزوجته سهر كان يحتفظ بها داخل حافظه نقوده
ظل ينظر إليها طويلًا بحنين وقلب منفطر ...ثم همس.
يمان : حقك عليا يا
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة هالة زين، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية
