رواية جديدة بيت الضراير لفاطمة الزهراء - الفصل 46 - الإثنين 15/6/2026
تتاريخ النشر: 15-6-2026
قراءة رواية بيت الضراير كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية بيت الضراير
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة فاطمة الزهراء
الفصل السادس والأربعون
تم النشر الإثنين
15/6/2026
في الشركة، كان يوسف يغرق نفسه في أكوام الأوراق والملفات، محاولاً بكل قوته أن يشغل عقله عن التفكير في جيهان. أمسك بهاتفه أكثر من مرة، وراودته فكرة مجنونة بأن يترك كل شيء ويذهب إليها، ليراها فقط من بعيد أو يطمئن على حالها، لكن كلمات تامر ونصيحة كاميليا كانت تتردد في أذنه كالجرس:
ـ سيبها تاخد وقتها.. الضغط هيقلب كل حاجة ضدك.
تنهد بضيق وألقى الهاتف على المكتب، مقرراً الالتزام بالصبر مهما كلفه الأمر. ومع حلول المساء، عاد يوسف إلى منزل العائلة، حيث وجد تامر ووالده بانتظاره.
جلسوا معاً في جلسة يسودها الانشغال بتفاصيل زفاف ندى، الذي لم يعد يفصلهم عنه سوى ثلاثة أيام فقط.
تحدث عدنان بجدية:
ـ يا يوسف، ندى مالهاش غيركم، وعاوز الفرح ده يليق باسمنا.. رتبت كل حاجة مع القاعة والناس اللي جاية؟
أجابه يوسف وهو يحاول استجماع تركيزه:
ـ كله تمام يا بابا، أنا وتامر مخلصين كل الترتيبات، واليومين اللي جايين هنكون متفرغين تماماً لطلبات ندى وعريسها.. متقلقش، كل حاجة هتم زي ما إنت عاوز وأحسن.
رغم انخراطه في الحديث عن المعازيم والتجهيزات، إلا أن نظرات يوسف كانت تزوغ نحو الباب، وكأنه ينتظر خبراً ما، أو ربما كان قلبه يشعر بأن جيهان في هذه اللحظة تخطو خطوة بعيدة عنه تماماً، في لقاء لا يعلم عنه شيئاً.
اقتربت ندى بخطوات مترددة وكانت سميرة تسير بجانبها بهدوء، ورغم القلق الذي كان ينهش قلب ندى، إلا أنها قررت أن تخوض المحاولة لترى ما ستؤول إليه الأمور. بمجرد أن رآها والدها، تهللت أساريره وابتسم لها بحب، ثم أشار إليها لتقترب وتجلس بجواره. ضمها إلى صدره بحنان أبوي دافئ؛ فهو يشعر بمرارة الفراق قبل حدوثه، فبعد ثلاثة أيام ستغادر ابنته المدللة هذا البيت، وسيتزوج تامر بعدها وينتقل لعشه الخاص، وحتى يوسف سيعود في النهاية لمنزله المستقل، ليصبح هذا البيت الكبير فارغاً.
تنحنحت ندى وقالت بتردد واضح:
ـ عندي طلب من حضرتك، وأتمنى توافق عليه وتساعدني في تحقيقه.
نظر إليها عدنان باهتمام وقال:
ـ خير يا ندى؟ اطلبي اللي إنتِ عاوزاه يا بنتي.
نظرت ندى إلى يوسف الذي انتبه لها تماماً، ثم عادت بنظرها لوالدها وقالت:
ـ أنا محتاجة جيهان وكاميليا يكونوا معايا اليومين الجايين دول.. مش متخيلة فرحي من غير جيهان جنبي، أنا بجد محتاجة دعم الكل حواليا.
ساد الصمت في الصالة، وتعلقت الأنظار عدنان وبـ يوسف، في انتظار رد الفعل على هذا الطلب الذي قد يغير الكثير في حسابات العائلة خلال الأيام القليلة القادمة.
تهللت أسارير الحاج عدنان ورحب بالفكرة بشدة، فهو يدرك أن وجود جيهان سيعيد الحياة لهذا البيت ويقرب المسافات التي تباعدت. التفت إلى يوسف وقال بنبرة هادئة وحاسمة أمام الجميع:
ـ فكرة ممتازة يا ندى.. أنا بكره إن شاء الله هروح بنفسي أتكلم مع جيهان وأقنعها تكون معانا اليومين الجايين دول، ومظنش إنها هترفض طلبي أو تكسر بخاطرك في أيام زي دي.
كانت نور تقف على مقربة منهم تتابع الموقف في صمت، لكن بداخلها كان يغلي غيظ شديد؛ ففكرة عودة جيهان للمنزل حتى ولو ليومين فقط كانت كافية لإثارة قلقها وجنونها.
بعد ذلك، تجمع الجميع حول مائدة العشاء وتناولوا طعامهم في أجواء يغلب عليها التفكير في الغد. ومع انتهاء اليوم، صعد كل منهم إلى غرفته، لكن النوم لم يطرق أجفانهم بسهولة؛ فيوسف كان يفكر في زيارة والده لجيهان وهل ستلين أمام رغبته، ونور كانت تفكر في طريقة تمنع بها هذا التقارب، بينما كانت ندى تدعو الله أن تكتمل فرحتها بوجود جيهان.
❈-❈-❈
وصلت جيهان إلى وجهتها، وبخطوات يملؤها التردد وقفت أمام المصعد الكهربائي لتصعد إلى العيادة. وبمجرد وصولها، وجدت الدكتورة منه بانتظارها، فاستقبلتها بابتسامة هادئة ومريحة، ودعتها للدخول فوراً. شعرت جيهان ببعض الحرج وقالت بنبرة منخفضة:
ـ أنا بجد بعتذر يا دكتورة إني أزعجتك في وقت زي ده، ومقدرة جداً إنك وافقتِ تقابليني.
ردت الدكتورة منه وهي تفتح لها باب غرفة المكتب لتوفير الخصوصية التامة:
ـ ولا إزعاج ولا حاجة يا جيهان، أنا موجودة علشانك في أي وقت.. تعالي ندخل المكتب جوه علشان نتكلم براحتنا وبدون شوشرة.
دلفتا معاً إلى غرفة المكتب، حيث ساد الهدوء الذي يبعث على الارتياح. جلست جيهان على المقعد المقابل للطبيبة، وهي تشعر أن هذا المكان هو الوحيد الذي تستطيع فيه البوح بكل ما يؤلمها دون خوف من الأحكام، وبدأت ملامحها تسترخي قليلاً وهي تستعد لفتح قلبها والبحث عن الإجابات التي ستحدد مصير عودتها لـ يوسف.
بدأت جيهان تتحدث وصوتها يرتجف بمرارة، كانت الكلمات تخرج منها وكأنها تزيح جبالاً من فوق صدرها. نظرت للدكتورة منه وقالت بأسى:
ـ يوسف وجعني أوي يا دكتورة.. الكسر اللي جوايا أصعب بكتير من الكسر اللي في رجلي. هو بعتلي فستان ورسالة، وبيحاول يقرب، بس أنا خايفة.. خايفة يكون كل اللي بيعمله ده مجرد شفقة علشان شافني ضعيفة ومكسورة.
صمتت قليلاً وهي تحاول حبس دموعها، ثم تابعت وهي تلمس ساقها المبتورة بضيق:
ـ أنا بقيت بشوف نظرة الشفقة في عين كل اللي حواليا.. بحس إنهم بيبصولي ناقصة، وإن يوسف راجعلي بس علشان يريح ضميره مش علشان بيحبني بجد. أنا مش قادرة أتخيل نفسي هرجع البيت ده وأنا كدة، خايفة من نظرة ضرايري ليا، وخايفة أكتر إني أضعف وأسامحه وأكتشف في الآخر إنه لسه شايفني حالة إنسانية مش ست بيعشقها.
استمعت الدكتورة منه بإنصات شديد، ولم تقاطعها، بل كانت تتابع تعبيرات وجهها التي تعكس صراعاً مريراً بين قلب يريد الغفران وعقل يخشى المهانة.
كانت الدكتورة منه تستمع لها بهدوء تام، تترك لها المساحة لتفرغ كل شحنات الغضب والحزن الكامنة داخلها. وبعد صمت قصير، نظرت إلى جيهان بنظرة واثقة وقالت بنبرة هادئة:
ـ مين قال إنك ضعيفة يا جيهان؟ الضعيف هو اللي بيستسلم، وإنتِ لحد دلوقتي صامدة وبتحاربي عشان كرامتك وبناتك. فقدان جزء من جسمك مش معناه أبداً فقدان كرامتك أو قيمتك كست.
تابعت الطبيبة وهي تحاول تعزيز ثقة جيهان بنفسها:
ـ أما عن نظرة الناس، فاللي بيسيء ليكي أو بيبص لك نظرة ناقصة، ده مش معناه إن العيب فيكي، العيب في تفكيره هو. وإنتِ من حقك تماماً تدافعي عن نفسك وتردي أي إساءة، ومن حقك كمان متسمحيش لأي حد، حتى لو كان يوسف، إنه يدخل حياتك من باب الشفقة.
ثم مالت بجسدها قليلاً نحو جيهان وقالت بجدية:
ـ إنتِ محتاجة تسألي نفسك هل يوسف فعلًا بيشفق عليكي، ولا هو فعلًا عرف قيمتك لما بعدتي؟ الفرق كبير يا جيهان، وإجابة السؤال ده هي اللي هتحدد طريقك اللي جاي.
تنفست جيهان بعمق، وكأن كلمات الطبيبة بدأت تضع يدها على مواجعها الحقيقية، وشعرت لأول مرة منذ الحادث أن هناك من يفهم أن معركتها ليست مع القدم المفقودة، بل مع الروح المجروحة.
استمر الحديث بينهما لبعض الوقت، حيث حاولت الدكتورة منه تهدئة مخاوف جيهان المشتعلة، مؤكدة لها أن قوتها تنبع من داخلها لا من نظرة الآخرين إليها. ودعت جيهان طبيبتها بنفس هادئة نسبياً، وغادرت العيادة عائدة إلى منزلها.
طوال الطريق، كانت كلمات الطبيبة تتردد في أذن جيهان كصدى يرفض الرحيل، فبدأت تعيد حساباتها وتنظر لمستقبلها مع يوسف بمنظور مختلف، محاولةً التمييز بين الحب الحقيقي ومشاعر الشفقة التي تخشاها.
بمجرد وصولها إلى المنزل ودخولها من الباب، كانت كاميليا في استقبالها، والارتباك والقلق باديان على وجهها، فبمجرد أن رأتها اقتربت منها بلهفة قائلة:
ـ حمد الله على سلامتك يا جيهان.. غبتِ أوي وشغلتي بالي عليكي، طمنيني كنتِ فين؟
نظرت جيهان لأختها بهدوء، ورغم التعب الذي كان يكسو ملامحها، إلا أن عينيها كانتا تحملان بريقاً جديداً من التفكير الجاد، وكأنها تستعد لمواجهة ما يخبئه لها الغد من مفاجآت.
دخلت جيهان إلى غرفتها بخطوات هادئة، ولم تمضِ لحظات حتى دخلت كاميليا خلفها، فالفضول والقلق لم يتركا لها مجالاً للانتظار أكثر. جلست جيهان على طرف السرير، وأشارت لأختها بالجلوس بجانبها، ثم بدأت تقص عليها تفاصيل لقائها بالدكتورة منه.
قالت جيهان وهي تنظر للفراغ بهدوء:
ـ أنا كنت عند الدكتورة منه يا كاميليا.. كنت محتاجة أتكلم مع حد مالوش علاقة بالموضوع، حد يسمعني من غير ما يحكم عليا أو يشفق على حالي.
تابعت جيهان حوارها مع كاميليا ونقلت لها كيف واجهت مخاوفها من نظرة المجتمع ونظرة يوسف لها بعد الحادث. كانت تحكي بنبرة غلب عليها الثبات والاتزان، مما جعل كاميليا تشعر بارتياح كبير لم تشعر به منذ فترة طويلة؛ فنظرة جيهان وهي تتحدث كانت هادئة وطبيعية جداً، وكأن تلك الجلسة قد أزاحت عن كاهلها حملاً ثقيلاً كان يمنعها من الرؤية بوضوح.
ابتسمت كاميليا وقالت براحة:
ـ يا جيهان كأن جبل وانزاح عن قلبي.. كنت خايفة تكوني روحتي لمشوار يتعبك زيادة، بس كلامك دلوقتي بيطمني إنك بدأتي تصالحي نفسك.
ودعت كاميليا شقيقتها بابتسامة حانية، ثم نهضت بهدوء متجهة إلى غرفتها لتترك لـ جيهان المساحة الكافية لترتاح وتختلي بنفسها، وتستكمل ترتيب أفكارها بعد ذلك اللقاء الذي أعاد لها بعضاً من توازنها النفسي.
بمجرد خروج كاميليا، ساد السكون أرجاء الغرفة، وتمددت جيهان على فراشها وهي تنظر للسقف.. لم يكن تفكيرها هذه المرة مشتتاً كالسابق، بل كانت كلمات الدكتورة منه عن القوة والدفاع عن النفس تتردد في عقلها كنشيد يمنحها الصلابة. أغمضت عينيها وهي لا تعلم أن فجر اليوم التالي يحمل معه طرقات الحاج عدنان على بابها، ليضعها أمام اختبار جديد بين كبريائها وبين حبها لعائلتها ومسؤوليتها تجاه بناتها.
مع بزوغ خيوط شمس اليوم الجديد، استيقظت جيهان وهي تشعر بهدوء غريب يلف روحها، وكأن جلسة الأمس مع الدكتورة منه قد وضعت يدها على مواضع القلق وسكنتها. خرجت من غرفتها لتجد كاميليا قد بدأت بالفعل في تحضير إفطار خفيف للبنات، والجو في المنزل كان يسوده السكون والسكينة.
جلست جيهان في الصالة تداعب بناتها الصغيرات، تحاول أن تستمد منهن القوة، بينما كانت كاميليا تتابعها بنظرات مطمئنة. وفي هذه الأثناء، قطع سكون الصباح صوت طرقات وقورة على الباب.
ذهبت كاميليا لتفتح، وما إن فتحت حتى وجدت عدنان يقف بهيبته المعتادة ومعه تامر. رحبت بهما كاميليا بابتسامة خجولة قائلة:
ـ أهلاً يا عمي نورت البيت .. اتفضل يا تامر، نورتونا.
دخل الحاج عدنان وتامر إلى الصالة، وقامت جيهان لاستقبالهما بتقدير:
ـ أهلاً يا عمي نورتنا.. إزيك يا تامر، اتفضلوا.
بعد أن استقروا في مجالسهم وانسحبت كاميليا لتعد القهوة، بدأ الحاج عدنان الحديث ونظر لـ جيهان بفيض من الحنان وقال:
ـ يا جيهان يا بنتي، أنا جاي وعارف إن غلاوتي عندك كبيرة ومش هتكسفي شيبتي.. ندى فرحها بعد تلات أيام، والبنت مكسورة وقالتلي يا بابا فرحتي مش هتكمل من غير جيهان وكاميليا جنبي. أنا جاي أخدك إنتِ والبنات وكاميليا تقضوا معانا اليومين دول في البيت.. ندى محتاجة لك أوي يا بنتي، والبيت محتاج وجودك.
صمت الحاج عدنان، بينما كان تامر يراقب جيهان بهدوء، منتظراً قرارها الذي سيحدد مسار الأيام القادمة في منزل العائلة.
أحضرت كاميليا القهوة ووضعتها أمام الحاج عدنان وتامر، ثم وقفت تتابع المشهد بصمت. نظرت جيهان لبناتها وهن يلعبن بهدوء شديد في الصالة، ثم التفتت لتجد نظرة التشجيع والابتسامة الهادئة على وجه كاميليا، وكأنها تخبرها بأنها معها في أي قرار تتخذه.
في تلك اللحظة، استحضرت جيهان كلمات الدكتورة منه عن القوة ومواجهة المخاوف، وشعرت أن الهروب لن يحل الأزمة. ورغم التردد الذي كان ينهش قلبها من مواجهة يوسف، إلا أنها حسمت أمرها وقررت أن تكون هذه الفترة بمثابة اختبار لنفسها قبل أن تكون ليوسف؛ لترى إن كانت ستستطيع الصمود أمام نظرات الجميع والتعايش مع وضعها الجديد في ذلك البيت.
نظرت جيهان للحاج عدنان وقالت بهدوء:
ـ علشان خاطرك يا عمي، وعلشان ندى حبيبتي مقدرش أتأخر عنها.. إحنا هنجهز نفسنا وهنيجي معاكم.
تهللت أسارير عدنان، وظهرت علامات الارتياح على وجه تامر، الذي نظر لكاميليا بامتنان لأنها كانت سنداً لشقيقتها في هذه اللحظة.
ارتسمت ابتسامة عريضة على وجه عدنان، وقال بنبرة مليئة بالسعادة:
ـ الله يجبر بخاطرك يا بنتي، إنتِ مش عارفة الخبر ده هيفرح ندى قد إيه.. ربنا يبارك في أصلك.
قامت جيهان وهي تحاول استجماع قوتها، وقالت بهدوء:
ـ هقوم أنا وكاميليا نلم هدومنا وهدوم البنات علشان منأخركوش يا عمي.
في هذه الأثناء، استغل تامر الفرصة وأخرج هاتفه بسرعة، وأرسل رسالة نصية إلى شقيقه يوسف ليخبره بالبشرى، كتب فيها:
ـ ابشر يا يوسف.. جيهان وافقت وهتكون معانا في البيت هي والبنات وكاميليا خلال ساعة. جهز نفسك.
بينما كانت جيهان وكاميليا بالداخل تضعان الملابس في الحقائب، كان قلب جيهان يخفق بشدة؛ فهي تعلم أن دخولها من باب ذلك البيت هذه المرة لن يكون كأي مرة سبقت. أما تامر، فكان يتبادل نظرات خاطفة ومطمئنة مع كاميليا، وكأنه يثمن لها دورها في إقناع شقيقتها.
❈-❈-❈
بمجرد أن اهتز هاتف يوسف ووصلت رسالة تامر، شعر بقلبه يدق بعنف، وسعادة حقيقية لم يذقها منذ الحادثة غمرت روحه. ارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة لم يستطع إخفاءها، فترك كل ما في يده وجلس يترقب وصولهم، وعيناه معلقتان بمدخل البيت، يعد الدقائق والثواني.
أما في منزل جيهان، فقد انتهت هي وكاميليا من إعداد الحقائب بسرعة وهدوء. كانت جيهان تحاول جاهدة أن تظهر الثبات أمام بناتها، بينما كانت كاميليا تشجعها بنظراتها في كل خطوة.
حمل تامر الحقائب ونزل بها إلى الأسفل، حيث قام بوضعها في حقيبة السيارة بعناية، بينما ساعد الحاج عدنان جيهان والبنات في الركوب. انطلقت السيارة متجهة إلى منزل العائلة، ومع كل متر تقطعه، كانت دقات قلب جيهان تزداد، فهي لا تعلم كيف ستكون المواجهة الأولى مع يوسف، ولا كيف ستكون نظرات الجميع لها وهي تدخل البيت مستندة على قوتها الجديدة التي استمدتها من كلمات طبيبتها.
توقفت السيارة أمام باب المنزل، ونزلت جيهان لتجد نفسها وجهاً لوجه مع ذكريات مواجهتها القاسية السابقة مع يوسف في هذا المكان. للحظة، شعرت بغصة في حلقها، لكنها تذكرت فوراً تحذير طبيبتها، فاستجمعت شتات نفسها ورفضت أن تستسلم للدموع؛ فهي تدرك جيداً أن هناك عيوناً تتربص بها بالداخل، ولن تمنح أحداً لذة رؤيتها مكسورة.
دلف الجميع إلى الداخل، وكانت جيهان تسير خلفهم بهدوء وثبات. ما إن دخلت، حتى هرعت ندى وسميرة نحوها ونحو كاميليا بلهفة، وضموهم بسعادة غامرة هزت أرجاء المكان، معبرين عن مدى افتقادهم لوجودهما.
في تلك الأثناء، ركضت البنات الصغيرات نحو أبيهن يوسف، فارتمين في أحضانه، ليضمهن بقوة وعنف وكأنه يحاول تعويض أيام الفراق، بينما كانت عيناه لا تفارق جيهان، يراقبها بنظرات ممزوجة بالندم والشوق واللهفة.
أما نور، فكانت تقف في زاوية الغرفة، تتابع هذا الاستقبال الحافل بصمت مطبق. كانت تدرك بذكائها أن أي كلمة تنطق بها الآن، أو أي تعبير عن غيظها، لن يكون في صالحها أبداً أمام الحاج عدنان ويوسف، فاختارت أن تكتفي بالمراقبة والغل ينهشها من الداخل.
ساد هدوء حذر بعد ترحيب يوسف، وجلس الجميع في الصالة يتجاذبون أطراف الحديث عن ترتيبات زفاف ندى في محاولة لتلطيف الأجواء. وبعد تناول الغداء، قالت سميرة بنبرة حانية:
ـ جيهان يا حبيبتي، اطلعي ارتاحي في أوضتك فوق التعب باين عليكي.
صمتت جيهان لثوانٍ؛ كانت تفكر في طريقة تبتعد بها عن يوسف وعن نظرات زوجاته، فهي لا تريد الاحتكاك بأحد. لكن نور، التي لم تستطع كتمان سمّها أكثر، قالت بلهجة بدت وكأنها نصيحة لكنها مغلفة بالسخرية:
ـ أنا شايفة إن فيه أوضة فاضية تحت أحسن.. أصل جيهان حركتها بقت بطيئة ومش زي الأول، والطلوع والنزول هيبقى صعب عليها أوي.
سقطت الكلمات كالصاعقة على الجالسين، ونظر الجميع لـ نور بصدمة من قسوة منطقها وتجريحها المتعمد. انتظر يوسف أن تنفـ.ـجر جيهان بالبكاء، لكن ردها ألجم الجميع وأشعر نور بالهزيمة الساحقة. نظرت إليها جيهان بهدوء غريب، وهي تتذكر كلمات الطبيبة عن حقها في الدفاع عن نفسها، وقالت بصوت ثابت:
ـ كلامك صح يا نور.. أنا فعلاً بقيت بفضل الهدوء والخصوصية، ومبقتش بحب الإزعاج والضوضاء اللي بقوا موجودين في حياتي من فترة.. والمكان اللي هكون فيه لوحدي بعيد عن أي تدخلات، هو ده اللي هيريحني فعلاً.
كانت جيهان تقصد بكلمة الضوضاء وجود نور نفسها وتدخلاتها، فأصابتها في مقتل دون أن ترفع صوتها. شعرت نور بالإحراج الشديد وسط نظرات الحاج عدنان الغاضبة ونظرة يوسف التي كادت أن تحرقها.
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة فاطمة الزهراء، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية
