رواية جديدة بيت الضراير لفاطمة الزهراء - الفصل 47 - الأربعاء 17/6/2026
تتاريخ النشر: 17-6-2026
قراءة رواية بيت الضراير كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية بيت الضراير
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة فاطمة الزهراء
الفصل السابع والأربعون
تم النشر الأربعاء
17/6/2026
كانت كاميليا على وشك الانفجار والرد على نور بكلمات قاسية تليق بتطاولها، لكن رد جيهان الهادئ والمفحم جعلها تتوقف وتكتفي بنظرة انتصار لآختها التي استعادت قوتها.
اشتـ.ـعلت نور غيظاً بعدما وجدت نفسها في موقف محرج أمام الجميع، فالتفتت إلى يوسف الذي كان ينظر إليها بغضب مكتوم، وهتفت بضيق وصوت مرتجف من الانفعال:
ـ إنت عاجبك اللي بيحصل ده يا يوسف؟ واقف وساكت وهي بتهيني قدامكم وبتقول عليا إزعاج وضوضاء؟ إنت إزاي تسمح لها تهينني في بيتي وبالطريقة دي؟
ساد صمت ثقيل في الصالة، وتعلقت العيون كلها بيوسف، الذي كان يقف في موقف لا يحسد عليه؛ بين زوجته التي تجاوزت حدودها في الكلام عن إصابة ضرتها، وبين جيهان التي لم تفعل شيئاً سوى وضع حدود لنفسها بذكاء وهدوء.
نظر يوسف لـ نور بحدة جعلتها تتراجع خطوة للخلف، وكأن الجميع كان ينتظر منه أن يضع حداً لهذا التوتر الذي بدأ يفسد فرحة عودة جيهان.
ساد صمت مطبق بمجرد أن ضرب الحاج عدنان عصاه في الأرض بقوة هزت المكان، فارتجفت نور ونظرت إليه برعب، فملامحه الآن لا تبشر بخير أبداً. قام من مكانه بخطوات ثابتة واقترب منها، وهتف بنبرة تحذيرية أرعبت الجميع:
ـ البيت ده مش بيتك يا نور.. البيت ده بيت عدنان القاضي! وفي البيت ده مفيش حد يقبل بالإساءة للتاني، وإذا كنت عديت وسمحت بمرور الغلط زمان، فده مش هيحصل بعد النهاردة أبداً.
حبست نور أنفاسها وهي ترى الغضب في عينيه، بينما تابع الحاج عدنان بصرامة:
ـ اللي عاوز يعيش في البيت ده، يلتزم حدوده وميتجاوزش مع حد.. وإنتِ اللي بدأتي بالغلط يا نور، ودلوقتي حالا تعتذري لـ جيهان قدامنا كلنا.
كانت جيهان تتابع المشهد بجمود، لم تشعر بالشماتة بل شعرت بقوتها التي استردتها، فنظراتها كانت مصوبة نحو نور ببرود تام. أما يوسف، فكان يقف صامتاً، يعلم تماماً أن والده يضع النقاط فوق الحروف التي عجز هو عن وضعها لفترة طويلة.
نظرت نور حولها بكسرة، وجدت تامر وسميرة وكاميليا يراقبونها بوجوه جامدة، ولم تجد في عين يوسف أي نية للدفاع عنها هذه المرة.
ابتلعت نور غصتها وهي تشعر بنظرات الجميع تطاردها كالسياط، ونظرت لـ جيهان بغيظ دفين لم تستطع إخفاءه تماماً، ثم همست بصوت مخنوق يكاد يكون مسموعاً:
ـ أنا آسفة يا جيهان.. مكنتش أقصد.
لم تنتظر جيهان منها أكثر من ذلك، ولم ترد، بل اكتفت بنظرة هادئة تعبر عن ترفّعها. وفي تلك اللحظة، لم يعد يوسف قادراً على ضبط أعصابه أكثر من ذلك؛ فالتجاوز هذه المرة كان في حضور والده وبحق جيهان في أول يوم لعودتها.
تقدم يوسف بخطوات غاضبة وجذب نور من يدها بقوة، قائلاً بنبرة حادة وصارمة:
ـ تعالي معايا فوق!
صعد بها للأعلى وسط صمت الجميع، وكان واضحاً من قبضة يده وسرعة خطواته أنه لن يمرر ما حدث ببساطة. لقد طفح به الكيل من محاولاتها المستمرة لاستفزاز جيهان، خاصة وأنها أحرجته أمام والده وجعلت موقفه ضعيفاً في الوقت الذي يحاول فيه استعادة ثقة جيهان.
بمجرد دخولهما الغرفة، أغلق الباب بعنف، والتفت إليها وعيناه يتطاير منهما الشر، ليبدأ حسابه معها على كل ما فعلته منذ لحظة وصول جيهان.
أما في الأسفل، فقد ساد هدوء مشوب بالتوتر، نظرت سميرة لـ جيهان وقالت بمحبة:
ـ متاخديش في بالك يا حبيبتي البيت نور بيكي.. قومي يا كاميليا ساعدي أختك تطلع ترتاح في أوضتها فوق، ومحدش هيقدر يزعجك تاني.
أجابت جيهان بنبرة قاطعة لم تخلُ من الهدوء:
ـ لا يا سميرة.. أنا هقعد في الأوضة اللي تحت، مش علشان كلام حد، بس علشان أكون على راحتي ومضطرش أتعامل مع حد مش عاوزة أشوفه.. الهدوء بالنسبة لي دلوقتي أهم من أي حاجة.
لم تجادلها سميرة احتراماً لرغبتها، وبالفعل توجهت جيهان إلى الغرفة الأرضية برفقة كاميليا، التي كانت تشعر بفخر مكتوم بشقيقتها. وبمجرد دخولهما، بدأت كاميليا في تفريغ الحقائب وترتيب الملابس، بينما جلست جيهان على السرير تتنفس الصعداء، وكأنها وضعت أول حجر في جدار حمايتها الشخصية.
أما في الطابق الأعلى، فكان المشهد مغايراً تماماً؛ حيث أغلق يوسف باب الغرفة بعنـ.ـف، والتفت إلى نور التي كانت تحاول اصطناع القوة رغم ارتجاف يدها، وانفـ.ـجر فيها قائلاً:
ـ إنتِ جرا ليكي إيه؟ إنتِ مش كفاية اللي عملتيه؟ بتهينيها قدام أبويا وفي بيته؟ إنتِ كنتِ عاوزة توصلي لإيه يا نور؟
صاحت نور بمرارة وهي تحاول الدفاع عن كبريائها الجريح:
ـ أنا مهنتش حد! أنا كنت بقول الحقيقة، هي فعلاً حركتها مقتصرة، إنت ليه بتعمل من الحبة قبة؟ ولا خلاص جيهان رجعت فالكل لازم ينحني لها؟
اقترب منها يوسف بخطوات أخافتها وهتف بصوت منخفض لكنه حاد:
ـ جيهان خط أحمر يا نور.. ومن هنا ورايح، لو فكرتي بس ترمي كلمة تسمّ بدنها، متلوميش إلا نفسك. إنتِ النهاردة صغرتيني قدام أبويا، وخلتيني أكسفك قدام الكل علشان تتربي وتعرفي إن البيت ده له كبير، وإن جيهان مكانتها متهزتش ولا هتهتز.
تركتها كلمات يوسف في حالة من الذهول والغليان، بينما كان هو يشعر أن الفجوة بينه وبين نور تتسع، في حين أن قلبه وعقله معلقان بالأسفل، في الغرفة التي اختارت جيهان أن تنعزل فيها بعيداً عنه.
بقت نور في غرفتها والأفكار تتصارع في رأسها، وكلمات يوسف القاسية تتردد كالإعصار في أذنها؛ فهي لم تعتد منه هذه اللهجة الحادة، ولم تتخيل يوماً أن مكانتها قد تهتز بهذا الشكل لأجل جيهان. شعرت بالخوف والغيرة ينهشان قلبها، وهي تدرك أن قواعد اللعبة في هذا المنزل قد تغيرت تماماً.
في هذه الأثناء، هبط يوسف إلى الطابق السفلي بخطوات مثقلة بالهموم، ليجد شقيقه تامر جالساً في الصالة بمفرده، وعلامات الضيق ما زالت بادية على وجهه مما حدث.
سأله يوسف بنبرة خافتة:
ـ بابا فين يا تامر؟
رد عليه تامر بجدية وهو ينظر إليه بعتاب:
ـ بابا طلع أوضته يا يوسف.. كان مضايق جداً من اللي حصل، ومن الطريقة اللي نور اتكلمت بيها.
سكت يوسف للحظة، ثم سأل بلهفة حاول إخفاءها:
ـ وجيهان؟ هي فين دلوقتي؟
أشار تامر نحو الغرفة الموجودة في الطابق الأرضي قائلاً:
ـ دخلت الأوضة اللي تحت.. الأوضة اللي كنت إنت فيها لما رجعت من المستشفى. قالت إنها عاوزة تكون على راحتها بعيد عن أي دوشة.
شعر يوسف بغصة عند سماع ذلك؛ فجيهان اختارت نفس الغرفة التي كانت شاهداً على آلامه، وكأنها ترسل له رسالة صامتة بأنها الآن في مكان الوجع الذي كان يشغله هو سابقاً. فكر للحظة في الذهاب إليها، لكنه تراجع، وقرر أن الأولوية الآن هي تطييب خاطر والده ومحاولة إصلاح ما أفسدته زوجته.
صعد يوسف الدرج متجهاً إلى غرفة والده، طرق الباب بهدوء وهو يجهز كلماته ليعتذر عما بدر من نور، وليبين لوالده أنه لن يسمح بتكرار هذا التطاول مرة أخرى.
صعد يوسف بخطوات ثقيلة وقلب مثقل بالندم إلى غرفة والده، طرق الباب بهدوء وانتظر حتى أذن له الحاج عدنان بالدخول. دخل يوسف ورأسه مطأطأ، وبادر بالاعتذار فوراً:
ـ أنا آسف يا بابا حقك عليا، اللي حصل تحت ده مكنش يصح أبداً، وأنا اعتذاري ليك قبل أي حد.
نظر إليه عدنان بجدية شديدة، وهز رأسه بأسى قائلاً:
ـ الاعتذار مش هيصلح اللي انكـ.ـسر يا يوسف. اللي بيحصل ده كله نتيجة عنادك إنت.. أنا من الأول كنت معارض لجوازتك الأخيرة من نور، وقولتلك يا ابني البيت ده مش هيتحمل تلات زوجات، والمركب اللي ريسينها كتير بتغـ.ـرق.
في تلك اللحظة، خيم الصمت على الغرفة، واستحضر يوسف في ذاكرته شريط أحاديث والده القديمة؛ تذكر بوضوح تحذير الحاج عدنان له قبل زواجه من نور، حين قال له صراحة إن هذه الزيجة لن تجلب له إلا القلق والمشاكل ولن يستطيع السيطرة عليها.
ابتسم يوسف بحزن ومرارة، وشعر بمدى سوء تقديره للأمور، فهو من جعل الوضع يصل لهذا الحد من التوتر والانقسام في بيته.
تابع عدنان نصيحته بلهجة محذرة:
ـ اسمع يا يوسف.. من هنا ورايح لازم تتعامل بحذر شديد مع زوجاتك، وحاول تساوم وتعدل بينهم باللي يرضي ربنا علشان المركب تمشي، بس حذاري من نور.. البنت دي مش هتسكت، وهتفتعل المشاكل تاني وتالت، وعينك لازم تكون وسط راسك.
خرج يوسف من غرفة والده وهو يشعر أن الحمل زاد عليه، وأن وجود جيهان في البيت اختبار حقيقي لقدرته على إدارة أزمات قلبه وبيته.
❈-❈-❈
في الغرفة الهادئة بالطابق السفلي، أغلقت كاميليا باب الدولاب بعدما انتهت من ترتيب آخر قطعة من الثياب، ثم التفتت لـ جيهان وجلست بجانبها على طرف السرير، وقالت بنبرة فيها مزيج من التشفي والراحة:
ـ شفتِ يا جيهان؟ شفتِ وشها بقى عامل إزاي بعد ما رديتِ عليها؟ برافو عليكي ردك كان زي السـ.ـكينة اللي قطـ.ـعت لسانها.. دي كانت فاكرة إنها لما تقول حركتك بطيئة هتكـ.سرك قدام يوسف وعمي.
تنهدت جيهان بهدوء، ونظرت لكاميليا بعيون صافية رغم التعب، وردت عليها:
ـ عارفة يا كاميليا، أنا نفسي استغربت قوتي.. بس كلام الدكتورة منه كان بيرن في ودني. زمان كنت بسكت علشان المركب تمشي وعلشان المحبة، بس اكتشفت إن السكوت هو اللي ضيع حقي وخلاهم يستبيحوا وجعي.. نور كانت فاكرة إني جيهان القديمة اللي هتعيط وتدخل أوضتها تقفل على نفسها، بس خلاص، جيهان دي ماتت.
ربتت كاميليا على يدها بحنان وقالت:
ـ وعمي عدنان كبر في نظري أوي لما وقفها عند حدها.. دي كانت مرعوبة منه. بس تفتكري يوسف هيعمل معاها إيه فوق؟ أنا شفته وهو شاددها من إيدها وكان وشه ميتفسرش من الغضب.
سكتت جيهان لحظة، ثم قالت بلامبالاة حقيقية:
ـ مبقاش يفرق معايا يا كاميليا يوسف يعمل إيه أو ميعملش.. أنا هنا علشان ندى وعلشان خاطر عمي عدنان، وعلشان أثبت لنفسي إني أقدر أواجههم كلهم وأنا واقفة على رجلي، حتى لو الخطوة تقيلة زي ما نور بتقول، المهم إني بتحرك لقدام.
أنهت كاميليا حديثها مع جيهان وهي تطمئن عليها، ثم وقفت قائلة:
ـ أنا هطلع بقى أشوف البنات وألحق أرتاح شوية، بكره ورانا يوم طويل ومجهود كبير عشان ترتيبات فرح ندى.
خرجت كاميليا من الغرفة وتركت جيهان مع أفكارها في هدوء الغرفة السفلى. وأثناء صعودها الدرج متجهة إلى الطابق الأعلى، التقت بـ يوسف وجهاً لوجه في الطرقة. بمجرد أن رأته، رفعت حاجبها بتلقائية ونظرت إليه بنظرة تحمل الكثير من العتاب واللوم الصامت.
توقف يوسف مكانه، وبدا عليه الإرهاق والضيق مما حدث، فاقترب منها بخطوات هادئة وقال بصوت منخفض وندم حقيقي:
ـ كاميليا.. أنا بجد بعتذر لك على اللي حصل النهاردة من نور.. مكنتش أحب أبداً إن استقبالكم يكون بالطريقة دي، ولا إن كلمة تجرحكم تطلع في وجودي.
وقفت كاميليا تتابعه بجمود، وكأنها تزن كلماته، بينما كان يوسف ينتظر منها أي رد فعل، فهو يعلم أن كاميليا هي مرآة جيهان، ورضاها أو غضبها مؤشر قوي لما تشعر به شقيقتها بالداخل.
نظرت له كاميليا بجمود وجدية تامة، ولم تجعل اعتذاره يمر مرور الكرام، بل قالت بنبرة حازمة:
ـ بص يا يوسف، أنا عديت اللي حصل النهاردة علشان خاطر جيهان وعلشان خاطر عمي عدنان مش أكتر.. بس خليك عارف، لو حصل أي تجاوز تاني من الست دي، أنا اللي هقف لها قبل أي حد في العيلة، ومش هسمح لمخلوق يسيء لأختي أو يجرحها بكلمة.
صمتت للحظة وهي ترى ملامح وجهه المتعبة، ثم تابعت بصدق قاسي:
ـ وخليك عارف كمان.. أنا وافقت أساعدك وأقرب المسافات بس علشان أنا متأكدة إن جيهان لسه بتحبك بجد، وقلبها لسه معاك لكن ده مش معناه إننا هنسمح بكرامتها تتداس علشان خاطر الحب ده.
أنهت كلامها قبل أن يجد يوسف فرصة للرد، وأخبرته باختصار:
ـ أنا هروح دلوقتي أشوف البنات وأطمن عليهم، تصبح على خير.
تركته كاميليا واقفاً في الطرقة، يصارع مزيجاً من مشاعر الذنب والأمل؛ فمن جهة، كلامها عن حب جيهان له أحيا فيه روحاً كانت قد انطفأت، ومن جهة أخرى، أدرك أن صبر عائلة جيهان وصل لنهايته، وأن أي غلطة قادمة من نور قد تعصف بكل محاولاته للإصلاح.
بعد أن تركته كاميليا وصعدت للاطمئنان على البنات، هبط يوسف إلى الطابق السفلي بخطوات مترددة. اتجه نحو الغرفة التي استقرت بها جيهان، وما إن اقترب من الباب حتى تناهى إلى مسامعه صوت موسيقى هادئة تنبعث من الداخل.
توقف يوسف مكانه، وأخذت كلمات الأغنية تتسلل إلى قلبه وكأنها موجهة إليه شخصياً في هذه اللحظة:
إشتروني واعرفوا قيمة غلاوتي
واسمعوني يا اللي مش عارفين حكايتي
بالكلام الحلو ترجع لي إبتسامتي
ده الزمان والحب ياما توهوني
وصدقوني النهار ده أنا بين إديكم صدقوني
صدقوني ده النهار ده أنا بين إديكم صدقوني
بس بكرة حتدوروا مش حتلاقوني
صدقوني بكرة حتدوروا مش حتلاقوني...
شعر يوسف بغصة مريرة عند سماع جملة "بكرة هتدوروا مش هتلاقوني"، وكأن جيهان تحذره من أن وجودها الحالي ليس مضموناً للأبد. تردد كثيراً، ورفع يده ليطرق الباب، لكنه في النهاية تراجع وقرر عدم الضغط عليها أو إزعاج خلوتها، فانسحب بهدوء تاركاً إياها مع عالمها الخاص.
أما جيهان بالداخل، فكانت في حالة مغايرة تماماً؛ فرغم تشغيلها للموسيقى، إلا أن عينيها كانت تجول في أركان الغرفة. كانت الذكريات تتدفق إلى عقلها كالسيل؛ مواقف ظنت أنها نسيتها أو دفنتها في طي النسيان، عادت لتتجسد أمامها بمجرد عودتها لهذا المنزل. كل ركن كان يذكرها بماضٍ طويل عاشته هنا، بكل ما فيه من حب وانكسار، وكأن جدران البيت تعيد عرض شريط حياتها من جديد.
❈-❈-❈
مرّ اليومان التاليان في هدوء كان بمثابة الهدوء الذي يسبق العاصفة الجميلة، فعودة جيهان أعادت للمنزل هيبته ودفئه المفقود، وكأن الروح ردت للجدران بوجودها.
جاء اليوم الموعود، يوم زفاف ندى وعقد قران كاميليا؛ الفرحة كانت تغمر الجميع، والنشاط والحيوية يملآن المكان، إلا نور التي كانت تنعزل خلف قناع من الضيق، والغلّ يأكل قلبها وهي ترى اهتمام الجميع بجيهان وكاميليا وتجاهلهم التام لوجودها المنبوذ بعد فعلتها الأخيرة.
في الفندق، كانت الأجواء صاخبة بالسعادة.
ندى كانت كالأميرات في فستان زفافها الأبيض، والابتسامة لا تفارق وجهها وهي تستعد لبدء حياتها الجديدة.
كاميليا تألقت بفستان رقيق وناعم، كان هدية مفاجئة من تامر في الصباح، مما جعل قلبها يرقص فرحاً وهي تستعد لتصبح زوجته رسمياً.
جيهان كانت نجمة الحفل بهدوئها المعتاد، ارتدت الفستان الذي أهداه لها يوسف، وكأنها ترسل له إشارة صامتة بتقدير محاولاته، فبدت فيه في غاية الرقة والجمال رغم كل ما مرت به.
بدأت المراسم وسط أجواء مهيبة ومؤثرة؛ وقف فارس في مقدمة القاعة وعيناه تلمعان بانتظار شريكة حياته، ليتقدم الحاج عدنان بخطواته الرزينة وهو يمسك يد ابنته ندى، وسلمها له بابتسامة أب حنون يودع قطعة من قلبه لبيت زوجها.
في تلك اللحظة، شعرت كاميليا بغصة في قلبها ومرت غيمة حزن على وجهها؛ ففي هذا اليوم الذي تحلم به كل فتاة، تمنت لو كان والدها حياً ليمسك يدها ويسلمها لعريسها. شعر يوسف بضيقها، فهو يفهمها جيداً، فاقترب منها بلمحة أخوية حانية وغمز لها بسعادة وكأنه يطمئنها ويخبرها أنه في مقام والدها تماماً.
انفردت أسارير كاميليا وابتسمت له بامتنان، ليقوم يوسف بتمثيل دور وليّ أمرها بكل فخر، وأمسك يدها وسلمها لـ تامر الذي كان ينظر إليها بإعجاب شديد ولم يستطع إخفاء سعادته بامتلاك قلبها رسمياً.
التف الجميع حول طاولة المأذون، وبدأت إجراءات عقد قران تامر وكاميليا أولاً وسط زغاريد سميرة وفرحة الحضور، وما إن انتهى المأذون من جملته الشهيرة بارك الله لكما وبارك عليكما، حتى تعالت الصيحات وبارك الجميع للعروسين.
انطلقت بعدها موسيقى زفاف ندى وفارس، وبدأ الحفل الصاخب الذي جمع بين فرحة الزواج وفرحة لمّ شمل العائلة، بينما كانت جيهان تراقب المشهد من مقعدها بابتسامة هادئة، ويوسف عيناه لا تفارقها، وكأنه يريد أن يرى أثر فرحة اليوم في عينيها.
كانت الأجواء ساحرة ومميزة في كل تفاصيلها، ومع اقتراب نهاية الحفل، اقترب تامر من جيهان باحترام يستأذنها في أخذ كاميليا للاحتفال بمفردهما بمناسبة عقد قرانهما. ابتسمت له جيهان ووافقت، لكنها أوصته بحرص:
ـ ماتتأخروش يا تامر، أنا هستناكم عشان أطمن عليكم قبل ما أنام.
ودع الجميع ندى بدموع الفرح والدعوات وهي تغادر مع فارس لبدء رحلتهما، بينما انطلق تامر وكاميليا في عالم غمرته السعادة.
عاد الجميع إلى المنزل؛ عدنان، سميرة، ونور التي دخلت بسرعة وهي تخفي ضيقها من تجاهل يوسف لها طوال الحفل. أما يوسف،
فكان منشغلاً بركن السيارة، ولم يلاحظ أن جيهان لم تدخل المنزل معهم، بل كانت تقف في الخارج بانتظاره، والفستان الذي أهداه لها يبرز جمالها الهادئ تحت ضوء القمر.
بمجرد أن ترجل يوسف من سيارته وهمّ بالدخول، تفاجأ بجيهان تقف أمام وجهه مباشرة. تسمر مكانه للحظة، ونظر إليها بلهفة ممزوجة بالحيرة، ليقطع صمته صوتها الرزين وهي تقول:
ـ يوسف.. ممكن نتكلم في الجنينة شوية قبل ما ندخل؟
خفق قلب يوسف بشدة؛ فهذه هي المرة الأولى التي تطلب فيها جيهان الحديث معه بمفردها منذ عودتها. أومأ برأسه فوراً دون تردد، ورافقها إلى ركن هادئ في الحديقة، بعيداً عن أعين من في الداخل، وسط رائحة الياسمين وسكون الليل.
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة فاطمة الزهراء، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية
