-->

رواية جديدة بيت الضراير لفاطمة الزهراء - الفصل 48 - السبت 20/6/2026

السبت, يونيو 20, 2026
تتاريخ النشر: 20-6-2026


قراءة رواية بيت الضراير كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى



رواية  بيت الضراير 

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة فاطمة الزهراء 


الفصل الثامن والأربعون

تم النشر السبت 

20/6/2026


الفصل السابق

 
تنهدت جيهان بهدوء، ونظرت إلى الفراغ للحظة وهي تسترجع مشهد يوسف وهو يغمز لـ كاميليا ويسلمها لـ تامر بكل فخر، وكأنه يعوضها عن غياب والدهما في أهم لحظات حياتها. كانت تلك اللفتة هي التي جعلت جيهان تقرر كسر حاجز الصمت بينهما هذه الليلة.
نظرت إليه بعينين تحملان قدراً كبيراً من الهدوء والرزانة، وقالت بصوت منخفض:
ـ يوسف.. أنا حابة أشكرك على اللي عملته مع كاميليا النهاردة. وقفتك جنبها وتسليمك ليها لتامر مسح غصة كانت في قلبها وقلبي.. إنت عملت ده بجدعنة وروح أخ، وده مش غريب عليك.
صمتت قليلاً ثم تابعت وهي تلمس طرف فستانها الذي أهداه لها:
ـ والفستان.. شكراً عليه، ذوقه كان راقي جداً وكان مناسب لليوم ده.
كان يوسف يستمع إليها بتركيز شديد، وقلبه يخفق مع كل كلمة تخرج من بين شفتيها، فشعور أن جيهان قد لاحظت محاولاته لإرضائها جعل الأمل يتسلل إليه من جديد. اقترب منها خطوة، وقال بنبرة صادقة:
ـ كاميليا أختي يا جيهان، وغلاوتها من غلاوة ندى أما الفستان، فده أقل حاجة ممكن أقدمها لك، أنا كنت أتمنى أعمل أكتر من كده بكتير بس علشان أشوف الابتسامة دي على وشك تاني.
ساد الصمت بينهما في الحديقة، ولم يقطعه سوى نسمات الهواء الباردة، وكأن جيهان تزن مشاعرها وقراراتها القادمة في هذه اللحظة، بينما يوسف ينتظر منها أي كلمة تشفي غليل قلبه المشتاق.
جمع يوسف شتات أمره، ونظر في عينيها برجاء لم يستطع إخفاءه، وسألها بصوت يرتجف من الأمل:
ـ يعني مفيش أمل يا جيهان؟ مفيش فرصة نرجع زي زمان؟
نظرت إليه جيهان طويلاً، وفي عينيها مزيج من القوة والهدوء، وأجابته بصدق:
ـ أنا لسه محتاجة وقت يا يوسف.. وقت طويل علشان ألاقي جيهان اللي ضاعت مني وسط كل اللي حصل. عايزة أرجع لنفسي الأول قبل ما أرجع لأي حد تاني.
لم يضغط عليها يوسف، بل ابتسم برضا وامتنان لأنها لم تغلق الباب تماماً، وقال بلهجة واثقة:
ـ وأنا هستناكي يا جيهان.. وهعمل المستحيل عشان أثبت لك إني استحق الفرصة دي.
وبينما هما يهمّان بالدخول معاً، قطعت خلوتهما سميرة التي اقتربت منهما وعلى وجهها علامات القلق، وهتفت بمجرد رؤيتهما:
ـ جيهان! روحتي فين يا بنتي؟ كنت بدور عليكي علشان أقولك إن البنات خلاص ناموا واطمنت عليهم.
ابتسمت لها جيهان بود وشكرتها بحفاوة:
ـ تسلمي يا سميرة، كتر خيرك.. تعبتك معايا النهاردة.
استأذنت جيهان منهما وانسحبت بهدوء متجهة إلى غرفتها بالأسفل، بينما صعد يوسف إلى غرفته في الطابق الأعلى. لم يكن لديه رغبة في الحديث مع أي شخص، ولا حتى سماع صوت نور أو أي ضجيج آخر؛ فقد كان صوت جيهان وكلماتها عن الأمل المارّ بالوقت هي كل ما يتردد في أذنه ويحتل تفكيره، وكأن ليلته انتهت عند تلك النقطة في الحديقة.
دخلت جيهان غرفتها وأغلقت الباب خلفها بهدوء، وكأنها تغلق الباب على العالم الخارجي بأكمله. بدلت ملابسها الفستان الرقيق الذي كان شاهداً على لحظات فارقة، وارتدت ملابس مريحة، ثم جلست على طرف سريرها والهدوء يلف المكان.
سندت رأسها للخلف وأغمضت عينيها، لتجد أن صورة واحدة هي التي تسيطر على مخيلتها نظرة يوسف. كانت تلك النظرة في الحديقة مختلفة تماماً عن كل المرات السابقة؛ لم تكن نظرة الزوج الذي يفرض سيطرته، ولا نظرة المذنب الذي يطلب الصفح فحسب، بل كانت نظرة رجل يخاف فقدان امرأة أدرك قيمتها الحقيقية متأخراً.
استرجعت كلماته: "أنا هستناكي.. وهعمل المستحيل". لمست جيهان قلبه في تلك اللحظة، وشعرت برجفة خفيفة لم تختبرها منذ زمن طويل. تذكرت كيف كان يراقبها طوال الحفل، وكيف كانت عيناه تلمعان حين رآها بالفستان الذي اختاره لها.
ابتسمت بمرارة وخفوت وهي تهمس لنفسها:
ـ يا ترى يا يوسف، المستحيل ده هيقدر يرجّع اللي انكـ.سر؟ ولا الوقت اللي طلبته ده هو بداية النهاية الحقيقية؟
كانت تشعر بصراع داخلي؛ فجزء منها يحنّ لدفء مشاعره، وجزء آخر يخاف من العودة لنفس الدائرة التي استنزفت روحها. لكن الأكيد في هذه الليلة، أن جدران قلب جيهان التي كانت تظنها حصينة، قد تأثرت بصدق نظرة يوسف وندمه.

بينما كان الهدوء يسيطر على المنزل، كان العالم ينبض بالحياة والسعادة في مكان آخر تماماً. اصطحب تامر عروسه كاميليا إلى أحد المطاعم الراقية والهادئة، حيث الأضواء الخافتة والموسيقى التي تداعب الروح، بعيداً عن صخب العائلة ومشاحناتها.
كان تامر يجلس أمام كاميليا وعيناه لا تفارق وجهها، والابتسامة مرسومة على شفتيه بعفوية لم يعهدها من قبل. لم يكن هذا اليوم مجرد "عقد قران" بالنسبة له، بل كان انتصاراً لقلبه. أمسك يدها برفق فوق الطاولة وقال بنبرة مليئة بالصدق:
ـ مش قادر أصدق يا كاميليا إنك بقيتي مراتي خلاص.. النهاردة أنا حاسس إني ملكت الدنيا كلها. الحلم اللي كنت خايف يهرب مني، بقيت عايشه دلوقتي معاكي.
أما كاميليا، فقد غمرتها مشاعره الدافئة ونسيت للحظات كل حزنها على غياب والدها أو قلقها على شقيقتها. شعرت بأمان حقيقي في نظرات تامر، وردت عليه بخجل ممزوج بالسعادة:
ـ وأنا كمان يا تامر.. وقفتك النهاردة وجدعنتك مع جيهان ومعايا، خلتني أتأكد إن اختياري كان صح. إنت مش بس حققت حلمك، إنت بقيت ليا السند اللي كنت محتاجاه.
تبادلا الحديث عن خططهما للمستقبل وعن بيتهما الذي يشرعان في بنائه بحب، وكان تامر يتعامل معها كأغلى ما يملك، محاولاً أن يجعل كل دقيقة في هذه الليلة ذكرى لا تُنسى.
تحت أضواء المطعم الخافتة، وعلى أنغام موسيقى هادئة وساحرة، قام تامر من مكانه وانحنى أمام كاميليا بلياقة ورومانسية بالغة، ماداً يده إليها ليطلب منها الرقصة الأولى لهما كزوجين.
ابتسمت كاميليا بخجل ووضعت يدها في يده، ليتمايلا معاً بانسجام تام. كان تامر يضمها إليه وكأنه يخبئها من العالم، بينما أسندت هي رأسها على كتفه، مغمضة عينيها وهي تشعر لأول مرة منذ وقت طويل أن كل شيء سيكون على ما يرام. في تلك الدقائق، لم يكن هناك وجود للمشاكل، ولا لـ نور أو غيرها، كان العالم يتلخص في تلك المساحة الصغيرة التي تجمعهما.
قضيا سهرتهما في سعادة غامرة، يتبادلان الضحك والخطط المستقبلية، ولم يشعرا بالوقت الذي مرّ سريعاً حتى أصبحت الساعة متأخرة جداً.
قرر تامر أخيراً أن الوقت قد حان للعودة، فدفع الحساب وغادرا المكان وهما يتشابكا الأيدي، والابتسامة لا تفارق وجهيهما. وصلا إلى المنزل في وقت متأخر من الليل، والهدوء التام يسكن أرجاء البيت، باستثناء ضوء خافت ينبعث من غرفة جيهان بالأسفل، فهي كما وعدت، كانت لا تزال مستيقظة تنتظرهما لتطمئن على عودة شقيقتها.
ما إن تناهى إلى مسامع جيهان صوت انغلاق الباب الخارجي ووقع خطى هادئة في الردهة، حتى أيقنت أن تامر وكاميليا قد عادا. فتحت باب غرفتها لتجدهما يقفان في ضوء الردهة الخافت، والبهجة تملأ ملامحهما.
ابتسم تامر بودّ حين رأى جيهان في انتظارهم، وقال بنبرة ممتنة:
ـ أدي الأمانة رجعت يا ست جيهان، مكنش ينفع أتأخر ثانية كمان بعد كلامك، وعلشان الحاج عدنان ميعملش مني شاورما الصبح.
ضحكت جيهان بخفة، وأجابت بنبرة مطمئنة:
ـ نورتوا يا عرايس، حمد الله على السلامة.. روح إنت ارتاح يا تامر، وسيب ليا كاميليا بقى آخد منها التقرير.
ودع تامر زوجته وصعد إلى غرفته، بينما سحبت جيهان شقيقتها لداخل الغرفة وأغلقت الباب. وما إن انفردتا، حتى ألقت كاميليا بنفسها على السرير وهي تتنفس بعمق قائلة:
ـ يا جيهان مش قادرة أحكيلك اليوم كان عامل إزاي! تامر ده طلع رومانسي بشكل مكنتش أتخيله أبداً.. المطعم، والمزيكا، وحتى طريقته وهو بيطلب مني نرقص سوا.. أنا حسيت إني طايرة، وبجد كنت محتاجة الفرحة دي يا جيهان.
جلست جيهان بجوارها، وربتت على يدها بحنان قائلة:
ـ تستاهلي يا حبيبتي، تستاهلي كل خير.. تامر بيحبك يا كاميليا، وده كان باين في عينيه النهاردة. المهم إنك انبسطتِ ونسيتِ أي حاجة ضايقتك.
اعتدلت كاميليا في جلستها، ونظرت لشقيقتها بتمعن وقالت بتساؤل:
ـ سيبك مني دلوقتي.. إنتي مالك يا جيهان؟ قولي لي بصراحة، إيه اللي حصل وإحنا بره؟ يوسف كلمك؟
تنهدت جيهان ببطء، وأجابت بصوت منخفض:
ـ يوسف كان داخل البيت وأنا وقفت قدامه وطلبت نتكلم في الجنينة.. شكرته على وقفته معاكي النهاردة، وعلى الفستان.. بس هو سألني لو فيه أمل نرجع يا جيهان؟ قولتله إني لسه محتاجة وقت ألاقي جيهان اللي تاهت مني وسطكم الأول. يوسف بيحاول يا كاميليا، بس أنا قلبي لسه خايف.
نظرت كاميليا إلى شقيقتها بعمق، وهدأت نبرة صوتها المتحمسة لتحل محلها نظرة حكيمة لم تظهر إلا في هذه اللحظة. أمسكت يد جيهان وضغطت عليها برفق قائلة:
ـ عارفة يا جيهان.. رغم إني فرحانة النهاردة ومبسوطة مع تامر، بس كلامك ده ريحني. يوسف غلط كتير، ونظرة الندم اللي في عينيه دي هو محتاج يعيش فيها شوية علشان يعرف قيمة اللي كان في إيده وضيعة. حقك تلاقي نفسك يا جيهان، وحقك تخافي.. اللي انكـ.سر في سنين مش هيتصلح في كلمتين في جنينة.
صمتت كاميليا للحظة وكأنها تستجمع شجاعتها لتسأل السؤال الأهم:
ـ بس قولي لي بصراحة.. وإنتي بتكلميه، ملمستيش في صوته إنه فعلاً اتغير؟ ولا شايفة إن دي مجرد محاولة منه علشان يهدّي الأوضاع ويرجعك لبيته وخلاص؟
أطرقت جيهان برأسها، وبدت الحيرة واضحة على تقاسيم وجهها، بينما كانت كلمات كاميليا تلمس الجرح الحقيقي الذي تحاول جيهان تجاهله وسط كل هذا الضجيج.
أطرقت جيهان برأسها، وبدت الحيرة واضحة في نبرة صوتها وهي تجيب بصدق:
ـ صدقيني يا كاميليا.. أنا تايهة، تايهة بجد. مش عارفة اللي حسيته ده حقيقة ولا مجرد ضعف مني علشان شفت فيه جانب حنين النهاردة.
وعندما رأت نظرة القلق تزداد في عيني شقيقتها، حاولت جيهان استعادة تماسكها وابتسمت لها ابتسامة هادئة، ثم تابعت بحزم حنون:
ـ خلاص يا حبيبتي، قومي ارتاحي دلوقتي.. ده يوم كتب كتابك ومش عايزة أشغلك بمشاكلي وتفكيري. خلينا نتكلم بكره براحتنا.
حاولت كاميليا الاعتراض وهي تمسك يد أختها قائلة:
ـ بس يا جيهان أنا مش هعرف أنام وأنا عارفة إنك شايلة كل ده لوحدك، أنا جنبك ومستعدة أسمعك للصبح..
قاطعتها جيهان وهي تدفعها برفق نحو الباب:
ـ عارفة يا روحي، بس علشان خاطري أنا، قومي روحي أوضتك وارتاحي، اليوم كان طويل وهدّ حيلك وتامر كمان زمانه طلع يرتاح. بكره الصبح نقعد مع بعض ونحكي في كل حاجة.. يلا يا عروسة، تصبحي على خير.
استسلمت كاميليا لإصرار شقيقتها، وطبعت قبلة على جبينها قبل أن تخرج متجهة إلى غرفتها، بينما أغلقت جيهان الباب خلفها واستندت إليه، لتجد نفسها مرة أخرى وجهاً لوجه مع صمت الغرفة وأفكارها التي لا تهدأ.
❈-❈-❈
في مكان آخر بعيد عن صمت بيت العائلة وتوتراته، كان عالم ندى وفارس يضج بالحياة والسعادة. وصلا أخيراً إلى عشهما الجديد، ذلك البيت الذي اختاراه معاً قطعة قطعة ليكون شاهداً على بداية رحلتهما.
بمجرد أن أغلق فارس الباب خلفهما، شعرت ندى بمزيج من الخجل والفرح؛ فاليوم لم تعد ابنة الحاج عدنان التي تعيش تحت كنفه، بل أصبحت ملكة في مملكتها الخاصة مع الرجل الذي اختاره قلبها.
نظر إليها فارس بعينين يملؤهما الحب والامتنان، ثم اقترب منها برفق وأمسك يديها قائلاً بنبرة دافئة:
ـ مبروك يا ندى.. مش قادر أوصف لك أنا كنت مستني اللحظة دي بقالي قد إيه. أخيراً الباب اتقفل علينا وبقيتي في بيتي يا أميرة قلبي.
ابتسمت ندى بخجل وهي تنظر حولها في أرجاء المنزل، وقالت بصوت رقيق:
ـ الله يبارك فيك يا فارس.. البيت جميل أوي، ربنا يجعله قدم السعد علينا ويملأه بالخير والستر. أنا حاسة إني في حلم ومش عايزة أصحى منه.
لم يكتفِ فارس بالكلمات، بل حاول أن يطمئنها ويزيل عنها أي توتر من مفارقة بيت أهلها، فتابع وهو يقبّل يدها:
ـ أنا هعمل كل اللي في قدرتي علشان تعيشي هنا أسعد واحدة في الدنيا. وعد مني يا ندى، هكون لك السند والظهر زي ما عمي عدنان ويوسف وتامر كانوا دايماً، وأكتر كمان.
ساد الهدوء أرجاء بيتهما الجديد، واختارت ندى أن تبدأ حياتها بالبركة، فطلبت من فارس أن يصليا معاً ركعتي شكر لله على إتمام زواجهما. وقف فارس إماماً بها، وفي تلك اللحظات الروحانية، شعرت ندى بسكينة غريبة تملأ قلبها، وكأن كل مخاوفها من البدايات الجديدة قد تبخرت.
بعد الانتهاء من الصلاة، توجه فارس نحو المائدة التي كانت مُعدة ببعض الأطعمة الخفيفة، وقال بابتسامة وهو يسحب لها المقعد:
ـ تعالي يا ندى.. لازم تاكلي لقمة، أنا عارف إنك مأكلتيش حاجة طول اليوم من التوتر والفرحة.
جلست ندى بجانبه، وتناولا العشاء في جو غمره الود والهمسات الرقيقة، حيث كان فارس يحرص على تدليلها ومداعبتها ليخفف من خجلها الواضح. كانت الضحكات الخافتة هي الصوت الوحيد الذي يكسر صمت البيت الجديد.
وبعد أن انتهيا، نهض فارس ومد يده إليها برفق قائلاً:
ـ كفاية تعب لحد كدة يا ندى.. يومنا كان طويل ومحتاجين نرتاح.
سارت ندى بجانبه بخطوات مرتجفة قليلاً من فرط السعادة والخجل، وتوجها معاً إلى غرفتهما، ليبدأا أولى صفحات حياتهما المستقلة، بعيداً عن صخب عائلة الحاج عدنان ومشاكلها التي تركوها خلف ظهورهما في تلك الليلة.
❈-❈-❈
أشرقت شمس صباح يوم جديد على منزل الحاج عدنان، واجتمعت العائلة حول مائدة الإفطار التي سادها هدوءٌ حذر. كانت جيهان تجلس شاردة الذهن، تحرك ملعقتها ببطء شديد، فكلمات يوسف بالأمس ونبرة صوته المترجية لا تزالان تحتلان حيزاً كبيراً من تفكيرها، مما جعلها تغيب عن الحاضر وتغرق في حيرتها.
أما يوسف، فكان يجلس على غير عادته صامتاً، يختلس النظر إلى جيهان بين الحين والآخر بنظرات طويلة ومحملة بالكثير، وكأنه يحاول قراءة ما يدور في عقلها خلف ذلك الصمت. لم تغب هذه التفاصيل الصغيرة عن عيني الحاج عدنان، الذي فهم فوراً أن هناك حديثاً قد دار بينهما، لكنه آثر الحكمة لوجود نور وسميرة على المائدة.
تنحنح الحاج عدنان بهدوء، وقال بنبرة وقورة ليلفت الانتباه دون جلبة:
ـ يا يوسف سيب التفكير في الشغل دلوقتي وكُل لقمة، الشغل مش هيطير، وصحتك أهم من أي ترتيبات شاغلة بالك من النجمة كدة.
انتبه يوسف من شروده، وحاول أن يبدو طبيعياً وهو يجيب والده:
ـ معاك حق يا بابا.. بس الواحد لسه مأخدش على غياب ندى، والبيت حاسس إنه ناقصه حاجة النهاردة.
نظر إليه عدنان نظرة فاحصة، وفهم أن ابنه لا يقصد ندى وحدها، فرد عليه بحكمة وحذر وهو يوزع نظراته على الجميع:
ـ البيت مبينقصش يا ابني طول ما أهله متجمعين على الخير.. والبركة في جيهان وبناتها وفي سميرة ونور، ربنا يديم لمتكم ويصلح حال النفوس، ده اللي يملى البيت بجد.
التفت عدنان نحو جيهان، وبنبرة أب حنون وجه إليها حديثه ليخرجها من صمتها:
ـ وإنتي يا جيهان يا بنتي، كلي كويس.. أنا عارف إن شيل البيت ومسؤولية البنات وكُتب كتاب كاميليا تعبتي اليومين اللي فاتوا، حقك ترتاحي النهاردة ومتشغليش بالك بحاجة.
ردت جيهان بابتسامة رقيقة وهي تحاول الثبات أمام نظرات يوسف المترقبة:
ـ تسلم يا عمي، كتر خيرك.. أنا بس يمكن لسه مأخدتش كفايتي من النوم مش أكتر.
كانت نور تتابع هذا الحوار بدقة، وشعرت أن رد عدنان كان بمثابة رسالة مبطنة ليوسف، ومع تجاهل يوسف الكامل لها وانشغاله بجيهان، بدأت ملامح الضيق تظهر على وجهها بوضوح.
أنهى الجميع تناول وجبة الإفطار، وانتقل الحاج عدنان ليجلس في الصالة بوقاره المعتاد يراقب الأجواء في صمت. أما يوسف، فاستأذن والده بهدوء قائلاً:
ـ أنا هخرج شوية يا بابا، ورايا كام مشوار بره هخلصهم وأرجع على طول، مش هتأخر.
خرج يوسف لساحة البيت الخارجية متجهاً نحو سيارته، لكن نور لم تتركه يغادر بهذه السهولة؛ فأسرعت خلفه حتى لحقت به قبل أن يفتح باب السيارة. نادت عليه بنبرة حادة حملت كل ضيقها من تجاهله لها طوال الإفطار:
ـ يوسف.. استنى عندك، أنا عايزة أتكلم معاك قبل ما تمشي.
توقف يوسف والتفت إليها بنفاذ صبر واضح، ونظر حوله ليتأكد أن أحداً لا يراقبهما، ثم قال بصوت منخفض:
ـ خير يا نور؟ فيه حاجة حصلت؟ أنا قولت ورايا مشاوير ومستعجل.
اقتربت منه نور بحدة وقالت بلهجة مباشرة:
ـ اللي حصل إننا بقالنا كتير هنا يا يوسف، والبيت زحمة ومبقتش طايقة ولا عارفة آخد راحتي في أي حاجة.. الفرح وكتب الكتاب خلصوا خلاص، إحنا هنرجع بيتنا الخاص إمتى؟ أنا عايزة نرجع بيتنا يا يوسف، مش هقعد هنا يوم كمان.
نظر إليها يوسف ببرود زاد من اشتـ.ـعال أعصابها، وبدا وكأنه يزن كلماته جيداً قبل أن يرد عليها، خاصة وهو يرى ملامح الإصرار في عينيها.
شرد يوسف قليلاً في حديثها، وساد صمت قصير وهو ينظر للأشجار المحيطة بالجنينة، وكأنه يهرب من نظراتها المُلحة. كانت كلماتها تضغط على أعصابه، لكن عقله كان في مكان آخر تماماً؛ بين بقائه قريباً من جيهان وبين الالتزامات العائلية.
تنفس بعمق، ثم التفت إليها وقال بنبرة هادئة ومختصرة:
ـ هفكر في الموضوع يا نور.. بس متنسيش إن فرح تامر قرب، ومينفعش نسيب بابا والبيت في وقت زي ده. هشوف الدنيا ونقرر هنعمل إيه، المهم دلوقتي سبيني أشوف اللي ورايا.
لم يمنحها فرصة للرد أو الاعتراض، بل ركب سيارته وتحرك بها مسرعاً، تاركاً نور تقف وحدها في الجنينة، تشتعل غيظاً من رده العائم الذي لم يحدد فيه موعداً، وشعورها بأن فرح تامر ما هو إلا حجة جديدة للبقاء في بيت العائلة.


يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة فاطمة الزهراء، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة‏