رواية جديدة ظلها في قلبه لعلا السعدني - الفصل 29 - الإثنين 22/6/2026
تم النشر في: 22 يونيو 2026
قراءة رواية ظلها في قلبه كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية ظلها في قلبه
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة علا السعدني
الفصل التاسع والعشرون
تم النشر الإثنين
22/6/2026
ظلّت محدقة ب (معتصم)، كأن الزمن توقّف، لم تعرف كم مضى من الوقت، لكنّ عينيها كانت تتفحص وجهه، تفاصيله، ملامحه، ونظرة عينيه، ذكريات كثيرة هاجمت عقلها كأمواج البحر، بحلوها ومرها، بفرحتها وبخيباتها، هذا هو (معتصم)، الرجل الذي جرحها، لقد خان وعده، وخان حبه ..
ابتسم (معتصم)، ظانًّا أن نظراتها له تعني انها مشتاقة له، وظن أن قلبها لايزال ينبض له كما كان، كان واثقًا، أنه بمجرد عودته ورؤيتها له ستغفر له وسيعود الوصال فهو من الأساس لم يحب ولم يعشق سواها ..
تطلع (مالك) لنظراتهم سويًا لبعضهم البعض، اعتصر قلبه من الخذلان، فهو ما زال يسكن عقلها وقلبها، رغم كل ما فعله بها، شعر بوخز فى قلبه، كأن أحدهم طعنه بخنجر، فتحرك دون وعي نحو سيارته ..
بعد برهة لاحظت (سدرة) اختفاءه، فالتفتت فجأة وهي تبحث عليه بعينيها ثم قالت بقلق
- (مالك)؟!
لكن يده امتدت إليها، قبض على معصمها بقوة وهو يقول ليجعلها تنتبه له وحده
- هو مشي خلاص .. مالك بيه أصلاً
نظرت له بحدة، وتملصت من قبضته وهي تجيبه بحدة
- عاوز إيه مني تاني؟! سبني في حالي بقى!
اقترب منها قليلاً، بعينين يكسوهم الندم والألم
- (سدرة) .. أنا عمري ما نسيتك انتِ حبي الوحيد ووجع قلبي، وكل حاجة حلوة عشتها راجع ندمان ومش طالب غير فرصة .. فرصة أفتحي فيها قلبك تاني وهحافظ عليكِ المرة دي
اغروقت عيناها بالدموع، لكنها لم تضعف، بل ارتفعت نبرتها وتفجّر صوتها غضبًا
- لعبة؟! أنا لعبة يا (معتصم)؟! فاكر اللي حصل سهل؟! جوازك من واحدة تانية سهل؟!
خفض بصره خزيًا، لكنها تابعت، بعينين متقدتين
- عارف يمكن يكون عندك مبرر لجوازك منها بس عندك مبرر إنك خبيت عليا؟ كنت عايش معاها ومفهمني إنك ساكن مع راجل! .. عندك مبرر يا (معتصم)!!
قالت جملتها الأخيرة وهي تصرخ في وجهه، شعر بالخجل من نفسه وقال مستعطفًا إياها
- عارف اني كنت ندل
ثم بدء بقص عليها أسباب زواجه من (چوليا)، وأنه لايوجد في قلبه سواها لكنها قاطعته قائلة
- بابا قالي كل ده .. ايه الجديد!!
ثم نظرت إليه نظرة شك وسألته
- هو جوازك منها كان على الورق بس؟!
لم يُجب، لم يستطع أن يجيب بكلمة واحدة حتى النظر إلى عينيها لم يستطع فعله نظر إلى أسفل، ابتسمت (سدرة) ابتسامة باهتة، تتوقع تلك الإجابة، والغريب أنها لم تشعر بأي حزن، اي رجل سيعيش مع امراءة وتكون زوجته ولن يحدث بينهم شئ هذا لا يحدث سوى في الروايات عديمة القيمة، فالزواج ميثاق غليظ، ولن يستطيع شخص أن يقلل من شأن هذا الزواج، تلعثمت لحظة، ثم نظرت إليه بنظرة مكسورة
- خ.. خلّتني أحس إنى قليلة .. زي ما (سليم) خلاني أحس .. أنا بالنسبالكوا .. نزوة! علاقة في السر .. بتتسلوا بيا!
نظر إليها وهو لا يصدق ما سمعه منها، لم يتحمل اتهامها الشنيع ذاك
- أنا؟! أنا زي (سليم)؟!
أخذت نفسًا عميقًا وهي تشعر بالقهر يتملكها
- أيوه! أنا الرخيصة في حياتكوا .. كل واحد عنده زوجة بس انا .. درجة تانية .. سحبت بمنتهى البساطة حقي فيك واديته لواحدة تانية، بدل ما تبقى بتخوني معاها .. كنت أنا الخاينة في العلاقة دي، تخيل بعد ما كنت صاحبة حق بقيت باخد حاجة مش من حقي .. انا العلاقة الغلط مش هي .. هي مراتك يا (معتصم) بيه
انسابت دموعها على وجنتيها، وقالت بصوت منكسر
- أنا بكرهك .. بكرهك أوي يا (معتصم) .. متقربليش تاني
ود لو يمنعها من الرحيل، قبض على رسغها وهو يقول
- مقدرش أعيش من غيرك صدقيني مكنتش أقصد اقلب الأدوار .. هي مش في قلبي .. انتِ اللي فيه انا حقك انتِ مش هي .. هي الدخيلة مش انتِ
أفلتت يدها من يده بقوة، وقالت بجمود
- والحل؟ هبقى الزوجة التانية؟! أنا مش هدخل حياة بالشكل ده
قال بسرعة
- هطلقها! هطلقها عشانك!
نظرت له نظرة طويلة، ثم قالت بصوت حاد
- وليه اتجوز واحد درجة تانية!!
نظر له غير مصدقًا أنها من تقول ذلك، فابتسمت بتشفي وقالت
- مبقاش ينفع لو كلّمتني تاني .. هصوّت بجد وهلم الناس احترمني يا (معتصم) .. خليني أحترمك حتى لو شوية صغيرين نسيب بعض وفي بينا احترام
ثم تركته وغادرت، استقلت الحافلة ثم جلست على أحد مقاعده، ودموعها تنهمر، ليست دموع وجع .. بل دموع فخر من نفسها لقد واجهته .. ورفضته، لم تنهار لم تعُد له لقد اختارت نفسها، كانت تظن نفسها تلك الضعيفة التي ستنهار أمامه وأمام نظرة واحدة منه لكنها لم تفعل، ابتسمت لنفسها، وكأنها تواسي قلبها، ثم أخرجت هاتفها بسرعة واتصلت ب (مالك)، لكن الهاتف كان مغلقًا ..
شعرت بوغزة فى صدرها، هل اعتقد أنها عادت لحبها القديم؟
هل رحل حزينًا منها؟
عضت على شفتاها بغيظ من نفسها وبكت بحرقة، كم ظلمت قلبه، كم من مرة قامت بأذيته دون أن تشعر بالتأكيد ظن من نظراتها ل (معتصم) انها ضعفت مجددًا أمام ذلك الحب ..
❈-❈-❈
وصل (مالك) إلى المنزل ولم يدرك كيف قطع الطريق أو كيف قاد سيارته من الأساس، لم يشعر بالوقت، ولا الطريق، كأن جسده قاده للمنزل، يفكر فقط في دمعتها المكبوتة ونظرتها المترددة لذلك الرجل الذي يستحوذ على قلبها وعقلها، فتح باب الشقة بهدوء مبالغ، يخشى حتى صوت المفتاح الذي قد يفضح مجيئه، لم يرد أن يوقظ شقيقه فهو بالتأكيد في غرفته نائم ..
آخر ما يتمناه في تلك اللحظة هو أن يفتح فمه ليحكي، أو يُسأل، أو يُواسى، فأيّ عزاء يُجدى إن كانت الروح هي المكسورة؟
توجه نحو المطبخ، دلف إليه دون أن يضيء النور، فتح الثلاجة وأخرج منها زجاجة ماء، رفعها لشفتيه، لكنه لم يشرب، ظل يحدّق إلى الفراغ كأن صورة وجهها انعكست أمامه تذكر نظرتها، طريقة وقوفها، ضعفها أمامه ..
تلك اللحظة الذي كان يراها فيها وهي لا تراه ..
أعاد الزجاجة إلى الثلاجة كما هي، لم يشرب منها قط، ما الذي يروي عطش القلب؟ الماء أم المشاعر التي ذبلت في قلبه؟ فلم يجد من يرويها لتطرح ثمار الحب ..
غادر المطبخ بنفس الصمت الذي دخله به، وتوجه إلى غرفته، أغلق الباب خلفه برفق، ثم وقف للحظة أمام الفراش، بدأ يفك أزرار قميصه ببطء، وفجأة ..
انهمرت دموعه، بلا صوت، بلا إنذار، بلا كبرياء، راح يمسح وجهه بكفّيه، ثم جلس على حافة الفراش، مطأطئ الرأس، مطبق الفم، يتنفس كأن الهواء يخونه ..
ابتسم بسخرية باهتة، وهمس لنفسه كمن يسخر من وجعه ظن أنه سيروضها بتجاهله لها، وستشعر بحبه وفي الحقيقة هي لا تشعر به أو بحبه ولن تحبه ابدًا ..
غرس وجهه بين كفّيه، وأطبق على عينيه كمن يحاول أن يمنع تلك الأفكار أن تتدفق في رأسه ولا أن يرى انعكاس صورتها في رأسه ..
هو يدرك الآن .. أنها رحلت
أنها لم تكن يومًا له وأن قلبه الذي تعلّق بها كان يُصارع في الحب دون جدوى ولا طائل ..
شعر بالاختناق يشتد على صدره كحبل مشدود، فاستند بكفيه على فخذيه، يُحدّق إلى الأرض إلى العدم، كل ما فيه قد انطفئ ..
ثم رفع رأسه ببطء، ينظر إلى سقف غرفته كمن يبحث عن مخرج، عن إجابة، يدعو الله أن يرتاح قلبه الملكوم ..
❈-❈-❈
عادت (سدرة) إلى المنزل وهي طوال الطريق لا تفكر سوا بشئ واحد كيف هو الآن؟! بماذا يشعر؟! هل تأذى بسببها دون أن تقصد؟! لما يحبها هي تكره نفسها، هي لا تستحق ذلك الحب الذي يكنه لها ..
وما إن فتحت الباب حتى هرعت إلى والدتها لتدخل داخل أحضانها وهي تبكي، لتجد وجهها شاحبًا، وعينيها زائغتين، وشفتيها لا تستطيعان النطق بكلمة واحدة فقط انهارت بالبكاء ..
فشعرت والدتها بالقلق عليها وطلبت منها أن تقص عليها ما حدث فبدأت (سدرة) أن تروي كل شئ عن لقائها ب (معتصم)، عن كلماته، عن نظراته، وحتى عن ندمه، ولكنها لم تتوقف كثيرًا عنده، مرّ حديثها عنه كما يمر عن شخص غريب، كل ما كانت تعنيه، كل ما كانت تبكي لأجله، هو (مالك) قلقها عليه كان طاغيًا، لم تشعر بغيابه إلا حين التفتت فلم تجده، بحثت عنه بعينيها وصدمت لرحيله اتصلت به، مرة بعد مرة وهاتفه مغلق ..
سكن القلق أطرافها كبرودة مفاجئة، وبدأت الأفكار تنهشها
هل أصابه مكروه؟
هل شعر بشيء كسره؟
هل اعتقد أنها اختارت ماضيها عليه؟
رغم خوف والدتها عليها إلا أنها لم تخفِ تلك السعادة الخفية التي نبتت في صدرها، لأول مرة، ترى ابنتها تحزن وتهتم لأجل شخص آخر غير (معتصم) الذي أهلكها حبه ..
ربّتت (شهيرة) على ظهر ابنتها، وهى تشعر بأنها أمام فتاة أُنهكت من صراع طويل، وها هى تُدرك ولو متأخرة من يستحق حقًا البقاء ..
نصحتها أن تبدل ملابسها، أن تغسل وجهها من أثر دموعها، وأن تتماسك قليلاً، طلبت منها أن تتصل بشقيق (مالك)، تتحقق من حاله وتطمئن عليه ..
فعلت ما أمرتها به والدتها، بدّلت ملابسها وغسلت وجهها من أثر الدموع، ولكن قلبها لم يغتسل من قلقه، وأمسكت هاتفها بين يديها، أخذت نفسًا عميقًا، ثم ضغطت على اسم (آسر) واتصلت به، وما إن أجاب حتى تسارعت الكلمات من بين شهقاتها المرتبكة
- انت فين دلوقتي؟!
تجهم وجه (آسر) من نبرة القلق الطاغية ومن سؤالها الغريب ذاك، وردّ بتردد وهو يستمع لبكائها
- في الطريق .. عندي شغل كده ورايح ..
قاطعت حديثه، وكأنها تقاتل خوفًا يسكن صدرها
- لا لا سيب الشغل ده وروح ل (مالك) .. شوفه هو فين تليفونه مقفول ومش عارفة أوصله .. طمّني عليه أرجوك
توقف الزمن لثانية عند (آسر)، ثم تسلل الخوف إليه ببطء فسأل بجدية
- حصل إيه؟ (مالك) ماله؟
بدأت تسرد له كل ما جرى، من البداية وحتى اللحظة التي اختفى فيها (مالك) فجأة، وكيف لم تلحظ اختفاؤه وكيف أنها اتصلت به ولم يجب، وشعرت أن مكروهًا قد يكون ألمّ به أنهت كلامها بصوت متهدج
- هو مشي .. مشي وانا كنت عاوزاه يقف جنبي .. لو حصله حاجة مش هسامح نفسي .. أنا حاسة إنه مش كويس ..
فقال بنبرة هادئة رغم اضطرابه
- اهدي طيب؟ أنا راجع البيت حالًا .. إديني نص ساعة وهخليه يكلمك بنفسه يطمنك
هزّت رأسها رغم أنها لا تُرى، وتمتمت
- أنا مستنياك .. متتأخرش عليا
أغلق الخط، وقرر العودة للمنزل كي يتفقد حال شقيقه ..
حين وصل، بدا البيت هادئًا على نحو مريب، اتجه مباشرة إلى غرفة شقيقه، فتح الباب دون استئذان، وما إن وقعت عيناه على (مالك) ممددًا على الفراش بلا حركة، حتى تسارعت ضربات قلبه، اقترب منه بخوف، نادى عليه فلم يُجِب، فهزّه بقوة، ثم صفعه على وجنته بقسوة، وهو لا يدري هل فقد الوعي ام ماذا حدث له يعلم أن (مالك) شخص حساس للغاية رغم انه فظ اللسان لكنه لين القلب ..
تأوه (مالك) من أثر الضربة، فتح عينيه ببطء وحدّق فيه بغضب
- إيه الغباء ده يا (آسر)؟! حد يصحي حد كده؟!
تنفّس (آسر) بعمق عندما استمع إلى صوت شقيقه، ثم قال بحدّة
- والله؟! يعني انت نايم وانا و(سدرة) قلقانين عليك؟! قافل زفت تليفونك ليه؟!
ابتسم (مالك) بسخرية مُرّة، وقال وهو يحك وجهه بتعب
- عاوزة تقولي ايه بسلامتها انها رجعتله؟! بتكلمك ليه من الأساس؟ سيبك منها أنا كده كده اتوجعت بما فيه الكفاية مش عاوز أتكلم مع حد سيبني أنام
ضرب (آسر) كفه بالأخر، وقال محتدًا
- بطل تهرب بالنوم يا (مالك)! مش كل ما تتضايق تنام كده، مش حلّ ده!
صاح (مالك) من أعماق قلبه المختنق
- ما تسيبني في حالي بقى! أنا مش عاوز أفكّر ولا أفتكر ولا أعيش حتى! انتوا مستكترين عليا حتى إني أنام؟!
جلس (آسر) بجواره، ثم قال بجديّة
- سابته سابته يا متخلّف سألتني عنك وكل اللي كان شاغلها انت كلمتني وهي منهارة ومش عارفة توصلك وكل همها إنك تكون بخير
اتسعت عينا (مالك)، شعر بصفير يدوي فى أذنيه، وقال بذهول
- سابته؟!! انت بتقول إيه؟!!
ثم أردف كمن يتشبث بأمل واهٍ
- أنت متأكد؟! بالله عليك يا (آسر) دى مفيهاش كدب ولا هزار .. هي قالت إنها سابته؟!
ربت على ساقه وقال
- ده اللي قالته ليا .. وعاوزاك تكلمها، ضروري
شعر (مالك) بالتيه داخل أعماقه، أخرج هاتفه من جيبه، فتحه، فإذا به يُفاجَأ برسائل تخبره عن مكالمات لم تصل إليه، ابتسم رغمًا عنه، نصف ابتسامة، ثم قال
- هوِّينا يا (آسر) عاوز أكلمها
رفع (آسر) حاجبه ساخرًا
- بقت كده؟! ماشي .. بس بمزاجي .. هسيبلك الأوضة
نهض وغادر وهو يضحك بصوت خافت، فبقى (مالك) وحده، يحدّق في شاشة الهاتف، ثم ضغط على زر الاتصال ما إن سمع صوتها القَلِق على الجهة الأخرى، حتى انتعش قلبه رغم حزنه، وكأن صوتها يضخ الحياة مجددًا في عروقه
- انت كويس؟
استشعر القلق في نبرتها، فابتسم رغم وجعه، ثم قال بصوت هادئ
- الحمد لله .. كويس، متقلقيش
تنفست الصعداء، مسحت دموعها، وشعرت بارتباك يقيّد لسانها، كانت تشعر بأنها مكشوفة أمامه، وأدركت أن (آسر) بالتأكيد أخبره بكل شيء، اختارت الهروب كعادتها، فتلعثمت
- ط.. طب الحمد لله .. مع السلامة، أنا بس كنت خايفة يكون حصلك حاجة
ارتفع حاجباه ساخرًا، ثم عض على شفتَيه بغيظ واضح، هل هذا فقط ما تريده؟ هل كل قلقها من أجله تحوّل إلى جملة مقتضبة؟! لكنه تراجع في داخله، يعلم جيدًا طباعها، خجلها، تحفظها، هل يعقل انها ستخبره بتلك السهولة انها تكن له بعضًا من المشاعر، أغمض عينيه، وضرب ركبته بقبضته مكبوتًا، ثم خرج صوته متوترًا
- انا قلت خلاص رجعتي ليه!!
صمت طويل أعقب كلماته، ظل يتنصّت على أنفاسها، لكنها لم تتكلم، زاد غضبه؛ أحقًا لا تريد إراحته؟ أحقًا لا ترى نزيف قلبه المستمر؟!
وفجأة جاءه صوتها، خافتًا، لكنه صادق
- كنت فاكرة لما هشوفه هضعف تاني .. كنت خايفة أدخل أي علاقة تانية وبعدها يظهرلي فأخون اللي معايا بمشاعري بس لما شوفته اكتشفت إن قلبي موجوع منه ومش قادر يسامحه، بدل ما أضعف لاقيت نفسي قوية .. وقلت كل اللي نفسي أقوله .. مبقاش فارق وجوده، خلاص
انفرجت ملامحه المتجهمة، وارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة لم يستطع إخفاءها، لكنه أخفى فرحته بمزحة
- طب كويس .. عقبال ما تلاقي ابن الحلال بقى اللي تحبيه وتعيشي معاه
تجهم وجهها، أيسخر منها الآن؟ عضت على شفتَها بغيظ وقالت بضيق
- ياااارب
تنهّد، لم يعد يحتمل، فقال وقد خرجت الكلمات منه رغمًا عنه
- ربنا على الظالم يا شيخة
ابتسمت، ابتسامة خافتة ارتسمت على شفتيها، ثم قالت بنبرة أقرب للصدق
- تحب أبقى صريحة معاك؟
- أحب .. بصراحة
قالها وهو يغمض عينيه، يتأهب لأي رد
- أنا اكتشفت إني نسيته .. بس مش هضحك عليك وأقولك إني حبيتك الحب الفظيع .. بس حاسة إنك مهم عندي .. زعلك طلع مهم عندي أوووي يا (مالك) .. أنا عارفة إنك هتتعب معايا بس هتستحملني شوية صغيرة .. لحد ما أثق في نفسي وفيك وفي الحب تاني هتقدر؟!
صمت (مالك)، صمتًا مليئًا بالتفكير، ثم قال بنبرة جادة
- (سدرة) .. مش معنى إنك سبتيه أبقى أنا البديل الوحيد اللي قدامك .. هتقابلي ناس بتحبك كتير .. وأنا واحد منهم بس مش عشان أنقذتك من كام موقف أبقى أنا أولى من غيري، الحب مش بيتقاس كده .. وأنا .. أنا مبعرفش أجمّل ولا أزوّق الكلام بس لو مفيش مشاعر ناحيتي يا بنت الناس انسَي كل حاجة قولتهالك
شعرت بالغضب منه، دائمًا ما يجعلها تشعر بأنه يستطيع العيش بدونها، فصرخت به بنبرة ضيق
- انت هتفضل طول عمرك كده؟! تحسسني إن وجودي زي قلته؟! عادي عندك؟! وإنك تقدر تعيش من غيري؟!
سكت للحظة، ثم قال بهدوء مكسور
- أنا مقولتش كده .. بس مينفعش أفرض نفسي عليكِ .. مش بالعافية يعني لو كل اللي فات ده ما خلانيش حتى أبقى في بالك يبقى عمري ما هبقى
ضمت قبضتها الصغيرة بقوة، وقالت بخجل واضح، بنبرة خافتة
- في .. في يا (مالك) .. في مشاعر بس هي مش كبيرة للدرجة بس انت تستاهل .. تستاهل حاجة أقوى من كده
تجمد في مكانه، ثم انفلتت منه ابتسامة دافئة، صادقة، فيها كل الامتنان، وقال
- أجي أكلم أهلك؟!
شعرت بارتباك، ثم قالت
- هتستحمل لحد ما مشاعري تكبر؟! مش بين يوم وليلة هحبك زي ما كنت بحبه
صمت لثانية، ثم أجابها بهدوء، بنبرة رجولية هادئة
- هستحمل .. بس اللي مش هستحمله .. إنك تحطيني في مقارنة معاه أنا مش هو لا شكلاً، ولا روحاً، ولا حتى فيا تفصيلة واحدة زيه
أجابت بهدوء حنون
- عارفة .. عمومًا .. هبعتلك رقم بابا على الواتس
لم يكن بحاجة لسماع المزيد، فقد شعر أن قلبها أخيرًا .. أصبح بحوزته ..
❈-❈-❈
مرّت الأيام ببطء، طُرح على صديقة (أوهيلا) فرصة للمشاركة في حملة إعلانية ضخمة، فلم تتردّد لحظة في ترشيح (آسر) كمصوّر للحملة، لكن اخبرتها صديقتها البلوجر مثلها، أن (آسر) لم يكن منضبطًا، وأنه تجاوز حدوده خلال جلسات التصوير بلمسها، متعللًا أنه يضبط من وضعيات التصوير ..
لكن (أوهيلا) لم تهتم كثيرًا بحديث صديقتها لأنها تعلم أن هذا عمل (آسر) وأنه لن يفعل هذا بها متحرشًا لابد وأن صديقتها أساءت الظن به ..
لكن ما شغل عقلها مؤخراً، تغير (آسر) نفسه لم يعد كما كان لم يعد يسأل، لم يعد يصغي إليها، ولأول مرة هي من طلبت منه بإلحاح أن يلتقيا وبعد تردد منه، وافق ..
وها هي الآن في منزل والدها، تجلس في غرفة الضيافة، تنتظر مجيئه، فمن المفترض أن يأتي في الثالثة عصرًا والساعة الآن على وشك الوصول إلى الرابعة، وهذه أول مرة يتأخر عنها بهذا الشكل، وهي اعتادت أن تجده حاضرًا قبل الوقت ..
وصل (آسر) إلى المنزل وقد حي والدها وزوجة ابيها، ثم دلف إلى غرفة الضيافة وجلس على اقرب مقعد وعيناه يبدوان عليهما السهرٍ، والإرهاقٍ كأنه لم ينم منذ أيام، والتعب موشومًا تحت جفنيه، لكنه ما إن لمح (أوهيلا) تجلس بانتظاره، حتى انفرجت شفتاه عن ابتسامة خافتة وقال بنبرة خافتة
- خير يا اوهي؟ في حاجة مهمة عاوزاني فيها؟
عضّت (أوهيلا) على شفتيها بغيظ مكبوت، لم تعد تفهم تقلباته، هل يسألها حقًا أن كان من الضرورى تلك المقابلة أرادت أن تثور، لكنها ما لبثت أن لاحظت علامات الإرهاق على وجهه، فشعرت بوخز في قلبها، وسألت بقلق
- شكلك كأنك منامتش كويس .. في حاجة يا (آسر)؟
هزّ رأسه نافيًا، وابتسم ابتسامة باهتة
- أبدًا .. بس اليومين دول بقيت أشتغل كتير أوي ومبقتش أرفض أي شغل زي الأول
ضاقت عيناها بتأثر، ثم سألت بنبرة معاتبة
- ليه كده؟! لا طبعًا لازم تريح نفسك مش طول الوقت شغل انت حتى بقت تكلّمني ٥ دقايق في اليوم يا (آسر)!
نظر لها بطرف عينه، وصوته حمل نبرة فيها مرارة
- طب أعمل إيه يا (أوهيلا)؟! مانا عاوز نخلص ونبقى في بيت واحد ورايا حاجات كتير ومش عاوزك تحسي بالنقص في أي حاجة .. مش عاوزك تحسي انك أقل من حد تاني
شعرت بغصة تمزّقها، وشعرت بأنها السبب، فحديثها دومًا معه كان عن تعجيل الزواج بينهم، قالت بنبرة ندم
- أنا آسفة يا (آسر) .. حقك عليّا متتعبش نفسك بسببي وقت ما تخلّص، خلّص .. إن شالله نقعد سنتين تلاتة بليز متحسسنيش بالذنب
هزّ رأسه نافيًا بهدوء، وقال بصوت خافت
- انتِ ملكيش ذنب، متلوميش نفسك كده .. أنا كمان حابب أننا نتجوز بسرعة
صمتت لبرهة لكنها لم تستطع كبت تساؤل عالق في صدرها، فقالت وهي تنظر في عينيه مباشرة
- (إيمي) .. ضايقتك في التصوير؟!
توقف لحظة، وكأنه يبحث عن الإجابة المناسبة، ثم تنهد
- مكملتش شغل معاها أصلاً .. وبعدين البنت دي مش بتحبك يا (أوهيلا) وأنا مش مرتاح ليها، ياريت تبعدي عنها
تجمدت ملامح (أوهيلا)، لم يكن من عادته أن يطلب منها الابتعاد عن أحد، لم يكن متحكمًا قط .. تلك أول مرة يطلب طلبًا صريحًا كهذا، فداهمها الشك، هل (إيمى) إعجبته ولا يريد أن تبقى على إتصال بها؟
لاحظ شرودها، فتابع
- مش بتحبك .. وبتبعتلي رسايل كتير عشان تتكلم معايا وأنا مش برد .. وكل شوية تقولّي إن جمالك مش طبيعي وإنك عاملة تجميل وفيلر و ..
اتسعت عيناها في دهشة غاضبة، فقاطعته
- (إيمي) بتقول عني كده؟! دي أكتر واحدة قريبة مني! وبعدين أنا بلاستيك؟! أنا؟! ده أنا عمري ما روحت لدكتور تجميل أصلاً!
ابتسم (آسر) وهو يلاعب حاجبيه، قائلا بمرح
- مانا عارف .. وانا اهبل؟ ده أنا مصوّر أد الدنيا
تجاهلت مزاحه ومغازلته، لكنها لم تستطع كبت دموعها، فتألم لرؤيتها، فنهض من مكانه وجلس بجانبها تاركًا مسافة بينهم، وصوته أكثر حنانًا
- والله ما برد عليها لما بتبعت .. ومستعد أوريكي الرسايل أنا بس مش عاجبني إنك تثقي في واحدة زيها .. واضح إنها بتغير منك
أخرج هاتفه وقدّمه لها، لكنها أبعدته قائلة
- مش محتاجة أشوف عشان أصدقك .. بس هي قالتلي إنك حاولت تعاكسها وإنك كنت بتلمسها كتييير بحجّة التصوير
اتسعت عينا (آسر) بصدمة
- أنا؟! أنا عملت كل ده؟! وانتِ إزاي مقولتيش ليّا؟!
مسحت دموعها وهزت كتفيها كأن الأمر لا يستحق، وقالت بهدوء
- قلت شغلك .. وبتضبط وضعية التصوير ..
زفر بضيق، وقال بانفعال
- أولًا، أنا مش بلمس البنات أصلًا عشان أظبط وضع التصوير .. في طرق تانية كتير هي واضح إنها غيرانة منك هو الوسط ده مش مريح كله علاقات ومصالح ومتابعين
ابتسمت بمرارة، وقالت بصوت خافت
- مفيش غير (هند) .. بنت أونكل (رأفت) هي الوحيدة اللي بتحبني بجد
ضحك وقال بسخرية
- أونكل برده؟!
ضحكت معه للحظة، ثم نظرت في عينيه بصدق وقالت
- عارف .. أحلى حاجة فينا إننا بنثق في بعض وإن الكلام الأهبل اللي حوالينا مش بيأثر علينا بس بليز متجيش على نفسك في الشغل مش عايزة أشوفك تعبان كده
ابتسم ابتسامة هادئة، وهز رأسه إيجابًا لكن صمته كان مثقلًا بشيء آخر، ثم قال بنبرة منخفضة
- أكتر حاجة بتوجعني يا (أوهيلا) .. الكومنتات السخيفة اللي بيبقوا على شكلك وجسمك وشعرك .. ومع كده مبرضاش أقولك
نظرت إليه بعينيها، لا تعرف ماذا تقول، فابتسم وقال محاولًا تغيير مجرى الحديث
- ايه مش عزمني على الغدا، فين الاكل؟
أدركت أنه يغير الحديث لكنها حقًا أسوء شئ يمكن أن تفعله هي أن تكون سبب حزنه او ضيقه ولا تعلم هو محق يأتيها العديد والعديد من الرسائل من مرضى نفسيين ومتحرشيين وكلام يغضبها هي نفسها، فهي لا تتخيل أن هناك من يفكر بها بتلك الطريقة ولكنها لم تفعل شئ خاطئ، هي لا تقدم محتوى مبتذل حتى ملابسها أصبحت أكثر حشمة عن ذي قبل فلما تثير هؤلاء الأغبياء ..
❈-❈-❈
فى المساء ..
غابت ملامح الحياة عنه، جلس على طرف الفراش، منحنيًا كمن يحمل على كتفيه أوزار زمنٍ بأكمله، عيناه غائرتان، فالبكاء قد سلب منهما الرؤية، ووجهه الشاحب لم يعد يشبه الرجل الذي كان يومًا واثق من نفسه ..
لم يخرج من غرفته منذ أن افترق عن (سدرة)، ولم يتذوّق الطعام، وكأن الحلق قد أغلق عليه شهية الدنيا بأسرها، لا صوت يشغل سمعه سوى صدى عباراتها الأخيرة، خارت قواه، حتى جسده قد هزل، لأن الندم فعل فعله فيه دون رحمة ..
كم تمنى لو يعود به الزمن لحظة، فقط لحظة، ليصلح ما أفسده، ليمنع نفسه من خيانة وعده لها، لكنه يعلم، علم اليقين، أن ذلك الباب قد أُغلق إلى الأبد ..
وفي غمرة ذلك الصمت الموجع، انفتح باب الغرفة فجأة بعنف، لتدخل (چوليا) وعلى وجهها علامات الغضب والضيق وهي تقول
- ألا يكفي هذا يا (معتصم)؟!
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة علا السعدني، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية
