رواية جديدة ظلها في قلبه لعلا السعدني - الفصل الأخير - الإثنين 25/6/2026
تم النشر في: 25 يونيو 2026
قراءة رواية ظلها في قلبه كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية ظلها في قلبه
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة علا السعدني
الفصل الأخير
تم النشر الخميس
25/6/2026
تأمل (چوليا) يعلم جيدًا أنها تحبه بصدق، ولكن الآن يراها كمرآة تعكس له كل ما خسره ، وكل ما ارتكب من حماقات، لم يعد يعرف من الجاني الحقيقي في انتهاء حب حياته
هل كانت (چوليا)؟
أم (فريدة)؟
أم سفره؟
أم أنه، ببساطة، لم يكن نصيب (سدرة) يومًا؟
هي لم تكن له، ولن تكون ..
رغم الحب الذي جمعهما، رغم الذكريات، والوعود، لم ولن يمتلكها ..
يعلم جيدًا أنه كل ما يفعله هو أنه يظلم (چوليا) وهي لم تفعل شئ سوا حبه ومساعدته ولكنه كلما رأها تجدد الجرح الذي بداخله ..
راقبته (چوليا) بصمت، تستشعر ما يدور في رأسه، تعلم أنه بعيد، أنه ليس هنا، لم يكن يومًا هنا تمامًا، لا بقلبه ولا بروحه، تقدّم نحوها بخطوات بطيئة ثم قال بصوت خافت، يتقافز العجز من نبراته
- (چوليا) .. اتركيني واذهبي
اتسعت عيناها، لم تصدق أذنيها، ثم همست وهي تتراجع خطوة للوراء
- ماذا تقول؟
نظر إليها بعينين حمراوين، ثم قال
- اتركيني لا أستطيع أن أمنحك المزيد من الحب .. لقد نضبت (چوليا) لم أعد قادرًا على العطاء، هذه الزيجة .. لم تكن الخيار الصائب
ارتجفت شفتاها، وبدت وكأنها على وشك السقوط لم تكن تنتظر حبًا أكبر، فقط كانت تتشبث ببقاياه
- لكني .. أحببتك بصدق
خفض عينيه، كأنه عاجز عن مواجهة حديثها، ثم تنهد وقال
- أعلم .. وأقدّر كل ذلك لكنك لن تندمجي هنا كما لم أندمج أنا هناك، سيظل هناك جدار خفي بيننا الحب وحده لا يكفي .. لم أحلم يومًا أن أحيا دون حب صادق .. أنتِ جميلة وتستحقين من هو افضل مني من يقدر حبك لكن أنا معدوم الفائدة
غامت عيناها بالدموع، حاولت التماسك لكنها لم تستطع وقررت أن تخرج من الغرفة وربما من حياته لا تعرف هل تستطيع اتخاذ قرار كهذا أم لا ..
دلفت (فريدة) إلى الغرفة، توقفت على العتبة لحظة، تنظر إلى (چوليا) وهي تخرج باكية، خطواتها مضطربة، وقلبها مكسور، نظرت إلى شقيقها، لم تره هكذا من قبل، هزيلًا، شاحبًا، كل ما فيه فقد لونه، حتى عينيه باتت ذابلة، اقتربت منه ببطء، وعيناها تغرورقان بالدموع، جلست إلى جواره، ومدّت يدها المرتجفة لتضعها على كفه، ثم همست بصوت مبحوح وهى تلعن نفسها مئات المرات
- أنا السبب .. أنا اللي بوظت كل حاجة سامحني يا (معتصم)
رفع (معتصم) عينيه ببطء، تطلع إلى وجه شقيقته، ثم هزّ رأسه بهدوء وقال بصوت واهن
- انتِ مش ذنبك حاجة يا (فريدة) .. سواء بيكِ أو من غيرك (سدرة) كانت لازم تعرف، دي حاجة مكانتش ينفع تستخبّى كان لازم ييجي يوم وتتكشف
مسحت (فريدة) دموعها بكمّ قميصها، ثم أرتمت فى أحضانه كطفلة مذنبة ترتمي بحضن والدتها، همست بصوت خافت وسط شهقاتها
- يمكن ربنا شايلك حد أحسن .. (جوليّا) كويسة .. وبتحبك
لكنه لم يُجِب، دفعها بلين عنه قليلًا، ثم تطلع إلى عينيها بنظرة موجعة وقال
- أنا مش قادر أبص في وشها يا (فريدة) .. كل مرة بشوفها، بشوف كسرة قلب (سدرة) في عينها .. مش قادر أبص لنفسي، مش قادر أنسى إني خذلتها بالسُهولة دي .. (سدرة) استحملت مني حاجات كتير .. وأنا في أول امتحان .. كسّرت كل حاجة
سكت قليلًا، ثم أكمل بصوت منخفض
- مكنش قصدي .. مكنش قصدي .. بس الظروف كانت أقوى مني، وأنا كنت أضعف من أني أواجهها
شعرت (فريدة) بغصة تمزّق صدرها، فأمسكت يده برفق وربتت عليها، ثم همست محاولة مواساته
- هتنساها .. هتنساها يا (معتصم) .. مفيش حد بيموت من الحب، الزمن بيعدي، والوجع بيهدى .. وهترجع تضحك من قلبك، صدقني
نهضت بعدها بصمت، ومسحت دموعها سريعًا قبل أن تُغادر ..
أما هو ..
فبقى وحده ..
وسط الغرفة، وسط الفراغ ..
يعلم .. يعلم جيدًا أن النسيان سيأتي ..
لكن السؤال الذي لم يزل عالقًا في صدره من يُرمم الكسور التي تنهش قلبه الآن؟
❈-❈-❈
بعد مرور ستة أشهر ..
كان (مالك) قد أتمّ اتفاقه مع والد (سدرة) على الزواج منها، ورغم أنها لم تُفصح له حتى تلك اللحظة عن أي مشاعر حب، فإن قربها منه كان كافيًا ليمنحه شعورًا بالسعادة والرضا، غير أنه في أعماقه يريد منها الأعتراف بحبه، ولكنه لم يرد أن يكون شخصًا أنانيًا، فسألها ذات يوم إن كانت تخشى المضي في هذا الزواج لغياب المشاعر تجاهه، وأكّد لها أنه سينسحب من حياتها بهدوء إن رغبت في ذلك، لكنها أجابته إجابة بسيطة خالية من المشاعر بأنها موافقة على إتمام الزواج، دون أن يظهر في ملامحها أثرٌ لحب أو سعادة بذلك الزواج ..
كان ردّها البسيط، الخالي من أي حب، كفيلًا بأن يُحدث في داخله عاصفة من المشاعر المتضاربة، نعم، هو سعيد لقرب زواجهما، وسعيد لأنها ستصبح زوجته، لكنه لا يستطيع أن يُنكر تلك الغصّة العالقة في صدره، أين حبها؟ أين مشاعرها؟ لقد رآها من قبل، رآها تهيم عشقًا ب (معتصم)، وتعبّر عن ذلك الحب بلا حرج أو خجل، تلمع عينها ببريق السعادة حين تتحدث عنه أو تُذكَر أمامها سيرته، بينما معه .. كل شيء باهت، رتيب، خالٍ من الحب ..
لقد فعل الكثير ليستميل قلبها، اجتهد في أن يكون سندًا ورفيقًا ومأمنًا، إلا أن النتيجة كانت حياة روتينية بشكل يبعث على الخذلان ومع ذلك، لم يكن طماعًا يكفيه، كما أقنع نفسه، أنها ستكون له، وأن بيتًا سيجمعهما قريبًا، فلعلّ الأيام تروي ما جفّ من الينابيع، ولعلّ الحب يأتي ولو متأخرًا ..
في يوم الزفاف، كانت (سدرة) تقف إلى جوار (مالك)، فاتنة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، كان جمالها هادئًا، بدت عيناها براقتين، تشعّان فرحًا، ووجهها يحمل ملامح السعادة برغم صمتها المستمر لم تعبّر بالكلمات، لكنها كانت تبتسم بصدق، تضحك قليلًا مع صديقاتها وتلتقط الصور في فستانها الأبيض، وقف بجوارها، شعر بقلبه ينبض فقد تتوج حبه اخيرًا بالزواج، اللحظة التي طالما حلم بها، لم يشأ أن يضغط عليها وان يجعلها تقول ما لا تشعر به، يعلم جيدًا أنها اختارته بعقلها لا قلبها ..
بخارج القاعة، كان (آسر) واقفًا بالخارج ينتظر قدوم (أوهيلا) وبعد لحظات، أطلت عليه، فتبدلت ملامحه إلى سعادة خالصة، وقبل أن يهمّ بدعوتها للدخول، استوقفته (أوهيلا) بابتسامة مشاكسة، وقالت
- استنى يا (آسر) عاوزة أورّيك فيديو جديد نزلته!
زفر بضيق خفيف، وأجاب بنبرة ممزوجة بالدهشة والعتاب
- يعني ده وقته يا (أوهيلا)؟ لما اروح هبقى أتفرّج عليه
هزت رأسها بإصرار طفولي وابتسامة رقيقة
- لأ طَلّع تليفونك وشوفه .. بلييز!
تنهد باستسلام، وأخرج هاتفه، ثم فتح صفحتها ليبحث عن الفيديو، لكنه لم يجد صفحتها الخاصة إطلاقًا، عقد حاجبيه بدهشة وقال ممازحًا
- هو أنتِ عاملاني بلوك ولا إيه؟ الصفحة مش لاقيها أصلاً!
قهقهت بخفة ونظرت له بعينين تلمعان
- أنا قفلت صفحتي الشخصية خالص .. ومسحت كل الفيديوهات والصور!
اتسعت عيناه بدهشة حقيقية، وظلّ صامتًا للحظة، لا يصدّق ما سمعه كانت نظراته تحاول استيعاب ما قالته، صحيح أن الفترة الماضية كان نشاطها قليلاً على صفحات التواصل الأجتماعى لكنه ظن أنه بسبب الدراسة وانها مشغولة مع عائلتها ومعه أكثر الوقت لكنها لن تتخلى ابدًا عن شهرتها، يعلم حبها للشهرة جيدًا، بينما هي خفضت بصرها بخجل وهمست
- عندي فان واحد بس .. وجوده كفاية في حياتي
كان قلبه يكاد يقفز من مكانه لو استطاع، لاحتضنها بين ذراعيه، أو طبع قبلة امتنان على جبينها، لكنه لم يتحرك، فقط ظلّ يحدق فيها وهو يشعر بمشاعر أسمى من الحب نفسه، نظرت إليه مرة أخرى وقالت بابتسامة خفيفة ونبرة عذبة
- وبُكرة .. هننزل نجيب لبس محجبات فكّرت في الموضوع كتير ولقيت كده أحسن
لم يجد ما يقوله، تمتم متأثرًا
- بالراحة عليّا .. إيه كل القرارات دي؟
ابتسمت وقد رأت نظرة الدهشة والسعادة في عينيه، ثم قالت هامسة
- أنا عملت كل ده عشان انت كلمتني كتير عن الصح والغلط ورضا ربنا ده اولاً .. ثانيًا بقى لو كنت أعرف إنّي هشوف النظرة دي في عينك كنت عملت كده من زمان
اقترب منها قليلاً، وصوته يفيض امتنانًا
- إنتِ وجودك في حياتي نِعمة يا (أوهيلا) .. كفاية إنك رضيتِ بيا من الأساس
تنهدت لأنها تعلم أن (آسر) يرى نفسه شخصا سيئًا بسبب ماضيه فقالت بهدوء صادق
- أنا .. لولاك كنت هبقى واحدة أكرهها في المستقبل
هز رأسه نافيًا وهو يقول
- أنتِ نقية يا أوهي بيا أو من غيري كنت متأكد أنك مش هتاخدي قرارت تندمي عليها ابدًا في المستقبل
حاولت تغيير مجرى الحديث فهي لا تريد تذكر تلك الأيام لذا قالت مازحة
- قصاد القرارات دي بقى .. عندي شرط
اتسعت عيناه بفضول، فأكملت وهي تبتسم
- إنت مصوّر قد الدنيا .. وانا بحب الكاميرا عايزاك تعملّي فيديوهات حلوة، وتصورني كتير لما نتجوز، وإنت بس اللي تشوفها .. وتقولي حلوة ولا لأ
ضحك من أعماقه، ضحكة صادقة
- يا سلام! من عينيّا .. ده أنا أعملّك أفلام ومسلسلات كمان
ضحكت معه بسعادة، ثم قالت
- يلا بقى .. هدخل أشوف (سدرة) و(مالك)
ثم نظرت إليه نظرة خجولة، وهمست
- عُقبالنا
ابتسم وقد تمنى أن يتحقق ذلك الدعاء من أعماقه، وردّ بصوت أقرب للدعاء منه للردّ
- يااااارب
حضر متخفيًا بين الحضور، يرتدي نظارته الداكنة، راقبها من بعيد تزف لرجلٍ غيره، والابتسامة تعلو وجهها فباتت لا تهتم به ولا لوجوده ولا لوجعه، كأنها لم تشاركه ذات الحلم بأن يكون هو من يمسك بيدها في هذا اليوم ..
كم تخيّل تلك اللحظة، وكم رسمها في خياله آلاف المرات، لكن ما يحدث الآن لم يتوقعه يومًا، تلك هي النهاية النهاية بينهم ..
دمعةٌ ثقيلة انسابت بصمت، يعلم جيدًا أنه أخطأ .. قد أضاعها من يده، لكن لم يخطر بباله قط أن يرى الحلم يُسلب منه هكذا، وهو حيٌّ، واقفٌ على الهامش، لن يكون بطلها بعد الآن ..
ربما لأنه اختار اسهل الطرق وأكثرها حرمة، كان الله يضعه في اختبارات بداية من عِند شقيقته في الزواج من شخص لم يسأل عليه وعلى عائلته جيدًا، مرورًا بأخذه للقرض الذي حرمه الله إلى أستمراره على السفر رغم علمه بأنه طريق خاطئ حتى مكوثه مع امراءة أجنبية عنه كانت خطوات، خطوات بسيطة جعلته في النهاية محمل بالكثير بالذنوب إلا يستحق تلك النهاية!! .. بل يستحقها عن جدارة فلقد تفنن في عمل الخطأ والذنوب بطرق كثيرة ..
ورغم انها لا تزال تسكنه، تمامًا كما كانت ..
لكن مكانها في قلبه، سيتحوّل الآن إلى ظلٍ فقط .. ظلٌ يرافقه في وحدته وأنسه ..
سيحيا، وربما يُحب، وربما يتزوّج، وربما يُنجب .. لكن ظلّها سيظل هناك، في قلبه ، ثابتًا لا يتزحزح ..
❈-❈-❈
بعد مرور عامٍ كاملٍ على زواج (مالك) و(سدرة)، وكذلك كان (آسر) قد تزوج من (أوهَيلا)، اقترح (آسر) أن يُقيموا رحلةً بحرية قصيرة إلى الغردقة لقضاء عطلة هادئة وممتعة معًا، لم يتردد (مالك) في الموافقة، كانت فكرة الانعزال قليلاً عن صخب الحياة فكرة مغرية ..
على متن يخت في عرض البحر، كانتا تحضّران الطعام سويًا في مطبخ اليخت المفتوح، النسيم البحري يداعب وجهيهما، اقترب (آسر) من زوجته ووقف خلفها بينما كانت تقطع الخضروات، ثم أمسك بكلتا معصميها برفق، وجعل يديه تسير معها فوق السكين وهي تقطع ويساعدها في تقطيع الخضروات ..
ابتسمت (أوهيلا) وقالت
- بَطّل تلزق فيّا طول الوقت! إمتى هتعقل بقى يا (آسر)؟ نفسي أشوفك زي (مالك) كده .. عاقل!
ضحك (آسر) بمرح وهو يجيبها
- لو كنت عاقل مكنتيش هتحبيني وقتها
لم يكن (مالك) بعيدًا، بل كان يقف في الجهة الأخرى من السطح يتأملهم سويا وهو مستندًا على الحائط، ويبتسم على عبث شقيقه المعتاد ولكنه سعيد من أجله وأنه يشعر بسعادة مع حبيبته، كانت (سدرة) منشغلة بتحضير الطعام هي الآخرى، ورغم ذلك لم تستطع إلا أن تتابع المشهد بعينيها، فتقع عيناها على (مالك) الذي يبتسم بهدوء، ولكنها أيضًا لاحظت شيئًا آخر، حزن داخل عينيه لم يبوح به ..
تعلم أنها مقصّرة في حقه، لم تقل له يومًا أنها تحبه، لم تفتح قلبها له ولو لمرة واحدة، وكم من مرةٍ شعرت بتأنيب الضمير حين ترى تفهمه لها، واحتواءه الدائم دون أن يطلب شئ لنفسه، لقد أعطاها الحب دون قيد، بينما هي من فرضت القيود عليه ..
تعلم جيدًا أن مشاعرها لم تعد متعلقة ب (معتصم)، بل تحوّلت إلى رماد، لم يتبق منها سوى أن تكون حذرة فى تصرفاتها ومشاعرها ولكنها تخاف، تخاف أن تعترف إلى (مالك) بحبها، فتُسحق تحت وطأة الحب مرة أخرى، لا تريد أن يُترجم حبها على أنه ضعف، ولا أن يظن، ولو للحظة، أنه يملكها لمجرد أنها أحبته، تشعر بالخوف من أن تعترف بمشاعرها فينطفئ حبه لها، ربما يقوم بخيانتها كما فعل الآخر يثق بنفسه وبحبه ولا يأبه لها، أو تنطفئ لمعة الحب في عينيه بعد اعترافها، تريد أن تكون له مثل الحلم البعيد يتمنى كلمة منها فقط ولا يلتقطها، تعلم أنها أنانية تؤذي مشاعره ولكنها تأذت من قبل، هي ترمم الباقي من كرامتها فقط ..
نظر (آسر) لكل من (مالك) و(سدرة) ووجدهم لا ينظرون لبعضهم وكأن كل واحد منهم بعالم اخر، يشعر بشقيقه تمامًا يرى عدم السعادة في عينيه رغم انه مع من يحب ولكن لا يعلم لما يوجد بينه وبين زوجته فجوة وهو لم يرد أن يتدخل فى أموره الشخصية فقاطع (آسر) الصمت وهو يمازح (سدرة)
- طمنيني يا (سدرة) على أخويا .. لسه بعقله ولا مخه طار زيي بعد الجواز؟
ابتسمت (سدرة) ابتسامة باهتة، لم تتجاوز حدود المجاملة، فتدخّل (مالك) محذرًا إياه وهو يضحك
- بس بقى يا رخم! مالكش دعوة بيها دي بتكسف .. مش زيك بجح!
ثم اقترب منها بهدوء، ونظر إلى ما بيدها وقال
- تحبي أساعدك في حاجة؟
هزّت رأسها نافية، وابتسمت بخجل، ثم مدت يدها لرفع الغطاء عن إناء كبير أمامها، لكنه كان ساخنًا للغاية، فما إن لمسته حتى سحبت يدها بسرعة، وتألمت، لكن الغطاء سقط من يدها ليستقر على قدم (مالك) كان ثقيلًا، كفيلًا بأن يُسبب له أذى حقيقي، تأوّه (مالك) من الألم بصوت خافت ولكنه وقف ثابتا، اتسعت عينا (سدرة) في ذعر، واقتربت منه بسرعة وهي تقول
- أنا آسفة .. أنا آسفة! رجلك حصلها حاجة؟!
نظر إليها (مالك) مبتسمًا رغم الألم، وقال بلطف
- متقلقيش يا حبيبتي .. أنا كويس .. وبعدين متمسكيش حاجة سخنة كده تاني
كانت نظراتها تحمل توترًا، تخشى أن يكون قد تأذى بالفعل، بينما هو، رغم الألم، لم يشأ أن يُقلقها، تأمل عينيها قليلًا أحيانًا، يرى في نظراتها ذاك الوميض الذي يخبره بأنها تحبه، تهتم لأمره، تخاف عليه .. لكنه لا يسمع الكلمة، لم يسمعها منها قط، ربما كل ما تفعله نابع من حسن العشرة بينهم ليس إلا ..
تنهد بعمق، وكأنه يُبعد أفكاره ثم قال بهدوء
- أنا هطلع الأطباق برا عشان ناكل كلنا
ثم ابتعد، أما هي، فظلت مكانها، تتابعه بعينيها، كأنها للمرة الأولى، ترى كم هو بعيد رغم قربه تشعر بأنه قد كَل منها ومن حياته الروتينية معها ..
كانت الشمس توشك على المغيب، ترسل خيوطها الذهبية لتداعب سطح البحر بلونٍ مائلٍ للبرتقالي، اجتمع الجميع على مائدة الطعام في وسط البحر، حيث لا شيء يُسمع سوى صوت الموج، كان (آسر) يطعم (أوهيلا) قطعة خضار قطّعها لها بنفسه، وهو يجلس بجوارها، في حين (مالك) يشاهدهم بصمتٍ، يبتسم ابتسامة باهتة بينما يختلس النظرات إلى (سدرة)، يعلم كم هي خجولة ولا تحب تلك المشاعر الفياضة لذا آثر الصمت واحتفظ بما يشعر به داخل قلبه، لاحظت هي الحزن داخل عينيه ولا تعلم ماذا عليها أن تفعل هي تراه يومًا بعد يوم يصبح ذابل كالورود التي بحاجة إلى ماء كى تجعلها تنضر ..
وبعد الانتهاء من الطعام، التفت إليها بلطف
- خليكي انتِ هنا مع (أوهيلا) .. أنا و(آسر) هنشيل الأطباق
نظرت له بثبات، ثم قالت
- لأ، أنا هقوم أساعدك
ابتسم وأراح كفه على يدها بحنان
- لا، انتِ هنا عشان تستجمّي وبس
غادر ومعه (آسر)، وظلت هي بجانب (أوهيلا) ظلت الأخيرة تحدّق فيها، ثم سألتها بنبرة شاردة
- مالك .. حاسة إنك مش مبسوطة؟
ابتسمت (سدرة) ابتسامة واهنة وقالت
- أبدًا .. بس حاسة إن (مالك) بقى مضايق منّي، مبقاش بيحبني زي الأول، زمان كان بيشاركني اهتماماته .. دلوقتي بيسيبني لوحدي أغلب الوقت
تنهدت وواصلت حديثها، بصوتٍ مُنهك
- مش عارفة يا (أوهيلا) .. في حاجة غلط مش عارفة العيب في مين .. بس حاسة إن في فجوة بتكبر بينا .. خايفة يكون بطل يحبني ومبقتش افرق معاه
ضحكت (أوهيلا) فجأة، ونظرت بعيدًا، ثم قالت
- (مالك)؟! (مالك) مش بيحبك؟ انتِ مجنونة؟ .. تعرفي إن في واحدة شغالة معاه في الشغل حاولت تتقربله بطرق كتير؟ وأول ما زهق، طردها من التيم وطلب إنها متشتغلش معاه تاني، عشان رفض تلميحاتها .. هيكون رفض وجودها ليه إلا لو كانت عينه مليانة بيكِ
اتسعت عينا (سدرة)، لا تصدق ما تسمعه، صحيح انها تركت العمل بعد الزواج وأصبحت لا تعلم عن عمله شئ فتابعت (أوهيلا) ضاحكة
- ده أنا بفكر آأجر بنت تعمل كده مع (آسر) وأشوفه مخلص ولا لأ!
عضّت (سدرة) شفتها بغيظ
- إنتِ عرفتي الكلام ده منين؟
- نسيتي إن (آسر) أخوه؟ عارف التيم بتاعه وبيبقى معاه ساعات في شغل كتير
فوضى من الأفكار اجتاحت عقلها، وعيونها تبرق بالدموع، ولا تعلم أحقًا يوجد فتاة حاولت التقرب منه وهو لم يخبرها وماذا كانت تقول له تلك الفتاة لتخبره بحبها له، وهي نفسها زوجته لم تخبره بحبها له، استمع لكلمات يشتاق لسماعها ورفضها لان كلمات الحب ليست صادرة منها، ترقرت الدموع من عينيها وهي لا تعرف هل هي مخطئة هل هو صادق في حبه ولن يخونها هل هي حقًا تملئ عقله وقلبه وروحه رغم تقصيرها في حقه، هل سيظل صامد لنهاية العمر اليس من حقه أن يستمع لكلمات الحب منها وأن تبادله مشاعره، فشعرت (أوهيلا) بغرابة من الحزن البادي على وجهها فقالت
- انتِ زعلتي .. المفروض تبقي مبسوطة، انتِ مالية عينه وقلبه
قالت بصوتٍ مرتجف
- مش زعلانة .. أنا بحبه .. بحبه أوي يا (أوهيلا)
وارتمت داخل أحضانها كمن انهار سدُّه أمام الحقيقة، ربّتت (أوهيلا) على ظهرها بحنان، بعد برهة خرجت (سدرة) من بين ذراعيها تمسح دموعها
- أنا كويسة .. شوية وهبقى تمام
اندهشت (أوهيلا) من تصرفاتها فرغم قربهم سويًا إلا أنها لم تخبرها بالطبع طبيعة علاقتها الجافة بزوجها، تعلم أن الجميع سيلومها، ولكن ألا يكفي الجرح الذي عانت منه قديمًا، تخشى تكرره بأي شكل رغم أنها تعلم جيدًا أن (مالك) لا يشبهه ويستحق الافضل دومًا ..
كان وقت الغروب الذي بدء بنشر اشاعته الخفيفة، و(مالك) يجلس متأملًا البحر، وذاك المنظر البديع، اقتربت منه، جلست بجواره، وأمسكت بكف يده، التفت إليها بدهشة، فلم تكن من عادتها أن تقترب منه دون أن يبدء هو ولكنه لم يرد أن يُخجلها اكتفى بابتسامة هادئة، وعاد بنظره إلى السماء عضّت شفتها بغيظ، ثم قالت
- قالتلك إيه؟
نظر لها بعدم فهم
- مين؟!
- البنت اللي شغالة معاك .. اللي طردتها من التيم بتاعك! عبرت عن حبها ليك إزاي؟
تجمد وجهه، سحب يده فورًا من يدها وهو يقول بتوتر
- أنا .. أنا مليش دعوة .. أنا مش خاين وانتِ عارفة
ابتسمت بسخرية، رغم خفقة قلبها
- عارفة .. بس أنا بسألك .. قالتلك إيه؟
- (سدرة) ده كلام فاضي دي واحدة مش محترمة قربت مني وهي عارفة إني متجوز .. ده يقللها في نظري
قامت بنزع عوينته من أعلى عينيه ونظرت فى عيونه العسلية وهى تسأله
- قالتلك بحبك ازاي؟
ارتبك من نظراتها المحبة له، فلم تنظر له هكذا يومًا فأبتلع ريقه وقال
- مسمعتهاش
- حلوة؟!
- مشوفتهاش
اشاحت بوجهها بعيدا، وصوتها يتهدج
- من قبل ما نتجوز .. وأنا جوا قلبي مشاعر كتير .. كنت بخاف أظهرها تستضعفني زيه .. وتبقى دي الحجة اللي تخليك فاكر اني هغفرلك مهما عملت تقول هي بتحبني هتسامحني على أي حاجة
اضيقت عيناه وقد شعر بالسخط من حديثها مازالت تتذكره حتى بعد مرور كل هذا الوقت ففهمت ما يجول فى خاطره فتابعت
- ظنونك مش في محلها .. أنا مش بفكر فيه أنا بفكر في خوفي، خوفي أنى أقولك بحبك فتستقوى عليا زي ماهو عمل .. أنا عايزة أحس إنك نفسك طول الوقت تسمعها ومش طايلها منى .. آه، أنا أنانية .. بس خوافة
نظر إليها طويلاً، ثم قال بهدوء وهو لا يفهم حديثها المبعثرة ذاك
- (سدرة) .. انتِ مش مضطرة تقولي كلام إنتِ مش حاساه .. كفاية عليا وجودك
رمقته بنظرةٍ طويلة، ثم اقتربت وأرتمت داخل احضانه، تهمس بكلماتٍ خرجت من قلبها
- بحبك يا متخلف .. أوعدني إنك مش هتكسرني وإنك هتحافظ على الكلمة دي .. متندمنيش إني دوست على خوفي عشان اشوف فرحتك
اتسعت عيناه بدهشة، وكأن الزمن توقف، أبعدها عنه لينظر داخل عينيها ليعلم اتكذب أم تقول الحقيقة؟! ليجد وجهها مغطى بالدموع فبدء في مسح دموعها وهو يسألها
- من إمتى؟!
- من قبل ما أتجوزك .. من يوم ما سبت (معتصم) مفيش غيرك جوا قلبي
لم يكن يصدق ما سمعه منها للتو تحبه منذ أمد وصامتة
- سنة ونص .. سنة ونص وانتِ شايفاني بتعذب .. عرفتي تخبي إزاي؟! وانتِ شايفاني دايمًا حاسس اني مش مالي عينك
اشاحت بوجهها بعيدا ثم قالت
- أفعالي كانت بتقول إني بحبك .. إنت بس مخك تخين!
ضحك بخفة، وضم يدها، يقبّلها بحنان
- أوعدك .. أوعدك إني عمري ما هخليكي تندمي وهخليكي تقوليها وانتِ صاحية وانتِ نايمة
ضحكت، وأراحت رأسها على كتفه، بينما الغروب ينثر شعاعه الأخير، فسيكون ذاك اخر غروب يمر عليهم فى دوامة الصمت تلك بعدها ستشرق شمس حبهم للنهاية ..
تمت
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة علا السعدني، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية
