-->

رواية جديدة بيت الضراير لفاطمة الزهراء - الفصل 49 - الإثنين 22/6/2026

الاثنين, يونيو 22, 2026
تتاريخ النشر: 22-6-2026


قراءة رواية بيت الضراير كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى



رواية  بيت الضراير 

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة فاطمة الزهراء 


الفصل التاسع والأربعون

تم النشر الإثنين 

22/6/2026


الفصل السابق


بحلول الظهيرة، هبطت كاميليا من غرفتها بخطوات هادئة، وعلى وجهها آثار السهر وملامح الخجل التي لم تفارقها منذ ليلة الأمس. كان يجلس في الصالة عدنان وسميرة في جلسة هادئة.
ما إن رأتها سميرة، حتى رحبت بها قائلة:
ـ ألف مبروك يا كاميليا.. مبروك يا عروسة تامر، نموسيتك كحلي النهاردة، بس حقك يا بنتي ده يوم كتب كتابك كان طويل وتعبتي فيه.
أما عدنان فقد وضع نظارته جانباً وابتسم لها بحنان قائلًا:
ـ صباح الخير يا بنتي.. مبروك يا كاميليا، ربنا يبارك لكم في بعض ويتمم لكم الزفاف على خير إنتي وتامر، نورتي بيتنا يا حبيبتي.
ردت كاميليا بخجل وهي تجلس بجوارهما:
ـ الله يبارك فيكم يا رب.. تسلموا لي يا عمي، البيت منور بوجودكم دايماً.
وبعد فترة وجيزة، انضم إليهم تامر الذي كان يبدو عليه الانشراح والسرور، فتعالت التبريكات له مرة أخرى من والده ومن سميرة. الحاج عدنان ربت على كتف تامر وقال له:
ـ مبروك يا عريس.. شديت حيلك وبقيت كاتب كتابك على بنت عمك، ربنا يوفقكم في اللي جاي ويجمعكم في بيتكم على خير.
شكرهم تامر بابتسامة وهو يجلس بجانب والده، وعيناه تلمعان بالفخر وهو ينظر لكاميليا، وسط أجواء عائلية دافئة. وفي تلك اللحظة، كانت جيهان قد انتهت من بعض شؤون البيت وانضمت إليهم لتشاركهم هذه اللحظات، بينما كانت نور لا تزال في غرفتها بعد الموقف الذي حدث مع يوسف في الجنينة.
تحولت الجلسة إلى نقاش عائلي دافئ حول المستقبل، حيث بدأ عدنان يفتح موضوع ترتيبات حفل الزفاف المنتظر لـ تامر وكاميليا. كان تامر يشارك بآرائه بحماس، لكنه لم يكتفِ بالكلام، بل كانت عيناه تلاحقان كاميليا في كل حركة وتقول ما لا تستطيع الكلمات وصفه.
كانت كاميليا تجلس بجوار شقيقتها جيهان، تحاول أن تشغل نفسها بالعبث بأطراف شالها، لكنها كانت تشعر بنظرات تامر تخترق خجلها. كلما رفع تامر عينيه نحوها، كانت تخفض رأسها بسرعة، والابتسامة المرتجفة لا تفارق شفتيها، مما جعل وجنتيها تشتعلان حمرةً.
قال الحاج عدنان وهو يتطلع إليهما:
ـ إحنا مش عايزين نتأخر يا تامر.. الشقة جاهزة والحمد لله، وكاميليا بنتنا ومش غريبة عن البيت، يعني يدوب نحدد الميعاد ونرتب لليلة تليق بيكم.
أجاب تامر وهو ينظر لكاميليا بجرأة المحب:
ـ اللي تشوفه يا بابا، أنا عن نفسي مستعد من بكرة.. والعروسة بس تشاور وهي تأمر، إحنا يهمنا راحتها قبل أي شيء.
ضحكت سميرة وقالت بمداعبة:
ـ يا عيني على الدلع.. شوفتي يا كاميليا؟ تامر من أولها مسلمك القيادة. بس فعلاً يا بنتي، لازم نبدأ نفكر في تفاصيل الفرح من دلوقتي علشان نلحق نجهز كل حاجة زي ما ندى وفارس عملوا.
كانت جيهان تتابع الموقف بصمت، وتراقب خجل أختها بسعادة، لكن غصةً صغيرة كانت في قلبها وهي تتذكر كيف كانت تجلس هي ويوسف في بداياتهما، وكيف تبدلت الأحوال الآن.
أجاب تامر وهو ينظر لوالده بثبات وثقة، وعيناه تلمعان بفرحة غامرة:
ـ نلحق يا سميرة، العروسة بتقول إنها جاهزة، وأنا شقتي الحمد لله مش ناقصها مسمار ومستنية عروستها.. مالوش لزمة التأجيل والحج كمان مبارك الخطوة دي ومشجعني.
هز عدنان رأسه بالموافقة بوقار وهو ينظر لابنه تامر ثم لكاميليا، وقال بصوت يملؤه الرضا:
ـ على بركة الله يا ابني.. طالما القلوب صافية وبيتك جاهز يا تامر، يبقى خير البر عاجله. ربنا يتمملك على خير، ونفرح بيك إنت وكاميليا في بيتك زي ما فرحنا بـ ندى في بيتها، والبيت هنا يفضل عامر بوجودكم ولمتكم دايماً.
كانت جيهان تتابع الحوار بابتسامة حانية، وشعرت براحة لأن شقيقتها ستستقر أخيراً في بيتها الخاص مع تامر. أما كاميليا، فكانت في قمة خجلها، خاصة مع تحديد الموعد بهذه السرعة، فظلت مطرقة الرأس والابتسامة لا تفارق وجهها وهي تتخيل انتقالها لبيتها الجديد بعد أسبوعين، بينما كانت نظرات تامر لها تؤكد أنه ينتظر هذه اللحظة بفارغ الصبر.
بدأوا يتحدثون في تفاصيل بسيطة تخص دعوات الفرح وتجهيزات الفندق الذي اختاره تامر، وساد الجلسة جو من الهدوء المريح والترقب الجميل لهذا الحدث القريب.

كان يوسف يجوب الشوارع بسيارته، والهدوء يحيط به من الخارج بينما تضج ذاكرته بكلمات نور. كان يفكر بعمق في شكل حياته المقبلة؛ هل يترك والده ويعود لمنزله الخاص كما طلبت نور؟ أم يظل في بيت العيلة بجوار والده بعد أن استعاد وجود جيهان وبناته بالقرب منه؟
ظل يقلب الأمور في عقله، فالحمل أصبح ثقيلاً والمسؤولية تجاه زوجاته الثلاث تتطلب منه وضع نظام واضح وصريح. وبعد فترة من الصمت والشرود، استقر يوسف على قرار خاص، قرار يراه الأنسب لإدارة حياته في المرحلة القادمة، لكنه أقسم ألا يتخذ خطوة تنفيذية واحدة قبل أن يواجه زوجاته بهذا الأمر ويستشف ردود أفعالهن.
أوقف سيارته جانباً لثوانٍ، وتحدث لنفسه بنبرة حازمة:
ـ أنا لازم أحط النقط فوق الحروف.. مش هينفع الدنيا تفضل عايمة كدة، والقرار ده هو اللي هيعرفني كل واحدة فيهم باقية على إيه بالظبط.
شغل محرك السيارة مرة أخرى واتجه صوب بيت العيلة، وقد عقد العزم على مواجهة جيهان، وسميرة، ونور، ليضع قراره فوق الطاولة ويسمع منهن مباشرة ويرى رد فعل كل واحدة منهن على حدة أو مجتمعات.
❈-❈-❈
في منزل ندى وفارس الجديد، بدأت خيوط الشمس تتسلل عبر الستائر الحريرية لتعلن عن أول صباح لهما معاً. استيقظت ندى وهي تشعر بخفقان شديد في قلبها، فبمجرد أن فتحت عينيها واسترجعت أحداث الليلة الماضية، غطاها خجل شديد جعلها تدفن وجهها في وسادتها لثوانٍ وهي تبتسم برقة.
تحاملت على خجلها ونهضت من فراشها، ثم ارتدت الروب الخاص بها وربطته بحذر، ووقفت أمام المرآة لتعدل من خصلات شعرها المتمردة. خرجت من الغرفة بخطوات وئيدة، وكأنها تكتشف المكان لأول مرة؛ فرغم أنها زارت هذا المنزل من قبل أثناء التجهيزات، إلا أن الشعور اليوم كان مختلفاً تماماً.. اليوم هي ليست ضيفة، بل هي سيدة هذا البيت والمسؤولة عن كل ركن فيه.
بدأت تتجول في الردهات، تلمس الأثاث بأطراف أصابعها وتتأمل تفاصيل الديكور التي اختارتها بعناية، وشعرت بفخر هادئ وهي تدرك أن هذا هو عالمها الصغير الجديد. اتجهت بعد ذلك نحو المطبخ، الذي كان يتلألأ بنظافته وأدواته الحديثة، وقررت أن تبدأ أولى مهامها كزوجة.
وقفت ندى في المطبخ تهمس لنفسها بابتسامة:
ـ يا رب يطلع فطار حلو.. أنا عايزة فارس يصحى يلاقي كل حاجة جاهزة وتفتح النفس.
بدأت في تحضير إفطار خفيف ومنوع، ما بين الأجبان والمربى وبعض الفواكه، ووضعت الغلاية على النار لتحضير الشاي، وهي تنصت بين الحين والآخر لأي صوت قد يصدر من غرفة النوم، مترقبة استيقاظ فارس لتبدأ معاً أول فصول حياتهما المستقلة.
فتح فارس عينيه ببطء، ومد يده تلقائياً إلى الجانب الآخر من الفراش يبحث عن ندى، لكنه وجد مكانها فارغاً وقد ترك أثراً دافئاً لرحيلها منذ قليل. اعتدل في جلسته وهو يفرك عينيه بابتسامة ناعسة، ثم نهض واتجه إلى الخارج باحثاً عنها في أرجاء المنزل الهادئ.
تتبع فارس الأصوات الخفيفة القادمة من جهة المطبخ، حتى لمحها وهي تقف بظهرها، مندمجة في تحضير أطباق الإفطار بحرص وعناية. سار بخطوات هادئة تماماً على أطراف أصابعه حتى لا تشعر به، ثم اقترب منها من الخلف وقبلها بهدوء على كتفها، قائلاً بصوت منخفض يملؤه الحنان:
ـ صباح الخير يا عروسة.. إيه النشاط ده كله من أول يوم؟
ارتبكت ندى قليلاً من مفاجأته والتفتت إليه والخجل يصبغ وجهها باللون الوردي، وقالت بابتسامة رقيقة:
ـ صباح النور يا حبيبي.. قولت أحضر فطار خفيف قبل ما تصحى، يا رب يعجبك.
نظر فارس إلى الأطباق المرتبة ثم إليها، وقال بمداعبة:
ـ تسلم إيدك يا حبيبتي، أي حاجة من إيدك طعمها زي السكر.. بس تعبتي نفسك ليه؟ ده أنا اللي كنت ناوي أدلعك النهاردة.
ابتسمت ندى بخجل وهي تنظر للأرض، ثم جلسا معاً حول طاولة المطبخ الصغيرة يتناولان الإفطار في جو يملؤه الهدوء والرومانسية. كان فارس يراقب حركاتها الرقيقة باهتمام، ثم قطع الصمت قائلاً بنبرة هادئة:
ـ بقولك إيه يا ندى.. إحنا إن شاء الله هنطلع نقضي الإجازة بتاعتنا ونستمتع بالوقت ده بعيد عن أي دوشة، وأنا رتبت كل حاجة بحيث إننا نرجع قبل فرح تامر وكاميليا بثلاث أيام بالظبط.. علشان نكون موجودين معاهم ونلحق نجهز نفسنا للفرح.
نظرت إليه ندى بعينين لامعتين وقالت بابتسامة:
ـ بجد يا فارس؟ يعني هنلحق نرجع ونكون معاهم في أهم يوم؟ تامر وكاميليا هيزعلوا مني أوي لو مكنتش موجودة من بدري.
طمأنها فارس وهو يمسك يدها برفق:
ـ طبعاً يا حبيبتي، مستحيل نفوت يوم زي ده، وعشر أيام كفاية جداً نكون ريحنا ورجعنا بكل نشاط عشان نقف جنبهم.. ها، إيه رأيك؟
تهلل وجه ندى بالفرحة ووافقت بحماس، وبدأ فارس يشرح لها تفاصيل المكان الذي اختاره لقضاء عطلتهما، وسط أجواء من السعادة التي غمرت منزلهما الجديد، بعيداً عن حسابات بيت العائلة وصراعات يوسف التي لم تكن ندى تعلم عنها شيئاً في تلك اللحظة.
أنا بعتذر جداً، فعلاً التسرع خلاني أسبق الأحداث قبل ما يتحركوا. هعدل المشهد وأركز إنهم لسه في البيت بعد الفطار، وندى بتكلم جيهان قبل ما يتحركوا لأي مكان.
بعد أن انتهيا من تناول الإفطار، بدأت ندى في ترتيب حقيبة السفر بهمة ونشاط، وكانت تضع الملابس وهي تشعر بسعادة غامرة لبداية حياتها الجديدة مع فارس. وبعد أن انتهت من إغلاق الحقيبة، جلست على طرف الفراش وأمسكت بهاتفها، وقررت أن تتصل بـ جيهان لتطمئن عليها قبل أن ينشغلوا بالتحضيرات النهائية للانطلاق.
رن الهاتف، وقالت ندى لفارس الذي كان يقف بجانبها:
ـ لازم أكلم جيهان أطمنها علينا.. أكيد البيت هناك وحشني رغم إني لسه سايباه من ساعات.
ردت جيهان على المكالمة، فبادرتها ندى بضحكة رقيقة:
ـ صباح الخير يا جيهان.. إيه يا حبيبتي، البيت هدي بعدنا ولا إيه؟ أنا قولت أكلمك أطمنك إننا فطرنا وخلاص بنقفل الشنط علشان نطلع نقضي كام يوم بره زي ما فارس قالي.
اجابت جيهان على الهاتف بصوت يحاول أن يكون هادئاً، وما إن سمعت حماس ندى حتى ابتسمت وقالت:
ـ صباح النور يا عروسة.. ألف مبروك يا حبيبتي، البيت من غيرك مالوش طعم بس الحقيقة فيه أخبار جديدة حصلت الصبح هتفرحك أوي.
سردت جيهان لندى بهدوء ما دار في الجلسة، وكيف أن تامر وكاميليا قررا أن يكون زفافهما بعد أسبوعين وفي نفس الفندق، لترد ندى بفرحة عارمة:
ـ يا خبر أبيض! أسبوعين بس؟ يا حبيبي يا تامر، فرحتيني أوي يا جيهان، والله كنت شايلة هم كاميليا بس كدة أحسن بكتير.
ثم طلبت ندى من جيهان أن تعطي الهاتف لوالدها الحاج عدنان لتسمع صوته، وبالفعل أخذ الحاج عدنان الهاتف والابتسامة ترتسم على وجهه بمجرد سماع صوت ابنته، فقال بوقار وحنان:
ـ صباح الرضا يا بنتي.. طمنيني عنك، يا رب تكوني بخير وفي أحسن حال في بيتك الجديد.
ردت ندى بامتنان:
ـ الحمد لله يا بابا، أنا وفارس بخير ومبسوطين جداً، وكنت بكلم جيهان علشان أقولكم إننا طالعين نقضي كام يوم عطلة زي ما فارس رتب.
أجابها عدنان بنبرة أبوية حازمة ورقيقة في آن واحد:
ـ تروحوا وترجعوا بالسلامة يا حبيبتي.. بس يا ندى، عايزك تحافظي على بيتك وعلى جوزك، وتخلي بالك من كل تفصيلة في حياتك الجديدة، البيت ده أمانة في رقبتك يا بنتي.
أنهى عدنان نصائحه لـ ندى بكلمات أبوية مؤثرة، وودعته هي بحب ثم أغلقت الهاتف وهي تشعر براحة كبيرة. التفتت فوراً إلى فارس وقالت له بفرحة لم تستطع إخفاءها:
ـ فارس، مش هتصدق! جيهان لسه قايلة لي إن تامر وكاميليا حددوا الفرح خلاص، وهيكون بعد أسبوعين وفي نفس الفندق اللي كنا فيه.. أنا بجد فرحانة ليهم أوي.
ابتسم فارس وهو يضع آخر الحقائب في السيارة وقال:
ـ ألف مبروك ليهم، تامر طلع مش سهل وقرر ينجز.. كدة يا حبيبتي هنروح ونتبسط ونرجع قبل الفرح نكون معاهم في كل ترتيباتهم.
انطلقت ندى مع فارس بسيارتهما، وقد اختار فارس أن يقضيا عطلتهما في مدينة الجونة بالبحر الأحمر، لجمالها وهدوئها الذي يناسب أيامهما الأولى. كانت ندى تراقب الطريق بحماس وهي تتخيل الأيام التي ستقضيها هناك، بينما كان فارس يركز في القيادة وهو يخطط لجعل هذه الرحلة لا تُنسى.
غادرا القاهرة والابتسامة تملأ وجهيهما، تاركين خلفهما بيت العائلة الذي كان يغلي في تلك اللحظة بالترقب، حيث وصل يوسف إلى المنزل بملامحه الجادة، مستعداً لطرح قراره الذي سيواجه به زوجاته الثلاث.
❈-❈-❈
وصل يوسف إلى منزل والده، ودلف من الباب بملامح جامدة وصارمة، لم يلقِ التحية المعتادة بمرحه المعهود، بل اكتفى بنظرة سريعة للحاضرين. اتجه مباشرة نحو زوجاته وقال بنبرة حازمة:
ـ جيهان.. سميرة.. اسبقوني في أوضة المكتب، عايزكم في موضوع مهم دلوقتي.
تبادلت جيهان وسميرة نظرات القلق، وتحركتا خلفه بصمت غريب. في تلك الأثناء، أخرج يوسف هاتفه وأرسل رسالة قصيرة لـ نور التي كانت في طابقها العلوي، وما هي إلا لحظات حتى هبطت الدرج بملامح يملؤها الترقب، ودلفت هي الأخرى إلى غرفة المكتب.
في الصالة، ساد صمت مطبق. كان عدنان يراقب الموقف بعينين صقريتين، وقد بدت عليه علامات التعجب من هيئة ابنه، بينما تبادل تامر وكاميليا نظرات الحيرة، فشعور القلق تسلل إلى قلوب الجميع، وكأن الهواء في المنزل أصبح ثقيلاً فجأة.
دخل يوسف الغرفة، ووجد زوجاته الثلاث يجلسن في انتظار ما سيقول، فالتفت بهدوء وأغلق الباب خلفه، وساد صمت للحظات قبل أن يواجههن بقراره الذي سيغير شكل حياتهم تماماً.
جلس يوسف على مقعده خلف المكتب، ووزع نظراته بين زوجاته الثلاث، مراقباً بدقة ملامح كل واحدة منهن وكأنه يقرأ ما يدور في صدورهن قبل أن ينطق. ساد الصمت للحظات ثقيلة، ثم تنفس بعمق وقال بنبرة هادئة ولكنها قاطعة:
ـ أنا قررت إني هستقر هنا في البيت مع أبويا.. تامر خلاص هيتجوز وينقل لبيته، وأنا مش هقدر أسيب بابا لوحده في السن ده، مكاني لازم يكون جنبه.
استقبلت جيهان الكلمات بهدوء تام، ولم يظهر على وجهها سوى السكينة وكأنها كانت تتوقع منه هذا الوفاء لوالده، أما سميرة فقد كانت ملامحها طبيعية للغاية، وكأن الأمر لا يشكل عائقاً أمامها ما دامت الأمور تسير في إطار العائلة.
لكن عين يوسف استقرت على نور، التي تبدلت ملامحها فوراً؛ حيث اشتعلت عيناها بالغضب وظهر الضيق جلياً على وجهها، وكأن قراره هذا قد هدم كل الوعود التي كانت تنتظر تنفيذها بالاستقلال في منزلهما الخاص.
لم يتحدث يوسف، بل ظل يراقب ثورتها الصامتة، منتظراً من منهن ستبدأ بالتعليق على هذا القرار الذي سيجعل جدران بيت العيلة تجمع الضرات الثلاث تحت سقف واحد وبشكل دائم.
أنهى يوسف حديثه وهو ينظر إليهن بجدية بالغة، ثم قال بلهجة لا تقبل الجدل:
ـ أنا هديكم فرصة تفكروا في الموضوع ده براحتكم، ومعايا لحد يوم فرح تامر.. وقتها هسمع قرار كل واحدة فيكم ونشوف هنرتب دنيتنا إزاي.
قام يوسف من مكانه ليهمّ بمغادرة المكتب، لكن استوقفه صوت جيهان التي تحدثت بجدية شديدة وثبات أدهشه:
ـ يا يوسف.. سواء علاقتنا رجعت زي زمان أو فضلت زي ما هي، أنا قراري مش محتاج تفكير.. أنا هفضل هنا مع عمي، مكاني هنا مع عمي ومش هسيبه مهما حصل.
توقف يوسف ونظر إليها بتعجب، فقد كان يتوقع منها بعض التردد، لكن حسمها للأمر بهذا الشكل جعله يعيد حساباته. وفي تلك اللحظة، تدخلت سميرة التي قالت بهدوء وسكينة:
ـ وأنا كمان موافقة يا يوسف.. أنا المكان ميهمنيش في حاجة، المهم عندي استقرار بيتي وإننا نفضل متجمعين، وطالما راحتك في بيت العيلة يبقى أنا معاك.
كان يوسف يستمع لهما وعيناه تتجهان ببطء نحو نور، التي كانت لا تزال الصدمة والغضب يسيطران على ملامحها وسط هذا التأييد الجماعي من ضراتها، وهو ما جعل الجو في المكتب يزداد توتراً بانتظار رد فعلها هي تحديداً.
في تلك اللحظة، حسمت نور أمرها تماماً؛ فقد رأت في هدوء جيهان وسميرة فخاً يُنصب لها لتكون مجرد تابع في هذا البيت الكبير. وقفت بصلابة، ونظرت إلى يوسف بعينين يملؤهما التحدي، وقالت بنبرة هادئة لكنها مشحونة بالغضب:
ـ وأنا كمان قراري مش محتاج تفكير يا يوسف.. أنا مش هقدر أعيش هنا، والبيت اللي اتجوزنا فيه أنا هرجعله النهاردة قبل بكرة.. مكاني هناك مش هنا.
لم تنتظر نور منه رداً، بل استدارت وغادرت غرفة المكتب بخطوات سريعة وعنيفة، متجهة نحو الطابق العلوي وهي تشعر أن كرامتها على المحك، وأن بقاءها في بيت العائلة وسط هدوء ضراتها ما هو إلا ذل وإهانة لن تقبلهما بعد الآن. بدأت في جمع حقيبتها بعصبية، وهي عازمة على الرحيل ووضع يوسف أمام خيار صعب.
في الأسفل، ساد صمت ثقيل في غرفة المكتب. نظر يوسف إلى الباب الذي أُغلق خلف نور بقوة، ثم التفت إلى جيهان وسميرة وعلامات الضيق بدأت تظهر على وجهه من رد فعل نور المفاجئ الذي وضع النظام الذي كان يحلم به في مهب الريح.
خرج يوسف من المكتب ليلتقي بنظرات والده الحاج عدنان وتامر، الذين كانوا يترقبون خروج زوجاته، ليروا نور تهبط الدرج بعد قليل وهي تجر حقيبتها، مما جعل الجميع يدرك أن المواجهة لم تنتهِ بسلام كما كان يرجو يوسف.


يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة فاطمةالزهراء، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة‏