-->

رواية جديدة بيت الضراير لفاطمة الزهراء - الفصل 50 - الأربعاء 24/6/2026

الأربعاء, يونيو 24, 2026
تتاريخ النشر: 24-6-2026


قراءة رواية بيت الضراير كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى



رواية  بيت الضراير 

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة فاطمة الزهراء 


الفصل الخمسون

تم النشر الأربعاء 

24/6/2026


الفصل السابق

 

خرجت نور من المنزل بحقيبتها وهي لا ترى أمامها من شدة الغضب، بينما وقف الجميع في الصالة في حالة ذهول تام. كانت جيهان وسميرة يتبادلان نظرات الصدمة، فلم يتخيلا أن يصل التحدي بنور إلى حد تنفيذ تهديدها ومغادرة بيت العيلة في هذه اللحظة الحرجة.
ارتسمت علامات الاستفهام والقلق على وجه الحاج عدنان، الذي وقف مستنداً على عصاه وسأل بنبرة قوية ملؤها الريبة:
ـ في إيه يا يوسف؟ إيه اللي بيحصل في بيتي ده؟ ومراتك واخدة شنطتها وماشية ليه في وقت زي ده؟
ساد صمت ثقيل، فلم يجرؤ أحد على الرد، فالموقف كان أكبر من أي تبرير سريع. نظر يوسف إلى والده بعينين يملؤهما الضيق والارتباك، لكنه لم يجد بداً من احتواء الموقف قبل أن يتفاقم أكثر أمام الجميع. تقدم يوسف بسرعة وأمسك بالحقيبة من يد نور التي كانت قد وصلت بالفعل لباب المنزل، وقال لوالده بنبرة حاول جعلها هادئة:
ـ مفيش حاجة يا بابا، سوء تفاهم بسيط وهوضحهولك كله لما أرجع.. أنا هوصل نور بس البيت وهجيلك حالاً نقعد ونتكلم.
خرج يوسف خلف نور بخطوات سريعة، ووضع الحقيبة في صندوق السيارة، بينما كانت هي تجلس في المقعد المجاور له بوجه جامد لا ينطق بكلمة. انطلق يوسف بالسيارة وهو يشعر ببركان من المشاعر المتضاربة؛ فمن جهة هو غاضب من تصرفها الذي أحرج والده وأفسد هدوء البيت، ومن جهة أخرى يدرك أن قراره بالاستقرار الدائم في بيت العيلة قد وضع المسمار الأخير في نعش علاقته بنور إذا لم تتراجع عن موقفها.
ساد صمت خانق داخل السيارة طوال الطريق، صمت لم يقطعه سوى زفير يوسف الضائق من حين لآخر، بينما كانت نور تنظر من النافذة بشرود وغضب مكتوم. بمجرد وصولهما، ترجلا من السيارة ودخلا المنزل؛ كانت خطوات نور بطيئة ومثقلة بالتوتر، وكأنها تدرك أن عودتها هذه المرة تختلف عن أي مرة سابقة.
نادى يوسف على الخادمة بنبرة آمرة:
ـ خدي الشنطة دي اطلعي بيها على أوضة نور.
امتثلت الخادمة للأمر وصعدت سريعاً، بينما ظل يوسف واقفاً في منتصف الردهة، يوزع نظراته الباردة في أرجاء المنزل الذي شهد بدايات زواجهما. نظر إلى نور بجمود، ولم ينطق بكلمة عتاب أو استفسار، بل استدار ببرود وكأنه أدى مهمة ثقيلة ويريد الخلاص منها، وهمّ بالرحيل متجهاً نحو الباب.
فجأة، تحركت نور بسرعة لم يتوقعها، ووقفت أمامه تسد طريقه بجسدها، وعيناها تلمعان بدموع الغضب والقهر، وقالت بصوت متهدج:
ـ إنت رايح فين يا يوسف؟ بالبساطة دي؟ هتوصلني وترجع ليهم تاني وكأن مفيش حاجة حصلت؟ إنت فاكر إنك لما تسيبني هنا لوحدي وترجع تعيش هناك إنك كدة حليت المشكلة؟
توقف يوسف، ونظر إلى عينيها مباشرة ببرود أشد من ذي قبل، وقال بهدوء مستفز:
ـ أنا عملت اللي إنتي عايزاه يا نور.. مش إنتي اللي اختارتي ترجعي بيتك؟ أديكي في بيتك أهو.. وسعي بقى علشان ورايا كلام مهم مع أبويا ولازم ألحقه.
نظرت إليه نور بعينين يملؤهما الرجاء، وتخلت عن جبروتها للحظة وهي تمسك بيده قائلة بصوت خفيض:
ـ علشان خاطري يا يوسف متسبنيش وتمشي.. أنا هنا لوحدي، وبخاف يحصل ليا حاجة أنا والجنين في أي وقت وملاقيش حد جنبي.. إنت عارف إن الحمل تقل عليا وأنا في الشهور دي ومحتاجة وجودك جنبي.
ثبّت يوسف نظراته عليها طويلاً، ولم تفتْه نبرة الاستعطاف التي غلفت كلماتها؛ فقد شعر في أعماقه أنها تحاول استغلال تعبها في منتصف شهور حملها كـ ورقة ضغط لتجبره على البقاء والعدول عن قراره بالاستقرار في بيت والده. تنهد بضيق، وسحب يده برفق ولكن بحزم، قائلاً:
ـ البيت فيه الشغالين، ولو تعبتي في أي وقت كلميني فوراً وهكون عندك.. أنا لازم أمشي دلوقتي علشان ألحق أطمن أبويا اللي سيبته على آخره بسبب اللي عملتيه، وهرجع لك بعدين لما الدنيا تهدى.
تركها يوسف وغادر المنزل دون أن يلتفت خلفه، مغلقاً الباب بهدوء زاد من اشتعال أعصابها. وقفت نور في مكانها تشعر بـ غيظ شديد يكاد يحرقها، فقد فشلت محاولتها في كسر بروده رغم حالتها الصحية. صعدت إلى غرفتها بخطوات مثقلة، وجلست تفكر بعقل لا يهدأ.. لم تعد المسألة بالنسبة لها مجرد سكن، بل أصبحت معركة لإثبات الوجود، وبدأت في حياكة خطة جديدة لتقترب من يوسف مجدداً وتستعيد مكانتها قبل أن يبتلعه بيت العيلة تماماً.
❈-❈-❈
ساد صمت مريب في صالة منزل عدنان بعد خروج يوسف ونور، وكان الهواء ثقيلاً بالأسئلة التي لم تجد إجابة. وقف عدنان في منتصف الصالة، يستند بيده على عصاه والأخرى يقبض بها على ياقة جلبابه بضيق، ثم وجه نظره الحاد صوب جيهان وسميرة وسأل بصوت جهوري هز أرجاء المكان:
ـ ممكن حد يفهمني إيه اللي حصل في المكتب؟ نور مشيت بالشنطة ليه في الوقت ده؟ ويوسف ماله كان طالع وشه ميتفسرش ليه؟
ارتبكت سميرة بشدة ونظرت لـ جيهان نظرة استغاثة، وكأنها تطلب منها تولي زمام الأمور فهي الأقدر على الحديث مع حماها. ابتلعت جيهان ريقها، وحاولت جاهدة أن تداري توترها وتخفي حقيقة الاستقرار الدائم الذي عرضه يوسف، وقالت بصوت مهتز قليلاً:
ـ يا عمي.. محصلش حاجة كبيرة، ده مجرد سوء تفاهم بسيط بينها وبين يوسف.. إنت عارف نور بتتحسس من أي كلمة اليومين دول علشان الحمل، وهي حبت تروح ترتاح في بيتها شوية، ويوسف راح يوصلها ويطيب خاطرها وجاي على طول.
لم تكن نبرة جيهان مقنعة بما يكفي للحاج عدنان، الذي جلس على مقعده ببطء وهو يزفر بضيق، بينما ظل تامر وكاميليا يراقبان الموقف بتفحص شديد؛ تامر يدرك جيداً أن شقيقه يوسف لا يترك منزله ويغادر بهذا الشكل إلا إذا كان الأمر جللاً، وكاميليا تشعر بقلبها أن هناك عاصفة توشك أن تهب على هذا البيت.
ساد الصمت مرة أخرى، وجلس الجميع ينتظرون صرير مفتاح يوسف في الباب، ليعود ويواجه والده الذي لن يقبل بأقل من الحقيقة كاملة هذه المرة.
دخل يوسف المنزل بخطوات واثقة ولكنها مثقلة بالهموم، وجد الجميع في انتظاره والعيون تلاحقه. التفت إلى الخادمة وقال بصوت هادئ ومختصر:
ـ خدي الأولاد واطلعي بيهم فوق دلوقتي.
بمجرد أن خلت الصالة من الصغار، جلس يوسف أمام والده الذي كان يراقبه بنظرات حادة لا ترحم. لم ينتظر الحاج كثيراً، بل بادر بسؤاله الذي كان يغلي في صدره:
ـ نور مشيت ليه يا يوسف؟ إيه اللي حصل يخليها تخرج من بيتي بالشنطة ومن غير ما تسلم على حد؟
رد يوسف بهدوء يحاول فيه امتصاص غضب والده:
ـ يا بابا نور حاسة إنها مش مرتاحة هنا الفترة دي، وقررت إنها ترجع بيتها القديم.. وده فعلاً الأفضل ليها وللجميع عشان المشاكل متبدأش تزيد.
لم يقتنع عدنان بهذا الرد الواهي، بل ضرب عصاه في الأرض بقوة أحدثت صوتاً رنّ في أرجاء الصالة، وقال بغضب:
ـ متقولش كلام ميتصدقش! الأمور كانت هادية وماشية زي الفل، ومحصلش الخلاف ده ولا سمعنا حسكم إلا بعد ما دخلت معاهم المكتب.. كنت بتقولهم إيه يا يوسف؟
شعر يوسف أن الحديث أمام تامر وكاميليا وبقية الحضور سيزيد الأمر تعقيداً، فنظر لوالده بجدية وقال:
ـ بابا بعد إذنك، محتاج أتكلم معاك لوحدنا في أوضة المكتب.. اتفضل معايا.
قام يوسف واتجه نحو المكتب، تاركاً خلفه جيهان وسميرة في حالة من القلق، بينما وقف تامر يتابع المشهد بتركيز، مدركاً أن سر الاجتماع المغلق بدأ يتكشف أمام والده.
دخل عدنان إلى غرفة المكتب بخطوات ثقيلة يملؤها الوقار، وخلفه يوسف الذي أغلق الباب بهدوء لضمان الخصوصية. جلس عدنان على مقعده الوثير، وسند يديه على عصاه ونظر لابنه بحدة قائلاً:
ًـ اتكلم يا يوسف.. قولي إيه الحكاية بالظبط؟ والكلمتين اللي قولتهم بره دول ميمشوش عليا.
تنهد يوسف وبدأ يشرح لوالده وجهة نظره بصدق:
ـ يا بابا الحكاية إني مش هقدر أسيبك لوحدك في البيت الكبير ده بعد ما تامر يتجوز ويستقل بحياته.. أنا قررت إني هستقر معاك هنا على طول، مكاني لازم يكون جنبك علشان أطمن عليك وأقوم بطلباتك، ده حقك عليا.
صمت الحاج عدنان للحظات، وربط بذكائه بين هذا القرار وبين خروج نور المفاجئ بالحقائب، فسأل يوسف بنبرة مباشرة:
ـ وعلشان كدة نور مشيت؟ هي معترضة إنك تعيش معايا هنا؟
شعر يوسف بالحرج والتردد، ولم يرد أن يزيد من غضب والده تجاه نور أو يظهرها بصورة الزوجة المقصرة، فأجاب بمحاولة لتلطيف الأجواء:
ـ هي.. هي بس اتفاجئت بالقرار يا بابا، وقالت تروح تقعد في بيتها كذا يوم تهدي أعصابها وتفكر، وقالت إنها هترجع تاني لاحقاً.. الموضوع بسيط بس محتاج شوية وقت.
نظر إليه عدنان بنظرة خبيرة وكأنه قرأ ما وراء التردد في صوت ابنه، وعلم أن العودة لاحقاً قد تكون أبعد مما يظن يوسف، خاصة مع شخصية نور التي لا تقبل بالأمر الواقع بسهولة.
خرج عدنان من المكتب والجميع في انتظاره بالصالة، وقف بوقاره المعهود ونظر إليهم جميعاً، ثم قال بصوت قوي وحاسم:
ـ اسمعوا يا ولاد.. يوسف هياخد سميرة ويرجعوا بيتهم النهاردة، وجيهان هتفضل هنا معانا الفترة دي.. هي مش هتمشي وتسيب أختها كاميليا في الأيام دي وهي محتاجة لها جنبها علشان بتجهز لفرحها.
وقع الكلام على يوسف كالصاعقة، وحاول الاعتراض قائلاً: 
ـ بس يا بابا، أنا كنت ناوي إني...
لكن نظرة والده كانت قاطعة ولم تترك له مجالاً للكلام. لم يستطع يوسف تحمل الضغط أكثر، فاستدار وخرج من المنزل فوراً وهو في قمة غضبه.
تحرك تامر بسرعة ولحق بشقيقه يوسف للخارج ليفهم منه ماذا سيفعل، بينما ساد الصمت في الصالة. وقفت سميرة في مكانها وهي في حالة تخبط وتردد شديد، لا تعرف ماذا تفعل، فنظرت لـ جيهان وقالت بحيرة:
ـ أنا مش عارفة أعمل إيه دلوقتي.. أطلع ألم شنطنا وأجهز الهدوم علشان نرجع زي ما عمي قال، ولا أستنى لما أشوف يوسف وتامر هيعملوا إيه بره؟ يوسف شكله كان متضايق جداً وهو خارج.
ظلت سميرة واقفة مكانها، عيناها تراقب باب المنزل بانتظار عودة يوسف أو تامر، بينما كان الحاج عدنان يراقب الموقف بصمت، مؤكداً بجلسته أن قراره الذي نطق به هو ما سيُنفذ.
في الحديقة، كان يوسف يذرع المكان ذهاباً وإياباً، وصدره يعلو ويهبط من فرط الغضب. كان يشعر بضغط هائل؛ فمن جهة نور التي وضعت كرامته على المحك أمام أهله، ومن جهة أخرى والده الذي أصدر أمراً نسـ.ـف كل ترتيباته.
اقترب منه تامر بخطوات هادئة وحذرة، ووضع يده على كتفه وسأله بصوت منخفض:
ـ ايه يا يوسف؟ إيه اللي وصل الأمور لكدة؟ وايه الكلام اللي قولته لبابا جوه؟
تحدث يوسف بإيجاز والضيق يملأ نبرة صوته، حكى له عن رغبته في الاستقرار في بيت العيلة ليكون بجوار والده، وكيف ردت نور على هذا القرار بالمغادرة فوراً. حينها، شعر تامر بغضب مكتوم تجاه تصرف نور، لكنه في الوقت ذاته شعر بوخزة ضمير وضيق من نفسه؛ فقد غرق في ترتيبات زواجه وتجهيز منزله المستقبلي مع كاميليا، ولم يفكر للحظة في حال والده الذي سيظل وحيداً في هذا المنزل الكبير بعد زفافه.
هتف يوسف بتردد وهو ينظر نحو نوافذ المنزل:
ـ أنا كنت فاكر إني كدة بريحه.. بابا هيرفض تماماً إنه يجي يعيش معايا في بيتي، وإنت عارفه، وفي نفس الوقت صعب جداً يفضل هنا لوحده بعد ما إنت تتجوز وتخرج من البيت.
صمت تامر ولم يجد رداً؛ فهو يعلم يقيناً أن والده رجل متمسك بجذوره ويرفض تماماً فكرة الانتقال من منزله الذي قضى فيه عمره، كما يعلم أنه لو عرض على والده أن يستقر هو وكاميليا معه في بيت العيلة بدلاً من شقتهم الجديدة، سيرفض الحاج أيضاً لكي لا يقيد حرية ابنه في بداية حياته.
❈-❈-❈
في الداخل، كان الهدوء الحذر يسيطر على كل ركن في بيت العيلة بينما بقيت سميرة في مكانها بالصالة تترقب الباب. أما جيهان، فقررت أن تقطع هذا الصمت وتحاول امتصاص غضب الحاج عدنان، فصعدت للأعلى بخطوات هادئة وقلب يدق توتراً.
وقفت أمام غرفة مكتبه بالأعلى وطرقت الباب برفق. جاءها صوته من الداخل قوياً وحازماً:
ـ مش عايز أتكلم مع حد.. سيبوني لوحدي دلوقتي.
ردت جيهان بصوت منخفض ومحترم:
ـ أنا جيهان يا عمي.. كنت عايزة أطمن على حضرتك.
ساد صمت لثوانٍ قبل أن يأذن لها بالدخول: 
ـ ادخلي يا جيهان.
فتحت الباب ببطء ووجدته جالساً خلف مكتبه، ملامحه جامدة وعيناه تحملان عتاباً خفياً للأيام. نظرت إليه بتوتر وهي تقترب، فأشار لها بيده نحو المقعد الذي أمام مكتبه وقال باختصار:
ـ اقعدي يا جيهان.
جلست جيهان وهي تشعر بثقل الموقف، ف عدنان ليس بالشخص الذي يسهل خداعه أو ترضيته بكلمات بسيطة، خاصة بعدما رأى بأم عينه كيف تشتت شمل عائلة ابنه في لحظات.
تنحنحت جيهان وحاولت تجميع شتات كلماتها، ثم نظرت ل عدنان وقالت بنبرة صادقة يملؤها الانكسار:
ـ يا عمي.. أنا كان في نيتي أتكلم مع يوسف إننا نستقر هنا معاك بعد ما تامر يتجوز، بس إنت عارف إن علاقتي بيه الفترة دي متوترة جداً وفي مشاكل بينا، وكنت خايفة أفتح معاه الموضوع ده دلوقتي يفهمني غلط أو يرفض لمجرد إن الكلام جاي مني.
نظر إليها الحاج عدنان بهدوء شديد، نظرة تحمل الكثير من الحنان والتقدير؛ فطالما اعتبر جيهان ابنة له من صلبه وليست مجرد زوجة ابنه، وكان يرى فيها دائماً العقل والرزانة التي تفتقدها الأخريات.
تابعت جيهان وتوسلت إليه بعينين لمعت فيهما الدموع:
ـ أنا بطلب منك يا عمي توافق إني أفضل هنا معاك حتى بعد زواج تامر.. أنا مبقتش قادرة أرجع البيت التاني ده، البيت اللي شهد على عذابي وألمي سنين طويلة.. مبقتش أطيق أدخله تاني يا عمي، أرجوك اقبل طلبي وخليني جنبك، أنا هنا برتاح وبحس إني وسط أهلي فعلاً.
أطبق الحاج عدنان جفنيه للحظة، وكأن كلمات جيهان لمست وتراً حساساً بداخله، وساد صمت ثقيل في الغرفة بينما كانت هي تنتظر منه أي إشارة بالقبول، وهي تعلم أن موافقته هي طوق النجاة الوحيد لها من العودة لذلك المنزل.
ابتسم عدنان بوقار وهدوء، فقد كان يعلم يقيناً أن جيهان صادقة في كل كلمة نطقت بها؛ فهي طوال سنوات وجودها في كنفه لم تعتد الكذب أبداً، وحتى المرات القليلة التي حادت فيها عن الحقيقة سابقاً، كان يعلم أن وراءها دافعاً نبيلاً يخص مصلحة العائلة.
نظر إليها بجدية ممتزجة بالحنان وقال:
ـ يا جيهان.. وجود سميرة ونور سوا في بيت واحد من غير كبير يلمهم هيعمل قلق ومشاكل للكل، ويوسف طبيعته هيبعد عنهم وعن البيت كله بسبب اندفاعهم وتصرفاتهم اللي مبيفكروش فيها.. لكن وجودك إنتي وسطهم هو اللي هيهدي الدنيا. بعقلك وحكمتك يا بنتي هتقدري تخففي عنه الضغط اللي هو فيه، وتلمي الشمل اللي بيتبدد ده.
نزلت كلمات الحاج عدنان على قلب جيهان كالثلج، لكنها كانت تحمل في طياتها مسؤولية كبيرة، وكأن الحاج يضع في يدها مفاتيح استقرار بيت ابنه، وفي نفس الوقت يلمح لها بأن دورها لم ينتهِ بعد في ذلك المنزل الذي تمنت الهروب منه.
هتفت جيهان بجدية شديدة، وكانت نبرة صوتها تحمل إصراراً غريباً وكأنها تحاول بكل قوتها عدول عدنان عن قراره، وقالت:
ـ يا عمي صدقني أنا مش هقدر.. في الأول كنت أنا وسميرة بس والدنيا كانت ماشية، لكن وجود نور غير كل حاجة في البيت، حتى هدوءه اتمحى. كل اللي بتمناه إني أعيش في هدوء من غير ضغط أو خلاف، وحضرتك شوفت بعينك استقبال نور ليا كان إزاي أول ما دخلت.. وسميرة لو ساكتة ومستحملة دلوقتي فده احتراماً لحضرتك وبس.
توقفت قليلاً لتلتقط أنفاسها ثم تابعت بترجٍ:
ـ أرجوك فكر مرة تانية.. وبالنسبة لنور، يوسف يروح ليها هناك في بيتها براحته، لكن لو حصل توتر جديد بيني وبين يوسف بسبب القعدة سوا، هتبقى دي النهاية لينا إحنا الاتنين.
تنهد عدنان بهدوء، وأخذ يفكر في حديثها الذي يلمس المنطق، فاستغلت جيهان صمته وأكملت بذكاء شديد وهي تحاول سحب البساط من تحت قراره بعودة سميرة مع يوسف:
ـ وكمان يا عمي.. أنا محتاجة وجود سميرة معايا جداً الفترة اللي جاية دي، علشان تساعدني في تجهيزات زفاف كاميليا وتامر، مش هقدر أشيل كل ده لوحدي وأنا في الحالة دي.
ابتسم الحاج عدنان لها بهدوء وهو يهز رأسه، فقد أدرك بذكائه أنها تحاصره بحجج قوية؛ فهي لا تطلب الأمان لنفسها فقط، بل تطلب رفقة سميرة لتضمن عدم عودتها هي الأخرى للبيت الذي تتواجد فيه نور وتريد منه بذكاء شديد أن يتراجع عن الكلمة التي ألقاها أمام يوسف منذ قليل.
ظل عدنان صامتاً لعدة دقائق، وجيهان تراقب ملامحه بلهفة وقلق منتظرة حكمه النهائي، حتى قطع الصمت وسألها بهدوء:
ـ يوسف فين دلوقتي يا جيهان؟
ردت عليه بنبرة منخفضة:
ـ خرج الجنينة هو وتامر يا عمي.
تحرك الحاج عدنان ونزل مع جيهان إلى الطابق السفلي، كانت سميرة لا تزال واقفة في الصالة، والارتجاف يملأ قلبها خوفاً من أن يوبخها لأنها لم تتحرك لتنفيذ أمره الأول وتلم الحقائب. في تلك اللحظة، دخل يوسف وتامر من باب الحديقة، وعيون يوسف معلقة بوجه والده يحاول قراءة رد فعله.
حاول يوسف أن يتكلم: 
ـ يا بابا أنا كنت عايز...
لكن والده قاطعه بإشارة من يده، وهتف بصوت هادئ وموزون غير به الدفة تماماً:
ـ أنا تراجعت عن كلامي يا يوسف.. إنت وسميرة وجيهان هتفضلوا هنا معايا لحد ما نخلص فرح أخوك وكاميليا على خير، وبعد الفرح يبقى لينا كلام تاني ونشوف هنعمل إيه.
نظر يوسف لوالده بذهول ممزوج بالراحة، والتفتت سميرة نحو جيهان بغير تصديق، فقد كانت جيهان تقف خلف الحاج عدنان بهدوء، وأدرك يوسف بذكائه أن حديث جيهان مع والده في الأعلى هو الذي غير رأيه وجعله يوافق على بقائهم جميعاً تحت نظره حتى يمر الزفاف بسلام.


يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة فاطمةالزهراء، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة‏