رواية جديدة بيت الضراير لفاطمة الزهراء - الفصل 51 - السبت 27/6/2026
تتاريخ النشر: 27-6-2026
قراءة رواية بيت الضراير كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية بيت الضراير
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة فاطمة الزهراء
الفصل الواحد والخمسون
تم النشر السبت
27/6/2026
ارتسمت ابتسامة راحة حقيقية على وجه يوسف، ونظر لوالده بتقدير قبل أن ينقل نظره إلى جيهان. كانت نظراته مليئة بالامتنان الشديد، فقد أدرك أنها بذكائها وحكمتها أنقذت الموقف ومنحت الجميع هدنة كانوا في أمسّ الحاجة إليها.
حاول يوسف أن يخطو تجاهها ليتحدث معها أو يشكرها على موقفها، لكن جيهان، التي أرهقها الضغط النفسي طوال اليوم، لم تنتظر سماع أي كلام؛ بل استدارت بهدوء وصعدت الدرج متجهة إلى غرفتها، مفضلةً الانفراد بنفسها.
لم تتردد سميرة لحظة، فلحقت بها فوراً وصعدت خلفها، وبمجرد أن دخلت جيهان غرفتها، طرقت سميرة الباب ودخلت وهي تقول بصدق:
ـ تسلمي يا جيهان.. بجد مش عارفة أشكرك إزاي. إنتي أنقذتيني من رجوع مكنتش عارفة هتم فيه إيه، وريحي بالنا كلنا بكلامك مع عمي.
نظرت لها جيهان بتعب ومسحت على وجهها، بينما كان يوسف في الأسفل لا يزال واقفاً مع والده وتامر، يشعر بأن جيهان أثبتت مرة أخرى أنها العمود الفقري الذي يجمع شتات هذا البيت رغم كل الخلافات.
نظرت جيهان إلى سميرة بنظرة هادئة وصافية، وبالرغم من التعب الذي كان يظهر على ملامحها، إلا أنها ابتسمت برفق وقالت:
ـ يا سميرة، أنا مش شايلة تجاهك أي حاجة وحشة.. أنا عملت اللي شايفاه صح، وطول عمري ببصلك على إنك أختي مش مجرد شريكة في بيت واحد.
تنهدت جيهان بعمق وتابعت وهي تجلس على طرف الفراش:
ـ أنا كل اللي بتمناه في الدنيا دي هو الهدوء والأمان وبس.. مش عايزة مشاكل ولا ضغوط ولا حر.وب أعصاب. وجودنا هنا جنب عمي عدنان هو اللي هيوفر لنا الراحة دي، على الأقل الفترة دي لحد ما نشوف الأيام مخبية لنا إيه.
تأثرت سميرة بكلمات جيهان الصادقة، وأدركت أن جيهان بالفعل تجاوزت مرحلة الغيرة أو الخلافات الصغيرة، وأن همها الأكبر أصبح الحفاظ على سلامة نفسها وسلامة البيت من الانهيار، خاصة بعد العاصفة التي تسببت فيها نور.
في هذه الأثناء، كان يوسف لا يزال في الأسفل، يشعر بتقدير مضاعف لجيهان، لكن فكره كان مشتتاً بين استقراره في بيت والده وبين نور التي تجلس الآن وحيدة في منزلها، والشر يتطاير من عينيها.
قررت سميرة أن تترك جيهان لتنال قسطاً من الراحة، فهي تدرك حجم الإرهاق النفسي والجسدي الذي تعرضت له طوال اليوم، فانسحبت بهدوء وذهبت لرؤية الأولاد والاطمئنان عليهم.
ومع حلول المساء، كان القلق ينهش قلب يوسف؛ فرغم امتنانه لما فعلته جيهان، إلا أنه شعر بصدودها حين صعدت لغرفتها دون حديث. لم يرد الضغط عليها مباشرة، فقرر إرسال رسالة إلى كاميليا ليطمئن منها على حالة أختها.
جاءه الرد من كاميليا ليطمئنه:
ـ اطمن يا يوسف، هي بخير بس محتاجة ترتاح شوية وتنفصل عن اللي حصل النهاردة، سيبها على راحتها دلوقتي.
صعد يوسف إلى غرفته والهموم تثقل كاهله، وانقضت تلك الليلة في هدوء حذر خيم على بيت العيلة. وفي صباح اليوم التالي، وبينما كان يوسف يجلس مع والده، نظر إليه بوقار وقال بلهجة حكيمة:
ـ يا يوسف.. قوم يا ابني روح لـ نور واطمن عليها. في النهاية هي مراتك، وشايلة في بطنها بنتك.. لازم تحافظ على حقوقها وما تبعدهاش عن حياتك مهما حصل، العدل أساس كل شيء.
لم يملك يوسف إلا الموافقة، فخرج من البيت وبداخله ندم شديد ينهش قلبه؛ ندم على قرار خاطئ وتسرع في زواجه الثالث دفع ثمنه غالياً الآن، ولم يكن هو وحده الضحية، بل شعر بالذنب الأكبر تجاه جيهان التي تحملت ما لا يطيقه بشر.
وصل يوسف إلى منزله الآخر، وسأل الخادمة عن نور، فأخبرته بنبرة قلقة: ـ الست نور في أوضتها من امبارح يا يوسف بيه، ومنزلتش تحت خالص ولا أكلت لقمة.
بعد استماع يوسف لحديث الخادمة، أومأ لها برأسه وقال بصوت خافت:
ـ جهزي الأكل وحطيه على السفرة يا سعاد.. وأنا هنزلها كمان شوية.
بدأ يوسف يصعد الدرج بخطوات بطيئة وئيدة، وكل درجة كان يخطوها كانت تذكره بذكرياته في هذا المنزل؛ ذلك البيت الذي تحول في نظره من مكان للاستقرار إلى سجن ضيق يخنق أنفاسه، وجدرانه تذكره بمدى التسرع والندم الذي يشعر به الآن تجاه زواجه من نور وما ترتب عليه من وجع لـ جيهان وهدم لاستقرار حياته.
فتح باب الغرفة ببطء، ليجد نور تجلس صامتة تماماً، شاردة الذهن وهي ما زالت على وضعها منذ الأمس. رفعت عينيها نحوه ونظرت له بتعجب شديد؛ فقد كانت تظن بداخلها أنه لن يعود إليها مجدداً بعد العاصفة التي حدثت في منزل والده، وبعد الطريقة التي خرج بها منكسراً أمام الجميع.
ساد الصمت الغرفة لعدة لحظات، وكانت نظرات نور تحمل ترقباً مشوباً بالحذر، بينما كان يوسف يقف عند الباب، يراقبها ببرود والندم ينهش قلبه، مفكراً في كيفية التعامل معها تنفيذاً لوصية والده، رغم كل الضيق الذي يشعر به تجاهها وتجاه هذا المكان.
أخذ نفساً عميقاً ثم اقترب خطوات قليلة داخل الغرفة وقال بنبرة هادئة ورزينة:
ـ انزلي يا نور عشان تاكلي.. الأكل جاهز تحت على السفرة.
نظرت إليه نور بدهشة، فهدوؤه هذا كان آخر ما تتوقعه بعد ما حدث بالأمس، وقالت بصوت خفيض ومشوب بالتوتر:
ـ أنا ماليش نفس للأكل.. أنا كنت فاكرة إنك مش هتيجي هنا تاني بعد اللي حصل.
رد عليها يوسف بجمود حاول أن يغلفه بالهدوء:
ـ إنتي حامل، واللي في بطنك دي مالهاش ذنب في أي حاجة بتحصل بينا.. أنا مش عايز مشاكل دلوقتي، قومي اسمعي الكلام وانزلي كلي علشان صحتك وصحة البنت.
ظلت نور تنظر إليه وكأنها تحاول استشفاف ما وراء هذا الهدوء، لكنها لم تجد في عينيه سوى البرود، مما جعلها تشعر بغصة في حلقها، فهي تعلم جيداً أن هذا الهدوء ليس رضا، بل هو تنفيذ لواجب فرضه عليه والده.
رأى يوسف دموعها وهي تهبط على وجنتيها لأول مرة منذ بدأت مشاكلهما، فاهتز شيء ما بداخله؛ فرغم كل ما حدث، يظل بداخلها قطعة منه. تحرك نحوها بهدوء وضمها إليه، محاولاً أن يزيح حدة الغضب والجمود التي كانت تسيطر عليه.
استكانت نور في حضنه وهي تشعر ببعض الأمان الذي ظنت أنها فقدته، بينما كان يوسف يربت على كتفها وهو يقول بصوت منخفض:
ـ خلاص يا نور.. مش وقت عياط دلوقتي. اهدي علشان البنت اللي في بطنك، إنتي تعبتي أعصابك وتعبتيها معاكي من امبارح.
ابتعدت عنه قليلاً وهي تمسح دموعها، فطلب منها أن تستعد للهبوط معه، وبالفعل نزلا معاً إلى الطابق السفلي حيث كانت السفرة معدة. جلسا سوياً، وحرص يوسف على أن تتناول طعامها، ثم قال لها بهدوء وهو ينظر إليها:
ـ وأنا هفضل معاكي هنا النهاردة.. مش هسيبك لوحدك وإنتي في الحالة دي.
لمعت عينا نور ببريق من الأمل؛ فهذا القرار كان بمثابة اعتذار ضمني منه، وشعرت أن وجوده بجانبها اليوم قد يفتح صفحة جديدة، بينما كان يوسف في أعماقه ينفذ وعده لوالده بالعدل، رغم أن قلبه وعقله كانا لا يزالان معلقين بهدوء بيت العيلة وبوجع جيهان الذي لم يغادر مخيلته.
قررت نور ألا تضيع هذه الفرصة من بين يديها؛ فوجود يوسف معها اليوم بعد كل ما حدث هو طوق النجاة الذي كانت تنتظره. بدأت تحيطه باهتمام مبالغ فيه، محاولةً أن تمحو صورة نور المتمردة التي ظهرت أمام والده بالأمس.
كانت تتحرك حوله برقة، تسأله عن كل ما يحتاجه، وتتحدث معه بصوت خفيض وناعم، قائلة:
ـ أنا عارفة إني ضغطت عليك يا يوسف، بس والله ده من حبي فيك.. أنا مكنتش متخيلة حياتنا بعيد عن البيت ده، بس أوعدك إن الفترة الجاية هحاول أهدي الأمور على قد ما أقدر علشان خاطرك وعلشان البنت.
يوسف كان يجلس ويراقب محاولاتها بصمت، ورغم هدوئه إلا أن عقله لم يتوقف عن التفكير. كانت نور تحاول استعادة مكانتها بذكاء، فكانت تذكره بموعد الطبيب القادم، وتتحدث عن تجهيزات غرفه ابنتهما المنتظرة، وكأنها تحاول سحبه بعيداً عن هموم بيت العيلة وتغمره في تفاصيل حياتهما الخاصة هنا.
استمرت في محاولاتها طوال اليوم، محاولةً إضفاء جو من الرومانسية والهدوء على المنزل، وكانت تتعمد ألا تذكر اسم جيهان أو سميرة، وكأنها تريد أن تثبت له أن راحته الحقيقية لن يجدها إلا في هذا البيت ومعها هي فقط.
مرّ اليوم في منزل نور بسلام وهدوء غير معتاد، حيث بذل يوسف كل ما في وسعه لضبط أعصابه والالتزام بالهدوء الذي وعد به نفسه ووالده. استغلت نور كل لحظة لتتقرب منه وتبدي ندمها واهتمامها، بينما كان يوسف يسايرها بذكاء، متجنباً أي نقاش قد يفتح أبواب الخلاف من جديد، حتى انتهت الليلة دون أي صدام.
❈-❈-❈
استيقظ الجميع على أجواء مختلفة، فقد بدأ العد التنازلي لزفاف تامر وكاميليا. كانت جيهان قد استعادت هدوءها رغم الحزن الكامن في عينيها، ونزلت لتبدأ الإشراف على ترتيبات اليوم، لتجد سميرة بانتظارها، والنشاط يظهر على وجهها لمساعدتها.
دخل يوسف منزل وعيناه تبحثان في كل زاوية عن جيهان، كان يتمنى لو يلمحها فقط ليرى أثر ليلته الماضية في عينيها، أو ليجد فرصة يفرغ فيها ما بداخل قلبه من امتنان وندم.
سأل والده بنبرة حاول أن تبدو عادية:
ـ أمال جيهان فين يا حاج؟ مش باينة يعني.
رد عليه الحاج عدنان وهو يرتشف قهوته بهدوء:
ـ جيهان راحت مع تامر وكاميليا شقتهم الجديدة.. كاميليا كانت محتاجاها معاها وهي بترتب العفش واللبس، وتامر أصر إن جيهان هي اللي تشرف على كل حاجة بذوقها.
وقع الخبر على يوسف كالصاعقة، وجلس على أقرب مقعد وهو يشعر بضيق شديد وحمل يجاوز الجبال فوق صدره. كان يمني نفسه بأن يجدها ليخبرها أن وجوده عند نور لم يكن إلا تأدية واجب، وأن عقله كان هنا طوال الوقت، لكن هروبها و انشغالها جعله يشعر وكأنها تضع حواجز جديدة بينهما.
أدرك يوسف أن جيهان قررت أن تنسحب من المشهد الخاص به تماماً، وتغرق نفسها في تفاصيل فرح شقيقه وكاميليا، وكأنها تعلن له بصمت أنها أدت دورها كزوجة وكبيرة للعائلة، والآن حان وقت انعزالها بعيداً عن صراعاته.
حلّ المساء وأخيراً تعالت أصوات تامر وكاميليا وهما يدخلان بهو البيت، وكانت جيهان تتوسطهما وعلى وجهها علامات الإرهاق الواضح من تعب اليوم، لكنها كانت تحاول رسم ابتسامة هادئة لإتمام فرحة شقيقتها.
كان يوسف يجلس مع والده، وبمجرد أن وقعت عيناه على جيهان، اعتدل في جلسته وشعر وكأن الروح ردت إليه، لكنه لاحظ فوراً أنها تتجنب النظر إليه مباشرة، بل وجهت حديثها ل عدنان قائلة:
ـ خلصنا كل حاجة يا عمي، والشقة بقت جاهزة تماماً.. كاميليا تعبت النهاردة بس الحمد لله النتيجة تفرح.
تامر كان يضحك بسعادة ويقول:
ـ لولا جيهان يا بابا مكنّاش خلصنا نص الحاجة، ذوقها في ترتيب العفش خلى الشقة حتة تانية خالص.
وقف يوسف واقترب منهم، وعيناه مصلوبتان على جيهان التي كانت تنزع عباءتها بهدوء، وحاول أن يفتح حديثاً معها قائلاً بصوت منخفض:
ـ حمد لله على السلامة يا جيهان.. تعبتي نفسك قوي النهاردة.
ردت عليه بكلمات مقتضبة وهي تتحرك باتجاه المطبخ لتطمئن على العشاء:
ـ الله يسلمك يا يوسف.. ده واجب عليا، كاميليا أختي وتامر أخويا.
شعر يوسف بغصة؛ فكلماتها رغم أدبها كانت تحمل جفاءً وبروداً لم يعهده منها، وأدرك أن بقاءه ليلة أمس عند نور وضع حجراً إضافياً في الجدار الذي بدأ يرتفع بينهما، رغم أنها هي من طلبت من والده بقاء الجميع.
ساد الهدوء التام على مائدة العشاء، ولم يقطعه سوى أصوات الأواني أو كلمات مقتضبة من عدنان حول ترتيبات الفرح. كان يوسف يراقب جيهان طوال الوقت، لكنها كانت بارعة في إشغال نفسها بالطعام أو بالحديث مع كاميليا وسميرة، متجنبةً تماماً أن تلتقي عيناها بعينيه.
بمجرد انتهاء العشاء، استأذنت جيهان مدعية التعب، وصعدت إلى غرفتها سريعاً. تبعها الجميع تدريجياً، ليعم الصمت أروقة المنزل
وجد يوسف نفسه واقفاً في ممر الغرف، قلبه يدعوه لطرقة باب واحدة على غرفة جيهان ليوضح لها ما بداخله، وعقله يذكره بأنها ربما لا تطيق سماع صوته الآن بعد أن قضى ليلته بعيداً عنها. انقضت الليلة وكل واحد خلف بابه، جيهان تحاول الهروب بالنوم من تفكيرها، ويوسف يتقلب في فراشه وهو يشعر بأن المسافات بينه وبينها أصبحت أطول مما كانت عليه قبل عودتها.
مرت الأيام متسارعة، يغلفها ضجيج التحضيرات لزفاف تامر وكاميليا، بينما سكن الصمت الموحش في العلاقة بين يوسف وجيهان. كانت جيهان بارعة في فن التواجد دون حضور؛ تشرف على كل كبيرة وصغيرة، لكنها تتجنب الحديث مع يوسف تماماً، وإذا اضطرت، كانت كلماتها مقتضبة وجافة، مما زاد من شعوره بالذنب والاختناق.
عادت ندى إلى المنزل قبل الزفاف بثلاثة أيام، لتضيف جواً من الحيوية والبهجة، وكانت هي الوحيدة التي تحاول بذكاء تلطيف الأجواء، رغم ملاحظتها للنظرات الحزينة التي يلاحق بها يوسف جيهان في كل ركن.
❈-❈-❈
جاء يوم الزفاف الموعود، والبيت يضج بالحركة؛ الموسيقى، والمهنئين، وتجهيزات العروسين. وبينما كان الجميع في قمة انشغالهم وفرحتهم، كان يوسف يقف بعيداً يراقب جيهان وهي تتألق بجمال هادئ وحزين، يود لو يقترب منها، لو يختطف لحظة وسط هذا الزحام ليخبرها أن كل هذا الصخب لا يعني له شيئاً بدون رضاها، لكنها كانت دائماً تحيط نفسها بـ ندى أو كاميليا، مانعةً إياه من أي فرصة للاقتراب.
أضواء الفرح تتلألأ في كل ركن، والزينة ملأت ردهات بيت العيلة الذي فُتحت أبوابه على مصراعيها لاستقبال المعازيم. الموسيقى تملأ الأجواء، لكن اللحظة الأكثر تأثيراً بدأت حين نزل الدرج الحاج عدنان بوقاره المعهود، وهو يمسك بيد كاميليا التي بدت كالأميرات في فستانها الأبيض.
كانت نظرات عدنان تحمل حنان الأب، فقد اعتبر كاميليا دائماً ابنة له وليست فقط أخت زوجة ابنه. تقدم بخطوات ثابتة نحو تامر الذي كان يقف بانتظارهما وعلى وجهه ابتسامة سعادة لا توصف.
وقف الجميع في صمت مهيب حين وضع عدنان يد كاميليا في يد تامر، وقال بنبرة صوت قوية ومؤثرة:
ـ أمانة يا تامر.. كاميليا مش بس عروستك، دي بنت الغاليين وبنت البيت ده. حافظ عليها وصونها زي ما صنت عرضك.
انحنى تامر وقبّل رأس والده ثم قبل يد كاميليا، وسط تصفيق حار وزغاريد ملأت المكان. وفي هذه اللحظة، التفتت الأنظار نحو جيهان التي كانت تقف بجانب ندى؛ لمحت يوسف وهو ينظر إليها بعينين تلمعان بالدموع، وكأنه يرى في زواج أخيه صورة لما كان يجب أن تكون عليه حياتهما من استقرار.
حاول يوسف استغلال انشغال المعازيم بالعروسين، واقترب من جيهان وهمس بجوار أذنها:
ـ عقبال ما نهني بعض برجوعنا لبعض يا جيهان.. طالعة زي القمر النهاردة.
لكن جيهان، رغم جمالها الأخاذ في ذلك المساء، لم تمنحه سوى ابتسامة باهتة وردت بهدوء:
ـ خلينا نفرح بكاميليا وتامر يا يوسف.. الليلة ليلتهم هما.
انسحبت جيهان بهدوء لتراجع ترتيبات الضيافة، تاركة يوسف في مكانه يصارع مزيجاً من الفرح لأخيه والغصة في قلبه، بينما كانت ندى تراقبهما من بعيد وهي تشعر أن فرحة البيت لن تكتمل إلا بكـ.سر هذا الجليد بينهما.
بينما كانت الليلة تسير في أجواء من السعادة والهدوء، ومع اندماج المعازيم في مباركة العرسان، حدث ما لم يكن في الحسبان؛ دخلت نور القاعة، متأنقة بأبهى حلّة تبرز ملامح حملها، لتسير بخطوات واثقة لفتت أنظار الجميع.
توقفت الضحكات قليلاً على بعض الوجوه، وساد صمت حذر في الدائرة القريبة من عدنان. يوسف الذي كان يحاول الاقتراب من جيهان، تجمد في مكانه حين رأى نور؛ فقد كان يخشى أن وجودها في هذه الليلة تحديداً قد يعكر صفو جيهان أو يثير غضب والده.
توجهت نور مباشرة نحو عدنان وقبلت رأسه قائلة بصوت مسموع:
ـ مبروك يا عمي مكنش ينفع فرح تامر وكاميليا يعدي من غير ما أبارك وأكون موجودة في وسطكم.
ثم التفتت نحو جيهان التي كانت تقف بجمود وثبات يُحسد عليه، ونظرت إليها نور بنظرة تحمل مزيجاً من التحدي والود المصطنع، وقالت:
ـ مبروك يا جيهان.. مبروك لـ كاميليا.
جيهان، بذكائها المعهود وحرصاً منها على ألا تفسد فرحة أختها، ردت بكلمات مقتضبة وهادئة:
ـ الله يبارك فيكي يا نور، عقبال ما تقومي بالسلامة.
كان يوسف يراقب الموقف وأنفاسه مكتومة، يخشى من أي كلمة قد تخرج من نور تفسد هذا التوازن الهش، بينما كانت ندى تتبادل النظرات القلقة مع سميرة، فوجود الزوجات الثلاث في مكان واحد وفي ليلة كهذه كان بمثابة السير في حقل ألـ.غام.
انقضت الليلة على خير رغم كل التوترات المكتومة، واختُتم الحفل بدموع امتزجت فيها فرحة جيهان بوداع شقيقتها كاميليا. عانقت جيهان أختها طويلاً وهي تهمس في أذنها بوصايا أخيرة، بينما كان تامر يشد على يد أخيه يوسف والابتسامة لا تفارق وجهه قبل أن ينطلقا معاً لبدء حياتهما الجديدة في مدينة شرم الشيخ.
بعد رحيل العروسين، بدأ المعازيم في المغادرة، ووجد يوسف نفسه أمام مسؤولياته الموزعة. تحرك نحو نور التي كانت تبدو عليها علامات الإجهاد من السهر والحمل، وقال لها بهدوء:
ـ يلا يا نور، عشان أوصلك ترتاحي.
قام يوسف بتوصيل نور أولاً إلى منزلها، وفي الطريق كان الصمت هو سيد الموقف؛ فنور كانت تشعر بانتصار صغير لحضورها الحفل، ويوسف كان عقله مشغلاً بما سيحدث عند عودته لبيت العيلة. بمجرد أن اطمأن على دخولها، أدار محرك سيارته وعاد مسرعاً إلى منزل والده، حيث يسكن قلبه الحقيقي.
وصل يوسف إلى بيت العيلة، وجد الهدوء قد بدأ يحل على المكان بعد صخب الفرح. دخل الصالة ليجد والده جالساً يسبح بمسبحته، بينما كانت ندى وسميرة تساعدان في ترتيب ما تبقى. بحثت عيناه عن جيهان، فوجدها تقف في الشرفة تنظر إلى الفراغ الذي تركه رحيل أختها، وبدت في تلك اللحظة رقيقة ووحيدة رغم قوتها.
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة فاطمةالزهراء، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية
