تتاريخ النشر: 29-6-2026
قراءة رواية بيت الضراير كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية بيت الضراير
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة فاطمة الزهراء
الفصل الثاني والخمسون
تم النشر الإثنين
29/6/2026
اقترب يوسف من جيهان في الشرفة بخطوات هادئة، وجدها تقف في صمت مطبق، تنظر إلى المدى وكأنها تحاول استيعاب فكرة رحيل كاميليا من المنزل. كانت ملامحها متعبة، والهدوء الذي يحيط بها يحمل في طياته الكثير من الحزن والوحدة.
لم يقل يوسف شيئاً في البداية، وقف بجانبها يشاركها الصمت، ثم مد يده ووضعها على يدها المرتكزة على السور. استشعر برودة كفها، ولم تحاول جيهان سحب يدها هذه المرة؛ فثقل اليوم وإرهاق المشاعر جعلاها تفتقد وجوده بجانبها كزوج.
التفتت إليه ببطء، وكانت عيناها ممتلئتين بالدموع التي حاولت حبسها طوال الحفل. حينها، سحبها يوسف إليه بهدوء وضمها، فاستسلمت جيهان لهذه الضمة وأخفت وجهها في صدره، وبدأت تبكي بصمت وهي تتشبث بقميصه، مفرغةً كل التوتر والحزن الذي كتمته داخلها.
ظل يوسف يربت على كتفها بحنان، محاولاً تهدئتها دون أن يقطع بكاءها بكلمات قد لا تفيد الآن، مكتفياً بكونه موجوداً بجانبها في هذه اللحظة التي شعرت فيها بصدق احتياجها له.
بمجرد أن استوعبت جيهان أنها استسلمت لضعفها بين يديه، انتفضت فجأة وكأنها أفاقت من حلم. مسحت دموعها بسرعة بيد ترتجف، ونظرت إليه نظرة خاطفة ممزوجة بالارتباك والعتاب، وكأنها تلوم نفسها على هذه اللحظة التي سمحت له فيها باختراق حصونها.
دون أن تنطق بكلمة واحدة، تحركت من أمامه بسرعة غريبة، متجاهلة نداءه الخافت باسمها. صعدت الدرج بخطوات متلاحقة، ودخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها بهدوء، لكنه هدوء يحمل معنى الرفض القاطع لأي نقاش الآن.
وقف يوسف في مكانه بالشرفة، ينظر إلى أثرها بضيق، وشعر أن الفجوة التي حاول ردمها بضمتها عادت واتسعت أكثر. أدرك أن جيهان لم تنسَ، وأن وجعها من وجود نور وسميرة في حياته لا يزال أقوى من حاجتها لمواساته، وأن ما حدث لم يكن إلا لحظة ضعف إنسانية وانتهت.
قرر يوسف أن ينسحب بهدوء، أدرك أن الضغط عليها الآن قد يؤدي لنتائج عكسية، وأن جيهان تحتاج لمواجهة نفسها قبل مواجهته. تنهد بضيق وهو ينظر لغرفتها المغلقة، ثم اتجه لغرفته والسيناريوهات تدور في عقله حول كيفية إذابة هذا الجليد في الأيام القادمة.
مرت الليلة ثقيلة على الطرفين؛ جيهان خلف بابها تصارع ذكرياتها مع أختها وكرامتها كزوجة، ويوسف يترقب الصباح لعلّه يحمل ليونة لم يجدها في المساء.
وقفت جيهان أمام باب غرفة بناتها، ترددت للحظة قبل أن تفتحه ببطء. كان الضوء الخافت المتسلل من الممر يكشف وجوههن الهادئة وهنَّ يغططن في نوم عميق، بعيداً عن صراعات الكبار. اقتربت من السرير، جلست بجانبه، ومررت أصابعها على خصلات شعر إحداهن.
في تلك اللحظة، تدفقت في ذهنها كل سنوات التضحية التي قدمتها في هذا البيت. تذكرت كيف كانت يوماً مهندسة طموحة، وكيف وجدت نفسها تدريجياً تفقد جوهرها وتتوارى خلف أدوارٍ فُرضت عليها داخل منزل زوجها، حيث لم يعد لصوتها صدى ولا لكيانها أثر. نظرت إلى بناتها وهمست لنفسها بمرارة:
ـ مش عاوزاهم يكبروا في جو زي ده.. مش عاوزاهم يشوفوا أمهم بتدبل قدام عينيهم، ويفتكروا إن ده هو أقصى طموح الست.
وقفت، مسحت دمعة هربت من عينها، وأيقظتهن برفق:
ـ يا حبايبي، قوموا. لازم نمشي دلوقتي.
فتحت الصغيرات أعينهن بدهشة، وبصوت ناعس سألت إحداهن:
ـ ماما؟ إحنا رايحين فين دلوقتي؟
أجابتهن جيهان بصوت حاول أن يكون متماسكاً:
ـ رايحين مكان جديد، مكان هنكون فيه مرتاحين ومبسوطين أكتر. يلا، البسوا هدومكم بسرعة علشان منتأخرش.
بعد دقائق، كانت الحقائب جاهزة، غادرت جيهان وبناتها الغرفة بخطوات صامتة، وعبرت بهو المنزل الكبير، متجنبة إيقاظ أي أحد، وأغلقت الباب خلفها مودعةً حياةً لم تعد تشبهها.
❈-❈-❈
في صباح اليوم التالي، استيقظ يوسف وتوجه لغرفة جيهان ليطمئن عليها، لكنه وجدها فارغة، والسرير مرتب بعناية. تجمد في مكانه حين وقعت عيناه على الورقة. قرأها بيدٍ ترتجف، ثم خرج للردهة وهو في حالة من الذهول. كانت سميرة تقف هناك، وما إن رأت وجهه الشاحب حتى سألته بتعجب:
ـ مالك يا يوسف؟ في إيه؟
نظر إليها يوسف بذهول، وأشار بيده نحو الغرفة الخالية:
ـ جيهان مشيت يا سميرة.. خدت البنات ومشيت ومسابتش وراها غير الورقة دي.
في تلك اللحظة، خرج عدنان من مكتبه على صوت صياح يوسف المكتوم، ونظر إليهما بحدة، ثم سأل بصوتٍ جهوري:
ـ إيه اللي بيحصل هنا؟ صوتكم عالي ليه؟
تراجع يوسف خطوة للخلف وهو يمسك الورقة، وقال بصوت متهدج:
ـ جيهان سابت البيت يا أبويا.. خدت البنات ومشيت.
قطب عدنان حاجبيه، ونظر إلى الورقة في يد يوسف بنظرة آمرة:
ـ ورقة إيه دي؟ وريني هي كاتبة إيه.
أمسك يوسف الورقة بيدٍ ترتجف، وبدأ يقرأ الكلمات بصوتٍ خافت، متقطع، وكأن الحروف تخنقه:
ـ يوسف.. أنا مش بهرب، أنا بنسحب. عشت سنين طويلة هنا بحاول أكون النسخة اللي الكل عاوزها، وفي الآخر نسيت مين جيهان المهندسة، ومين جيهان الأم اللي كان نفسها تدي بناتها حياة تانية. البيت ده بقى أكبر بكتير من طاقتي، وكل ركن فيه بيفكرني بنفسي وأنا بضيع. خدت البنات عشان ألحقهم قبل ما يختفوا وسط التفاصيل اللي خنقتني. متدورش عليا، أنا محتاجة وقت عشان ألاقي نفسي من تاني.. سلام.
.ظل الصمت سيد الموقف للحظات طويلة، لم يكن هناك إلا صوت دقات الساعة التي بدت وكأنها تطرق داخل رؤوسهم. يوسف لم يزل متمسكاً بالورقة، عيناه عالقتان على كلمة انسحب، وكأنها الوحيدة التي تمكن من استيعاب معناها. أما عدنان، فقد استند بيده على المكتب، محاولاً استعادة توازنه، نظراته تتنقل بين ردهة البيت الواسعة وبين ابنه المنهك.
لم يجرؤ أحد على الكلام، فكل كلمة ستجعل الواقع أكثر قسوة. كان من الواضح أن البيت، بكل تفاصيله، بدأ يفقد معناه في نظرهم منذ تلك اللحظة.
تنفس عدنان بعمق، ثم قال بصوتٍ خافت ولكنه أمر:
ـ يوسف.. فوق لنفسك! مفيش وقت للذهول ده. جيهان مش من النوع اللي بتهدد وخلاص، هي لما خدت القرار، أكيد عارفة هي رايحة فين.
نظر يوسف لوالده بعيون زائغة، وكأنه استيقظ للتو من كابوس، فسأله بصوت متقطع:
ـ أروح فين يا أبويا؟ هدور عليها فين؟
زفر عدنان بضيق، ثم تابع بحزم:
ـ أول مكان ممكن تفكر تروحله هو بيت عمك. هي أكيد مش هتبعد أكتر من كده في ليلتها الأولى، ومش هتخاطر بيهم في أي مكان غريب. خد عربيتك دلوقتي وروح هناك.. دور عليها، واتأكد هي وصلت ولا لا، وماترجعش غير ومعاك خبر يطمني مفهوم.
غادر يوسف المنزل بخطواتٍ ثقيلة، وقاد سيارته نحو بيت عمه امتثالاً لأمر والده. طرق الباب مراراً وتكراراً، لكن لم يأتِهِ أي رد؛ فقد كان البيت موصداً تماماً. أدرك حينها أن جيهان لم تلجأ لهذا المكان، فاستند إلى سيارته وأخرج هاتفه ليطلب فارس.
بمجرد أن أجاب فارس، قال يوسف بصوتٍ يملؤه التوتر:
ـ فارس، جيهان أخدت البنات ومشيت من البيت، وأنا رحت لبيت عمي وما لقيتش حد خالص.
أجابه فارس بنبرة حازمة:
ـ اسمع يا يوسف، ارجع البيت فوراً واستناني. ما تتحركش من مكانك ولا تعمل أي حاجة تانية لحد ما أوصلك. أنا في طريقي ليك.. فاهم؟
أغلق يوسف الهاتف، وعاد بسيارته إلى المنزل، ينتظر وصول فارس الذي صار أمله الوحيد في معرفة مكانها.
غادر يوسف المكان وعاد أدراجه وهو يغالب اضطرابه، بينما في منزل فارس، كانت ندى تلاحظ توتر زوجها غير المعتاد. دخلت عليه الغرفة لتجده يرتدي ملابسه على عجلة، ملامحه مشدودة وعيناه تلاحقان هاتفه الذي لم يتوقف عن الاهتزاز.
وقفت ندى عند الباب تراقبه للحظات قبل أن تسأل بقلق:
ـ فارس.. فيه حاجة؟ أنت بتلبس بسرعة ومضغوط كأن وراك مشوار مهم.
توقف فارس عن ربط حذائه، ونظر إليها للحظة قبل أن يبتلع ريقه ويجيب بنبرة يحاول أن يجعلها هادئة:
ـ لا يا ندى، مفيش حاجة، مشوار شغل طارئ ومحتاج أنزل فوراً.
ضيقت ندى عينيها بشك، فهي تحفظ نبرته جيداً وتعرف متى يخفي شيئاً عنها. اقتربت منه بخطوات ثابتة وقالت:
ـ لا، مش شغل، أنت شكلك قلقان، وفيه حاجة مخبيها. قول لي يا فارس، إيه اللي حصل؟
تردد فارس، تنهد بعمق وهو يمسح وجهه بكفه، مدركاً أن إخفاء الأمر عنها لن يجدي نفعاً. نظر إليها بجدية وقال بصوت منخفض:
ـ يوسف كلمني، فيه مشكلة حصلت مع جيهان، ورايح أشوفه دلوقتي.
اتسعت عينا ندى وظهرت علامات الصدمة على وجهها، وبمجرد أن استوعبت الخبر، قالت بحزم وهي تتجه نحو خزانة ملابسها:
ـ جيهان؟ طيب أنا جاية معاك.
غادر فارس المنزل وبرفقته ندى، اللذان انطلقا بسيارتهما نحو وجهتهما. وفي تلك الأثناء، وصل يوسف إلى المنزل بملامح شاحبة وعيون تملؤها الحيرة، ليدلف إلى الداخل حيث كان والده ينتظره بقلق.
بمجرد أن رآه والده، نهض من مكانه مسرعاً وسأله بلهفة:
ـ ها يا يوسف.. لقيت جيهان؟
تنهد يوسف بضيق، وهز رأسه نفياً وهو يلقي بمفاتيح السيارة على الطاولة:
ـ لا يا بابا، رحت بيت عمي وما لقيتش حد، البيت فاضي.
نظر إليه والده بأسى، فسارع يوسف ليوضح له بقية الموقف:
ـ أنا كلمت فارس، شرحت له كل حاجة وطلبت منه يساعدنا. قالي ما أعملش أي حركة تانية لحد ما يوصل، هو في الطريق دلوقتي.. هنقعد نستناه.
لم يمر وقت طويل حتى توقفت سيارة فارس أمام المنزل. ترجل منها هو وندى، وبمجرد أن اقتربا من الباب، فُتح الباب لتستقبلهما سميرة بوجوهٍ يغمرها القلق والترقب.
ألقت سميرة نظرة سريعة عليهما، ثم قالت بصوتٍ خافت ومتهدج:
ـ فارس.. ندى.. حمد لله على السلامة، ادخلوا بسرعة.
دخل الجميع إلى الداخل، حيث كان يوسف يجلس مع والده في حالة من التوتر الشديد، وعيونهم معلقة بالباب بانتظار أي أخبار. وما أن رأى يوسف فارس وندى، حتى انتصب واقفاً، وقد بدت عليه علامات الراحة لوصولهم أخيراً.
تطلع فارس إلى الجميع بنظرة مطمئنة، ثم قال بجدية:
ـ احنا هنا علشان نحل المشكلة دي، خلينا نقعد ونشوف إيه اللي حصل بالضبط.
جلس الجميع في غرفة المعيشة، وساد صمت ثقيل قبل أن يبدأ يوسف في سرد ما حدث، صوته كان يرتجف وهو يصف لحظة اكتشافه لرحيل جيهان واختفاء البنات. كان الجميع يستمع بتركيز شديد، وندى تمسك يد يوسف لتواسيه.
بعد أن انتهى يوسف، صمت فارس للحظة، غارقةً عيناه في التفكير، ثم نظر إلى يوسف وقال بنبرة هادئة وحازمة:
ـ بص يا يوسف، أنا فاهم اللي أنت فيه، بس قانوناً وإجراءات، إحنا مضطرين نستنى 24 ساعة قبل ما نقدر نتحرك رسمي في أي قسم شرطة.
سأله يوسف بلهفة:
ـ طب والعمل؟ هقعد مستني اليوم كله وأنا قلقان كده؟
رد عليه فارس وهو ينهض من مكانه:
ـ لا طبعاً، مش هنسيب نفسنا كده. قوم بينا، هننزل أنا وأنت دلوقتي ندور عليها بنفسنا في الأماكن اللي ممكن تكون راحت لها. قول لي يا يوسف، جيهان عندها صحاب معينين أو أماكن كانت بتحب تروح لها لما تزعل؟ فكر كويس، أي تفصيلة صغيرة ممكن تفرق.
نظر يوسف إلى فارس بأسى، وهز رأسه بنفيٍ قاطع، وقال بصوتٍ مخنوق:
ـ يا فارس مفيش حد.. جيهان طول عمرها حياتها كلها للبيت والبنات وبس، لا ليها صحاب ولا لينا حد هنا ممكن تروح له.
لم يجد فارس رداً سوى أن يربت على كتفه في محاولةٍ لمواساته، ثم أشار له بالخروج قائلاً:
ـ ماشي، خلينا نتحرك ونشوف أي خيط ممكن يوصلنا ليها.
خرج الاثنان من المنزل تحت أنظار سميرة وندى القلقة، وانطلقا بسيارة فارس في جولة بحثٍ في الشوارع، يحاولان استرجاع أي مكانٍ أو تفصيلة قد تكون جيهان قد ذكرتها يوماً ما، علّها تكون مفتاحاً للعثور عليها.
❈-❈-❈
بينما كان القلق يسيطر على الأجواء في القاهرة، كانت الأجواء في شرم الشيخ هادئة تماماً، والوقت يمرّ بنعومة تليق بليالٍ من الأحلام.
في منتصف اليوم، والشمس تداعب ستائر غرفتهما المطلة على البحر، استيقظ تامر ليجد كاميليا لا تزال غارقة في نوم عميق. ارتسمت على وجهه ابتسامة يملؤها الرضا، وظل يراقب ملامحها للحظات، يكاد لا يصدق أنها أصبحت زوجته أمام الله والناس، بعيداً عن صراعات الشركة ومسؤوليات بيت العيلة.
استيقظت كاميليا بعد قليل، وبدأ اليوم بينهما في جو من السعادة والهدوء، حتى جلسا معاً على الشاطئ. التفتت كاميليا لـ تامر وقالت برقة:
ـ بقولك إيه يا تامر، أنا هكلم جيهان أطمن عليها وأشوف عاملة إيه من غيري.
ابتسم تامر ورحب بالفكرة قائلاً:
ـ ياريت يا حبيبتي، جيهان أكيد وحشتك، وأنا كمان هبقى أسلم عليها.
أخرجت كاميليا هاتفها وبدأت في الاتصال، لكن ملامح وجهها تبدلت من الابتسامة إلى الحيرة، ثم القلق. نظرت لتامر وقالت:
ـ غريبة! تامر.. موبايل جيهان مقفول، دي أول مرة تعملها، دايماً بتفتح الموبايل علشان البنات.
حاول تامر تهدئتها وهو يمسك يدها:
ـ يا ستي أكيد الموبايل فصل شحن، أو يمكن نايمة هي والبنات، ما تقلقيش نفسك.. ثواني، أنا هرن على يوسف، أكيد هو في البيت وهيطمنا.
أخرج تامر هاتفه وطلب رقم يوسف، انتظر طويلاً حتى فصل الخط، فحاول مرة أخرى، لكن يوسف لم يجب. زاد توتر كاميليا، فأمسك تامر يدها وقال بجدية:
ـ خلاص، خليني أرن على البيت مباشرة.
طلب تامر رقم المنزل، وبدأ القلق يتسرب إليه هو الآخر. بعد عدة رنات، أجابت سميرة بصوتٍ بدا عليه الاضطراب:
ـ ألو.. تامر؟
سأل تامر بنبرة فيها قلق حقيقي:
ـ سميرة؟ إزيك؟ هي جيهان فين؟ بحاول أكلمها وموبايلها مقفول، ويوسف كمان مش بيرد وهو في البيت.. في حاجة؟
في تلك اللحظة، نظرت سميرة بذعر إلى عدنان وندى اللذين كانا يقفان بجانبها في حالة من الترقب والحزن. أخذت نفساً عميقاً وحاولت السيطرة على نبرتها:
ـ أهلاً يا تامر.. لا مفيش حاجة خالص، ما تقلقش نفسك. يوسف وجيهان؟ هما نزلوا الشركة من بدري، عندهم شغل طارئ، وأكيد مشغولين في اجتماعات عشان كدة مش سامعين الموبايلات.
سكت تامر للحظة، ثم قال بنبرة هادئة غير مقتنعة:
ـ آه.. الشركة؟ تمام يا سميرة، مفيش مشكلة. هحاول أكلمهم تاني بعدين.. خلي بالك من نفسك ومن البنات.
قفل تامر الخط، والتفت إلى كاميليا التي كانت تنظر إليه بقلق، وقال لها محاولاً التظاهر بالهدوء:
ـ ما تقلقيش يا حبيبتي، سميرة بتقول إنهم في الشركة ومشغولين في شغل طارئ.. خلينا نكمل يومنا، وأكيد هيكلمونا أول ما يخلصوا.
استمعت كاميليا إلى كلمات تامر، ورغم أن قلبها لم يطمئن تماماً وظل الشك يساورها، إلا أنها قررت مسايرته كي لا تُفسد عليهما يومهما. تنهدت بهدوء، ثم أومأت برأسها في محاولةٍ لابتسامةٍ باهتة وقالت:
ـ عندك حق، أكيد هما مشغولين فعلاً.. ربنا يسهل ليهم.
ابتسم تامر محاولاً تبديد ما تبقى من قلقٍ في عينيها، وأمسك بيدها بلطف قائلاً:
ـ خلاص يا ستي، خلينا في المهم دلوقتي.. الفطار جاهز، واليوم لسه في أوله، مش عاوز أشوف القلق ده في عينك تاني.
استجابت له كاميليا وحاولت أن تستعيد حيويتها، فتوجهت معه إلى المطعم لتناول الفطور وسط أجواء من الهدوء والاسترخاء، محاولةً دفع كل الأفكار السيئة بعيداً عن ذهنها.
بعدما انتهيا من الفطور، انطلقا في جولةٍ ممتعة، فقضيا الساعات التالية يتجولان في الأماكن الجميلة، يتبادلان الضحكات والأحاديث، متناسيين للحظات كل ما يدور في القاهرة، ومستمتعين بكل لحظة في يومهما معاً.
بمجرد أن أغلق تامر الخط، أنزلت سميرة الهاتف ببطء شديد، ويدها ترتجف بوضوح. نظرت إلى عدنان وندى اللذين كانا يراقبونها بأنفاس محبوسة، ثم التفتت إلى عدنان والذعر يملأ عينيها:
ـ يوسف لسه قافل موبايله، وتامر بدأ يشك.. يا عمي هنعمل إيه؟ لو كاميليا عرفت اللي حصل لأختها جيهان، الموقف هيبقى صعب ومحدش فينا هيعرف يسيطر على اللي هيحصل!
وقف عدنان بملامح جامدة يحاول إخفاء توتره، وضع يده على كتف سميرة لتهدئتها وقال بصوتٍ منخفضٍ وحازم:
ـ اهدي يا سميرة.. مش عايزين نتسرع ونبوظ الدنيا. تامر دلوقتي اقتنع باللي قلناه، وده بيدينا وقت. لازم نستنى ونشوف يوسف هيوصل لإيه قبل ما ناخد أي خطوة، ونعرف هو وصل فين وإيه اللي حصل بالظبط.
نظرت إليه ندى بضيق وقالت بنبرة خائفة:
ـ طب ولو يوسف اتأخر أكتر من كده؟ الوقت بيعدي، ومفيش أي أثر ليهم!
نظر عدنان إلى النافذة بشرود وقال:
ـ لو اتأخر، هيكون لينا تصرف تاني.. بس دلوقتي، لازم نلتزم باللي اتفقنا عليه ونستنى إشارة من يوسف. أي حركة غلط دلوقتي هتكشفنا قدام تامر، وكاميليا مش هتسكت لو شكت في حاجة.
كان يوسف يقود سيارته في شوارع القاهرة بسرعةٍ جنونية، بينما كان فارس يجلس بجانبه، يغلفهما صمتٌ ثقيل وتوترٌ لم يشهدا مثله من قبل بعد ساعاتٍ من البحث دون جدوى عن جيهان. كان يوسف يمسك هاتفه، يتردد في إجراء اتصالٍ بالدكتورة النفسية لجيهان، عندما صدح صوت رنين هاتفه فجأة.
نظر إلى الشاشة بلهفةٍ ظناً منه أنها جيهان، لكنه وجد اسم "نور". أجاب يوسف بصوتٍ مخنوق:
ـ نور؟ أنا دلوقتي..
قاطعته نور بصوتٍ متهدجٍ يملؤه الألم والخوف:
ـ يوسف.. ألحقني، أنا بموت.. فيه وجع فظيع.. مش قادرة أتحرك.
ساد صمتٌ مرعبٌ داخل السيارة. التفت فارس إلى يوسف وقد شحب وجهه، بينما تجمدت يد يوسف على مقود السيارة. كان صوت صرخة نور المكتومة قد وصل إلى مسامع فارس، فأمسك بذراع يوسف بقوة وقال بحدة:
ـ في إيه يا يوسف؟ مين دي؟
لم ينطق يوسف للحظات، كان العرق يتصبب من جبينه تحت وطأة الضغط، ثم نظر إلى فارس وقال بصوتٍ يرتجف:
ـ دي نور.. نور تعبانة جداً ومحتاجة مستشفى فوراً.
انحرف يوسف بالسيارة بعنف، مغيرًا وجهته نحو البيت. كان صراعٌ مريرٌ يعتمل في داخله؛ كيف يترك البحث عن جيهان ليواجه مأساة نور؟ بينما ظل فارس يراقبه بصمت، مدركاً أن الأمور خرجت تماماً عن السيطرة.
انطلق يوسف بالسيارة نحو المنزل بسرعةٍ فائقة، وما إن وصلا حتى اقتحم يوسف البيت ليجد نور في حالةٍ يرثى لها، تئن من الألم. لم يتردد لحظة، فحملها بين ذراعيه وخرج بها مسرعاً، بينما كان فارس يفتح باب السيارة الخلفي بسرعة ليضعها يوسف برفق في الخلف.
بمجرد أن استقرت نور في الخلف وبجانبها يوسف، قفز فارس إلى مقعد القيادة وانطلق بالسيارة بسرعةٍ كبيرة نحو المستشفى. في تلك اللحظات، كان يوسف يضم نور إليه ويحاول تهدئتها، بينما أخرج فارس هاتفه بيدٍ واحدة وهو يقود، وكتب رسالةً لندى: يا ندى، نور تعبانة جداً ويوسف أخدها المستشفى.. لازم تكوني هناك فوراً، وعرفي عمي وسميرة، الموقف مالوش تأجيل.
وصلت الرسالة لندى التي كانت تجلس مع سميرة ووالدها عدنان في حالة من الترقب. بمجرد أن قرأت الكلمات، شحب وجهها وارتجفت يدها، ونظرت لوالدها وقالت بصوتٍ متهدج:
ـ يا بابا.. فارس بعت بيقول إن يوسف أخد نور المستشفى وحالتها صعبة جداً!
تجمدت ملامح عدنان، بينما وضعت سميرة يدها على صدرها في فزع، وتبادلت نظرات الخوف مع عدنان الذي نهض على الفور وقال بحزم:
ـ مستشفى إيه؟ لازم نتحرك دلوقتي، مش هنقعد نستنى أخبار!
في غضون دقائق، كانت العائلة تتحرك نحو المستشفى في حالةٍ من الارتباك والذعر، بينما كان يوسف في المقعد الخلفي يحاول إفاقة نور التي بدت وكأنها تفقد وعيها، كل ذلك في سباقٍ محموم مع الزمن، دون أن يعلموا ما ينتظرهم من صدمات في أروقة الطوارئ.
وصل فارس بالسيارة أمام المستشفى، وهبط يوسف مسرعاً حاملاً نور بين ذراعيه، والذعر يملأ المكان. دخلوا إلى قسم الطوارئ، حيث أسرعت الممرضات بنقل نور إلى غرفة الفحص. وقف يوسف في الممر يرتجف، بينما وقف فارس بجانبه يراقب الوضع بصمت.
بعد دقائق، خرجت الطبيبة بوجهٍ جاد، واقتربت من يوسف قائلة:
ـ الحالة صعبة جداً، الجنين في خطر حقيقي ومفيش أي فرصة لإنقاذه، لازم نتدخل فوراً وننزله عشان نحافظ على حياتها.
في تلك اللحظة، وصل عدنان وندى وسميرة إلى ردهة المستشفى. كانت سميرة تبدو على ملامحها صدمة مكتومة، وندى تحاول تهدئة والدها الذي كان يمشي بخطواتٍ واسعة ووجهه يملؤه القلق.
لم يكد يوسف يستوعب كلام الطبيبة، حتى اقترب منه عدنان وسأله بصوتٍ خافت ومضطرب:
ـ إيه اللي حصل يا يوسف؟ طمني!
لم يجد يوسف وقتاً للشرح، ففي تلك اللحظة فُتح باب غرفة الفحص، واندفعت الممرضات بنور وهي على السرير المتحرك متجهة إلى غرفة العمليات. نظرت نور إلى يوسف بنظرةٍ أخيرة مفعمة بالألم والخذلان، بينما كان الجميع يقفون مذهولين أمام سرعة الأحداث.
مرت الساعات ثقيلة، وساد الصمت المطبق على أروقة المستشفى. كان عدنان يجلس بوقارٍ قلق، وندى تحاول التماسك، بينما وقفت سميرة تراقب المشهد بوجوم. بعد أن استقرت حالة نور، نُقلت إلى غرفة عادية. وفي غمرة هذا الانتظار، وصل والد نور إلى المستشفى وقد علا وجهه شحوب القلق. بمجرد أن اطمأن الجميع على خروجها، دخل يوسف الغرفة وحده، مدركاً أن لحظة المواجهة لا مفر منها.
دفع يوسف باب الغرفة برفق، فوجد نور مستلقية على السرير، وجهها شاحب، وعيناها مثبتتان على السقف ببرودٍ قاتل.
أغلق يوسف الباب خلفه، وقال بصوتٍ منخفضٍ ومتهدج:
ـ نور.. الحمد لله على سلامتك. إحنا كلنا بره ومستنيين نطمن عليكي.
التفتت نور إليه ببطء، وابتسامة مريرة ارتسمت على شفتيها قبل أن تقول بجمود:
ـ سلامتي؟ أي سلامة دي يا يوسف وأنا خسرته؟ أنا كنت محتاجة وجودك جنبي أكتر من أي وقت فات، بس إنت دايماً مش هنا.. حتى وأنا بموت، عقلك وقلبك في مكان تاني خالص.
اقترب يوسف خطوة، محاولاً لمس يدها، لكنها سحبتها بعنف وأضافت:
ـ كفاية كفاية تمثيل! أنا تعبت من إحساسي إني عايشة لوحدي في البيت ده. أنا مش عايزة أسمع أعذار تانية، ولا عايزة أشوف وشك. أنا عايزة الطلاق يا يوسف.
تراجع يوسف للخلف كأنه تلقى صفعةً على وجهه، فالمواجهة كانت أقسى مما تخيل. ظلت نظراتها معلقة به، نظراتٍ لا تحمل سوى رغبةٍ جامحة في الهروب من هذا البيت، ومن كل ما يربطهما.
في لحظة الذروة، وبينما كان الانكسار يملأ عيني نور وهي تصر على طلب الطلاق، دخل والدها الغرفة، وعلى وجهه مزيج من الألم على ابنته والحزم مع يوسف. رمق يوسف بنظرةٍ ثقيلة وقال بصوتٍ هادئ لكنه يحمل تهديداً مبطناً:
ـ يوسف، اطلع بره دلوقتي.. بنتي مش في حالة تسمح لها تاخد قرارات مصيرية، ومحتاجة ترتاح.
شعر يوسف وكأن الكلمات صفعة، نظر إلى نور التي أدارت وجهها عنه ورفضت النظر إليه، فأدرك أن البقاء لن يزيد الموقف إلا سوءاً. تراجع للخلف ببطء، وفي الخارج، كان فارس يراقب الموقف، وبمجرد أن خرج يوسف، وضع يده على كتفه وقال بصوتٍ منخفض:
ـ سيبها دلوقت يا يوسف، خلينا نمشي.. مفيش فايدة في الكلام دلوقتي.
غادر يوسف وفارس المستشفى، تاركين خلفهما الغرفة التي اشتعلت بالتوتر. في هذه الأثناء، دخلت ندى إلى الغرفة، وجلست بجوار نور، ممسكةً بيدها، وبدأت تحاول تهدئتها بكلماتٍ رقيقة، محاولةً امتصاص غضبها وانكسارها، بينما بقيت نظرات نور معلقة بالفراغ.
في الردهة الخارجية، وقف عدنان بوقارٍ وصمت، تتوسطه نظرات قلقة بين الغرف، بينما وقفت سميرة على مسافةٍ منه، تبدو على ملامحها هدوءٌ غامض، لا يُقرأ منه شماتة ولا حزن، بل حالة من الترقب الصامت. وبعد لحظات من الصمت الثقيل بينهما، أشار عدنان إلى سميرة بحركةٍ من رأسه، وبدآ يتحركان ببطء نحو المخرج، مغادرين المستشفى عائدين إلى البيت، تاركين خلفهما بقايا العاصفة التي ضربت العائلة، بانتظار ما ستؤول إليه الأمور في الساعات القادمة.
مرت ثلاثة أيام ثقيلة كأنها دهور، ثلاثة أيامٍ قضاها يوسف في دوامة من البحث المحموم عن جيهان، متنقلاً بين أماكن ترددها، مستجوباً معارفها، ومتابعاً كل خيطٍ رفيع قد يقوده إليها، لكن كل الطرق كانت مسدودة، وكل المحاولات باءت بالفشل الذريع، وكأن الأرض انشقت وابتلعتها.
وفي خضم هذا الانكسار، رن هاتفه. كان المتصل "تامر". تنهد يوسف بعمق، ومسح وجهه بيدين مرتجفتين قبل أن يجيب بصوتٍ يحاول جاهداً أن يجعله طبيعياً:
ـ أيوة يا تامر، طمني؟
جاء صوت تامر مشوباً بالحيرة والقلق:
ـ يوسف، بقالي يومين بحاول أوصل لجيهان ومفيش رد، وكاميليا بدأت تسألني عنها وتتخض.. هي فين؟
شعر يوسف ببرودة تسري في جسده، لكنه تماسك ورد بسرعة:
ـ متقلقش يا تامر، الموضوع بسيط.. موبايلها ضاع منها، وأنا حالياً بخلص لها إجراءات خط جديد وهخليها تكلمكم بنفسها أول ما تجيبه.
ساد صمتٌ قصير على الطرف الآخر، كان يوسف يعلم أن تامر ذكي ولن يقتنع بسهولة بهذه الحجة الواهية، لكن تامر، ولأنه لا يريد إثارة ذعر كاميليا أو تشتيت العائلة أكثر مما هي عليه، تنهد بضيق وقال:
ـ ماشي يا يوسف، يا ريت ده يحصل بسرعة، كاميليا بدأت تضغط عليا بالسؤال.. ربنا يستر.
أغلق يوسف الهاتف، وألقى به جانباً بعنف. كان يعلم أنه اشترى لنفسه بضعة أيامٍ إضافية من الهدوء، لكنه يعلم أيضاً أن الوقت ينفد، وأن كذبته لن تصمد طويلاً أمام قلق عائلةٍ لا تدرك أنها على وشك الانفجار.
بعد أن أغلق تامر الهاتف مع يوسف، التفت إلى كاميليا التي كانت تجلس بانتظار إجابةٍ واضحة، والقلق يبدو واضحاً على ملامحها الهادئة. حاولت أن تبتسم ابتسامة باهتة، لكن عينيها كانتا تفضحان توترها، فسألته بصوتٍ خافت:
ـ طمني يا تامر، يوسف قالك إيه؟ هي جيهان لسه مابتردش؟
أخذ تامر نفساً عميقاً، ورسم على وجهه ملامح الهدوء والثقة، واقترب منها ممسكاً بيديها بلطف:
ـ يوسف كلمني يا كاميليا، وقالي إن موبايلها ضاع منها، وبما إنها مشغولة اليومين دول ببعض الترتيبات، فماعرفتش تتواصل معانا. قالي أول ما تجيب خط جديد هتكلمك فوراً، اطمني، الموضوع مش مستاهل كل القلق ده.
تنفست كاميليا الصعداء قليلاً، لكن علامات التوجس لم تغادر وجهها، فاستطرد تامر محاولاً تشتيت انتباهها:
ـ إيه رأيك نخرج شوية؟ الجو النهاردة جميل، ومحتاجين نغير جو ونبعد عن التوتر ده. أنا عارف مكان تحبيه جداً، خلينا نقضي يومنا بعيد عن التليفونات والمشاكل.
ترددت كاميليا للحظة، لكنها وجدت في اقتراحه مخرجاً من دوامة الأفكار التي تحاصرها، فأومأت برأسها موافقة. وبالفعل، خرجا معاً، محاولاً تامر بكل طاقته أن يجعل هذا اليوم مبهجاً لها، يغمرها بالحديث والضحك ليقنعها بأن كل شيء على ما يرام، محاولاً بذلك حمايتها من حقيقة لا يدرك هو شخصياً مدى خطورتها.
❈-❈-❈
مرّ أسبوع على وجود جيهان في الإسكندرية. استأجرت منزلاً بسيطاً، هادئاً، يطل على نسمات البحر التي طالما تمنت أن تستنشقها بعيداً عن اختناق ذكريات منزل زوجها والمؤامرات التي أحاطت بها. كانت قد اطمأنت تماماً على شقيقتها كاميليا، فهي تعلم أن تامر رجلٌ أصيل وسيحميها ويقدرها، وهذا وحده كان يمنح جيهان القوة لتستمر. بدأت جيهان تلملم شتات حياتها، تبحث عن عمل شريف يكفيها وبناتها، وتراقب ملامح صغيراتها وهن يحاولن التأقلم مع واقعهن الجديد.
في أحد الأيام، قررت جيهان أن تأخذ بناتها إلى إحدى حدائق المدينة العريقة، لتمنحهن لحظات من البهجة والترويح عن النفس. كانت الجلسة هادئة، والشمس تميل للغروب، وجيهان تراقب ضحكات صغيراتها التي بدأت تعلو تدريجياً، حين شعرت فجأة بضغطِ نظراتٍ غريبة تخترق خصوصيتها.
رفعت جيهان عينيها ببطء، لتجد سيدة تجلس على مقربةٍ منها، عيناها معلقتان بها بتركيزٍ شديد، نظرات لم تكن عابرة، بل كانت محملة بالدهشة. شعرت جيهان ببردٍ مفاجئ يسري في جسدها، وتوترت حركاتها، فقررت أن تقف وتغادر المكان، لكن السيدة كانت أسرع منها.
نهضت المرأة بخطواتٍ ثابتة واقتربت من جيهان، وتوقفت أمامها مباشرة. صمتت للحظة، ثم اتسعت عيناها بصدقٍ ودهشة، وصوتها اختلج بالارتجاف وهي تهمس:
ـ جيهان؟.. معقول؟ أنتِ جيهان؟!
تجمدت جيهان في مكانها، وعقلها يحاول جاهداً استرجاع ملامح هذه السيدة التي تعرفت عليها رغم مرور كل هذه الأعوام.
وقفت جيهان متسمرة في مكانها، تجول ببصرها في تفاصيل وجه تلك السيدة، تحاول جاهدة استرجاع ما محاه الزمن من ذاكرتها. وفجأة، تلاشى الشتات، وحل محله اضطرابٌ ممزوجٌ بفرحةٍ عارمة، فصاحت بصوتٍ يملؤه الذهول:
ـ ياسمين؟! مش معقول! بجد إنتِ ياسمين؟
لم تكن ياسمين أقل تأثراً، إذ ارتسمت على وجهها ابتسامةٌ دافئة، واندفعت نحوها لتضمها بقوة، كأنها تحاول احتواء كل تلك السنوات التي باعدت بينهما. بعد لحظات، جلستا معاً، وعادت بهما الذاكرة إلى رحاب الجامعة، حين كانت الحياة أكثر بساطةً وأحلامهما أكثر اتساعاً. وبعد أن استمعت ياسمين لجزءٍ من حكايتها، أمسكت بيديها وقالت بنبرةٍ صادقة:
ـ يا جيهان، مش قادرة أصدق إني شفتك هنا في إسكندرية! ده أكيد ربنا عايزنا نتقابل دلوقتي بالذات، عشان أكون جنبك وتكوني جنبي.
شعرت جيهان، لأول مرة منذ أمدٍ بعيد، أن ثقل الأيام الذي كان يطبق على صدرها قد بدأ ينزاح بفضل هذا اللقاء.
بينما كانت جيهان تروي لياسمين ملامح رغبتها في البدء من جديد والبحث عن عمل، تنهدت ياسمين بضيق، وبدت على وجهها علامات الحيرة والقلق التي لم تستطع إخفاءها، ثم قالت:
ـ يا جيهان، الكلام بيجي في وقته.. أنا كنت محتارة ومكسوفة أقولك، بس جوزي بيعاني من مشاكل كبيرة في الشركة بقاله فترة، والديون بدأت تتراكم عليه، وأنا مش عارفة أساعده بإيه.
أومأت جيهان برأسها باهتمام، وبدأت ملامح الجدية ترتسم على وجهها، فقد استدعت خبرتها الطويلة في إدارة شؤون منزل زوجها، وما تعلمته من دهاليز شركته رغم الظلم الذي لاقته هناك، فردت قائلة:
ـ طب ما تحكي لي التفاصيل يا ياسمين، يمكن أقدر أشوف ثغرة أو حل غايب عنكم.. أنا مش غريبة عن عالم الشركات والمشاكل اللي بتحصل فيها.
نظرت إليها ياسمين بانبهار، وكأنها وجدت طوق النجاة، ثم تابعت:
ـ بجد؟ طيب، جوزي عنده أزمة في التوسع اللي كان بيخطط له، ومش عارف يجمع شركاء تثق في رؤيته.. لو تحبي، ممكن بكره نتقابل في الشركة وتشوف بعينك الملفات، يمكن خبرتك تكون هي اللي محتاجينها.
ابتسمت جيهان ابتسامة واثقة، وشعرت أن الفرصة التي كانت تنتظرها لكي تثبت لنفسها أنها قادرة على بناء كيان خاص بها قد أصبحت بين يديها.
بدت ياسمين وكأنها استجمعت شجاعتها، ثم تابعت بلهجةٍ واثقة:
ـ يا جيهان، جوزي أحمد عارفك كويس، فاكر لما كنا بنحكي عنك في الجامعة وعن ذكائك؟ هو بقاله فترة بيحاول يوصل لحد يثق فيه ويكون عنده خبرة في إدارة الأزمات، وأنا قلت له إني قابلتك بالصدفة.
أومأت جيهان برأسها، وكانت ملامحها تعبر عن مزيجٍ من الترقب والارتياح، ثم ردت قائلة:
ـ أحمد؟ طبعاً فكراه.. ده كان أكتر واحد بيشجعنا وإحنا بنذاكر سوا. لو هو فعلاً محتاج حد يساعده في الأزمة دي، أنا موجودة، ومستعدة أسمع منه كل التفاصيل.
لمعت عينا ياسمين بالفرحة، وأخرجت هاتفها لتجري اتصالاً سريعاً، ثم التفتت إلى جيهان وقالت بابتسامة:
ـ كلمته، وهو رحب جداً بالفكرة ومستنينا بكره في الشركة. دي فرصة يا جيهان، مش بس عشان تشتغلي، دي فرصة عشان تستردي ثقتك في نفسك، وتثبتي إن اللي فات ده كان مجرد محطة، مش نهاية الطريق.
اتفقتا على موعد اللقاء في الغد، بينما بدأت جيهان تشعر لأول مرة أن الغموض الذي يحيط بحياتها الجديدة بدأ ينجلي، وأن صدفة اللقاء بصديقة العمر قد تكون مفتاحاً لمستقبلٍ لم تكن تتخيله.
❈-❈-❈
في إحدى ليالي شرم الشيخ الهادئة، حيث تتلألأ النجوم فوق سطح البحر، كانت كاميليا تجلس على الشرفة، لكن عينيها كانتا غائبتين عن سحر المكان، وقلبها مشغولٌ بـ "جيهان". اقترب منها تامر ليضع يده على كتفها بحنان، لكنه لاحظ شرودها الذي لم يقطعه جمال المكان.
التفتت إليه كاميليا، وبدت في عينيها نبرة حازمة أذابت كل محاولات الطمأنة التي بذلها خلال الأسبوع الماضي، وقالت بصوتٍ متهدج:
ـ بص يا تامر، أنا مقدرة جداً محاولاتك عشان تخليني أستمتع، بس أنا خلاص جبت آخري. يوسف وسميرة وندى كلامهم مش داخل دماغي، وكل ما أسأل يقولوا لي نفس الكلام اللي ملوش معنى. أنا لازم أرجع مصر، لازم أروح بنفسي وأشوف أختي علشان قلبي يطمن.
صمت تامر قليلاً وهو يرى بوضوح في عينيها أن القلق قد تحول إلى إصرار لا يلين. أدرك أن استمرارهما هنا لن يزيدها إلا توتراً، فتنهد بعمق ـ أنا مقدر خوفك عليها، وللأمانة، أنا كمان بدأت أحس إن فيه حاجات مش واضحة في كلام يوسف. لو رجوعنا هو اللي هيطمنك، فإحنا هنرجع مصر من بكرة، وهنحاول نوصل لجيهان ونطمن عليها بنفسنا.
أومأت كاميليا برأسها بارتياح، فقد شعرت أخيراً أن هناك من يسمعها ويصدق حدسها. في صباح اليوم التالي، كان تامر ينهي إجراءات المغادرة، بينما كانت كاميليا تحزم حقائبها وعقلها مشغولٌ بخطةٍ للقاء أختها فور وصولهما، غير مدركة أن جيهان في تلك اللحظة كانت ترسم لنفسها طريقاً مختلفاً تماماً في مدينة أخرى.
في رحلة العودة بالطائرة من شرم الشيخ، لم تهدأ أعصاب كاميليا للحظة؛ كانت نظراتها معلقة بنافذة الطائرة، وعقلها يدور في دوامةٍ الاحتمالات المفزعة. كان تامر يجلس بجانبها، يحاول طمأنتها بلمساتٍ هادئة على يدها، لكنه هو الآخر كان يشعر بثقلٍ غريب، وكأن شيئاً سيئاً يلوح في الأفق. طوال ساعات الرحلة، كان الصمت سيد الموقف، والتوتر يتصاعد مع كل دقيقة تقربهم من القاهرة.
وما إن حطت الطائرة، واستقلا السيارة متجهين نحو الفيلا، كانت كاميليا تشعر بقلبها يخفق بعنف، كأنه ينبئها بأن ما تخشاه قد وقع بالفعل. عند وصولهما، كان الهدوء المريب يطبق على أرجاء الفيلا، وكأن جدرانها تخفي سراً ثقيلاً. فور دخولهم إلى الردهة، تجمدت دماء كاميليا في عروقها حين وقعت عيناها على سميرة وندى؛ كانتا تجلسان في حالةٍ من الاضطراب الجلي، وكأنما نال منهما الترقب والقلق كل مأخذ.
كانت سميرة تجلس على حافة الأريكة بوضعيةٍ متشنجة، أصابعها تعبث بخاتمها بعصبية، وعيناها زائغتان لا تستقران على شيء. أما ندى، فكانت تقف عند النافذة، تطل منها وتلتفت بين الحين والآخر باتجاه الباب، وكأنها تراقب وصول شخصٍ ما، أو تهرب من شيءٍ يطاردها في الداخل. تلاشت كل محاولات التظاهر بالهدوء التي اعتادتا عليها، وبدا واضحاً أن حالة من الهلع غير المعلن قد سيطرت عليهما تماماً في غياب يوسف.
وما إن وقعت أعينهما على كاميليا وتامر، حتى انتفضتا من مكانيهما كمن لدغته أفعى، وارتسمت على وجهيهما ملامح الذهول الممزوج بالخوف، وتجمدت حركاتهما في الهواء، بينما وقف تامر خلف كاميليا، يراقب بحدة ملامحهما التي باتت صفحاتٍ مكشوفة، تصرخ بتوترٍ لم يعد ممكناً إخفاؤه.
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة فاطمةالزهراء، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية
