رواية جديدة بيت الضراير لفاطمة الزهراء - الفصل 53 - الأربعاء 1/7/2026

قراءة رواية بيت الضراير كاملة

اضغط زر "حفظ" في آخر الفصل لتحتفظ به في مكتبتك وتقرأه وقتما تحب

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى



رواية: بيت الضراير 

رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات

الكاتبة: فاطمة الزهراء

الفصل: الثالث والخمسون 

تم النشر: يوم الأربعاء

1/7/2026

الفصل السابق

كان عدنان يجلس في مكتبه؛ لم يكن يقرأ أو يكتب، كان غارقاً في تفكيره، كفاه متشابكتان بقوة، وعيناه مثبتتان على الفراغ، وكأنه يرى فيه وجه جيهان وحفيداته اللاتي اختفين. منذ غيابهن، والفيلا التي كانت تعج بالحياة باتت مكاناً موحشاً يضيق بأنفاسه.
فجأة، اخترق سكون البيت صوت محرك سيارة يتوقف في الخارج.
انتفض عدنان من مكانه، تسارعت دقات قلبه، المسافة من المكتب إلى الباب بدت له أطول من المعتاد. "أخيراً.. لعلهم هم"، همس لنفسه بنبرة يملؤها مزيج من الأمل والخوف.
دفع باب المكتب بقوة، وخرج بخطوات واسعة نحو الردهة، وعلى وجهه ملامح الغضب الممزوج بالترقب، مستعداً لمواجهة يوسف، لكنه تجمد فجأة في منتصف الطريق. لم يكن الواقف يوسف، بل كان تامر، وإلى جانبه كاميليا التي كانت عيناها تجولان في المكان بحدةٍ لا تخطئ.
خيم صمت ثقيل على الردهة. تبادل عدنان وتامر نظرة سريعة، كانت نظرة تامر تخلو من أي ود، بينما تراجع عدنان خطوة إلى الوراء غريزياً، فقد أدرك أن وصولهما في هذا التوقيت هو بداية الانهيار.
في تلك اللحظة، تحركت عينا كاميليا بسرعة، كأنها تمسح المكان بحثاً عن أختها جيهان وبناتها. نظرت نحو الأرائك الفارغة، نحو الممرات الصامتة؛ لا وجود لأي أثر لهن. التفتت كاميليا ببطء نحو عدنان، الذي حاول عبثاً استجماع شتات نفسه، لكن نظراته الزائغة وارتعاشة يده التي حاول إخفاءها في جيبه، كانتا كفيلتين بأن تؤكدا لكاميليا أن شكهما في محله؛ أختها ليست مجرد غائبة، بل إنها مفقودة في ظرف غامض لا يريدون الإفصاح عنه.
ساد الصمت في ردهة الفيلا، وكأن الهواء قد تجمد. خطت كاميليا خطوةً واحدة نحو عدنان، وبنظراتٍ حادة لا تعرف التردد، واجهته بصوتٍ هادئٍ يحمل في طياته تهديداً مبطناً:
ـ يا عمي عدنان.. جيهان فين؟ والبنات راحوا فين؟
تجمد عدنان في مكانه، وغابت عن وجهه كل ملامح السيطرة. أطرق برأسه إلى الأسفل، عاجزاً عن النطق بكلمةٍ واحدة، أو حتى مواجهة عينيها. وفي الأركان، وقفت سميرة وندى تراقبان المشهد بذعرٍ مكتوم، فلم تجرؤ أيّ منهما على التدخل أو حتى التنفس.
فجأةً، دويّ صوت فتح الباب الرئيسي كسر حدة الصمت. ولج يوسف إلى الداخل ومعه فارس، لكنهما تسمرا في مكانهما فور رؤيتهما لتامر وكاميليا. بانت الصدمة جليةً على وجه يوسف، وتراجعت خطواته لا إرادياً.
التفتت كاميليا نحو يوسف مباشرةً، وبنفس النبرة القوية والمباشرة سألته:
ـ يوسف.. قولي أختي وبناتها فين؟
وقف يوسف متصلباً، تنقل بصره بين كاميليا وبين والده الذي كان لا يزال منكس الرأس، وبدا بوضوح أن مفرَّه من هذه المواجهة قد انقطع تماماً.
اقتربت ندى بتردد من كاميليا وهي تعلم أن المواجهة لن تتأجل، هتفت بهدوء: 
ـ اهدي يا كاميليا.
هتفت كاميليا بنفاذ صبر: 
ـ جيهان فين هي والبنات؟ أنا سبتها هنا، وأنت وعدتني يا عمي إنك مش هتسيبها.. هي رجعت بيت بابا صح؟ خلاص هروح أشوفها.
التفتت لتغادر، ليهتف عدنان بصوتٍ متهدج: 
ًـ جيهان مش موجودة هنا ولا في بيت والدك يا كاميليا.
تسمرت كاميليا في مكانها، نظرت له بذهول وتهتف بصوتٍ يملؤه الرعب المكتوم: 
ًـ يعني إيه مش موجودة؟
التفتت بسرعة ليوسف، وبدأت ملامحها بالتحول لغضبٍ انفجاري، صرخت فيه: 
ـ أختي فين يا يوسف؟ عملت فيها إيه؟ هو ده اتفاقي معاك؟ اتكلم.. وديت أختي فين؟
ساد الصمت في الردهة، ولم يقطعه سوى ثقل الأنفاس. أخرج يوسف ورقةً مطويةً من جيب سترته ومدّها نحو كاميليا، بينما وقف تامر يراقب المشهد بذهول، عاجزاً عن فهم ما يحدث.
تناولت كاميليا الرسالة، وبدأت عيناها تتجولان في الأسطر، وما إن أنهت قراءتها حتى شحب وجهها وارتجفت يداها. أطبقت على الورقة بقوة، ورفعت رأسها لتنظر إليهم جميعاً، ثم هتفت بصوتٍ يملؤه الوجع والغضب:
"جيهان سابتني بسببكم."
اقترب تامر منها محاولاً تهدئتها، لكنها دفعته بعيداً عنها ورفضت النظر لأي أحد منهم، ثم هتفت بحدة: 
ـ لا، ابعد عني.. كلكم السبب، كلكم!
ثم التفتت نحو عدنان، وأشارت بإصبعها نحوه وقالت: 
ـ أنت السبب يا عمي، كل همك كان الوريث، مفكرتش لحظة فيها ولا في إحساسها وهي شايفة جوزها مع واحدة تانية!
استدارت بجسدها نحو يوسف، وعيناها تلمعان بدموع الغضب، وقالت بنبرة حادة: 
ـ وأنت يا يوسف، أنت أكتر واحد وجعتها، بدل المرة اتنين! سكتت واتحملت علشان بناتها وعشاني، وفي الآخر إيه النتيجة؟ جبتلها ضرتين مش واحدة.. شايف نفسك شهريار ومطلوب من الكل ينفذ طلباتك؟
أخذت نفساً عميقاً، ثم أضافت بصوتٍ خافتٍ مليءٍ بالندم: 
ـ وأنا كمان.. أنا كمان غلطت في حقها لما جيت عليها وحاولت أساعدك عشان ترجعوا لبعض. الحب مش كل حاجة يا يوسف، كلكم جيتوا عليها، وأنا شاركتكم في ده، بدل ما أساعدها.. جيت عليها زيكم.
حاولت ندى أن تتدخل بتردد قائلة: 
ـ كاميليا.. 
لكن كاميليا قاطعتها بحدة: "انتي كمان أذتيها زيهم، بعتي بنت عمك عشان صاحبتك! نسيتي حبها ليكي وعملتي زيهم.
تابعت كاميليا وهي توجه كلامها للجميع بمرارة: 
ـ كل واحد فيكم خرج كسبان؛ عمي جاله الحفيد اللي عاوزه، ويوسف اتجوز مرتين، مرة عشان ميعصاش عمي، والتانية عشان يرضي غروره.. تتوقع يا يوسف هتقدر تعيش في بيت هادي وأنت متجوز تلاتة؟ وطبعاً سميرة، اللي كانت دايماً بتتعمد تأذي أختي.
صمتت للحظة ثم تابعت بنبرة مليئة بالخذلان: 
ـ كل واحد فيكم فكر في نفسه، وهي كمان فكرت في نفسها وبناتها وعشان كده مشيت.. بس مشيت موجوعة، وأنا عمري ما هسامحكم كلكم على الوجع اللي سببتوه لها.
ثم التفتت نحو تامر، وبحزنٍ عميق قالت له: 
ـ آسفة يا تامر، مش هنقدر نكمل سوا.. لو خلفت بنات زي أختي، عمي هيطلب منك تتجوز عليا، وأنا مش هقبل أكون جيهان التانية في العيلة دي.
تجمّد تامر في مكانه، صُدم من كلام كاميليا ووقعه القاسي على قلبه. حاول أن يتقدم خطوة نحوها، فاتحاً فمه ليدافع عن نفسه أو ليرفض هذا الانفصال المفاجئ، لكنها رفعت يدها في وجهه، مانعةً إياه من الكلام، ثم استدارت وغادرت الردهة بخطواتٍ سريعة وعازمة، تاركةً خلفها صمتاً ثقيلاً لا يقطعه سوى أنفاسه المتهدجة.
وقف تامر مسمراً، عاجزاً عن الحركة، وكأن الكلمات قد حُبست في حنجرته. في تلك اللحظة، اقترب منه والده عدنان، وبنبرةٍ هادئة تخلو من أي سلطة، قال له:
ـ روح لها يا تامر.. هي محتاجة وجودك دلوقتي أكتر من أي وقت فات.
لم ينتظر تامر ثانيةً واحدة؛ اندفع خارجاً من الفيلا يتبعها، تاركاً الجميع في ذهولهم. أما يوسف، الذي كان يتابع الموقف بعينين غائرتين من الصدمة والندم، فلم يحتمل البقاء للحظة أخرى في هذا البيت الذي تحول إلى سجنٍ كبير؛ ألقى نظرة أخيرة على والده وعلى الورقة الملقاة على الأرض، ثم خرج من الباب بخطواتٍ متسارعة، محاولاً الهروب من نظرات الجميع ومن ثقل الحقيقة التي واجهته بها كاميليا.
وصلت كاميليا بيت والدها، وبمجرد أن أغلقت الباب خلفها، انهار كل حصن الصمود الذي بنته. سقطت على الأرض، وانفجرت في نوبة بكاء مريرة، كانت كل دموعها تخرج دفعة واحدة، محملة بوجع أختها، وخيبة أملها في الجميع، وثقل قرارها بالابتعاد عن تامر.
بعد وقت قصير، سمعت طرقاً على الباب. جمدت في مكانها، وعرفت فوراً أنه تامر. مسحت دموعها بعنف وحاولت التقاط أنفاسها، لكنه هتف من خلف الباب بصوتٍ ملؤه الإصرار:
ـ افتحي يا كاميليا، مش همشي وهسيبك لوحدك في الحالة دي.. افتحي.
تجاهلته في البداية، لكن طرقاته استمرت، وصوته لم يضعف، بل كان يملؤه القلق عليها. أدركت أنه لن يرحل، فاقتربت من الباب وفتحته بضعف. ما إن رأته أمامها، حتى تلاشت كل قيودها؛ رمت بنفسها بين ذراعيه، تشبثت بقميصه، وانخرطت في بكاء هستيري لم تستطع السيطرة عليه.
مع استمرار نوبة البكاء، بدأت قوتها تخور، وشعرت برأسها يدور، حتى غاب عنها الوعي تماماً بين يديه.
سارع تامر بحملها ووضعها على الأريكة، وقلبه يكاد يتوقف من الخوف عليها. أخرج هاتفه بيدٍ مرتجفة واتصل بندى:
ـ ندى، تعالي بيت عمي فوراً، كاميليا فقدت الوعي بين إيديا بعد ما كانت بتعيط بجنون.. مش عارف أعمل إيه، تعالي بسرعة!
لم تمر دقائق حتى وصلت ندى، كانت ملامح القلق تسيطر على وجهها وهي تلهث من أثر السرعة. بمجرد أن رأت كاميليا مسجاة على الأريكة، اقتربت منها بخطوات سريعة وبدأت في فحصها بمهارة.
بعد لحظات من الصمت المشحون بالتوتر، التفتت ندى إلى تامر وقالت بنبرة جازمة: 
ـ دي نوبة انهيار عصبي حادة يا تامر.. جسمها مقدرش يستحمل الضغط اللي هي فيه.
أخرجت ندى حقنة مهدئة من حقيبتها، وبخفة وحذر أعطتها لكاميليا، ثم التفتت لتامر وأضافت بلهجة حازمة: 
ـ أنا اديتها مهدئ، هتنام دلوقتي، بس خلي بالك.. هي محتاجة وجودك جنبها الفترة اللي جاية، متسيبهاش لوحدها لحظة واحدة، لأن وضعها النفسي صعب جداً.
وبدون أن تنتظر رداً، التقطت حقيبتها واستعدت للمغادرة، قائلة باعتذار: 
ـ لازم أمشي دلوقتي، مش قادرة أستنى أكتر من كدة، كلمني لو حصل أي جديد.
خرجت ندى مسرعة، وتركته في الغرفة مع كاميليا التي كانت أنفاسها تبدأ في الانتظام ببطء تحت تأثير المهدئ، بينما وقف تامر ينظر إليها بعيون تملؤها الحيرة والندم.
أنصرفت ندى تاركةً خلفها صمتاً ثقيلاً لا يقطعه سوى أنفاس كاميليا المنتظمة. اقترب تامر منها، وحملها برفق شديد بين ذراعيه، متوجهاً بها إلى غرفتها. وضعها على الفراش بعناية، وغطاها باللحاف، ثم جلس على حافة السرير يراقب ملامحها الشاحبة التي لم تفارقها آثار الدموع حتى وهي نائمة.
كانت الكلمات التي صرخت بها كاميليا قبل قليل تتردد في عقله كصدى لا يتوقف: 
مش هقبل أكون جيهان التانية. 
تنهد تامر بعمق، ووضع يده على جبهته وهو يغرق في التفكير.
انتقل بذهنه بعيداً عن الغرفة، وبدأ يحاول استرجاع أي تفصيلة صغيرة قد تقودهم لمكان جيهان. فكر في أصدقائها، في الأماكن التي تحبها، وفي احتمالية أن تكون قد لجأت لأي شخص بعيداً عن أعينهم. أخذ يتمتم لنفسه: 
ـ أين يمكن أن تختبئ؟ وما الذي ستفعله لتبدأ حياة جديدة بعيداً عن هذا الجحيم؟
كانت الحيرة تسيطر على كل خلية في عقله؛ فهو لم يكن يفكر فقط في الحفاظ على كاميليا التي باتت تتملكه مخاوف خسارتها، بل كان يشعر بمسؤولية تجاه جيهان أيضاً، التي تسببت تصرفات عائلته في ضياعها. استمر في مكانه، يحدق في الفراغ، محاولاً ربط الخيوط ببعضها، باحثاً عن بصيص أمل يوصله لمكانها.
عادت ندى إلى منزلها وهي لا تزال تحت تأثير صدمة ما حدث مع كاميليا، لكن بمجرد أن وطأت قدماها المنزل، تجمدت في مكانها. كان والد نور يجلس في الصالون مع والدها، ووجهه يكسوه الجمود والغضب المكتوم. كانت نور تقف بجانبه، ملامحها حازمة ومصرة على موقفها، لا تراجع فيه.
لم تكد ندى تستوعب الموقف، حتى دخل يوسف المنزل. كان وجهه شاحباً، وعيناه زائغتين كمن فقد بوصلته. توقف يوسف عند رؤية الجمع، وشعر بأن الأرض تميد به. نظر إليه والد نور بنظرة حادة وقال بصوت جهوري: 
ـ بنتنا مش هترجع لبيت فيه ضرتين، إحنا جينا ننهي كل شيء، الطلاق هو الحل الوحيد.
ساد صمت خانق في المكان. نظر يوسف إلى نور التي لم تنظر إليه حتى، ثم نظر إلى والدها، وشعر بثقل العالم على كتفيه. في تلك اللحظة، لم تكن سميرة ولا الوريث ولا تقاليد العائلة تشغل باله؛ كان عقله وقلبه في مكان آخر تماماً، يبحثان عن جيهان، يتساءلان عن مصيرها وهل هي بخير.
تنهد يوسف بعمق، وأحس بمرارة الهزيمة والتحرر في آن واحد. التفت إلى والد نور وقال بصوتٍ هادئ: 
ـ أنا موافق.. الطلاق هيتم، نور لها كل حقوقها، وأنا مش هعترض على أي شيء تطلبه.
وقع قراره كالصاعقة على الجميع؛ لم يتوقعوا منه هذا الاستسلام السريع. لكن يوسف كان قد حسم أمره داخلياً؛ فكل ما كان يهمه الآن هو التخلص من هذه القيود التي كبلته، ليتفرغ أخيراً للبحث عن جيهان التي أدرك متأخراً أنها كانت هي الضحية الكبرى لكل هذا العبث.
ساد جو من التوجس في أرجاء المكان، ولم يقطع الصمت سوى خطوات المأذون الذي دخل بخطوات هادئة ليتم الإجراءات. في ركن الغرفة، وقفت سميرة، كانت عيناها تترصدان كل حركة، وقلبها يخفق برعبٍ مكتوم؛ فهي تدرك الآن أن حصنها الواهي بدأ يتداعى، وتخشى أن يكون الطلاق هو بداية النهاية لها أيضاً، وأن الدور سيأتي عليها لا محالة.
لم يستغرق الأمر طويلاً؛ كلمات المأذون الجافة أنهت زواج يوسف ونور في دقائق، وكأنها تمسح سنوات من التعقيدات بضربة قلم. ما إن غادر المأذون، تبعه والد نور ونور نفسها دون أن تلتفت خلفها، تاركين يوسف في دوامة من الفراغ.
تحرك يوسف ببطء كمن يمشي في حلم، كانت خطواته ثقيلة تقوده غريزياً إلى الغرفة التي كانت تشغلها جيهان. دخل وأغلق الباب خلفه، وكأنما عزل نفسه عن العالم الخارجي. كانت الغرفة لا تزال تحتفظ برائحتها، ببعض تفاصيلها البسيطة التي لم تشأ أن تأخذها معها.
جلس يوسف على طرف السرير، ووضع رأسه بين كفيه. كان تايهًا، تتقاذفه الذكريات والندم، لا يرى أمامه سوى طيف جيهان، يتساءل في صمتٍ قاتل: 
أين أنتِ الآن؟ وكيف سمحت لنفسي أن أهدم بيتنا بأيدينا؟
❈-❈-❈
نسمات الإسكندرية المالحة كانت أول ما استقبل جيهان، وكأن المدينة تحاول غسل وجع السنين العالقة في روحها. لم تكن مجرد مدينة جديدة، بل كانت "المنفى الاختياري" الذي اختارته لتبدأ فيه من الصفر.
في المقهى الهادئ المطل على الكورنيش، انكبت جيهان على دراسة أوراق شركة أحمد؛ عيناها تتحركان بتركيز بين الأرقام والخطط، تحاول إيجاد مخرج للأزمة التي استعصت على الجميع. كان أحمد يراقبها بذهول، كيف تحولت تلك المرأة التي هربت من جحيم بيتها إلى عقل مدبر يفكك أعقد المشكلات في دقائق.
وضعت ياسمين يدها على كتف جيهان، وقالت بابتسامة مطمئنة:
ـ كفاية شغل يا جيهان، الشقة بقت جاهزة ليكم، والمدرسة أكدت لي إنهم قبلوا البنات في نفس فصل ولادي، علشان يبقوا وسط صحابهم ويبدأوا حياتهم الجديدة براحة.
رفعت جيهان رأسها عن الملفات، ولأول مرة منذ وقت طويل، لم تكن عيناها تعكسان الانكسار، بل كان فيهما بريق التحدي. تنهدت بعمق وهي تنظر للبحر، وأدركت أن الخوف الذي طالما أكل من عمرها بدأ يتبخر، تاركاً مكانه امرأة استعادت حقها في اختيار مصيرها.
أغلقت جيهان الملف، ونظرت لأحمد بابتسامة واثقة:
ـ متقلقش يا أحمد، المشكلة بسيطة ومحتاجة بس ترتيب أولويات، وأنا معاك وهنحلها سوا.
ثم التفتت لياسمين وأمسكت يديها بامتنان:
ـ مش عارفة أشكرك إزاي يا ياسمين على كل اللي عملتيه عشاني، لولا وقفتك دي مكنتش عرفت أتصرف في حاجة.
ابتسمت ياسمين وشجعتها:
ـ ده واجبي يا جيهان، قومي يلا بينا نروح نشوف البيت عشان تلحقي تنقلي فيه وتستقري.
ذهبت جيهان مع ياسمين لرؤية الشقة، وما إن دخلتها حتى شعرت بالراحة تسري في أوصالها؛ كانت هادئة، بسيطة، وتطل على مساحة خضراء مريحة للعين. بعد جولة قصيرة، عادت جيهان إلى الفندق، أنهت إجراءات الحساب بقلبٍ مطمئن، وجمعت أمتعتها هي وبناتها، لتغادر الفندق متوجهةً نحو بيتها الجديد، حيث بدأت أولى خطوات حريتها الحقيقية.
مرَّ شهران على انتقال جيهان إلى الإسكندرية، شهورٌ كانت كفيلة بأن تحولها من امرأة مكسورة تبحث عن ملجأ، إلى شريكة نجاح يعتمد عليها أحمد في إدارة أزمات شركته. لم تعد الإسكندرية مجرد منفى، بل أصبحت عالماً صغيراً بدأت جيهان تشكل ملامحه بكل دقة، حيث استقرت في بيتها الجديد، وتأقلمت البنات مع حياتهنّ في المدرسة وبدأن في تكوين صداقات جديدة.
في المقابل، لم تكن القاهرة هي القاهرة؛ خيم الصمت على أركان القصر. عاد يوسف إلى مكتبه في الشركة، لكنه ظل طيفاً باهتاً؛ فالأرقام والصفقات لم تعد تعني له شيئاً بقدر ما كان يشغل باله سؤال واحد: "أين هي؟". كانت غرفتها الخالية تلاحقه في كل زاوية، وكلما نظر إلى مقعدها الفارغ، شعر بوطأة الغياب.
على الجانب الآخر، كانت كاميليا تحاول جاهدة أن تشق طريقها وسط هذا الركام. كان حزنها على غياب شقيقتها جيهان يلازمها في كل وقت، ورغم محاولات تامر المستمرة للتخفيف عنها ووجوده الدائم بجانبها، إلا أن شعور الفراق ظل ثقيلاً.
لكن الحياة، في أشد لحظاتها قسوة، أحياناً تمنحنا سبباً للاستمرار. ومعرفة كاميليا بحملها، وأنها تنتظر مولوداً، كانت النقطة الفاصلة التي أعادت ترتيب أولوياتها. 
نظرت كاميليا إلى نفسها في المرآة، وضعت يدها على بطنها، وقالت بصوت خافت لكنه يحمل نبرة حازمة:
ـ لازم أكون قوية، علشاني وعلشان اللي جاي. مش هسمح لأي حد تاني يتحكم في حياتي، وهبني حياة جديدة تكون لينا إحنا وبس، بعيد عن أي قيود.
في القصر، كانت سميرة تتحرك بحذر شديد مع الجميع، مدركة تماماً أن خيوط وجودها في هذا المكان باتت واهية، ولا يربطها بهذه الأسرة الآن سوى أطفالها الذين أصبحوا هم محور حياتها الوحيد.
أما ندى، فكانت الأيام تمر عليها بثقلٍ لا يطاق داخل بيتها؛ فهاجس عدم الإنجاب بدأ يتحول إلى كابوس يؤرق ليلها ونهارها، ويزيد من شعورها بالوحدة. قررت أخيراً أن تضع حداً لهذه الحيرة، فتوجهت إلى الطبيبة لإجراء الفحوصات اللازمة.
انتظرت ندى النتائج، وحين عادت للطبيبة، كانت الصدمة بانتظارها. نظرت إليها الطبيبة بأسف وقالت بوضوح:
ًـ يا ندى، أنا راجعت الفحوصات كذا مرة، وللأسف تبين إن فيه ضعف شديد في مخزون البويضات، وده معناه إن فرصتك في الإنجاب الطبيعي ضعيفة جداً وتكاد تكون معدومة.
تسمرت ندى في مكانها، وشعرت وكأن الأرض تميد بها. لم تكن تحتاج لمصطلحات معقدة لتفهم الحقيقة؛ فالخبر كان بسيطاً ومباشراً كفاية ليقلب حياتها رأساً على عقب، وهي التي كانت تعتقد أن الأمومة هي السبيل الوحيد لاستقرارها في بيتها.
خرجت ندى من العيادة والكلمات تتردد في أذنيها كطنينٍ لا ينتهي، لم تعد قادرة على البقاء في بيتها وكأن المكان أصبح شاهداً على انكسارها. دون تفكير، اتجهت مباشرة إلى بيت والدها، دخلت بسرعة وتوجهت إلى غرفتها القديمة وأغلقت الباب على نفسها، متجاهلة أي تساؤلات من المحيطين.
في المنزل، تملك القلق من سميرة. كانت تراقب حالة ندى منذ عودتها، وشعرت أن صمتها المطبق ليس طبيعياً، فقررت الصعود للاطمئنان عليها. طرقت الباب بلطف، ولم تنتظر رداً، بل دخلت لتجد ندى منهارة على سريرها، غارقة في دموعها.
اقتربت سميرة منها بحذر، ووضعت يدها على كتفها بلمسة حانية وهي تسأل بصوت خافت:
ـ ندى، إيه اللي حصل؟ قولي لي إيه اللي مضايقك ومخليكي في الحالة دي؟
وما إن سمعت ندى صوت سميرة، حتى انفجرت في نوبة بكاء هستيرية، لم تستطع معها النطق بكلمة واحدة، واكتفت بالتمسك بملابس سميرة وكأنها تحاول تفريغ كل الوجع الذي تراكم في صدرها.
حاولت سميرة تهدئة ندى بكلمات رقيقة، لكن ندى لم تكن في حالة تسمح بالكلام، مسحت دموعها بعنف وقالت بصوت متقطع:
ـ مش قادرة أتكلم دلوقتي يا سميرة.. بجد، كل اللي محتاجاه إني أنام.
لم تجد سميرة مفراً من الانصياع لرغبتها، خرجت من الغرفة وهي في حيرة من أمرها، تجوب الممر ذهاباً وإياباً، القلق ينهش تفكيرها، ولا تجد أحداً يمكنها استشارته أو الوثوق به سوى كاميليا. ورغم معرفتها أن العلاقة بينهما مشحونة بالتوتر منذ لحظة اختفاء جيهان، إلا أنها لم ترَ خياراً آخر.
أمسكت سميرة بهاتفها، وترددت قبل أن تضغط على زر الاتصال. عندما أجابت كاميليا، كان صوتها جافاً ومليئاً بالحذر والنفور. شرحت لها سميرة الموقف بكلمات سريعة، مستعطفة إياها أن تأتي لترى ماذا أصاب ندى، وبعد صمتٍ طويل وترددٍ واضح، وافقت كاميليا على المجيء.
دخلت كاميليا إلى المنزل بخطوات حذرة، عيناها تجولان في المكان ببرود، بينما وقفت سميرة في الصالة مرتبكة، تفرك يديها ببعضهما. لم تكن هناك كلمات ترحيب، فجرح غياب جيهان لا يزال طازجاً، والاتهامات الصامتة بينهما كانت تملأ الفراغ.
قالت سميرة بصوت منخفض ومحرج:
ًـ شكراً إنك جيتي.. أنا بجد مش عارفة أعمل إيه، ندى راجعة في حالة تكسر القلب، دخلت أوضتها ونامت ومن غير ما تنطق بكلمة.
نظرت كاميليا إلى باب الغرفة الموصد، ثم وجهت نظراتها الحادة لسميرة وقالت بجمود:
ـ أنا جيت علشان ندى مش علشانك.. مش عاوزة أي كلام تاني غير اللي يخصها.
لم ترد سميرة، واكتفت بالإيماء برأسها، مفضلة الصمت على الدخول في صدام جديد. جلست كاميليا على أقرب مقعد، واضعة حقيبتها بجانبها، وعيناها مثبتتان على باب الغرفة. ساد صمت ثقيل في المكان، لا يقطعه إلا صوت عقارب الساعة التي تبدو وكأنها تتحرك ببطء شديد، بينما سميرة تجلس في الطرف الآخر من الصالة، تترقب بقلق اللحظة التي ستفتح فيها ندى باب غرفتها وتخرج لتقابل الحقيقة التي تحاول الهروب منها.
في صمت الصالة الخانق، لم تتحمل كاميليا هذا الانتظار الطويل. أخرجت هاتفها وكتبت رسالة إلى تامر، تخبره بوجودها في بيت والده، وأن سميرة هي من طلبت حضورها لأن ندى في حالة سيئة.
تلقى تامر الرسالة، وشعر ببرودة تسري في أوصاله. لم يفكر مرتين، ترك كل ما في يده وهرع إلى مكتب يوسف. دخل عليه مباشرة، وبمجرد أن أخبره بالرسالة، تجمعت الغيوم في عيني يوسف، ونهض من مكانه فوراً. تحرك الشقيقان معاً بخطوات سريعة متجهين إلى بيت والدهما، وهما في حالة من القلق الشديد.
عند وصولهم أمام المنزل، وجدوا فارس واقفاً بالخارج، يبدو عليه الاضطراب الواضح. بمجرد أن رآهم، اقترب منهم مسرعاً وسأل بقلق:
ـ ندى عندكم؟ بقالي فترة بحاول أوصل لها، موبايلها مغلق ومفيش أي رد، وأنا بدأت أقلق جداً.
لم يتردد يوسف أو تامر، تبادلوا نظرات القلق مع فارس، ثم دفعوا باب المنزل ودخلوا جميعاً، يسبقهم القلق إلى داخل البيت، حيث كانت كاميليا وسميرة بانتظارهم في الصالة.
بمجرد دخولهم، توقفت الأنفاس في الصالة. كاميليا وسميرة وقفتا فوراً عند رؤية الرجال وفارس.
بمجرد دخول يوسف وتامر وفارس إلى الصالة، خيم صمت مريب. كان فارس هو الأول الذي كسر هذا الهدوء، متجهاً نحو سميرة بسؤالٍ مقتضب وقلق:
ـ ندى فين يا سميرة؟
أشارت سميرة بيدها المرتجفة نحو الغرفة قائلة:
ـ هي في أوضتها.. دخلت من بدري ومحدش فينا عارف اللي حصل معاها.
في تلك اللحظة، حاول تامر الاقتراب من كاميليا، محاولاً التخفيف عنها وتهدئة روعها، لكن بمجرد أن وقعت عينا كاميليا على يوسف الواقف في الصالة، شعرت بضيقٍ شديد يطبق على أنفاسها؛ فوجوده ذكّرها بكل الصراعات المكتومة وغياب شقيقتها جيهان.
قبل أن يتحرك أحد باتجاه الغرفة، فُتح باب المنزل ودخل عدنان. توقف مكانه متفاجئاً من هذا التجمع غير المتوقع، ونظر إلى الجميع بحيرة وسأل بنبرة صارمة:
ـ إيه الحكاية؟ إيه اللي مجمعكم كلكم هنا في وقت زي ده؟
لم يكد السؤال يكتمل حتى انقطع الصوت تماماً في الصالة. اتجهت الأنظار نحو السلم، حيث ظهرت ندى وهي تنزل الدرجات ببطء. كان وجهها شاحباً وعيناها محمرتين من أثر البكاء، لكن نظراتها كانت تحمل ثباتاً غريباً.
وصلت ندى إلى الدرجة الأخيرة، وقفت بثبات أمام فارس الذي كان يترقب أي كلمة منها، وبصوتٍ هادئ وواضح، صدمت الجميع حين قالت:
ـ فارس.. أنا عايزة الطلاق.
خيم صمت مرعب على المكان بعد إعلان ندى الصادم، وكأن الهواء سُحب من الصالة. توقف الزمن عند لحظة اعترافها، وارتسمت علامات الذهول على وجوه الجميع.
كسر تامر هذا الصمت بصوتٍ متهدج، يقترب منها خطوات:
ـ إنتِ بتقولي إيه يا ندى؟ إيه السبب اللي يخليكي تقولي كلام زي ده فجأة؟
نظرت ندى إلى فارس بجمود، ورغم الألم الذي يعتصر قلبها، قالت ببرود مفتعل:
ّـ مفيش سبب يا تامر.. أنا بس عايزة أتطلق، أنا مش بحبه، أنا بحب واحد تاني.
لم يكد الصدى يتردد في أرجاء المكان حتى اقترب عدنان منها بخطوات ثقيلة وغاضبة، ووجهه يشتعل حمرة، صرخ في وجهها:
ـ إنتِ بتكلمي إيه؟ عيدي اللي قولتيه ده تاني!
لم تحتمل ندى حدة النبرة، انهمرت دموعها بغزارة وهي تكرر بصوتٍ مخنوق:
ـ أنا بحب واحد تاني.. دي الحقيقة.
لم يتمالك عدنان أعصابه، فاندفعت يده بقوة لتصفعها على وجهها وسط صرخة مكتومة من سميرة التي اندفعت فوراً لتحتضن ندى وتحميها. في تلك اللحظة، تحرك يوسف بسرعة، وقف أمام ندى وكأنه يحاول حجبها عن الجميع، ونظر في عينيها بحدة:
ـ إنتِ كدابة! قولي الحقيقة يا ندى، إنتِ أكيد بتخبي حاجة.. قولي الحقيقة!
ردت ندى وهي ترتجف بين يدي سميرة، وصوتها يتهدج بصدقٍ مرير:
ـ دي الحقيقة.. مش هعرف أعيش معاه.

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة فاطمة الزهراء، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية

اضغط زر "حفظ" بنهاية الفصل لتحتفظ بهذه الرواية في مكتبتك المفضلة وتقرأها وقتما تحب


رواياتنا الحصرية كاملة‏

إرسال تعليق

أحدث أقدم