بيت الضراير - الفصل الأخير | فاطمة الزهراء

قراءة رواية بيت الضراير كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى



رواية: بيت الضراير 


رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: فاطمة الزهراء | الفصل: الأخير



في شقتها، كانت جيهان تجلس وسط بناتها، تراقب ملامحهن وهي تحاول رسم ابتسامة زائفة لتطمئن قلوبهن الصغيرة، بينما كان قلبها يرفرف بعيداً نحو أختها. ساد صمتٌ طويل، قبل أن تنظر جيهان إلى هاتفها الجديد، ويدها ترتجف وهي تفكر في كاميليا: ـ يا ترى يا كاميليا بتعملي إيه دلوقتي؟ أنا عارفة إنك بتتعذبي بسببي، وعارفة إنك مش قادرة تسامحيهم، بس أنا كمان محتاجة لك.. محتاجة أحس إن ليّا سند.

في تلك اللحظة، كانت كاميليا قد عادت إلى البيت، دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها بقوة، لتنهمر دموعها دفعة واحدة. لم تعد تتحمل ثقل المواجهة التي حدثت منذ ساعات مع عدنان. جلست على طرف سرير جيهان، ضمت وسادتها إلى صدرها، وأطلقت العنان لشهقاتها.

شعرت لأول مرة بأنها وحيدة تماماً. سافرت بذاكرتها إلى أيام باريس، حين كانت تدرس هناك؛ تذكرت كيف كانت حين يضيق بها الحال، تمسك هاتفها وتطلب جيهان، وبمجرد أن تسمع صوت أختها الحنون، تشعر ببعض الهدوء. كانت جيهان هي بوصلتها، وملجأها الوحيد الذي لا يخطئ.

أمسكت كاميليا هاتفها بلهفة، ضغطت على قائمة الأسماء، لكنها توقفت عند اسم "جيهان" وهي تعلم يقيناً أن هذا الرقم قد أُغلق للأبد، وأن لا طريق أمامها لتعرف حتى إن كانت أختها بخير أم أن الدنيا ابتلعتها. انحنت بجسدها على الوسادة، وهمست بوجعٍ مكتوم:

ـ وحشتيني يا جيهان.. ليه سبتيني في وقت أنا أكتر حد محتاجلك فيه؟ ليه حتى مش عارفة أوصل لك؟

في تلك اللحظة، اتخذت جيهان قرارها، وبيدٍ ترتجف بدأت في كتابة الرقم الذي تحفظه عن ظهر قلب.

فجأة، اهتز هاتف كاميليا في يدها. نظرت إلى الشاشة، كان رقماً غريباً تماماً. توقفت عن البكاء للحظة، شعرت بقبضة في قلبها، ترددت لثانية قبل أن تضغط زر القبول، وقالت بصوتٍ متهدج ومخنق بالدموع:

ـ ألو؟

في الطرف الآخر، بمجرد أن سمعت جيهان صوت بكاء أختها المكسور، انهار تماسكها فوراً وردت بصوتٍ مخنوق بالدموع:

ـ كاميليا؟ إنتي بتعيطي؟

تسمرت كاميليا في مكانها، وتمكنت من تمييز نبرة الصوت فوراً، وردت بذهول ودموعها تنهمر:

ـ جيهان؟! إنتي اللي بتكلميني؟ يا جيهان.. قوليلي إنتي فين؟ ارجوكي ردي عليا، إنتي فين؟

تنهدت جيهان بعمق، وحاولت السيطرة على ارتجاف صوتها وهي تجيب:

ـ اهدي يا كاميليا، اهدي.. أنا كويسة، أنا وبناتي بخير.

صمتت قليلاً ثم تابعت بنبرة حازمة وحزينة:

ـ مش هقدر أقولك أنا فين دلوقتي. أنا بحاول أبني حياتي من جديد، وعايزة أبدأ صفحة تانية خالص. هكلمك دايماً، بس أرجوكي، إياكي تعرفي حد مكاني. لو حد عرف، مش هقدر أسامحك أبداً يا كاميليا.

مسحت كاميليا دموعها، ورغم وجعها، استوعبت خطورة موقف أختها، فردت بصوتٍ متهدج:

ـ حاضر يا جيهان، حاضر.. اللي إنتي عايزاه هعمله. أنا بس.. أنا محتاجاكي يا جيهان. حتى في الخبر ده.. أنا حامل، ومحتاجة تكوني جنبي.

ارتجف صوت جيهان، وغصّت بحروفها قبل أن تقول:

ـ مبروك.. متخافيش، يوم ولادتك هكون معاكي، مهما كان الثمن هكون جنبك.

سألتها كاميليا بفضول ممزوج بالألم:

ـ طيب ليه مشيتي؟ ليه سيبتيني؟

تنهدت جيهان بمرارة، وأجابت:

ـ مقدرتش أكمل يا كاميليا. رغم حبي ليوسف، بس رجوعي ليه كان معناه إني بظلم نفسي وبناتي معايا. أنا محتاجة أبني حياة جديدة لينا، مفيش عندي أهم من بناتي ومنك.. أنا حالياً عايشة علشانكم أنتم وبس.

استمر الحديث بينهما طويلاً، تبادلتا فيه الحكايات والدموع، حتى هدأت روحاهما قليلاً. وبعد أن انتهت المكالمة وأغلقت كاميليا الهاتف، أطلقت زفيراً طويلاً وهي تتكئ على السرير، وشعرت لأول مرة منذ فترة طويلة بنوعٍ من الراحة والسكينة يتسلل إلى قلبها.

نهضت كاميليا من على السرير، مسحت آثار دموعها بعمق، ثم خرجت من الغرفة وهي تحاول رسم ملامح هادئة على وجهها. بمجرد وصولها إلى الصالة، وجدت تامر يجلس هناك، عيناه تلاحقانها بفضول ممزوج بانتظار. توقفت في مكانها لثوانٍ، كان في قلبها رغبة عارمة أن تبوح له بكل شيء، أن تخبره بأن جيهان اتصلت بها للتو، لكن وعدها لأختها قيّد لسانها، وتراجعت عن الفكرة تماماً.

أشاحت بوجهها بعيداً عن نظراته، ثم اتجهت لتغير ملابسها وتجهز الغداء، مدركةً أن عليها أداء واجباتها رغم ثقل ما تحمله في صدرها. ورغم كل الغضب الذي يغلي بداخلها تجاه ندى، إلا أنها لم تستطع منع نفسها من التفكير فيها، فبينما كانت تمضي في مهامها، شعرت بوهنٍ شديد يسري في جسدها.

وضعت يدها تلقائياً على بطنها بخوف، وكأنها تحمي سراً أو تبحث عن أمانٍ مفقود؛ فكرت في سر أختها، وفكرت في ندى، وكيف تلاشت مشاعر الغضب في أعماقها لتفسح المجال لقلقٍ مبهم على مصيرها ومصير من تحب، بل وشعرت بنوعٍ من التعاطف مع ندى رغم كل شيء.

دخل فارس وندى المنزل، وأغلق فارس الباب خلفهما بضيقٍ واضح، ثم ألقى بمفاتيح السيارة على الطاولة بعنف قبل أن يتجه للصالة ويجلس بتوتر. تبعته ندى بخطواتٍ ثقيلة، وجلست أمامه وهي تطرق برأسها أرضاً.

كسر فارس الصمت بهتافٍ مشحون بالعتاب:

ـ إزاي يا ندى؟ إزاي قدرتي تقولي إن في حياتك شخص تاني؟ إنتِ عارفة وقتها انصدمت قد إيه؟ كنتِ متخيلة إني ممكن أصدقك؟

نظرت له ندى، وتهدجت أنفاسها حتى انهمرت دموعها بقوة أمام نظراته، وقالت بصوتٍ مخنوق:

ـ كنت عاوز أقولك إيه يا فارس؟ كنت عاوزني أقولك إيه؟ كنت عاوزني أواجهك بالحقيقة وإني مش هقدر أكون أم؟ إنت من حقك تكون أب ويكون عندك أولاد.. خلينا ننفصل بهدوء، وحقيقي مش هنسى الفترة اللي عشتها معاك.

هتف فارس بضيقٍ شديد وهو ينهض من مكانه:

ـ ندى! أنا مش هسيبك، لا النهاردة ولا بعده. سواء عندنا أولاد أو لا، ده مش سبب يخليني أتخلى عنك. بعدين ممكن نتبنى طفل ونعوض ده سوا.

ترددت ندى كثيراً قبل أن تنطق، كانت الكلمات تقف غصة في حلقها، رفعت عينيها المليئتين بالدموع لتنظر إليه بضعف، وقالت بصوت متهدج:

ـ بس.. بس يا فارس، من حقك يكون عندك ابن من دمك، طفل يشبهك ويحمل اسمك، مش مجرد حد نتبناه. أنا عارفة إن ده حقك الطبيعي، وعارفة إنك بتقول الكلام ده عشان متكسرنيش أكتر ما أنا مكسورة.

نظر إليها فارس بهدوء تام، لم تكن عيناه تحملان غضباً بقدر ما كانتا تحملان وجعاً صادقاً يشاركه إياها. اقترب منها وجلس بجوارها، ثم أمسك يديها بين كفيه بحزم، وقال بنبرة واثقة وهادئة:

ـ يا ندى، أنا حاسس بكل ذرة وجع بتعصري قلبك بيها، لأني بتوجع زيك بالظبط. بس يا حبيبتي، الأبوة مش بس دم وجينات، الأبوة رحمة ومسؤولية وأمان. خلينا ننسى الكلام اللي اتقال، ونطوي الصفحة دي بكل الوجع اللي فيها. كفاية عذاب لحد كدة.

صمت قليلاً ليسمح لكلماته أن تتغلغل في قلبها، ثم تابع وهو يمسح على كتفها بامتنان:

ـ من اللحظة دي، مفيش طلاق ومفيش انفصال. خلينا نفكر سوا في مستقبلنا، في حياتنا اللي جاية، وفي كل حاجة ممكن تعملنا سعادة حقيقية. أنا مش عايز غيرك، ولا عايز أكمل عمري غير جنبك.

تلاقت نظراتهما، وشعرت ندى لأول مرة منذ وقت طويل ببريق أمل يتسلل إلى قلبها، رغم ثقل الحقيقة التي تخفيها، ورغم نيران الذنب التي لا تزال تشتعل بداخلها تجاهه.

❈-❈-❈

مرت الشهور، نجحت خلالها جيهان في دعم أحمد حتى استعاد شركته، وفي تلك الأثناء كان موعد ولادة كاميليا يقترب، فكانت جيهان تطمئن عليها هاتفياً من حين لآخر. في يوم الولادة، لم تعد جيهان قادرة على تحمل الانتظار، فقررت السفر للقاهرة فوراً، وتركت بناتها في رعاية ياسمين.

وصلت جيهان للمستشفى، كانت كاميليا في الداخل تصارع آلام الولادة الشديدة، يحيط بها تامر وندى وسميرة، حتى خرج الطبيب ليخبرهم أنها بحاجة لبعض الوقت.

في الممر بالخارج، كان التوتر يملأ المكان؛ عدنان يجلس على الكرسي أمام باب الغرفة، يراقب الأبواب وعيناه تفيضان بالقلق على ابنته، بينما يقف يوسف مع فارس في زاوية الممر، نظراتهما مشحونة بالترقب والحدة، صمتٌ ثقيل يلفهما في انتظار أن يخرج أحد ليخبرهم بأي جديد عن حالة كاميليا.

وصلت جيهان إلى المستشفى، وسألت عن رقم الغرفة ثم صعدت. كان التوتر يسيطر عليها، لكن خوفها على أختها كان أهم من أي شيء. سارت في الممر بخطوات مترددة.

عندما اقتربت، رأت عدنان يجلس أمام الغرفة وبجواره اثنان، فعرفت أنهما فارس ويوسف. تنهدت لتكمل طريقها، لكن عدنان التفت للجانب الآخر ليتفاجأ بها. وقف عدنان مذهولاً من وجودها بعد انقطاع أخبارها، وانتبه يوسف لوقوف والده، وكانت صدمته واضحة.

استجمعت جيهان قوتها واقتربت منهم وقالت بهدوء:

ـ أنا جاية أشوف أختي يا عمي.

كان يوسف يريد التحدث، لكن عدنان أشار له بيده قائلاً:

ـ مش دلوقتي.

وأخبره أن عليهم الاطمئنان على كاميليا أولاً، وبعد ذلك سيتحدثون.

تعالت صرخات كاميليا من خلف الباب، صرخاتٌ مزقت هدوء الممر، ولم تعد جيهان قادرة على الصمود أو الانتظار. في تلك اللحظة، لم تعد تلتفت لما قد يترتب على فعلتها، دفعت الباب بقوة ودخلت الغرفة، متجاهلة نظرات الصدمة التي ارتسمت على وجوه من في الخارج.

سارت جيهان بخطوات واثقة نحو شقيقتها التي كانت تعتصر ألماً. تنحى تامر جانباً ليسمح لها بالاقتراب، وبدأت جيهان تمسح على وجه كاميليا وتهدئ من روعها بكلمات رقيقة وهامسة:

ـ اهدي يا حبيبتي، أنا معاكي.. خدي نفس طويل، أنا جنبك ومش هسيبك.

لم يمضِ وقت طويل حتى عاد الطبيب، ألقى نظرة سريعة على الحالة ثم أعلن بلهجة حاسمة:

ـ وقت الولادة حان، لازم ننقلها غرفة العمليات فوراً.

تحرك الجميع في حالة من الاستنفار، واندفعوا خلف سرير كاميليا الذي كان يُنقل بسرعة نحو غرفة الولادة. مرت الساعات ثقيلةً كأنها دهر، والكل ينتظر في الممر، لا حديث يقطع الصمت سوى أنفاسهم المتسارعة. وأخيراً، انفتح باب الغرفة لتخرج الممرضة بوجه بشوش، قائلة:

ـ الحمد لله، المدام بخير وجابت ولد زي القمر.

علت أصوات التهاني، والتف الجميع حول تامر يباركون له. في غمرة الفرح، التقت عينا تامر بجيهان، نظر إليها بهدوء يحمل الكثير من التقدير لما فعلته من أجل زوجته. وبعد مرور فترة من الوقت، نُقلت كاميليا إلى غرفتها، ودخل الجميع للاطمئنان عليها وتهنئتها، بينما بقيت جيهان تراقب المشهد من بعيد، تشعر بنوع من الارتياح بعد أن اطمأنت على شقيقتها.

استقرت كاميليا على فراشها، وبنظرات واهنة مليئة بالشوق والامتنان، تطلعت إلى جيهان. ببطء شديد، مدت ذراعها لتجذب أختها نحوها، وفي عناق صامت دام طويلاً، امتزجت دموعهما ببعضها.

شعر الجميع في الغرفة بثقل اللحظة وخصوصيتها، فانسحبوا في صمت؛ خرج عدنان متكئاً على عصاه، وخرج يوسف وتامر بخطوات بطيئة، تاركين الباب موارباً خلفهم ليمنحوا الأخوات مساحة خاصة للحديث.

بعد أن خلت الغرفة إلا منهما، نظرت كاميليا إلى جيهان بصوت متعب ومتقطع:

ـ خليكي معايا يا جيهان.. أنا محتاجة ليكي بجد.

تنهدت جيهان بعمق، ومسحت على شعر أختها بحنان، ثم قالت بنبرة يملؤها الألم والصدق:

ـ أنا معاكي يا حبيبتي، ومستحيل أسيبك تاني أبداً.. بس لازم تفهمي، وجودي هنا بيتعبني.. المكان ده ذكرياتي الوحشة فيه أكتر بكتير من أي حاجة حلوة عشتها.

أمسكت كاميليا يد أختها بقوة، وقالت بإصرار:

ـ انتي أختي، ومفيش حاجة في الدنيا دي تقدر تفرق بيننا تاني.. وصدقيني، في أي وقت هتحتاجيني فيه، هتلاقيني جنبك.

ساد صمت طويل بينهما، بينما كان ضوء النهار يتسلل من نافذة الغرفة، يراقب حوارهما الهادئ الذي يحمل في طياته الكثير من الأسئلة المعلقة حول المستقبل، وما إذا كان هذا اللقاء بداية لعودة دائمة أم مجرد لحظة صلح في حياة مليئة بالتعقيدات.

هتفت جيهان وهي تحاول طمأنة شقيقتها، وتمسح بيديها على وجهها الذي غلب عليه الشحوب:

ـ اسمعيني يا كاميليا، لازم ترجعي بيتك انتي وتامر عشان خاطر حياتكم الجديدة، ابنكم محتاج يتربى في جو من الهدوء والاستقرار.. وسامحي يا أختي، أنا سامحت علشان خاطر بناتي وعلشان قلبي يرتاح.

نظرت إليها كاميليا بعينين دامعتين، وهتفت بتردد وصوت خافت:

ـ يعني خلاص مفيش أي أمل؟ مفيش فرصة ترجعي إنتي ويوسف تاني؟

تنهدت جيهان تنهيدة طويلة خرجت من أعماق صدرها، ثم أجابت بمرارة:

ـ لا يا كاميليا، يوسف هيفضل ابن عمي وأبو بناتي، لكن هو اللي وصلنا للطريق ده.. حاولت كتير إني أسامح وأنسى، بس خلاص مابقتش قادرة أعيش في بيت حياتي فيه مهددة كل شوية بزوج ممكن يتجوز عليا مرة تانية.. يوسف بقراره ده خلاني أعاقب نفسي وأعاقبه من يوم ما اتجوز سميرة، والوجع اللي في قلبي أكبر من إني أقدر أدفنه وأعيش كأن مفيش حاجة حصلت.

خيم الصمت على أرجاء الغرفة، وكأن كلمات جيهان قد أغلقت الباب أمام أي تساؤلات أخرى، بينما بقيت كاميليا تنظر لأختها بأسف، مدركة أن جراح الماضي قد غارت عميقاً لدرجة يصعب معها الالتئام.

في تلك الأثناء، طُرِق الباب بخفة قبل أن يدخل الطبيب، وتبعه تامر الذي كان يترقب بلهفة. اقترب الطبيب من كاميليا وبدأ في فحصها ومتابعة مؤشراتها الحيوية، بينما كان تامر يراقب وجه زوجته بقلق ظاهر.

بعد لحظات من الفحص الدقيق، اعتدل الطبيب في وقفته وابتسم مطمئناً:

ـ الحمد لله، الحالة مستقرة تماماً، وكاميليا والمولود بصحة جيدة جداً. تقدروا تخرجوا من المستشفى النهاردة.

تنفس تامر الصعداء، وسارع باتخاذ قراره، فأصر على أن تذهب كاميليا إلى منزلهما ليتمكن من رعايتها في بيئتهما الخاصة. ورغم رفض كاميليا الخجول لرغبتها في البقاء بجانب جيهان، إلا أن الأخيرة تدخلت بهدوء وحسم، ممسكة بيد أختها وقالت:

ـ لازم ترتاحي في بيتك يا كاميليا، وتامر معاكي هيقوم بالواجب. أنا مش هبعد، هتلاقيني جنبك دايماً، بس لازم تروحي مكانك الطبيعي.

تمت إجراءات الخروج، وانطلقوا جميعاً نحو بيت تامر. فور وصولهم، ساعدت جيهان شقيقتها على الاستقرار في فراشها والراحة، وبعد أن تأكدت أنها غطت في نوم هادئ، انسحبت بهدوء إلى الصالة.

جلست جيهان على أريكة بعيدة، وعمّ المكان هدوءٌ ثقيل. لم يكن ذهنها مع ما يدور حولها، بل كانت أفكارها تحلق بعيداً نحو تلك المواجهة الحتمية التي تنتظرها مع يوسف. كان عقلها يعيد ترتيب كلماتها، ويستعرض تلك الندوب التي لم تلتئم، متسائلةً كيف ستكون لحظة اللقاء، وما الذي قد يحمله القدر لهما بعد كل ما حدث.

في الجهة الأخرى، كان يوسف يقف أمام نافذة غرفته، يراقب ضوء القمر الذي يضيء السماء ببرود يشبه حالته. كانت رغبته في الذهاب إلى جيهان والحديث معها تشتعل في صدره، يريد أن يفهم ما يدور في عقلها، أو ربما فقط أن يراها ليتأكد أنها لا تزال موجودة في عالمه.

لكن كلمات والده كانت تتردد في أذنيه كقيدٍ لا يستطيع الفكاك منه: "انتظر للغد". كان يعلم أن والده محق، فالموقف لا يحتمل المزيد من الانفعال، لكن هذا الانتظار كان أشبه بجلوسه على جمر الغضا.

قضى يوسف ليلته يتقلب بين ذكريات الماضي وصدمة الحاضر. كان كلما أغمض عينيه، تراءت له نظرة جيهان وهي تبتعد عنه، وتجاهلها التام لوجوده في المستشفى. شعر لأول مرة بوطأة القرارات التي اتخذها، وبأن الصمت الذي تفرضه عليه كان أشد قسوة من أي عتاب. كان يوسف يدرك أن صباح الغد سيكون المواجهة الأولى التي ستحمل له الإجابات التي يخشاها، وأنه على موعد مع لحظة قد تغير كل شيء، أو تنهي ما تبقى من أمل.

❈-❈-❈

في صباح اليوم التالي، لم يستطع يوسف الصبر أكثر، فانطلق برفقة والده عدنان نحو منزل تامر. ما إن وصلا حتى استقبلهما تامر بترحيبٍ أخوي، وأدخلهما إلى صالون المنزل الفسيح.

في تلك الأثناء، كانت جيهان تجلس بجوار كاميليا في الغرفة، تراقب بابتسامة هادئة طفل شقيقتها الذي يستغرق في نومه، فبدت ملامحها ساكنةً تخفي خلفها عاصفة من المشاعر. قطع هذا الهدوء دخول تامر، الذي ألقى نظرةً مترددة على جيهان قبل أن يقول بنبرة منخفضة:

ـ يوسف وبابا موجودين في الصالة يا جيهان، ومستنيين يقابلوكي.

ساد الصمت لثوانٍ، نظرت جيهان إلى كاميليا بهدوء، ثم مدت يدها وضغطت على يد شقيقتها ضغطة حازمة، وكأنها تستمد منها ومن وجود طفلها القوة. نهضت جيهان من مجلسها، عدّلت من مظهرها بثبات، واتجهت بخطوات واثقة نحو الخارج. كانت تعلم أن هذه اللحظة هي الفاصلة، وأن الوقت قد حان لتواجه يوسف وتضع حداً لكل ما مضى.

وقفت جيهان عند مدخل الصالة، تلاقت عيناها مع نظرات يوسف التي كانت تحمل مزيجاً من اللهفة والانكسار، بينما كان عدنان يراقب الموقف في صمتٍ ثقيل.

في الغرفة، كانت كاميليا تجلس بضعف، تتابع ما يحدث في الصالة بقلبٍ يرتجف، وهتفت لتامر بقلق: 

ـ لازم نكون موجودين.. أنا خايفة يحصل صدام.

أمسك تامر يدها وهدأ من روعها: 

ـ بابا موجود معاهم، وهو أكيد عارف إن دي لحظة حساسة.. خليها تاخد مساحتها.

في الصالة، كانت الأجواء مشحونة بصمتٍ ثقيل، فكسر عدنان هذا السكون بصوتٍ هادئ يحمل مزيجاً من القلق والأبوة، وهو يراقب ملامح جيهان المتعبة:

ـ يا بنتي.. قلقتونا عليكم الفترة اللي فاتت دي. دورنا عليكي كتير لأننا كنا محتاجين نطمن، مش بس لأننا عايزين نعرف مكانك.. إزاي قدرتي تتحملي كل ده لوحدك إنتي والبنات؟

تنهدت جيهان بعمق، ونظرت لعدنان، ثم التفتت ليوسف الذي كان يراقبها بلهفة وانكسار، وقالت بهدوء وهي تحاول تماسك أعصابها:

ـ يا عمي.. أنا ما اختفيتش عشان أأذي حد أو أبعد الناس عني، أنا اختفيت علشان ألاقي نفسي اللي ضاعت وسط المشاكل. البنات محتاجين جو أهدى بكتير من اللي كنا عايشين فيه، وأنا كنت بحاول أوفرلهم ده بأي تمن.

كان صوتها هادئاً لكنه يحمل إصراراً لا يلين، وكأنها تضع حدوداً واضحة منذ بداية الحديث.

تلقى يوسف كلماتها بصدمةٍ واضحة، وكأن الأرض مادت من تحت قدميه. عقد حاجبيه وسألها بصوتٍ مخنوق:

ـ تقصدي إيه يا جيهان؟ إيه اللي بتقوليه ده؟

نظرت إليه جيهان بعينين تلمعان بدموعٍ محبوسة، وقالت بصوتٍ ثابت وقوي:

ـ أقصد إني قررت أعيش حياتي علشاني وعلشان بناتي وبس. حاولت أسامح كتير يا يوسف، حاولت أتخطى، بس مقدرتش.. الوجع أكبر من إني أقدر أتحمله تاني، ومش مستعدة أعيش في خوف من وجع جديد ييجي من حد فيكم.

صمتت للحظات، ثم أضافت بنبرةٍ تحمل عتاباً مريراً وهي تنظر لعدنان ويوسف معاً:

ُـ مكنش ذنبي من الأول.. البنات دول لحم ودم، وبناتك يا يوسف.. بس أنت وعمي حكمتوا عليا، وحكمتوا على مستقبلي كله علشان خلفت بنتين، وكأنه كان لازم أعتذر على وجودهم في حياتي.

ساد صمتٌ ثقيل في أرجاء الصالة، لم يستطع عدنان الرد، فقد سقطت حججُه أمام الحقيقة التي واجهته بها جيهان. أما يوسف، فقد تجمد في مكانه؛ كان يأمل أن يجد مدخلاً ليعيد المياه لمجاريها، لكن نبرة جيهان وثباتها أكدا له أن هذا القرار لم يأتِ من فراغ، بل هو قرارُ امرأةٍ قطعت كل جسور العودة.

نظرت جيهان إليهما بمرارة، وأكملت حديثها بنبرةٍ تخترق الجدران:

ـ اتحملت تدخل عليا ضرة، ومحدش فيكم حس بعذابي ولا بوجعي. حكمتوا عليا وعلى نفسكم إني أرفض أجيب طفل تاني، مع إنه كان حقي.. بس إزاي؟ هو أنا مش من حقي أكون أم لولد؟ ولا كان لازم أجيب ولد علشان الشركة تفضل تحت سيطرتكم؟ مش دي وجهة نظرك يا عمي؟ بس اللي حصل إنك هددتني.. هددتني أنا ويوسف.

في تلك اللحظة، ارتدَّ شريط الذكريات بيوسف إلى يوم زفافه من سميرة. تذكر بوضوح جيهان حين وقفت أمامه وقالت بكسرة إنها لن تنجب منه مرة أخرى. في ذلك الوقت، كان غارقاً في أنانيته ولم يفكر في وقع كلماتها، ومع توالي السنين تناسى ذلك الحوار تماماً، حتى أيقظته جيهان اليوم لتذكره بأن الجرح لم يندمل.

استجمعت جيهان قواها وأضافت بلهجةٍ قاطعة:

ـ أنا مبقتش عايزة الشركة ولا عايزة أي حاجة. كل اللي عايزاه إني أعيش أنا وبناتي في أمان، مش في بيت كله قلق وتوتر. اللي بينا انتهى يا يوسف من يوم ما وافقت تتجوز سميرة.. ومن النهاردة، بخلي مسؤوليتك من أي شيء خاص بيا.

انسحب الكلام من لسان يوسف، وشعر بأن كل وعوده السابقة قد تبخرت أمام صلابة جيهان التي لم تعد تلتفت لما كان يربطهما.

حاول يوسف أن يفتح فمه، متخبطاً بين رغبته في التمسك بها وبين عجزه عن إيجاد الكلمات التي قد تمحو أثر السنين، لكن جيهان قاطعته بحزمٍ لا يقبل التأويل:

ُـ لا يا يوسف، مش هقبل أي مبرر منك، ولا عايزة أسمع أي حاجة. أرجوك كفاية.. أنا عاملة احترام لعمي، اللي وجعني رغم كل ده، ومش هنسى دعمه ليا ولاختي بعد موت أهلي، ده دين في رقبتي وهيفضل محفوظ.

أخذت نفساً عميقاً لتتمالك أعصابها، ثم تابعت بنبرة أكثر هدوءاً ولكنها أشد قسوة في معناها:

ـ لكن أكتر من كده مش هقبل، لأننا لو كملنا هنوجع بعض أكتر. الأفضل ليك ولحياتك إنك تحافظ على بيتك مع سميرة؛ هي الوحيدة اللي اختارت تستنى وتكمل معاك. بلاش تضيعها هي كمان، أنتم الاتنين مناسبين لبعض ومناسبين للجو اللي أنت عايزه.

وقع كلماتها كان كالصاعقة على يوسف؛ فقد كان يظن أن سميرة مجرد عائق في حياتهما، لتأتي جيهان الآن وتضعهما في كفة واحدة، وتعلن ببساطة أنها لم تعد ترى في وجوده مع سميرة ظلماً لها، بل قراراً يجب أن يلتزم به.

أما عدنان، فقد ظل صامتاً، يراقب المشهد بذهول، وكأن الحقيقة التي كانت غائبة عن وعيه قد تجسدت أمامه في كلمات جيهان الصادقة والموجعة.

ساد صمتٌ مطبق بعد آخر كلماتها، لم يجرؤ يوسف على النطق، ولم يجد عدنان ما يبرر به الموقف. نظرت جيهان إليهما نظرةً أخيرة، نظرة خالية من أي عتاب، ثم استدارت بهدوء تام.

سارت بخطواتٍ واثقة نحو مخرج الصالة، لم تلتفت خلفها، ولم تنتظر حتى رد فعلٍ من أحد. فتحت باب المنزل، وبينما كان يوسف يهم بالنهوض خلفها، توقفت للحظة عند العتبة، أغلقت الباب خلفها بهدوء، تاركةً إياهما في حالة من الذهول والجمود.

في الغرفة، سمعت كاميليا صوت إغلاق الباب القوي، فانتفضت من مكانها وتوجهت للصالة لتجد يوسف وعدنان في مكانهما، يحدقان في الفراغ، وقد أدرك الجميع أن جيهان قد رحلت فعلياً، وأنها لم تعد تلك التي كانت تنتظر خلف الأبواب.

❈-❈-❈

الخاتمة


بعد مرور سنوات


مرت السنوات كالطيف، وغيرت ملامح الأيام كما غيرت ملامح أصحابها. في ذلك البيت الذي كان يوماً مسرحاً للقلق، دبت فيه روح جديدة؛ فقد تبنت ندى طفلاً، وبدأت حياةً خاصة بها مدعومةً بحب فارس ومساندة أسرتها. أما كاميليا، فقد غمرتها السعادة بعد أن أنجبت فتاةً وطفلاً، ليصبح منزلهما ملاذاً للدفء الذي افتقدوه طويلاً.

لم تنقطع صلة جيهان بهم، بل كانت تزورهم من وقتٍ لآخر، بل وأكثر من ذلك، حرصت على أن تأخذ ابنتيها لزيارة والدهما وأسرته، لتبقي باب الود مفتوحاً بعيداً عن أوجاع الماضي.

أما يوسف، فقد تحول إلى شخصٍ آخر؛ نهش الندم قلبه بعد أن فات الأوان، وحاول هو ووالده مراراً إقناع جيهان بالعودة للقاهرة واستلام إدارة شركتها، لكنها كانت تقابل ذلك دائماً برفضٍ هادئ وحازم. كانت تقول لهما بوضوح:

ـ كفاية لحد كده، أنا شايفة إن اللي إحنا فيه ده أفضل للجميع، بلاش نرجع نفتح صفحات اتقفلت.

اكتفى يوسف بزيارة بناته بين الحين والآخر، يراقب من بعيد حيواتهن التي نمت بعيداً عن صراعاته. وفي المقابل، نجحت جيهان في تأسيس حياةٍ هادئة ومستقلة، ورغم رفضها القاطع في البداية لمشاركة "أحمد" في شركته، إلا أنها تراجعت أخيراً لتصبح شركتهما معاً أكبر صرح هندسي في مدينة الإسكندرية، محققةً نجاحاً فاق كل التوقعات.

ذات مساء، كانت جيهان تسير على شاطئ الإسكندرية، تتأمل أمواج البحر الهادئة التي تشبه سكينة روحها الآن. كان شريط السنوات يمر أمام عينيها، وكلما فكرت في كل ما مضى، ازدادت قناعتها بأنها اتخذت الصواب حين اختارت نفسها وبناتها. لم تكن جيهان التي تسير على الشاطئ هي تلك المرأة المنكسرة التي غادرت ذلك البيت يوماً، بل كانت امرأةً انتصرت على ألمها، وأدركت أن كرامتها وراحة بالها كانتا أغلى ما تملك، وأنها لم تكن يوماً لتنكسر طالما امتلكت قوة القرار.



تمت 


تنويه


لكل حكاية أكثر من وجه، وجيهان عاشت رحلة طويلة من الوجع والبحث عن الذات. لدي نهاية أخرى لهذه الرواية، تختلف في مسارها ونتائجها عما قرأتموه للتو.

أهديكم الاختيار: هل نكتفي بهذه النهاية الهادئة والمستقرة، أم أنكم متشوقون لمعرفة النهاية الأخرى بكل ما تحمله من صراعات وقرارات مختلفة؟

« السابق جميع الفصول التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة فاطمة الزهراء، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

إرسال تعليق

أحدث أقدم