قراءة رواية لسة أجمل يوم مجاش كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
إن أجمل العلاقات ليست تلك التي يذوب فيها الطرفان حتى يصبحا نسخةً واحدة، بل التي يحتفظ فيها كلٌّ منهما بلونه، فتتجاور الألوان لتصنع لوحةً لا يستطيع لونٌ واحد أن يرسمها بمفرده.
قد يظن الناس أن الاختلاف سببٌ دائم للصدام، لكنه قد يكون سببًا للنضج أيضًا. فالاختلاف حين يصاحبه الاحترام يتحول إلى مساحةٍ يتعلم فيها كل إنسان شيئًا جديدًا عن نفسه قبل أن يتعلمه عن شريك حياته. وحين يصبح كل اختلافٍ فرصةً للفهم، لا معركةً لإثبات من هو الأصح، يولد ذلك السلام الذي لا يعرفه إلا من وجد نصفه المختلف، لا نصفه المطابق.
ربما لهذا السبب تستمر بعض العلاقات سنواتٍ طويلة، بينما تنطفئ أخرى بدأت بتشابهٍ كبير. فالتشابه قد يجلب الراحة، لكنه لا يضمن الاستمرار، أما التكامل فهو الذي يمنح العلاقة قدرتها على النمو مع الأيام.
لذلك، لا تتعجب إن رأيت شخصًا رزينًا يعشق إنسانةً لا تكف عن الضحك، أو فتاةً هادئةً اختارت رجلًا يملأ المكان حركةً وضجيجًا. فقد لا يكون ما جمعهما تشابه الطباع، بل ذلك الشعور الخفي بأن كلاً منهما وجد في الآخر الجزء الذي ظل يبحث عنه طويلًا دون أن يدري.
مضى وسام إلى بيت أهل منى، يمشي على خيطٍ دقيق بين الصدق والستر، فلا هو أفصح عن موضعها إفصاحًا يُقلقهم، ولا أخفى عنهم ما يُطمئنهم. جلس بينهم وقلبه ثابت، ولسانه هادئ، وسرده متزن؛ فراح يشرح الحكاية شرحًا لا يجرح ولا يفضح، ويقصّ القصة قصًّا لا يُغضب ولا يُفزع. أخبرهم أنّ منى لم تهرب عبثًا، ولم تخرج طيشًا، بل خرجت هربًا من ضيقٍ اشتد، وخوفٍ احتد، وضغطٍ كاد أن يكسرها كسرًا لا يُجبر. وأشار إشارةً موحية إلى أنّه يعلم مكانها، وأنها بخيرٍ لا شرّ فيه، وبأمانٍ لا خوف معه، وأنّها هي من قصّت عليه ما قصّت، وباحت له بما كتمت.
وساق القول سوقًا حكيمًا، فقال إن الإصرار على ما لا يُرضي القلوب لا يأتي بخير، وإن الزواج إن لم يُكتب في السماء فلن يثبت في الأرض، وإن ما قُدّر كائنٌ لا محالة، وما لم يُقدّر زائلٌ لا محالة. وألمح تلميحًا بليغًا إلى أنّ ما حدث، وإن بدا قاسيًا، فهو أخفّ من قضاءٍ كان قد يكون أشدّ، وأهون من بلاءٍ كان قد يكون أدهى. ثم أخذ عليهم عهدًا أن يكفّوا عن الضغط، وأن يرفعوا عنها الإلحاح، وأن يتركوها لنصيبها، فإن النصيب إذا جاء جاء، وإذا غاب غاب، لا يُستجلب بقهرٍ، ولا يُمنع بقسر.
خرج وسام من عندهم وقد أدّى مهمته أداءً تامًا، لا نقص فيه ولا خلل، وقد ترك وراءه قلوبًا تهدأ بعد اضطراب، ونفوسًا تميل إلى القبول بعد عناد.
أما مي، فقد كانت في عالمٍ آخر، عالمٍ يضجّ بالمقالب ويزهو بالمشاكسات، وكأنها خلقت للضحك خلقًا، وللمفاجآت رزقًا. أفرغت يومها لتدبير حيلة جديدة، ونوت في سرّها نيةً غريبة، لا تخلو من عبثٍ ولا تخلو من دلال؛ إذ قررت أن تُهدي وسام “تسلية” من نوعٍ خاص.
دخلت محل بيع الحيوانات، ومعها رفيقاتها، وكلٌّ منهن ينظر إليها نظرة المتعجب من صنيعها، والمتسائل عن مقصدها. دار بينهن حديث، لكنه بدا أقرب إلى خواطر تُروى، ونوايا تُخفى؛ إذ راحت منة تستفهم، وغادة تستغرب، وأمنية تميل إلى الانصراف، بينما مي تزداد غموضًا، وتُحكم ستر قصدها إحكامًا.
بدت مي وكأنها تقول في نفسها إن الضحك أولى من كل شيء، وإن النفس إذا رغبت في المرح فلا رادّ لها ولا حائل، وإنها لن تحرم نفسها مما تريد، مهما بدا غريبًا أو عجيبًا. وما هي إلا لحظات حتى وقعت عيناها على صندوقٍ يضم سحالي، فتوقف الزمن عند تلك اللحظة، وارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ ماكرة، وعرفت حينها أنها وجدت ضالتها.
قررت في نفسها قرارًا لا رجعة فيه، أن تأخذ سحلية، لا لتُربيها، بل لتُربك بها حياة وسام إرباكًا لطيفًا، وتُدخل عليه فوضىً خفيفة، وضحكًا صاخبًا. ورغم اعتراض منة الصامت، واستنكارها الخافت، لم تتراجع مي، بل مضت فيما عزمت عليه، وكأنها تقول إن القرار إذا وُلد فلا يُوأد، وإن الفكرة إذا نضجت فلا تُجهض.
اشترت سحلية جبلية، صغيرة الحجم، كبيرة الأثر، وحملتها معها كأنها تحمل سرًّا ثمينًا، أو خطةً لا تُعلن. عادت إلى المكتب، فاستقبلها الجميع بدهشةٍ تتفاوت بين الضحك والذهول، بين من رآها طريفة، ومن حسبها مجنونة، لكنها لم تعبأ، بل مضت تبتسم ابتسامة من يعرف ما يفعل، ويُخفي ما ينوي.
ولما عاد الجميع إلى بيوتهم، علمت أن وسام في المنزل، فتهيأت لتنفيذ خطتها تنفيذًا دقيقًا، وصعدت إلى شقتها، ثم خرجت إلى الشرفة، وفي لحظةٍ خاطفة، ألقت بالسحلية إلى شرفة وسام، فهبطت خفيفةً، وانسلّت مسرعةً إلى الداخل.
في تلك الأثناء، كان وسام جالسًا في غرفة المعيشة، يقرأ في هدوءٍ وسكون، بينما كانت منى تستعد للسفر في الغد، وقد عزمت على مواجهة أهلها كما وُعدت. فجأة، انقطع السكون بصوت خافت، خشخشةٍ غريبة، كأنها نذير شيءٍ غير مألوف.
توجهت منى نحو الشرفة، وأضاءت النور، وما إن وقعت عيناها على السحلية حتى تجمدت في مكانها، ثم انفجر صوتها صرخةً حادة، صرخة تجمع بين الفزع والدهشة. نادت وسام نداءً مضطربًا، فهبّ من مكانه هبّة المسرع، وأقبل إليها يسأل بعينٍ قلقة، وقلبٍ متوجس.
تقدّم نحو الشرفة، فإذا بالمشهد يكشف نفسه، سحليةٌ تتحرك بخفة، وتُثير رهبة. وفي لحظةٍ لم يتردد، مدّ يده وأمسك بها بثبات، وكأن الشجاعة فيه طبعٌ لا يُكتسب، وسجيةٌ لا تُكتسب، بينما ظلت منى خلفه، ترتجف خوفًا، ويعلو وجهها شحوبٌ صامت، كأنها خرجت لتوّها من حلمٍ مفزع، أو من مشهدٍ لا يُحتمل.
تقدّمت منى خطوةً إلى الأمام، وعيناها لا تزالان معلّقتين بالسحلية التي أمسكها وسام بثبات، وقالت بلهجةٍ يختلط فيها الخوف بالدهشة: "دي جاتلكو منين دي؟"
فأجاب وسام، وقد ارتسم على شفتيه ظلّ ابتسامة ساخرة
: "من الحيزبونة اللي ساكنة جنبي."
فانفجرت منى ضاحكة، وقالت
: " البت جارتك برضو؟"
فردّ وهو يشيح بوجهه كأن الأمر صار مألوفًا:
"في غيرها؟" ثم أضافت، وقد عقدت حاجبيها في استغراب: "وهي ليه مستقصداك كده على طول؟" فأجابها بلا اكتراثٍ ظاهر: "والله ما أعرف."
وما لبث أن تحرّك نحو الخارج، فاستوقفته منى قائلة: "هتعمل إيه؟"
فردّ وهو يفتح الباب: "هتعرفي." ثم مضى بخطواتٍ حاسمة، حتى بلغ باب مي، فطرق طرقًا خفيفًا، وما إن فُتح الباب حتى ألقى بالسحلية نحوها إلقاءً مباغتًا. ارتجفت مي لحظة، واتّسعت عيناها دهشة، لكنها تماسكت سريعًا، وقالت متصنّعة البراءة:
"إيه ده! كوكي، إنتوا لاقتوها فين؟" فأجابها وسام بتهكّمٍ لاذع: "حمدالله ع سلامتها يا أختي."
ثم اقترب حتى كاد يبلغ عتبة الباب، وقال بنبرةٍ مشوبة بوعيدٍ ساخر: "عارفة يا بت إنتِ… ما أديكي بضهر إيدي في وشك وبعدين أناولك مقص أوقعك على صف سنانك القداماني، أخليكي تقولي بعد كده مشششاء الخير يا ابني… بس برجع أقول مش هعمل عقلي بعقل عيلة زيك… يا بت اكبري شوية."
لم تتراجع مي، بل ابتسمت ابتسامة مستفزّة، وقالت بمدّ الصوت: "يااااه يا ويسووو، كل ده حب في قلبك ليا؟" فردّ ساخرًا: "آه تصدّقي، لو فتحتي قلبي دلوقتي هتلاقيه بيدلدق عليكِ حب… ده أنا بحبك حب استغفر الله العظيم لا يتحمله بشر." عندها نظرت في عينيه نظرةً ثابتة، وقالت بنبرةٍ هادئة: "تعرف وليام شكسبير قال… إذا أحببتني أو كرهتني الاتنين مفضلين عندي…"
وساد صمتٌ ثقيل، تبادلا فيه النظرات لثوانٍ طويلة، بينما كانت منى تقف خلف الباب، تراقب المشهد بصمتٍ مضطرب، وقد تسلّل إلى قلبها شيءٌ من الغيرة، وإن أنكرت. قطع وسام الصمت فجأةً وقال بحدّة: "طب غوري… خشي جوه، وعيب اللي بتعمليه، أنا بكلمك جد… كفاية لعب عيال." فردّت متحدّية: "مش هتقفل قبلي المرة دي." ثم أغلقت الباب في وجهه.
وقف وسام لحظة، ثم ضحك بخفوت، وأغلق بابه وهو يتمتم: "عيلة مجنونة أقسم بالله." وما إن استدار حتى وجد منى أمامه، فسألها: "في إيه يا منى؟" فقالت بهدوءٍ مصطنع: "لا مفيش… حليت المشكلة؟" فأجاب بملل: "آه، يارب تكون خلصت بقى عشان زهقت." ثم قال: "تصبحي على خير."
انصرف إلى غرفته، وبقيت منى واقفة لحظة، تتأرجح بين شعورٍ وشعور، ثم تنهدت ودخلت، مذكّرة نفسها بأنها ضيفة، وأن لا حقّ لها في حسابٍ ولا عتاب، فالغد آتٍ، وكل شيءٍ إلى زوال.
❈-❈-❈
أقنعت منى نفسها في تلك الليلة بأن لا حقّ لها في محاسبة أحد، ولا في تحميل المواقف ما لا تحتمل، فهي في نهاية الأمر ضيفةٌ عابرة، ستأتي وتذهب، كنسمةٍ تمرّ ثم تنقضي. ومع هذا الخاطر الملتبس بين العقل والقلب، أسلمت نفسها للنوم، على أمل أن يحمل الغد وضوحًا يُبدد ذلك الاضطراب.
وفي صباح اليوم التالي، مضت إلى بيت أهلها، وقلبها يخفق بشيءٍ من التوجس، إلا أن الأمور سارت على نحوٍ أهدأ مما توقعت. جلست بينهم، وساقت حديثًا بسيطًا، أخفت فيه الحقيقة تحت ستارٍ خفيف، وأخبرتهم أنها كانت تمكث عند صديقةٍ متزوجة. تقبّلوا الرواية دون تمحيصٍ كبير، وكأنهم آثروا السلام على الجدل، فاستقرت الأجواء، وعادت المياه إلى مجاريها، ولو ظاهريًا.
أما مي، فقد اختارت أن تغيّر إيقاع يومها، فقضت ليلتها عند أختها سهر، حيث اجتمع الجمع في جوٍ يختلط فيه المرح بالألفة. كانت منة حاضرة، وكذلك زياد، الذي ألقى على مسامع منة بعض كلمات المجاملة العابرة، غير أنها تلقّفتها بشغفٍ مبالغ، وظلّت تردّدها في خيالها، وتعيد صياغتها في قلبها، وكأنها كنزٌ ثمين.
باتت مي هناك، وكأنها تهرب من رتابةٍ اعتادتها، أو تبحث عن فسحةٍ مختلفة. ومع إشراقة الصباح، وبينما كانت الأصوات تتبادل تحيات “الصباح الخير” بكسلٍ لطيف، انبعث صوت زياد من إحدى الزوايا، يتحدث في مكالمةٍ دولية بنبرةٍ دافئة.
لم تستطع مي تجاهل صوته، فاقتربت دون قصدٍ ظاهر، حتى التقطت بعض كلماته، إذ كان يقول بالإنجليزية: “I love you, baby… give me a kiss… where’s mom?” فتوقفت لحظة، وقد انعقد حاجباها دهشة، وتسارعت أفكارها في صمت.
ما إن أنهى زياد مكالمته، حتى واجهته بنظرةٍ مباشرة، وقالت بنبرةٍ لا تخلو من فضول: "إنت متجوز؟" فرفع حاجبيه مستنكرًا وقال: "مين قال إني متجوز؟" فردّت بسرعةٍ مشوبة بالاستغراب: "أنا سمعتك… ماما، واديني بوسة يا حبيبي… ووحشت بابا… ولا أنا سمعت غلط؟"
انفجر زياد ضاحكًا، وقال بخفة: "لا… ده ابني من صاحبتي." لم تتمالك مي نفسها عند سماع الجملة، فانفجرت في نوبة ضحكٍ متواصلة، ضحكٍ عالٍ كعادتها، حتى كادت تفقد توازنها، وكأن الموقف كله لا يُحتمل إلا بالضحك، أو لا يُفهم إلا بالسخرية.
❈-❈-❈
انفجرت مي ضاحكة، ضحكًا متقطعًا لا يكاد يُفهم معه الكلام، وقد استبدّ بها التعجب من بساطة زياد في عرض أمرٍ كهذا، وكأنه يحكي حكايةً عادية لا تستحق الوقوف. ولمّا هدأت قليلًا، أخذت تسرد دهشتها في كلماتٍ متلاحقة، تتساءل كيف لإنسانٍ يسافر ليتعلم ويصنع مستقبله، أن ينتهي به الأمر إلى علاقاتٍ معقدة، ثم يتحدث عنها بفخرٍ ظاهر، وكأنها إنجاز يُذكر لا خطأ يُستدرك.
أما زياد، فكان على النقيض تمامًا، هادئًا لا يرى في الأمر ما يستدعي كل هذا الانفعال، بل بدا كمن يقرّ بحقيقةٍ طبيعية لا تحتاج إلى تبرير. أكّد، بنبرةٍ واثقة، أنه غير مرتبط بتلك المرأة، وكأن هذه الجملة وحدها كافية لرفع كل التباس، بينما كانت مي ترى في الأمر تناقضًا لا يُحتمل.
استمرت في سخريتها، لا لتجرحه بقدر ما كانت تحاول استيعاب الموقف، إلا أن ضحكها ازداد حين استعاد ذهنها حديثه السابق مع أختها، وإشارات إعجابه بها، فتساءلت في استغرابٍ صريح كيف يمكن الجمع بين الأمرين. اقترب زياد منها محاولًا تهدئة الموقف، متخذًا أسلوبًا خفيفًا، إلا أنها قابلت ذلك بنفورٍ واضح، وطلبت منه أن يحافظ على مسافةٍ بينهما، وكأنها تضع حدًا فاصلاً لا ينبغي تجاوزه.
ثم حسمت أمرها، وأعلنت بوضوحٍ أنها لا تقبل الارتباط به، لا من قريبٍ ولا من بعيد، بل ذهبت أبعد من ذلك حين أكدت أنها لا تفكر في الارتباط أصلًا. تلقّى زياد كلماتها ببرودٍ مفاجئ، وألقى جملةً عابرة تحمل شيئًا من التحدي، مفادها أنها الخاسرة، ثم انصرف إلى غرفته دون أن ينتظر ردًا.
وقفت مي مكانها لحظة، تلوّي شفتيها في استهجان، وتعيد كلماته في سخريةٍ خافتة، غير أن ابتسامتها ما لبثت أن تلاشت حين تذكرت منة. هناك، أدركت أنها خرجت من موقفٍ لتقع في آخر أشد تعقيدًا؛ كيف ستواجه صديقتها التي بدأت تتعلق بزياد، بل وربما أحبّته على طريقتها البسيطة؟
في طريقها إلى المكتب، كانت مي شاردة، تدرّب نفسها على الأعذار، وتبحث عن صيغةٍ تخفف بها الصدمة، إلا أن كل ما فكرت فيه بدا ناقصًا أو غير مقنع. ظلّت تراقب منة طوال الوقت، تزن اللحظة المناسبة، حتى قررت أن تخرج معها بحجةٍ عابرة.
تجوّلتا قليلًا بين المحال، ثم فتحت مي الحديث بسؤالٍ مباشر عن مشاعر منة تجاه زياد. جاءت الإجابة عفوية، مليئة بحماسٍ صادق، مما زاد من ثقل الموقف. حاولت مي التمهيد، لكنها لم تجد طريقًا سلسًا، فانزلقت إلى اعترافٍ مرتبك، أوحت فيه بأن زياد يميل إليها هي.
كان وقع الكلمات قاسيًا؛ إذ بدت الصدمة على منة واضحة، حتى كادت تفقد توازنها، فاضطرت مي إلى إسنادها وإجلاسها سريعًا. تتابعت تساؤلات منة، متخبطة بين الدهشة والإنكار، بينما حاولت مي التهرب، مكتفية بإجاباتٍ مبهمة لا تشفي ولا تريح.
وحين سألتها منة إن كانت تبادله الشعور، نفت مي ذلك بشدة، مؤكدة أنها لا ترغب في الزواج أصلًا، غير أن ذلك لم يُخفف من وقع الصدمة. انفجرت منة بالبكاء، غير عابئة بنظرات المارة، تردد كلماتٍ متكسرة عن إعجابها به منذ اللحظة الأولى، وعن أحلامٍ تشكّلت سريعًا ثم انهارت فجأة.
شعرت مي بالحرج، فسحبتها بعيدًا، وجعلتا تدوران بالسيارة في الشوارع، علّ الحركة تُهدئ من انفعالها، لكن البكاء لم يتوقف بسهولة. وبعد جهدٍ طويل، أوصلتها إلى منزلها، ثم عادت وحدها، وقد أثقلها شعورٌ غريب لم تألفه من قبل؛ شعور بالذنب، أو ربما بالمسؤولية.
وفي محاولةٍ لتخفيف هذا الثقل، أخذت تفكر في حلٍ بديل، كأن تجد لمنة شخصًا آخر تنشغل به، علّها تنسى، وكأنها بذلك تُرضي ضميرها، أو تُسكِت صوتًا داخليًا بدأ يلومها بصمت.
❈-❈-❈
بعد يومٍ طويلٍ أثقل كاهليهما بالإرهاق، وترك في النفس مللًا كثيفًا لا يُحتمل، قرر وسام وشريف أن يفرّا من رتابة العمل وضيق الروتين، فاتجها إلى قاعة البلياردو، حيث الأضواء الخافتة، وصوت الكرات المتصادمة، كأنها متنفسٌ مؤقت لما تراكم في الصدور.
وقف وسام ممسكًا بالعصا، يحدّق في الطاولة بشرودٍ خفيف، ثم قال بنبرةٍ هادئة:
"مش قصة إني هفضل كده طول عمري، بس ملاقتش البنت اللي أحبها لغاية دلوقتي."
ردّ شريف، وهو يضرب الكرة بتركيز:
"عشان لسه بتحب دنيا."
ابتسم وسام ابتسامةً باهتة، وقال:
"لا والله… آخر مرة شوفتها فيها حسّيت إنها مش هي دنيا اللي أعرفها… واحدة شبهها بس… مكنتش متخيل أشوفها حزينة كده، مكسورة وتعبانة."
توقف شريف لحظة، وكأنه يفكر، ثم قال بنبرةٍ متأنية:
"يمكن كان عندها حاجة مخبياها… حاجة هي اللي خلتها تبعد فجأة… ظروف غامضة بقى!"
ثم ضحك بخفة: "حلوة ظروف غامضة دي!"
انفجر وسام ضاحكًا، قبل أن يسدد ضربته ويفوز بالجولة، فقال شريف وهو يلتف حول الطاولة:
"لا بجد… يمكن عشان كده طلبت منك تبعد… وجت تسلم عليك قبل ما تسافر."
هزّ وسام كتفيه بلا يقين:
"يمكن… بس طول ما هي اختارت تبعد، أنا مش هفرض نفسي."
لوّح شريف بيده مستهينًا:
"فكك يا عم… الأوض مش فاضية!"
ثم أضاف فجأة: "صح، كل سنة وإنت طيب."
قطّب وسام حاجبيه متعجبًا:
"على إيه؟"
ردّ شريف بابتسامةٍ عريضة:
"فاضل 16 يوم على عيد ميلادك… و15 على رأس السنة… يعني هابي نيو يير مقدمًا!"
ضحك وسام:
"إنت لازم تفكرني إني هتم 31؟ اهدى يا ابني!"
ردّ شريف بثقة:
"وأنا فاضلي 3 شهور وأتم 29… ولسه عايش أهو! عيش يا عم واستمتع."
أومأ وسام وهو يجهّز لضربة جديدة:
"عندك حق."
اقترب شريف منه وقال بخبث:
"في كافيه عامل بارتي جامد… هاخدك نوقع موزز هناك!"
ضحك وسام:
"اتلم يا ابني!"
صحح شريف سريعًا:
"قصدي نسهر ونغير جو… ده عيد ميلادك كمان!"
هزّ وسام رأسه رافضًا:
"مش جوي الحاجات دي."
ردّ شريف بإصرار:
"هيبقى جَوّك… يمكن تعجب بواحدة وتتجوز بقى!"
ضحك وسام ساخرًا:
"حاضر يا ماما."
وفجأة، رن هاتفه. نظر إليه وقال:
"دي منى."
رفع شريف حاجبيه وقال مازحًا:
"يا ساتر… دي بتكلمك ليه دلوقتي؟ كنا بنقول موزز، تقوم منى تنط!"
أشار له وسام أن يصمت، ثم رد:
"أيوه يا منى… إزيك؟"
جاءه صوتها مترددًا:
"إزيك يا وسام… عطلتك؟"
قال بهدوء:
"لا خالص… خير؟"
ترددت قليلًا ثم قالت:
"كنت عايزة أتكلم معاك في موضوع."
تمتم شريف بصوتٍ خافت ساخر، بينما غطّى وسام السماعة وقال:
"إنت هتتعدم النهارده!"
ثم ابتعد قليلًا وعاد يقول:
"موضوع إيه؟"
جاءه الرد مرتبكًا:
"بخصوصي أنا… وإنت."
نظر وسام إلى شريف بحيرة، ثم قال:
"تمام… نص ساعة وأكلمك."
أغلق الهاتف، وقد غمره ارتباكٌ مفاجئ، كأن المكالمة أيقظت في داخله شيئًا غامضًا. ترك اللعبة، وغادر مسرعًا، وكأن فضوله صار أثقل من أن يُؤجَّل.
وحين وصل، واتصل بها مجددًا، قال مباشرة:
"ها يا منى… في إيه بقى بخصوصي أنا وإنتِ؟"
جاءه صوتها خافتًا، يحمل خوفًا واضحًا:
"أبدًا… أصل في حاجة كده… عايزة أقولها لك."
سكت لحظة، ثم قال بهدوءٍ مشوب بالترقب:
"قولي…"
"انا بحبك ..زعلان مني"
تمهل وسام قليلًا ثم قال
"متاخد يا منى !"ا
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة نور إسماعيل، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية
