قراءة رواية لسة أجمل يوم مجاش كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى

رواية: لسة أجمل يوم مجاش
رواية جديدة قيد النشر
الكاتبة: نور إسماعيل | الفصل السادس
نظنّ في كثيرٍ من الأحيان أنَّ القلب حين يختار على غير ما تشتهي عقولنا يكون قد أخطأ الطريق، وأنَّ الخطوة التي تُوجِعنا أولها لا بد أن تكون بابًا للخسارة، وأنَّ الأشخاص الذين يدخلون حياتنا على هيئة فوضى ما هم إلا امتحانٌ ثقيل لا أكثر. لكنّ الحقيقة التي لا ننتبه لها إلا بعد زمن، أنَّ بعض الأقدار لا تأتي في ثوب الطمأنينة منذ اللحظة الأولى، بل تتخفّى في هيئة حيرة، وتختبئ خلف خوفٍ كبير، وتضعنا أمام اختيارات نظنها خاطئة لأنّها لم تُشبه أحلامنا القديمة، ولا الصورة التي رسمناها بعناية في مخيلتنا.
الحب الحقيقي لا يأتي دائمًا كما نشتهي، ولا يطرق أبوابنا بالطريقة التي ننتظرها، ولا يحمل الملامح ذاتها التي حلمنا بها طويلًا. أحيانًا يأتي على هيئة شخصٍ لم يكن ضمن أمنياتنا، ولم نضع اسمه يومًا بين الدعوات، ولم نرسمه في تفاصيل الغد، بل ربما جاء في توقيتٍ غير مناسب، وفي ظروفٍ أكثر تعقيدًا من أن تُحتمل، فنقاومه، ونحاول الهرب منه، ونُقنع أنفسنا أنّه الخطأ بعينه، وأنّ الاقتراب منه مخاطرة، وأنّ القلب لو تبعه سيخسر كثيرًا. لكنّ الأيام، تلك المعلّمة الصامتة، تكشف لنا بعد حين أن ما ظننّاه عثرةً كان الطريق، وأن ما خفنا منه كان الأمان، وأن الشخص الذي حسبناه اختبارًا عابرًا كان الوطن الذي سنعود إليه مهما ابتعدنا.
كم من قلبٍ رفض في البداية يدًا امتدّت إليه لأنها لم تُشبه اليد التي تمناها، ثم اكتشف لاحقًا أنّها اليد الوحيدة التي كانت ستُمسك به حين يسقط، وتربّت على روحه حين ينهار، وتبقى رغم كل ما فيه من تعبٍ وندوب؟ وكم من روحٍ أغلقت بابها في وجه حبٍّ صادق لأنها ظنّت أن الهدوء الذي جاء به مملّ، وأن الطمأنينة التي منحها لها ناقصة، وأن اللهفة التي كانت تبحث عنها لا تسكن فيه، ثم أدركت بعد فوات الوقت أن الحب ليس صخبًا ولا احتراقًا دائمًا، وأن العشق الحقيقي لا يعني أن ترتجف من الخوف كل يوم، بل أن تأمن، وأن تشعر بأنك مرئيّ، مفهوم، ومحبوب على حقيقتك، لا على الصورة التي تتكلّفها كي تُرضي الآخرين.
الحب الذي ينفع في النهاية ليس ذلك الذي يُبهر العيون من اللحظة الأولى فقط، بل الذي يبقى حين تنطفئ البدايات المبهرة، ويصمد حين تتساقط الأقنعة، ويحتمل النسخة المتعبة منّا قبل النسخة الجميلة. هو ذاك الذي لا يهرب من عيوبنا، ولا يقف عند أخطائنا كقاضٍ قاسٍ، بل يمدّ لنا قلبه كملاذ، ويقول بصمته قبل كلماته: أنا هنا، حتى حين تصبح الحياة ثقيلة عليك. الحب الذي ينفع هو الذي يراك في أسوأ حالاتك، فلا يبتعد، بل يقترب أكثر. الذي يفهم أن خلف حدّتك خوفًا، وخلف صمتك حربًا، وخلف قسوتك وجعًا قديمًا لم يلتئم.
كثيرًا ما نختار بعين الخوف لا بعين القلب، نهرب ممّن يشبهون النجاة لأننا لا نثق أنّ الحياة قد تُهدينا خيرًا دون مقابلٍ موجع، فنركض نحو ما اعتدناه من الفوضى، ونظنّ أن القلق دليل الحب، وأن الغيرة الجارحة علامة العشق، وأن التعب المستمرّ برهان على عمق المشاعر. لكن الحب ليس معركة تُستنزف فيها الروح كل يوم، وليس بابًا للخذلان المتكرر، ولا اختبارًا دائمًا لقدرتك على الاحتمال. الحب رزق، وسكينة، ورحمة، ويدٌ حانية تربّت على قلبك كلما أوشك على الانكسار. والحبيب الحق ليس من يُجيد إرباكك، بل من يُجيد احتواءك، وليس من يجعلك تقف طوال الوقت على أطراف الخوف، بل من يفتح لك صدره كي ترتاح.
ولأننا بشر، فإننا لا نفهم الحكمة من بعض الاختيارات إلا بعد أن نمشي فيها طويلًا. قد نبكي على بابٍ أُغلق، ونلعن صدفةً بدّلت مسارنا، ونحزن لأنّ شخصًا ما رحل بينما بقي آخر لم نخطط لبقائه، ثم نكتشف بعد سنوات أن الذي رحل كان يحمل معه تعبًا طويلًا، وأن الذي بقي كان هدية الله التي جاءت متأخرة قليلًا كي تنضج أرواحنا لاستقبالها. نكتشف أن بعض الخسارات لم تكن إلا حماية، وأن بعض الرفض كان نجاة، وأن بعض العلاقات التي انتهت رغم تمسّكنا بها لم تكن تناسب قلوبنا، بل كانت فقط تُشبه رغباتنا المؤقتة، بينما ما كان صالحًا لنا حقًا جاء مختلفًا، هادئًا، غير متكلّف، وربما غير مفهوم في البداية.
أجمل ما في الحب الصادق أنّه لا يحتاج إلى استعراضٍ كبير كي يثبت نفسه، يكفي أن يمنحك شعورًا نادرًا بأنك لست مضطرًا لأن تتخفّى. أن تكون معه كما أنت، بثقل أيامك، بتناقضاتك، بخوفك، وبنسختك غير المكتملة، ومع ذلك تجد في عينيه قبولًا لا يشبه الشفقة، واهتمامًا لا يشبه الواجب، وحضورًا لا تهزّه العواصف الصغيرة. هذا النوع من الحب لا يُخيفك من الغد، بل يجعلك أكثر قدرة على احتماله. لا يُشعرك بأنك عبء، بل بأنك إنسان يستحق أن يُحب رغم كل شيء.
وفي النهاية، لا يكون الحب الصحيح هو الذي اخترناه بسهولة، بل ذاك الذي اختاره الله لنا برحمته، حتى لو جاء مخالفًا لتوقّعاتنا، وحتى لو حسبناه في البداية خطأً كبيرًا. فبعض الاختيارات لا تبدو جميلة في أول الطريق، لكنها في آخره تُزهر في القلب يقينًا وطمأنينة. وبعض الأشخاص لا نعرف قيمتهم حين يأتون، لأننا نكون مشغولين بمقارنة حضورهم بصورةٍ قديمة في خيالنا، ثم نفيق على حقيقة أن الأمان الذي وجدناه معهم لم نجده في أحد، وأن السكينة التي سكبتها أرواحهم في أرواحنا كانت أعظم من كل الأحلام التي تمنّيناها.
لهذا، لا تحكموا على الحب من بداياته المرتبكة، ولا على الأشخاص من الطريقة التي دخلوا بها حياتكم، فكم من أمرٍ خفنا منه كان باب نجاة، وكم من اختيارٍ ظننّاه خطأ كان الصواب الوحيد، وكم من قلبٍ جاء متأخرًا أصلح ما أفسدته السنوات، وربّت على أرواحنا حتى هدأت، وأقنعنا أن العشق ليس أن تموت من الوجع، بل أن تحيا أخيرًا في حضرة من يحبك كما أنت، ويختارك كل يوم، ويجعل من قلبك بيتًا آمنًا بعد عمرٍ كامل من التِّيه.
❈-❈-❈
حلّت إجازة المكتب على مَيّ، لكنّها لم تكن الإجازة التي تُنعش الروح كما تخيّلت. استيقظت بجسدٍ مُثقل، كأنّ التعب قد استقرّ في عظامها، لا رغبة لها في الحركة ولا قدرة على مغادرة فراشها بسهولة. ظلّت تتمدّد بلا هدف، تتأفّف من الإرهاق الذي لا تعرف له سببًا واضحًا. وحين ضاق بها صمت البيت، قرّرت أن تستدعي بعض الدفء الإنساني، فاتصلت بصديقاتها تدعوهن لقضاء اليوم معها.
جاءها اعتذار أمنية بصوتٍ مُثقَل بالقلق على والدتها المريضة، وتبعته رسالة منّة التي بدت غارقة في انكسار عاطفي لا يسمح لها بمواجهة العالم. أمّا غادة، فكان صمتها أشدّ إزعاجًا؛ لم تُجب على الهاتف، ولم تُرسل حتى كلمة واحدة. أغلقت مَيّ الهاتف بضيقٍ واضح، ثم نهضت أخيرًا، كأنّها تُجبر نفسها على استعادة السيطرة. أخذت حمّامًا دافئًا أعاد إلى جسدها شيئًا من الحيوية، وارتدت ملابسها، وقرّرت أن تقضي يومها مع والدها بدلًا من الاستسلام للوحدة.
قبل أن تغادر، مرّت على عمّ سليمان، حارس العقار، بابتسامتها المعتادة التي لا تفارقها حتى في أضيق حالاتها. ألقت عليه تحيةً مرِحة، وسألته عن حاله، ثم باغتته بسؤالٍ ساخر عن سبب عدم زواجه حتى الآن، فضحك وأجابها بطريقته البسيطة. في تلك اللحظة، ظهر وسام عائدًا من الخارج، فاسترق همسةً مازحة اقترح فيها عليها أن تتزوّج عمّ سليمان، فانفجرت ضاحكة، وردّت عليه بسخريةٍ لاذعة، قبل أن تلوّح له بلسانها في طفولةٍ عفوية وتغادر.
في طريقها إلى والدها، لم تتوقّف عن محاولة الاتصال بغادة، وكأنّ عدم ردّها يثير داخلها فضولًا ممزوجًا بالضيق. لم تكن تقلق عليها بقدر ما كانت ترفض أن تُترك بلا إجابة.
في مكانٍ آخر، كانت غادة تقضي يومًا مختلفًا تمامًا. اختارت أن تبتعد عن العالم قليلًا، وأن تمنح نفسها فرصةً لاكتشاف مشاعر جديدة مع ممدوح. كانا يتنزهان عند الأهرامات، يجرّبان ركوب الخيل رغم خوفهما الواضح. تعالت ضحكاتهما وهما يحاولان التماسك فوق الحصان، وقد امتزج الخوف بالمرح في لحظةٍ خفيفة لا تُنسى.
وحين هدأت حركتهما، جلسا في أحد المقاهي القريبة. نظرت غادة إلى هاتفها الذي لم يتوقّف عن الاهتزاز، فرأت اسم مَيّ يتكرّر بإصرار، فاكتفت بجعله صامتًا. سألها ممدوح عن المتصل، فأجابت ببساطة، ثم رفضت الرد دون تبريرٍ مقنع، وكأنّها اختارت أن تعيش تلك اللحظة بعيدًا عن أي التزام.
ومع رشفةٍ من قهوتها، بدأت تعترف له بشيءٍ تغيّر داخلها؛ أخبرته أنّها لم تكن تراه على حقيقته من قبل، وأنّها الآن تدرك كم هو مختلف. لم يُخفِ ممدوح دهشته، لكنه لم يُخفِ أيضًا ارتياحه، فقد بدا له أنّ هذه البداية تستحق المحاولة، حتى لو جاءت متأخرة.
❈-❈-❈
جلسا في ذلك الركن الهادئ من المقهى، حيث تمتزج رائحة القهوة بدفء الأحاديث الخافتة، وكانت منى تبدو مترددة، تعبث بكوبها كأنها تبحث داخله عن الكلمات التي تعجز عن قولها. أمّا وسام، فكان ينظر إليها بهدوءٍ معتاد، ذلك الهدوء الذي طالما منحها شعورًا بالأمان، لكنه اليوم بدا وكأنه يقف على مسافةٍ غير مرئية بينهما.
رفعت منى عينيها أخيرًا، وقد بدا في صوتها شيء من الارتباك وهي تقول:
«معرفش بس هو متملكني من فترة كده».
ابتسم وسام ابتسامة خفيفة، لكنها لم تحمل هذه المرة نفس العفوية، ثم قال:
«بس أنا عمري ما حسّيت بالحب ده… هو مش بيقولوا من القلب للقلب رسول؟»
أومأت منى بسرعة:
«أيوة».
تنهد وسام قليلًا قبل أن يُكمل، بنبرةٍ أكثر جدية:
«إنتِ بالنسبة لي أكتر من أختي… مافيش».
لم تستطع منى أن تخفي ما بداخلها، فقاطعته قائلة:
«بس أنا بحس يا وسام…»
رفع يده برفق ليوقفها:
«ممكن أكمل كلام؟»
تراجعت قليلًا وقالت بهدوء:
«اتفضل».
اعتدل وسام في جلسته، وكأنه يُرتب أفكاره بعناية قبل أن ينطق بها، ثم قال:
«بصي يا منى… فكرة إني مهتم بيكي، وبحب أسمع أخبارك، وإنك واخدة على البيت عندنا وماما بتحبك… كل ده قرّبني ليكي في المودة. خلانا نشوف بعض من قريب، ونفهم بعض أكتر. يمكن وقفت جنبك، وده لأني بجد بحبك زي أختي. ولو أختي مكانك، كنت هعمل نفس اللي عملته بالظبط».
صمت لحظة، ثم تابع بنبرةٍ أعمق:
«كمان فكرة الفراغ العاطفي اللي إنتِ عايشة فيه، ممكن تكون خلتك تحسي إني الراجل المناسب. لكن صدقيني… لو فتشتي جوه نفسك، من جوه أوي، هتلاقي إنك مش بتحبيني الحب اللي تقصديه خالص».
قطبت منى حاجبيها، وقد شعرت بوخزةٍ خفيفة في قلبها:
«يعني هو ده تقييمك لفكرة حبي ليك؟»
هزّ رأسه بهدوء:
«مش تقييم يا منى… دي الحقيقة، والله».
اقترب قليلًا في حديثه، وكأنه يحاول أن يصل إليها دون أن يؤذيها:
«بصي، لو أنا وافقت إننا نقرب من بعض كحب وكده… إنتِ بعد فترة هتلاقي نفسك غلطتي كتير، وإن إحساسك بيا كأخ كان أحلى».
ساد الصمت بينهما للحظات، كانت كفيلة بأن تعيد ترتيب مشاعر منى، قبل أن تقول بصوتٍ منخفض:
«طيب… أنا هفكر في اللي قولته ده».
ابتسم وسام بثقة هادئة:
«وهتلاقيني صح. وبعدين عايز أقولك حاجة… صداقتنا دي أحلى مليون مرة من أي ارتباط عاطفي».
نظر بعيدًا قليلًا، وكأنه يرسم صورة في خياله، ثم قال:
«تخيلي نفسك في الكوشة مع حد ارتحتيله وقدّرك، وأنا واقف جنبك في فرحك، بسندك زي أخوكي بالظبط… هتفرحي أكتر، ولا لما أكون أنا اللي جنبك ومش حاسس بيكي؟»
خفضت منى عينيها، ولم تجد إجابة مباشرة.
تابع وسام بابتسامة خفيفة:
«وأنا كمان، لما أبقى في فرحي، وإنتي جاية تباركيلي، وقبلها بحكيلك قد إيه بحب مراتي… إنتي هتبقي أسعد من إننا نكون سوا وأنا مش قادر أديكي اللي تستحقيه».
تنهدت منى وقالت بتردد:
«مش عارفة يا وسام… كلامك مقنع. إنت بتقرا تنمية بشرية وبتفهم عني… بس إحساسي…»
قاطعها برفق:
«والله إحساس عارض وهيروح… صدقيني».
نظرت إليه بعينين ممتلئتين بشيءٍ بين الخوف والامتنان:
«بس أرجو ماكونش قلّيت في نظرك أو…»
ابتسم فورًا، قاطعًا أي فكرة سلبية:
«ولا كلمة زيادة. إنتِ لسه منى أختي الصغيرة اللي بحبها، وبيهمني أمرها… وأكتر من الأول كمان».
سكت لحظة، ثم أضاف بخفة ليكسر ثقل الجو:
«مش هناكل بقى؟»
ابتسمت منى أخيرًا، وقد خفّ الحمل قليلًا عن قلبها:
«ربنا يخليك يا وسام… فعلًا إنت أحسن أخ وصديق في الدنيا».
ضحك وسام وقال ببساطة صادقة:
«وأنا فرحان أوي إن عندي أخت زيك».
وفي تلك اللحظة، لم يتغير كل شيء… لكنه استقر في مكانه الصحيح.
❈-❈-❈
كان المقهى يعجّ بأصواتٍ متداخلة، ضحكاتٍ عالية، وموسيقى خافتة تتسلّل بين الجالسين، بينما اجتمعوا جميعًا حول طاولةٍ كبيرة، بدت كأنها تحمل حماسهم قبل أن تحمل أكوابهم. كانت مَيّ تتوسط الجلسة، بعينين لامعتين، كعادتها حين تشعر بأن شيئًا ممتعًا يُحضَّر في الأفق، بينما راحت أمنية تُلوّح بيدها وكأنها تُعلن عن خبرٍ مهم.
قالت بحماسٍ واضح:
«بصّوا يا جماعة… في مكان جديد فاتح، عامل دعاية مغطية القاهرة كلها تقريبًا! لازم نروحه ونديها سهرة محصلتش».
ضحك ممدوح وهو يهزّ رأسه ساخرًا:
«وفي ميني تشارج كمان».
انفجرت غادة ضاحكة، بينما ردّت مَيّ وهي ترمقه بنظرةٍ مازحة:
«خليك إنت في الميني تشارج بتاعك يا عم ممدوح».
رفعت غادة حاجبها وقالت بنبرة دفاعية خفيفة:
«وإيه فيها يعني؟ واحد بيخاف على فلوسه وبيحسبها عشان مستقبله… دي حاجة وحشة من رأيك يا مَيّ؟»
ابتسمت مَيّ ابتسامة مشاكسة:
«أوووه نايس… بتدافعي عنه كده ليه يا غادة؟»
لوّحت غادة بيدها بلا مبالاة:
«عادي يعني، أصله مقالش حاجة غلط».
تدخّلت أمنية بسرعة، محاولةً إعادة تركيز الحديث:
«طب يا شباب… ركّزوا معايا! هنتجمع على كام كده ونضرب الأحمر ونديهاااا!»
قال سامح وهو يضبط ساعته:
«كلنا على عشرة نكون هناك… إيه رأيكم؟»
رفعت مَيّ يدها بحماس:
«بييييس يا فنان».
لكن منّة، التي كانت صامتة أغلب الوقت، قالت بتردد:
«أنا احتمال مجيش على فكرة».
التفتت إليها مَيّ فورًا:
«ليه بس يا موني؟ ده حتى هيبقى في حبة شباب موزز كده نلعب معاهم ونرقص».
ضحك سامح مستنكرًا:
«شباب موزز! بقت البنات اللي بتعاكس دلوقتي؟»
ردّت أمنية بخفة:
«مافيش فرق يا برنس».
هزّ سامح كتفيه ضاحكًا:
«مافيش فرق يا باشا… المهم هابي نيو يير علينا كلنا».
قال ممدوح بابتسامة هادئة:
«يارب تبقى سنة خير علينا».
تنهدت منّة قليلًا:
«ياريت».
تأففت مَيّ وهي تنظر إليها:
«يوووه يا منّة… متخافيش، هفكك صدقيني، بس إنتي امشي ورايا».
قهقهت غادة:
«أيوة امشي وراها… وإنتي وربنا هيوريكي».
نظرت لها مَيّ باستغرابٍ مصطنع:
«أومال دمك خفيف كده النهارده يا غادة؟»
ضحكت غادة:
«عادي يا ميوش… هابي نيو يير».
فضحكت مَيّ بطريقتها الطفولية، وقد بدأ الحماس يتسلل للجميع.
في مكانٍ آخر، كان وسام يقف داخل أحد المحال، ممسكًا بقميصٍ أسود، يتأمله بتركيز، بينما كان شريف يقف خلفه غير مصدّق لما يرى.
قال شريف ساخرًا:
«إيه يا وسام؟ إحنا هنستقبل السنة الجديدة ولا إنت رايح عزاء؟»
نظر له وسام بضيق:
«أومال عايزني ألبس إيه؟ مسخرة زيك كده؟»
ضحك شريف وقال بثقة:
«وإنت تطول تبقى شريف ستايل يا ابني؟»
ثم أشار له بيده:
«تعالى بقى نسيب قسم الستينات ده ونروح الشبابي… بيقولوا إنك لسه موصلتش الـ٨٠».
ضحك وسام رغمًا عنه، وذهب معه، حيث بدأ شريف يختار له ملابس أكثر حيوية. تردد وسام في البداية، لكنه سرعان ما استسلم للفكرة، وكأن داخله رغبة قديمة في التغيير.
وحين أخرج شريف قميصًا أحمر لامعًا، قال وسام باستغراب:
«إيه ده؟ ده أحمر!»
ردّ شريف بثقة:
«ماله؟ منعوا الأحمر؟»
قال وسام مترددًا:
«بس أنا ملبسش اللون ده».
اقترب منه شريف وهو يضحك:
«يا عم دي رأس السنة… وبعدين إنت أهلاوي مش كده؟»
تنهد وسام:
«آه… وبعدين؟»
قال شريف ضاحكًا:
«يبقى شجع الأهلي اليوم ده».
وبعد جدالٍ طويل، انتهى الأمر بأن اشترى وسام القميص، رغم اعتراضه الظاهري، بينما داخله بدأ يتقبّل الفكرة.
عاد وسام إلى بيته ليلًا، يحمل أكياسه، وقد بدا عليه نشاطٌ غير معتاد. وما إن صعد إلى الطابق، حتى وجد مَيّ أمامه، تقف وهي تضع القمامة في السلة.
نظرت له بعبوسٍ مصطنع:
«مافيش سلامو عليكم؟»
ابتسم وقال:
«سلامو عليكم ورحمة الله يا ست مَيّ».
وقبل أن يكمل، كانت قد خطفت الأكياس من يده وهي تقول بانبهار:
«إيه ده! واااو… إيه الروشنة دي؟»
تأفف وسام:
«إنتي يا بنتي… في حد قالك إنك أكتر بني آدمة رخمة ومتطفلة في الدنيا؟»
ضحكت مَيّ:
«آه عادي… بس الحاجات دي متلقش عليك يا جدو».
قال بضيق:
«طب خليكِ في حالك».
أخرجت لسانها له وقالت:
«تؤ تؤ… مش هدخل، عايزة أقعد شوية على السلم».
ردّ وهو يزقّها بخفة:
«يبقى اتشمسي بعيد عني».
نظرت له بتمثيل:
«إيه ده! إنت مبتعرفش تتعامل مع الجنس الناعم خالص!»
ضحك ساخرًا:
«هو إنتي جنس ناعم بالسويت شيرت ده وشعرك المنكوش؟»
رفعت رأسها بفخر:
«ده ستايل… وأوعى تتكلم على شعري، نص بنات مصر بتقلدني».
اقترب منها فجأة، ممسكًا بملابسها من الخلف:
«طب تعالى من الكمبوش ده».
صرخت:
«إيه سيبني يا حيوان!»
فتح الباب ودفعها للداخل:
«ادخلي جوه… قرفتيني».
فتحت الباب مرة أخرى وهي تخرج لسانها:
«يارب تموت!»
توقف لحظة، ثم قال بصوتٍ عالٍ ضاحك:
«على فكرة… إنتي مش هتموتي موته طبيعية أبدًا!»
وأغلق الباب، بينما ظلّت ضحكتها تتردّد في الممر، كأنها جزءٌ من حياةٍ لا تهدأ.
❈-❈-❈
هل آمنتَ يومًا بأنَّ نظرةً واحدةً قد تُبدِّل مصير إنسان؟ لا حديثًا عابرًا، ولا إعجابًا مؤقتًا، بل تلك النظرة التي تمرُّ خاطفةً، ثم تمكث في القلب عمرًا كاملًا، كأنها كانت موعدًا مؤجلًا منذ سنوات لا يعلمها إلا القدر.
يقولون إن الحبَّ الحقيقي يحتاج إلى الوقت، وإلى المواقف، وإلى المعرفة الطويلة، وربما يكون ذلك صحيحًا في كثيرٍ من الأحيان، لكنَّ للحياة استثناءاتها التي لا تخضع لقوانين البشر. فقد تلتقي عينان للمرة الأولى، فتسقط بينهما كل المسافات، ويشعر كلٌّ منهما بأن الآخر ليس غريبًا، بل وجهٌ يعرفه القلب قبل أن تتعرف إليه الذاكرة.
ولعلَّ أغرب ما في الأمر أن هؤلاء الذين يقع بينهم ذلك اللقاء الأول، لا يكونون متشابهين أبدًا. بل كثيرًا ما يكون أحدهما النقيض الكامل للآخر؛ هذا يزن كلماته قبل أن ينطق بها، وذاك يضحك قبل أن يفكر فيما سيقوله. أحدهما هادئٌ كبحيرة ساكنة، والآخر يشبه الريح، لا تستقر له روح ولا تهدأ له حركة. أحدهما يرى الدنيا بعين العقل، والآخر يراها بعين القلب والجنون الجميل.
ولو رآهما الناس من بعيد، لأقسموا أن اجتماع هذين الشخصين مستحيل، وأن اختلافهما بداية الفراق لا أول الطريق. غير أن الحياة كثيرًا ما تثبت عكس ذلك؛ فليست كل الأرواح خُلقت لتبحث عن نسخةٍ منها، بل بعضها لا يكتمل إلا بما ينقصه عند الآخر.
فالهادئ لا يحتاج إلى شخصٍ أكثر هدوءًا منه، بقدر ما يحتاج إلى من يوقظ داخله الضحكة التي نسيها. والعاقل لا يبحث دائمًا عن عقلٍ يشبهه، بل عن قلبٍ يعلِّمه أن الحياة ليست معادلةً تُحل، وإنما لحظاتٌ تُعاش. وكذلك صاحب الجنون الجميل، يحتاج إلى من يمنحه الاتزان كلما أوشك أن يضيع، لا إلى من يدفعه إلى مزيدٍ من الفوضى.
كم يبدو المشهد غريبًا حين ترى خفةَ دمٍ تقف بجوار رصانة، ومرحًا لا ينتهي يسير إلى جوار وقارٍ يفرض احترامه، وعقلًا يحسب كل خطوة، إلى جانب قلبٍ يقفز فوق الحسابات كلها. ومع ذلك، يكون هذا المزيج العجيب هو أكثر العلاقات انسجامًا؛ لأن كلَّ طرفٍ يمنح الآخر ما يفتقده، دون أن يسلبه هويته.
إن أجمل العلاقات ليست تلك التي يذوب فيها الطرفان حتى يصبحا نسخةً واحدة، بل التي يحتفظ فيها كلٌّ منهما بلونه، فتتجاور الألوان لتصنع لوحةً لا يستطيع لونٌ واحد أن يرسمها بمفرده.
قد يظن الناس أن الاختلاف سببٌ دائم للصدام، لكنه قد يكون سببًا للنضج أيضًا. فالاختلاف حين يصاحبه الاحترام يتحول إلى مساحةٍ يتعلم فيها كل إنسان شيئًا جديدًا عن نفسه قبل أن يتعلمه عن شريك حياته. وحين يصبح كل اختلافٍ فرصةً للفهم، لا معركةً لإثبات من هو الأصح، يولد ذلك السلام الذي لا يعرفه إلا من وجد نصفه المختلف، لا نصفه المطابق.
ربما لهذا السبب تستمر بعض العلاقات سنواتٍ طويلة، بينما تنطفئ أخرى بدأت بتشابهٍ كبير. فالتشابه قد يجلب الراحة، لكنه لا يضمن الاستمرار، أما التكامل فهو الذي يمنح العلاقة قدرتها على النمو مع الأيام.
لذلك، لا تتعجب إن رأيت شخصًا رزينًا يعشق إنسانةً لا تكف عن الضحك، أو فتاةً هادئةً اختارت رجلًا يملأ المكان حركةً وضجيجًا. فقد لا يكون ما جمعهما تشابه الطباع، بل ذلك الشعور الخفي بأن كلاً منهما وجد في الآخر الجزء الذي ظل يبحث عنه طويلًا دون أن يدري.
وربما يبدأ كل ذلك... بنظرةٍ واحدة. نظرةٍ لا تستطيع أن تفسرها الكلمات، ولا أن يصدقها المنطق، لكنها تظل تسكن القلب حتى بعد أن ينساها العقل. وعندها فقط، يدرك الإنسان أن الحب لا يسأل دائمًا عن الأسباب، ولا يستأذن قبل أن يأتي، وأن القدر قد يخبئ العمر كله داخل لحظةٍ واحدة، وداخل عينين لم يلتقِ بهما من قبل، ولكنه يشعر، منذ الوهلة الأولى، أنه كان يعرفهما منذ الأزل.
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة نور إسماعيل، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية
رواياتنا الحصرية كاملة