لسه أجمل يوم مجاش - الفصل 4 | نور إسماعيل

قراءة رواية لسة أجمل يوم مجاش كاملة

اضغط زر "حفظ" في آخر الفصل لتحتفظ به في مكتبتك

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى



رواية: لسة أجمل يوم مجاش 

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: نور إسماعيل | الفصل: الفصل الرابع



كان وسام في عمله كعادته، يجلس خلف مكتبه محاطًا بأوراقه، لكن ضيقه كان ظاهرًا في ملامحه كغيمةٍ ثقيلة لا تنقشع. لم يكن التركيز حاضرًا، بل كانت أفكاره مشوشة، تدور في دائرةٍ مغلقة حول موقفٍ لم يستطع تجاوزه.
اقترب منه شريف، وقد لمح ذلك الضيق، فقال ساخرًا وهو يبتسم: "هو إنت هتفضل شايل طاجن ستك كده كتير؟ الوتكة لبستك في ١٥ ألف! أهو أحسن عشان متخبطش عربيتها تاني."
زفر وسام بضيق، وقال وهو يهز رأسه: "أنا مش على الفلوس… البت دي معجونة بمية عفاريت، مستحيل تكون بنت طبيعية… تحس كده إنها مسكونة، واد ماشيطِن! دي عليها حركات تشيب الطفل."
ضحك شريف بصوتٍ عالٍ: " بس والنبي عسل!"
رمقه وسام بنظرةٍ حادة وقال: "عارف يا شريف…"
قاطعه شريف بمشاكسة: "نعم يا قلبي؟"
تنهد وسام وقال بملل: "نفسي أغمض عيني وأفتحها ألاقي نفسي ارتاحت منكم أنتوا الاتنين."
ضحك شريف مجددًا، وقال بثقة: "طب والله لولا إني مش فاضي اليومين دول، كنت فضّيتهالك من الساحة خالص… كنت دوبتهالك فيا يا معلم وضمتها للكتيبة وريحناك منها!"
هز وسام رأسه بسخرية: "طب يا خويا فالح أوي."
وقبل أن يرد شريف، دخلت منى فجأة، كعادتها مصدرًا للضجيج: "وسام وشريف… أنا كتب كتابي بكرة، هتيجوا؟"
ابتسم وسام فورًا وقال بلطف: "طبعًا… ألف مبروك يا منى، ويتمم لك على خير."
أما شريف فبدأ يزغرد بطريقةٍ ساخرة: "لولولولولولولولو! هجيب أمي وأجي، متقلقيش!"
أكملت منى بحماس: "خلاص، فرحي كمان ١٠ أيام… هتجوز!"
رد شريف ضاحكًا: "الحمد لله! أخيرًا هنرتاح من زنك وقرفك… كده بقى تبقي مدام ونخلص منك! ده من كتر قعدتك معانا افتكروا إنك صاحبتي!"
ضربته منى بخفة وقالت مازحة: "امشي! قطع لسانك… صاحبتك إيه؟"
رد شريف بضحك: "إنتي تطولي يا معفنة!"
تدخل وسام فجأة، بنبرةٍ أكثر جدية: "بقولك يا منى… عملتي اللي قولنالك عليه؟"
ترددت منى قليلًا قبل أن تقول: "بصراحة… لا."
قطب وسام حاجبيه: "ليه بس؟"
قالت بخوف: "خفت… لا أفسخ أو يزعل ويسيبني."
تنهد وسام بضيقٍ واضح: "طب روحي يا منى… روحي الله يرضى عنك، أنا والله مناقص شلل."
غادرت منى، وعاد الهدوء نسبيًا، واستأنفا عملهما، لكن ذلك الثقل لم يفارق المكان.
في جهةٍ أخرى، كان ممدوح يجلس مع سامح، وقد بدا عليه التوتر وهو يقول: "أنا عايز أنسحب من المكتب وآخد نسبتي… مش عايز أبقى في وش مي تاني."
نظر إليه سامح باستغراب، وقال بهدوءٍ حازم: "إنت فكرتني باللي ولع في بيته عشان صرصار… الشغل مالوش دعوة بمي. إحنا كلنا هنا شركاء، وكل واحد له لازمة."
أكمل بنبرةٍ أكثر جدية: "اشتغل عادي كأن مفيش حاجة… وهي كأنها مش موجودة."
هز ممدوح رأسه بضيق: "بس أنا مش طايق أشوفها."
رد سامح: "بالعكس، إنت ليك حق كبير هنا… متفرطش فيه."
تنهد ممدوح أخيرًا: "طيب… أوك. بس أنا مش هحتك بأي بنت خالص."
ابتسم سامح بسخرية خفيفة: "ولا إحنا لينا دعوة بحد… نشتغل ونمشي، لحد ما نعمل كيان لوحدنا."
أومأ ممدوح موافقًا: "إن شاء الله."
في تلك اللحظة، دخلت غادة، فتوقّف الحديث فورًا، وانشغلا بالعمل. قالت بهدوء: "إحنا هنتغدى… نجيبلكم حاجة؟"
رد سامح: "لا شكرًا يا غادة."
ثم نظرت إلى ممدوح باهتمام: "وإنت؟"
أجاب دون أن يرفع عينيه: "لا شكرًا."
تحركت غادة، ثم عادت بتردد: "ممدوح… حابة أتكلم معاك. ممكن بعد الشغل نشرب حاجة في أي مطعم؟"
نظر إليها باستغراب: "ليه يعني؟"
ابتسمت بخجل: "عادي… مش قصدي حاجة. براحتك."
فكر قليلًا، ثم قال: "لا… أوك. نخلص ونشوف."
ابتسمت وقالت: "أوك."
غادرت، لكن هذه المرة كانت تحمل في داخلها رغبةً حقيقية في الحديث، لا سخرية ولا مزاح، بل محاولة للهروب من ضيقٍ يشبه ذلك الذي يملأ قلوب الآخرين.
❈-❈-❈

خرجت غادة مع ممدوح بعد انتهاء العمل، وكان في البداية يسير بينهما صمتٌ خفيف، يشوبه شيء من الحذر، وكأن كلاً منهما يختبر نوايا الآخر. لكن سرعان ما انكسر ذلك الحاجز، حين بدأت غادة الحديث بنبرةٍ هادئة، فسألته عن نفسه، عن حياته، وعن طباعه بعيدًا عن أجواء المكتب المشحونة.
تدريجيًا، بدأ ممدوح ينفتح، كأن داخله كان ممتلئًا بالكلام ينتظر فقط من يستمع. حكى لها عن بساطته، عن تجاربه التي جعلته حذرًا أحيانًا وساذجًا أحيانًا أخرى، وعن طيبته التي كثيرًا ما تضعه في مواقف صعبة. لم يكن يتكلف أو يتصنّع، بل كان صادقًا على نحوٍ واضح، وهو ما لمسته غادة لأول مرة.
أما هي، فقد استمعت باهتمامٍ حقيقي، واكتشفت جانبًا منه لم تره من قبل، جانبًا مختلفًا تمامًا عن الصورة التي كانت تأخذها عنه وسط المزاح والتريقة. شيئًا فشيئًا، تحولت سخريتها القديمة إلى ضحكٍ خفيف، ثم إلى راحةٍ صادقة في الحديث.
ومع مرور الوقت، لم يشعر أيٌّ منهما بانقضاء الساعات. وحين حان وقت العودة، عادا سويًا، لكن العلاقة بينهما لم تعد كما كانت. لم تعد قائمة على التهكم، بل على ودٍّ بسيط، دافئ، كأنه في بدايته. ومنذ ذلك اليوم، بدأت الاتصالات الخفيفة بينهما، يطمئن كلٌ منهما على الآخر بعد الوصول، وتسللت بين الكلمات نبرة لطيفة، تحمل شيئًا من الألفة، شيئًا “بمبي” كما يُقال، لكنه كان صادقًا.
مرّت الأيام سريعًا، حتى جاء يوم كتب كتاب منى. كانت قد أخذت إجازة من العمل، بينما أنهى وسام وشريف يومهما كالمعتاد، ثم عادا إلى المنزل ليستعدا. ارتديا ملابسهما الأنيقة، وانطلقا إلى الحفل.
كان المكان يعجّ بالحياة؛ أصوات الطبول، والزغاريد، والضحكات التي تملأ الأجواء. العروس منذ الصباح في الكوافير، تستعد لتلك اللحظة التي طال انتظارها. لكن الغريب أنها لم يكن معها أحد، فقد انشغل إخوتها باستقبال الضيوف، مكتفين بأن العريس سيذهب ليصطحبها في المساء.
مرّ الوقت، واستعد المأذون، وبدأت الأنظار تتجه نحو الباب انتظارًا لوصول العروس. لكن ساعة مضت، ثم أخرى، ولم تأتِ.
بدأ القلق يتسلل إلى القلوب، وارتفعت همهمات الحضور. حاول إخوة منى الاتصال بها، لكن هاتفها كان مغلقًا. اتصلوا بالعريس، فجاء صوته غاضبًا ومضطربًا: "العروسة مش لاقيينها… فص ملح ودابت!"
تجمّد الجميع في أماكنهم، وتوقفت الموسيقى فجأة، وساد الصمت مكان الضجيج. بدأ وسام وشريف يستفسران عمّا يحدث، بينما وصل العريس وأكد أنه ذهب إلى الكوافير، فعلم أنها غادرت منذ العصر، قبل أن تُكمل استعدادها، وقالت إنها ذاهبة لإحضار شيءٍ مهم وستعود… لكنها لم تعد.
انقلب الفرح إلى فوضى، وتفرّق الجميع بين قلقٍ وغضب. أعلن العريس بعصبية أنه لن يتمم الزواج، رافضًا ما حدث أمام الناس. غادر المأذون، وانفضّ الجمع، بينما خرج وسام وشريف مع إخوة منى يبحثون عنها في كل مكان، بين الشوارع، والمستشفيات، وأقسام الشرطة… لكن بلا جدوى.
وكأنها تبخرت.
في النهاية، عاد الجميع منهكين، على أمل أن تُستكمل الأمور في اليوم التالي.
عاد وسام مع والدته، يثقل كاهله القلق والأسئلة. كيف تختفي منى في يومٍ كهذا؟ ولماذا؟ كانت بالأمس فقط سعيدة، متحمسة، تحلم بحياتها الجديدة.
وصلا إلى العمارة، فإذا بسليمان، البواب، يوقف وسام قائلاً: "في واحدة ست سألت عليك، قلت لها تستنى."
عقد وسام حاجبيه باستغراب: "مين؟"
أشار سليمان إلى الداخل: "قاعدة جوه في أوضتي."
دخل وسام ووالدته مسرعين… ليتجمدا في مكانهما.
كانت منى.
مظهرها كان صادمًا؛ ملابسها غير مرتبة، مكياجها سائل، وعيناها غارقتان في الدموع. وما إن رأت والدة وسام حتى اندفعت نحوها، تحتضنها بشدة، وتبكي بانهيار.
وقف وسام مشدوهًا، تتلاطم داخله المشاعر والأسئلة.
ترى… ماذا حدث لعها؟ ولماذا هربت؟ ولماذا جاءت إليه
❈-❈-❈
خرج وسام مع والدته من العمارة وقد أثقل صدره ذلك اليوم بما لم يتوقعه، بينما كان عقلُه يدور في دوائر من القلق والتساؤل. وما إن اقتربا من الباب حتى أوقفهما سليمان البواب، وقد بدا عليه شيء من التردد، ثم قال إن هناك امرأة تنتظر وسام في الداخل. رفع وسام حاجبيه مستغربًا وسأله عن هويتها، غير أن سليمان اكتفى بالإشارة إلى الداخل قائلاً إنها موجودة في غرفة البواب.
دخل وسام ومعه والدته على عجل، وما إن تجاوزا الباب حتى تجمدا في أماكنهما؛ فقد كانت منى. لكن لم تكن منى التي يعرفانها؛ كانت منهارة تمامًا، ثيابها غير مرتبة، ومكياجها سائل على وجهها، وعيناها غارقتان في البكاء. وما إن وقعت عيناها على والدة وسام حتى اندفعت نحوها كطفلة ضائعة، وألقت بنفسها في حضنها تبكي بشدة، وكأنها وجدت ملاذها الأخير.
وقف وسام مذهولًا لا يصدق ما يراه، تتزاحم داخله الأسئلة والمشاعر دون ترتيب، بينما بقيت والدته تحتضنها محاولة تهدئتها. لم ينطق أحد بكلمة في البداية، حتى قرروا أن يصعدوا جميعًا إلى الشقة حتى تهدأ الأجواء.
صعدوا معًا، وكانت منى طوال الطريق ممسكة بيد والدة وسام بقوة، كأنها تتشبث بها كطفلة تخشى الفقد مجددًا. دخلوا الشقة، وجلسوا جميعًا في صمت ثقيل، قبل أن يكسره وسام بنبرة حادة ممزوجة بالقلق، قال فيها إن ما حدث غير طبيعي وغير منطقي، وطلب منها أن تشرح ما جرى بهدوء دون بكاء.
لكن والدته قاطعته بلطف، مشيرة إلى أنها ما زالت في حالة انهيار ولا تستطيع الحديث بهذه الصورة، فوافقها وسام ثم نهض لإحضار عصير لها، ملاحظًا أنها لم تأكل شيئًا منذ الصباح وأن ضغطها منخفض.
بعد قليل بدأت منى تهدأ تدريجيًا، وبدأت تحكي بصوت متقطع، فذكرت أنها كانت في الكوافير تستعد لليوم الكبير، وأن إحدى المعارف دخلت لتهنئتها بعدما علمت بكتب كتابها. ثم أخبرتها بأنها ترغب في رؤية صورة العريس من الخطوبة، فوافقت منى دون تردد، وأخرجت الصورة.
لكن ما إن رأت تلك المرأة الصورة حتى تغير وجهها تمامًا، وسألتها بصدمة إن كانت ستتزوج هذا الرجل تحديدًا. وعندما استفسرت منى عن السبب، بدأت المرأة تحكي لها أن هذا الرجل كان متزوجًا من قريبتها، وأن زواجه لم يكن الأول، بل سبق له الزواج مرتين، وكلتاهما انتهتا بالطلاق بعد قضايا ومشكلات.
ثم أخذت تروي تفاصيل قاسية عمّا كانت تعانيه تلك الزوجات؛ عن ضربٍ مستمر، وتعذيب نفسي، وسلوك عنيف غير طبيعي، وكأن الرجل يفرغ غضبه في زوجاته. وأكدت أن القضية انتهت بطلاق سريع بعد رفع دعاوى ضده، وأن العائلة كانت تظنه شخصًا عاديًا قبل أن تنكشف حقيقته.
كانت منى وهي تحكي تنفجر في البكاء من جديد، بينما احتضنتها والدة وسام محاولة تهدئتها. أما وسام فجلس في صمت ثقيل، وقد ارتسمت على وجهه علامات الصدمة وعدم التصديق، غير قادر على استيعاب ما يسمعه.
ثم أكملت منى حديثها قائلة إنها لم تعرف كيف تتصرف بعد سماع هذا الكلام، وأن عقلها توقف عن التفكير تمامًا. وفي لحظة خوف وارتباك، قررت الهروب من الكوافير قبل إتمام أي شيء، على أمل أن تمنع وقوع الزواج قبل أن تُفضح الحقيقة، خاصة أنها كانت وحدها دون أهلها في ذلك الوقت.
ثم أضافت أنها لم ترسل رسالة أو تخبر أحدًا، لأنها كانت تخشى أن يعيدوها بالقوة إلى مكان لا تثق فيه، وأنهم كانوا في طريقهم بالفعل لإنهاء الزواج بسرعة وكأنهم يريدون التخلص منها.
ساد صمت ثقيل بعد كلماتها، قبل أن تتدخل والدة وسام بحزم وحنان في آن واحد، مؤكدة أنها لن تذهب لأي مكان، وأن الحل سيكون عند العائلة وفي إطارٍ سليم، وأن الأمر لن يُترك هكذا.
أما وسام، فظل ينظر إليها طويلًا، ثم قال بصوت منخفض يحمل مزيجًا من الغضب والحيرة، إن ما حدث لا يمكن أن يمر مرور الكرام، وإنهم بحاجة إلى حل واضح قبل اتخاذ أي خطوة.
طلبت الأم منها أن ترتاح تلك الليلة، وأصرت أن تبقى في المنزل، بينما حاول وسام تجهيز مكان مريح لها في غرفة المعيشة. أحضر لها بعض الأغراض، وطمأنها بأن الأمور ستُحل بهدوء.
نامت الأم في غرفتها بعد عناء اليوم الطويل، بينما بقيت منى مستيقظة على الأريكة، تحدق في الفراغ، وعقلها يضج بالأسئلة والخوف. وفي المقابل، كان وسام جالسًا في مكانه، يفكر بصمت في كل ما سمعه، وفي الطريقة التي يمكن أن ينقذ بها الموقف دون أن يظلم أحدًا، ولا حتى نفسه.
❈-❈-❈
في أحد أيام العمل، كانت مي تقف جانبًا بعيدًا عن زميلاتها، تتحدث في مكالمة هاتفية مع والدها بصوت منخفض حتى لا تسمعها الأخريات. كان الأب يتحدث إليها بنبرة حازمة عن المصاريف وكثرة ما أنفقته على صديقتها منى، بينما كانت مي تحاول تبرير الأمر بسرعة.
قالت له وهي تختلق مبررًا: "يا بابا مش كتير يعني، وبعدين هي كانت رايحة تقابل خطيبها ومش معاها لبس تلبسه."
تردد الأب قليلًا ثم ردّ عليها مازحًا رغم اعتراضه: "لا يا مي مش للدرجة دي، إنتِ فرتكتي الفيزا كلها على صاحبتك يا بنتي."
ابتسمت مي بخفة، محاولة تليين الموقف، ثم قالت بدلال: "خلاص بقى عشان خاطر ميوش يا بابا."
ضحك الأب من الطرف الآخر، وقال مستسلمًا: "ماشي يا ستي عشان خاطر ميوش… ، هتعدي عليّا الليلة؟"
ردت سريعًا وهي تفكر: "هشوف وأكلمك… أوك؟"
أجابها: "ماشي، سلميلي على غادة والبنات، باي."
أنهت المكالمة وهي تبتسم، ثم التفتت لتتفاجأ بغادة تقف خلفها مباشرة، وقد بدا على وجهها بعض العبوس والقلق.
قالت مي بسرعة: "بابا بيسلم عليكي."
أجابت غادة بهدوء: "الله يسلمه… كان في حاجة؟"
هزت مي رأسها وقالت: "لا، بيكلمني عشان أنا فرّمت الفيزا صرف واشتريت حاجات كتير لمنة، ورحنا الكوافير وكده."
رفعت غادة حاجبها بنبرة يغلب عليها الاستغراب، وقالت: "واضح إن منة بقت غالية عندك اليومين دول؟"
ابتسمت مي ابتسامة خفيفة تحمل شيئًا من التحدي، وقالت: "مش قصة غالية ولا حاجة… القصة إن خطتي تنجح واللي في بالي يحصل. وبعدين أطفش وسام في عيشته ويعرف إن الله حق… هاهاها!"
ثم تركتها ودخلت إلى المكتب دون أن تنتظر ردًا، بينما ظلت غادة تنظر إليها باستغراب واضح، غير قادرة على فهم هذا الإصرار الغريب في كلامها، وكأن وراءه شيئًا أكبر مما تقوله.
وفي تلك اللحظة، اقترب ممدوح من غادة، وقد بدا عليه شيء من التردد، ثم قال: "رايحة في حتة النهارده؟"
نظرت إليه غادة مبتسمة: "أنا؟ لا خالص."
ابتسم ممدوح وقال بخفة: "طب في كافيه بيعمل لاتيه هايل… تيجي نجربه سوا؟"
ضحكت غادة وقالت: " أوك، مافيش مانع."
❈-❈-❈

مرّت ثلاثة أيام على بقاء منى في منزل وسام، كانت خلالها تعيش في عزلة شبه كاملة داخل البيت، لا تخرج ولا تختلط بأحد، وكأنها تحاول أن تختبئ من العالم كله حتى تُحل أزمتها مع أهلها. أما وسام فكان يذهب إلى عمله بشكل طبيعي، ويعود كل يوم وهو يحمل في داخله ثقل المسؤولية، مدركًا أن وجودها في بيته ليس أمرًا عابرًا، بل موقفًا يحتاج إلى حكمة وصبر.
وفي أحد الأيام، بينما كان وسام في عمله، قال شريف مازحًا وهو يراقب الأوراق أمامه: "زمان أهل منى بيدوروا عليها على كده… ياترى غورتي فين يا اللي تتشكى؟"
رد وسام بهدوء ممزوج بالجدية: "إنت عارف؟ منى دي أكيد في مشكلة كبيرة عندها، وإلا ماكنتش هربت يوم فرحها بالشكل ده."
ضحك شريف وقال بخفة: "ع العموم أكيد في يوم هتظهر، هي هتفضل عاملة نفسها طاقية إخفاء كده كتير؟"
ثم أضاف ضاحكًا: "متكونش بتحبك يا وسام عشان كده هربت! "
زفر وسام بضيق: "إنت مبتعرفش تتكلم جد أبدًا؟ طب ركّز في شغلك."
رد شريف بمزاح: "حاضر يا برنجي."
عاد وسام إلى منزله، وقد دخل وهو يتعامل بحذر، وكأن في البيت ضيفة غريبة تحتاج إلى مراعاة خاصة مهما كانت الظروف. ومع ذلك، كانت الأجواء هادئة، إذ اجتمعت العائلة لتناول العشاء، وكانت منى قد تولت إعداد الطعام بنفسها، رافضة أن تترك والدة وسام تقوم بأي شيء.
بعد انتهاء العشاء، شرب والد وسام قهوته ثم ذهب إلى النوم، تبعته والدته، وبقي وسام في غرفة المعيشة يراجع بعض أفكاره، بينما انسحبت منى بهدوء إلى غرفتها، لكنها لم تستطع النوم. ظلّ القلق يرافقها حتى قررت أن تخرج وتسأله إن كان يحتاج شيئًا.
وقفت أمامه مترددة، ثم قالت بصوت خافت: "كنت عايزة أسألك سؤال يا وسام."
أغلق وسام الكتاب الذي كان بيده، وأشار لها بالجلوس قائلاً: "اتفضلي."
جلست منى بعد تردد، ثم قالت وهي تنظر للأرض: "ليه بيحصل معايا كده؟ ليه حظي دايمًا وحش؟ كل ما أفرح، يحصل حاجة تبوّظ كل حاجة."
نظر إليها وسام بهدوء، ثم قال: "بصي يا منى… في حاجات كتير بتحصل لنا مش بنكون فاهمين حكمتها، بس في علم ربنا كل حاجة ليها سبب. ربنا دايمًا بيختار الأصلح لينا، حتى لو إحنا مش شايفين كده دلوقتي."
قاطعته منى بانفعال: "بس أنا سني بيكبر، وكل اللي في سني اتجوزوا وخلفوا، وأنا لسه مكانك سر!"
أجابها بثبات: "ده اسمه قنوط من رحمة ربنا. لو كل واحد فكر كده، كنا كلنا ضيعنا نفسنا. اللي حصل معاكِ إن ربنا حماكِ من حاجة كانت ممكن تضرّك، حتى لو إنتِ مش حاسة بده دلوقتي."
سكتت لحظة، فتابع: "ومش معنى إنك فسختي كذا مرة إن فيكِ مشكلة. ممكن يكون ربنا بيعلّمك من كل تجربة حاجة. والأهم من الشكل أو السن، الأخلاق والاختيار الصح."
نظرت إليه باستغراب: "يعني إنت كنت عارف دنيا كويس قبل ما تسيبو بعض؟"
تنهد وسام وقال بابتسامة خفيفة: "دنيا دي حالة لوحدها… بس الحقيقة إن الموضوع ماكانش بإيدي بالكامل، وسابته أسئلة كتير عندي لحد النهاردة."
ضحكت منى لأول مرة منذ أيام، وقالت: "يعني كلكم عندكم قصص غريبة!"
ابتسم وسام وقال: "المهم إنك تضحكي. ادعي ربنا، وبلاش تفكير كتير."
ثم أضاف وهو ينهض: "يلا روحي نامي، عندي شغل الصبح، ولازم ألاقي حل لموضوع أهلك ده قريب."
ضحكت منى بخفة: "حاضر، تصبح على خير."
رد بابتسامة: "وأنتِ من أهله."
عادت منى إلى غرفتها، لكنها توقفت أمام الباب لحظة، تنظر في الفراغ، وقد شعرت لأول مرة منذ زمن أنها ليست وحدها تمامًا. همست لنفسها بصوت خافت: "مافيش حد وقف جنبي قدك يا وسام… بجد أنا بحبك."
« السابق

جميع الفصول

التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة نور إسماعيل، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية

اضغط زر "حفظ" أسفل الصفحة لتحتفظ بهذه الرواية في مكتبتك


رواياتنا الحصرية كاملة

إرسال تعليق

أحدث أقدم