قراءة رواية لسة أجمل يوم مجاش كاملة
اضغط زر "حفظ" في آخر الفصل لتحتفظ به في مكتبتك
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: لسة أجمل يوم مجاش
رواية جديدة قيد النشر
الكاتبة: نور إسماعيل | الفصل: الفصل الثالث
رواية جديدة قيد النشر
الكاتبة: نور إسماعيل | الفصل: الفصل الثالث
عاد زياد بعد غيابٍ طويل، محمّلًا بسنواتٍ من الدراسة في الخارج، وقد غيّرتْه التجارب قليلًا، لكن ملامحه ما زالت تحمل ذلك الهدوء القديم. جلس بينهم وهو يحاول كسر حاجز الغربة الذي صنعته الأيام، وبدأ يبرّر غيابه بأنّه كان منشغلًا بتحضير رسالة الماجستير، حتى إنّه لم يتمكّن من حضور زفاف إيهاب وسهر. كانت مى تستمع إليه بابتسامةٍ خفيفة، لا تخلو من سخريةٍ لطيفة، ثم رحّبت به ترحيبًا مقتضبًا.
تبادل معها الحديث محاولًا التقرّب، وسألها عن أحوالها، مذكّرًا إيّاها بأنّه حاول التواصل معها سابقًا، لكنّها ردّت بروحها الساخرة المعتادة، وكأنّها تُبعده خطوةً كلّما حاول الاقتراب. تدخّلت سهر لتلطّف الأجواء، موضّحةً أنّ هذا طبع مى في المزاح، غير أنّ زياد لم ينزعج، بل أبدى إعجابه بهذه الجرأة، معتبرًا أنّ الفتاة الخجولة لا تثير اهتمامه.
عندها، مدّت مى يدها مصافحةً إيّاه بخفّة، وكأنّها توافق على هذا الإيقاع المرح بينهما، بينما كان هو ينظر إليها بنظرةٍ حملت شيئًا من الإعجاب الواضح. أمّا هى، فداخليًّا، شعرت بارتباكٍ مفاجئ، سرعان ما أخفته، رافضةً أن تسمح لنفسها بالدخول في أي علاقة. لقد اعتادت على حياتها المستقلّة، وكانت مقتنعة بأنّها لا تحتاج إلى أحد، ولا تريد أن تتعلّق أو تُعلِّق أحدًا بها.
ورغم موافقتها الظاهرية على لقائه مجددًا، كانت قد حسمت أمرها في داخلها بأنّها لن تمنح هذه الفرصة أي اهتمام حقيقي.
في صباح اليوم التالي، كانت مى تنفّذ خطّتها الصغيرة للانتقام. فقد تعمّدت أن تركن سيارتها بطريقةٍ تعيق خروج سيارة وسام تمامًا، بعد أن عرفت تفاصيل سيارته ومواعيد عمله من البوّاب. كتبت له ورقةً ساخرة، تخبره فيها أن يستقلّ سيارة أجرة لأنّها لن تتحرّك مبكرًا من أجله، مذكّرةً إيّاه بموقفٍ سابق أغضبها، ثم تركت الرسالة أسفل ماسحة سيارته وغادرت.
لكنّ الأمور لم تسر كما توقّعت؛ إذ تأخّر وسام في النزول ذلك اليوم، وعندما وجد سيارته محاصرة، لم يكن لديه وقتٌ ليتبيّن صاحب السيارة الأخرى، فاكتفى باستقلال سيارة أجرة مسرعًا إلى عمله، دون أن يلحظ الرسالة أصلًا.
في العمل، حاول صديقه شريف فتح حديثٍ مرح كعادته، متفاخرًا بتعرّفه على فتاةٍ جديدة، ومُبدِيًا شكوكه حول نواياها. لم يُعجب وسام بهذا الأسلوب، وردّ عليه بحدّةٍ ممزوجة بالسخرية، معتبرًا أنّ المشكلة في تفكير شريف لا في الفتاة. انتهى الحوار بينهما دون نتيجة، ككلّ مرّة، بينما ظلّ شريف يمازحه غير آبهٍ بضيق صديقه.
ومع انتهاء يوم العمل، لاحظ وسام غياب منى عن عادتها في تحيّته صباحًا، وحين سألها، بدا عليها الضيق، ثم طلبت منه طلبًا غير متوقّع: أن تزور والدته معه. أوضحت أنّها تحتاج إلى نصيحتها، خاصّةً في ظلّ غياب والدتها، وعدم قرب إخوتها منها. لم يتردّد وسام في الموافقة، معتبرًا إيّاها كأخته، ومؤكّدًا أنّ والدته تحبّها كابنتها.
وأثناء توجههما، لم يخلُ الأمر من تعليقٍ ساخرٍ من شريف، الذي ظنّ أنّ هناك علاقةً عاطفية بينهما، لكنّ وسام تجاهله تمامًا.
عند عودته إلى المنزل، لاحظ أنّ السيارة التي كانت تعيق طريقه قد تغيّر موضعها، وهنا فقط انتبه إلى الورقة. قرأها، فتبدّل وجهه غضبًا، وأدرك فورًا أنّ مى هي من دبّرت هذا الموقف. تأكّد من البوّاب، ثم صعد وهو يكتم غيظه.
أدخل منى إلى شقّته حيث استقبلتها والدته، ثم توجّه مباشرةً إلى شقّة مى، وبدأ يطرق الباب بعنف. فتحت له وهى مندهشة من حدّته، لكنّه لم يمنحها فرصةً للحديث، بل واجهها بغضبٍ واضح، محذّرًا إيّاها من تكرار مثل هذه التصرّفات، وممسكًا بيدها بقسوةٍ وهو يعيد إليها الورقة.
أطلق تهديداته بلهجةٍ حادّة، ثم استدار مغادرًا، قبل أن يعود خطوةً أخرى ليزيد من حدّة تحذيره، ثم أغلق الباب بعنف.
وقفت مى لثوانٍ مذهولة من ردّة فعله، قبل أن تستعيد تماسكها، ويتحوّل اندهاشها إلى غضبٍ مماثل، فأغلقت بابها بقوّة، متوعّدةً بأن تردّ له الصاع صاعين.
في الداخل، عاد وسام إلى شقّته، فوجد منى جالسةً مع والدته في الصالة، يتحدّثان بصوتٍ منخفض، وملامح القلق واضحة على وجهها. توقّف لحظةً يتأمّلهما، وقد بدأ يتسلّل إليه شعورٌ بأنّ هناك أمرًا مهمًّا يُخفى عنه، وتساءل في نفسه عمّا يمكن أن يكون قد حدث.
❈-❈-❈
دخل وسام البيت في ذلك المساء، ووجد منى جالسة بجانب والدتها في الصالون، تتحدثان بصوت منخفض، وبدت على منى علامات الانزعاج والقلق. اقترب منها وسام وقال بلهجة قلقة: "ف إيه مالك يا منى؟"
ردت منى بنبرة مترددة ومشحونة بالحيرة: "أنا حاسة إني عملتلكو قلق يا طنط… بس بجد أنا محتاجاكي أوي."
ابتسمت الأم وطمأنتها، قائلة: "يابنتي، أنتي بنتي وأخت وسام، ده بيتك، وتيجى في أي وقت."
نظر وسام إليها بحيرة وقال: "م تقوليش مالك وغوشتينا يا منى."
تنهدت منى وقالت بحذر: "أنا عرفت حاجة عن خطيبي… مش مريحاني."
التفت وسام إليها بجدية: "ماله؟!"
ابتلعت منى كلامها قبل أن تخرج الحقيقة وقالت بخفوت: "سمعت إنه كان… متجوز قبلي!"
ارتجف وسام من المفاجأة: "وهو مقلكيش؟"
هزت منى رأسها بحزن: "لا… ولا جاب سيرة لا لأخواتي."
جلست الأم صامتة للحظة، ثم قالت بصوت مطمئن: "طيب… هو ده اللي قلقك يعني؟"
أومأت منى: "ايوة… وحسيت من ساعتها إني مش مطمئنة له كده. طب هو هيخبي ليه طالما في الحلال؟ ليه مجابش سيرة خالص؟ ليه نبتدي حياتنا على الكذب؟"
تململ وسام بعصبية خفية: "قلت إيه… ما أولاً اسألي… صلي فكر… ولا حاجة؟ بقولها بتتسمع يا منى."
تنهدت منى وقالت: "والله فكرت وصليت… وأخواتي كمان قالولي إنه كويس."
قاطعتها الأم بابتسامة خفيفة: "يابنتي… أخواتك إيه غير شوية ستات!! يعني مش هيعرفوا يسألو كويس عنه."
تذكرت منى أن زوج أختها الكبيرة قد سأل أيضًا، وقالت: "ماهو جوز أختي الكبيرة سال برضو…"
تنهد وسام: "خلاص يا أمي، اتخطبتله… الخطوبة الزفت التالتة… طيب هنعمل إيه دلوقتي ياست منى؟"
ردت منى بصوت خافت: "معرفش… مانا جيت عشان تشوفولي حل… أفَسخ ولا أواجهه واسمع مبراراته… ولا إيه؟"
ابتسمت الأم بهدوء: "لا… متفسخيش ولا حاجة، هو فرحك اتحدد؟"
قالت منى: "ايوة… أول الشهر الجاي."
حسب وسام الأيام بسرعة: "يعني فاضل 20 يوم!!"
أومأت منى: "ايوة… أنا يدوب بجهز حاجتي الأخيرة."
هزت الأم رأسها بحزم: "لا يابنتي… متفسخيش… يمكن ما حبش يعرفك عشان ما يدايقكيش… أصل مش سبب تفسخ خطوبتك عشانه."
اعترض وسام بدهشة: "إزاي يا أمي؟ مش سبب؟ يبتدي حياته معاها عغش!!"
غمزت الأم له بعينها، دون أن تراه منى: "هو تلاقيه خاف على مشاعرها… وبعدين يا منى، فرحك قرب، مينفعش رجوع بقى."
أومأت منى: "انتي شايفة كده يا طنط؟"
أكدت الأم: "أه… ابقي واجهي بعدين وشوفي مبرراته… لكن هتفسخي الناس هتتكلم عنك أكتر من الأول… وهو مش هيعيبه حاجة… وسوقك يوقف يابنتي."
قالت منى: "حاضر يا أمي."
قام وسام من مكانه، غاضبًا قليلًا، لكنه لم يرغب في إحراج والدته، بينما جلست منى مجددًا في مكانها، تستعد لمواجهة ما هو قادم.
وفي صباح اليوم التالي، صحَت مى على اتصال من زياد، صديقها، يقترح عليها رحلة قصيرة إلى الإسكندرية لتغيير الجو مع أصدقائهم، والعودة في المساء. فتحت الهاتف بصوت نصف نائم: "اه… ازيك يا زياد؟"
أجابها بمرح: "أنا بصراحة مش عارف أنام من بدري… ومطبق من بليل… عايز أشوفك."
ضحكت هى لنفسها: "هي ناقصاك يا عم… زياد انت كمان!"
اتفقوا على الموعد، ومرت الساعات بسرعة حتى اجتمعوا جميعًا وخرجوا نحو الإسكندرية، كل واحد مستخدم وسيلة تنقله الخاصة، بعضهم بالعربية، وبعضهم بالموتوسيكل. وصلوا إلى الشاليه في العجمي، وبدأت أيامهم مليئة بالمرح، البحر، الآيس كريم، والضحك، والتصوير سويًا.
لاحظت مى تعلق بعض أصدقائها ببعض، لكنها بدورها كانت تحاول الموازنة بين زياد ومنة، مفرغة نفسها للضحك والاستمتاع، متجنبة الانتباه لممدوح الذي كان يراقبها بخجل، منتظرًا الفرصة المناسبة.
وفي لحظة هادئة، اقترب منها ممدوح وهو يحمل وردة صغيرة: "ممكن تقبلي دي؟"
ابتسمت مى بخفة وكتمت ضحكتها: "بمناسبة؟!"
قال ممدوح بصراحة: "بمناسبة إني بحبك وعايز أرتبط بيكي وأخطبك."
انفجرت مى ضاحكة، لم تستطع كبح نفسها، وصفقت بيديها: " بصراحة اه!"
عبس ممدوح قليلاً: "وانتي بقى اللي بتتريقى على مشاعري!"
ردت هى بابتسامة ساخرة: "اصل بصراحة انت مسخره… يابني شوف غيري، أنا لو وافقت هطلع عينك بصراحة!"
تركها ممدوح غاضبًا، حاملاً الورد وممسوحًا دموعه، وعاد إلى أصحابه ليكمل يومه، بينما تفرغت مى للضحك والمرح، دون أن تهتم سوى لنفسها ومتعتها الخاصة.
وفي اليوم التالي، عاد ممدوح إلى العمل بمزاج متغير، متجاهلًا باقي زملائه، بينما كانت مى مشغولة بمقالبها ومحاولة إقحام منة نحو زياد، مستمتعة بالسيطرة على المواقف، ومتابعة ضحكها ومرحها كغرض أساسي لها، دون أن تهتم لمشاعر أحد.
وفي الليل، تلقت مكالمة مهمة من أختها سهر، تحذرها من اهتمام زياد بالارتباط، لكنها ردت ضاحكة: "ياستي، عريس لقطة… أنا هشوف له عروسة ويحل عني."
وفي اليوم التالي، أخذت مى منة بمفردهما بعد العمل، لتجلب له أحدث صيحات الموضة، في خطوة عفوية على حسابها الخاص، لتستمر مغامراتهم المشتركة، مختلطة بالضحك والمقالب، في عالمها الصغير الممتلئ بالمرح، والمشاعر المعقدة.
❈-❈-❈
في اليوم التالي، أخذت مى زياد بمفردهما بعد انتهاء العمل، لتذهب معه إلى أحد المحلات التي اعتادت على التسوق منها، وجلبت من هناك أحدث صيحات الموضة، على حسابها الخاص، لتُفاجئ به أختها سهر لاحقًا. كان زياد حاضراً، ومنة، تلك الفتاة الهادئة ذات الشخصية الضعيفة، والتي تحمل في قلبها شيئًا من الإعجاب بزياد، سلمت لمى تمام الحرية لتتصرف كما تشاء، متفهمة خططها الصغيرة.
دخلت مى منزل أختها، وجعلت منة في المكان ذاته لتسهيل لقاء عابر مع زياد، الذي بدا متفاجئًا لرؤية مى، ولكنه سرعان ما تمالك نفسه. حاولت منة التحفظ قليلًا، إلا أن خجلها لم يمنعها من التحية بابتسامة متواضعة، كأنها تقول بصوت صامت: «مرحبًا، سعدت بلقائك». وفي الوقت ذاته، كانت مى تمارس خطتها الصغيرة؛ فهي أرادت أن توصل منة إلى زياد ليحل عنها، وفي الوقت نفسه تراقب تنامي مشاعر الشابة تجاهه.
جلس الجميع في صالون سهر، حيث تبادلت مى الكلمات بصوت خافت مع زياد، محاولةً أن تملأ ذهنه بالصور والتفاصيل المتعلقة بمنة، حتى يشعر بأهميتها وقربها منه. لاحظ زياد الأمر، وارتسمت على وجهه تعابير مختلطة بين الدهشة والارتباك، لكنه لم يُبدِ أي انفعال واضح، مكتفيًا بالاستماع ومراقبة ما يجري.
كانت منة مندمجة باللعب على جهاز البلايستيشن، غير مدركة تمامًا للخطط التي تضعها مى حولها، بينما كان زياد مشغولًا أيضًا في اللعب مع إيهاب، زوج سهر، الذي تحداه في اللعبة وغلبه سريعًا، ما أتاح لزىاد فرصة الجلوس بقرب منة، ليكون أكثر قربًا لها دون أن يثير انتباه الآخرين.
استغلت مى هذه اللحظة لتتحدث مع زياد على انفراد، موضحة له مدى انطباع منة وتأثرها به، ومذكّرة إياه بأن لعبها مع منة لا يعني سوى الحرص على إيصال رسالة ضمنية. وبدورها، كانت منة تبتسم بين الحين والآخر، مستمتعة باللعبة، لكنها تسمع ما تقوله مى وتشعر بالامتنان لكلماتها، مؤكدًة لها أنها تقدر اهتمامها.
وفي ختام اللقاء، ودعت مى زياد، وأخذت منة معها، وهي مستمرة في لعبة البلايستيشن في ذهنها، متحدثة معها بابتسامة: "انتبهي للستايل، خلي اللبس يعجب زياد، بس خلي الطرحة مكانها… متقلقيش". ضحكت منة بخجل، لكنها وعدت بالحرص على ما نصحتها به، مؤكدة أنها ستختار ما يلفت نظر زياد دون التخلي عن طابعها الخاص، مظهرة مزيجًا من التردد والخجل والإعجاب.
بهذه اللحظات، بدا واضحًا كيف تمكنت مى من إدارة المواقف ببراعة، محافظة على حرية منة، ومراقبة ردود أفعال زياد، بينما كانت الأجواء مختلطة بين اللعب والمرح، والتوتر الطفيف الذي لا يظهر إلا في التفاصيل الصغيرة للغة الجسد والنظرات.
❈-❈-❈
ولعلَّ أغرب ما في الأمر أن هؤلاء الذين يقع بينهم ذلك اللقاء الأول، لا يكونون متشابهين أبدًا. بل كثيرًا ما يكون أحدهما النقيض الكامل للآخر؛ هذا يزن كلماته قبل أن ينطق بها، وذاك يضحك قبل أن يفكر فيما سيقوله. أحدهما هادئٌ كبحيرة ساكنة، والآخر يشبه الريح، لا تستقر له روح ولا تهدأ له حركة. أحدهما يرى الدنيا بعين العقل، والآخر يراها بعين القلب والجنون الجميل.
ولو رآهما الناس من بعيد، لأقسموا أن اجتماع هذين الشخصين مستحيل، وأن اختلافهما بداية الفراق لا أول الطريق. غير أن الحياة كثيرًا ما تثبت عكس ذلك؛ فليست كل الأرواح خُلقت لتبحث عن نسخةٍ منها، بل بعضها لا يكتمل إلا بما ينقصه عند الآخر.
فالهادئ لا يحتاج إلى شخصٍ أكثر هدوءًا منه، بقدر ما يحتاج إلى من يوقظ داخله الضحكة التي نسيها. والعاقل لا يبحث دائمًا عن عقلٍ يشبهه، بل عن قلبٍ يعلِّمه أن الحياة ليست معادلةً تُحل، وإنما لحظاتٌ تُعاش. وكذلك صاحب الجنون الجميل، يحتاج إلى من يمنحه الاتزان كلما أوشك أن يضيع، لا إلى من يدفعه إلى مزيدٍ من الفوضى.
كم يبدو المشهد غريبًا حين ترى خفةَ دمٍ تقف بجوار رصانة، ومرحًا لا ينتهي يسير إلى جوار وقارٍ يفرض احترامه، وعقلًا يحسب كل خطوة، إلى جانب قلبٍ يقفز فوق الحسابات كلها. ومع ذلك، يكون هذا المزيج العجيب هو أكثر العلاقات انسجامًا؛ لأن كلَّ طرفٍ يمنح الآخر ما يفتقده، دون أن يسلبه هويته.
إن أجمل العلاقات ليست تلك التي يذوب فيها الطرفان حتى يصبحا نسخةً واحدة، بل التي يحتفظ فيها كلٌّ منهما بلونه، فتتجاور الألوان لتصنع لوحةً لا يستطيع لونٌ واحد أن يرسمها بمفرده.
قد يظن الناس أن الاختلاف سببٌ دائم للصدام، لكنه قد يكون سببًا للنضج أيضًا. فالاختلاف حين يصاحبه الاحترام يتحول إلى مساحةٍ يتعلم فيها كل إنسان شيئًا جديدًا عن نفسه قبل أن يتعلمه عن شريك حياته. وحين يصبح كل اختلافٍ فرصةً للفهم، لا معركةً لإثبات من هو الأصح، يولد ذلك السلام الذي لا يعرفه إلا من وجد نصفه المختلف، لا نصفه المطابق.
ربما لهذا السبب تستمر بعض العلاقات سنواتٍ طويلة، بينما تنطفئ أخرى بدأت بتشابهٍ كبير. فالتشابه قد يجلب الراحة، لكنه لا يضمن الاستمرار، أما التكامل فهو الذي يمنح العلاقة قدرتها على النمو مع الأيام.
ضحكت مى بخفية، فهي بدأت ترى نجاح خطتها، وخصوصًا فيما يخص منة التي ملأت ذهنها تمامًا، ثم واصلت طريقها عائدة إلى بيتها. وفي الطريق، لفت انتباهها وجود سيارة وسام مركونة بطريقة اعتقدت أنها متعمدة، فابتسمت ابتسامة شريرة وقررت أن ترد له المقلب. اقتربت من السيارة لترى وسام واقفًا أمامها، مكتوف اليدين، غير مدرك لما سيحدث. همست مى بصوت ساخر: «عليكى وع أيامك السودة يا بعيدة، مع إني حذرتك… طب ماشي، جبتيه لنفسك يا براكش الكلب!» ثم ركبت سيارتها ودفعتها بقوة، ما أدى إلى ارتطام حقيبتها بعربية وسام، وسمع صوت الخبطة مدويًا في الشارع، بينما وسام توسع ليتجنب الاصطدام ودور بسيارته بعيدًا.
شاهد البواب ما حدث، فبدأ ينادي، لكن وسام لم يلتفت، وكانت دماؤه تغلي شعورًا أنه استرد حقه قليلاً. نزلت مى مسرعة بعد مواعيد عملها لتجد سيارتها متضررة، وصرخت في الشارع كما لو كانت قردة، قبل أن تصعد إلى شقتها لتخطط لمقلب أكبر يرد به المقلب.
تذكرت مقلب السُقع، ونزلت إلى عم سليمان، البواب، مطالبة مساعدته: «يالهوووووي يا عم سليمان!» فارتعب قليلاً، وسألها: «في إيه يا ست مى؟» أجابته مى بقلق وتمثيل: «دى شقة أستاذ وسام طالع منها دخان جامد، ومامته وباباه شكلهم نايمين، محدش بيرد عليا!»
عم سليمان هز رأسه: «بس أنا مش شايف حاجة من هنا!»
زادت مى في زعيقها: «انت هتعرف أكتر مني!» ثم طلبت منه الاتصال بوسام وإبلاغه، معتبرة أن والداه قد يكونان تعرضا للخطر.
في هذه الأثناء، كان وسام في شغله حين تلقى اتصالًا من عم سليمان: «الحق يا أستاذ وسام، بيتكم بيولع!» صدمه الخبر، فهتف: «إيه!! يانهار أسود… أنا جاى!» وهرع مع شريف وزملائه إلى العمارة. وصلوا سريعًا، ووجد وسام نفسه مذهولًا، فلا دخان ولا حريق، بل كان البيت طبيعيًا، والأب جالسًا يقرأ الصحف، والأم مشغولة في المطبخ.
تنفس وسام الصعداء، ثم فتح الورقة التي تركتها له مى، ليجد مكتوبًا: «تعيش وتاخد غيرها… وعملتلك محضر في القسم على خبطة عربيتى». انفجر وسام في غضب: «يا بنت الـ…!» أما شريف وزملاؤه، فغادروا بعد طمأنتهم، تاركين وسام مع محضرى مى، وهو يشعر بالغضب والانفعال.
حين دخلت مى الشقة، استقبلها وسام بغضب مختلط بالدهشة: «انتي يا ست هانم؟!»
ابتسمت مى بسخرية: «أوووووووه وسام! إيه أخبار الشقة اتحرقت؟»
هتف وسام: «لا، المرة دي مش هتكسبي… الجولة لسه مستمرة، ووعدي إنك هتندمي على لعبتك القذرة دي!»
ردت مى متحدية: «كلمة زيادة هعملك محضر في القسم تاني!»
اقترب وسام، وأمسك بيدها: «المحضر الأولاني هدفعلك تمن التصليح عن أقدم شوز عندي… فاهمة يعني إيه؟ لو مسكتك من شعرك ورميتك من فوق مش هتفرقي مع حد… انتي طول ما مشاعر الناس مش مهمة معاكي، هتكوني زي أي حاجة مالهاش لازمة!»
قفزت مى في حالة ذهول، لكنها لم تنطق بكلمة، وأدركت أن مواجهتها لوسام لن تكسر عزيمتها، بل زادتها تصميمًا على أن تكرهه، وتعيش في كرهه وإعجابها بمغامراتها الصغيرة.
| « السابق |
جميع الفصول |
التالي » |
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة نور إسماعيل، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية
اضغط زر "حفظ" أسفل الصفحة لتحتفظ بهذه الرواية في مكتبتك
