لسه أجمل يوم مجاش - الفصل 2 | نور إسماعيل

قراءة رواية لسة أجمل يوم مجاش كاملة

اضغط زر "حفظ" في آخر الفصل لتحتفظ به في مكتبتك

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى



رواية: لسة أجمل يوم مجاش 

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: نور إسماعيل | الفصل: الفصل الثاني



انتهت الجلسة على مائدة الطعام، وبدأ الجميع في النهوض تباعًا، يتبادلون الأحاديث الخفيفة قبل الانصراف. كان وسام يسير بخطوات ثابتة، يحاول أن يبدو طبيعيًا كعادته، حتى مرّ بجوار الطاولة التي تجلس عليها دنيا دون أن يلتفت. غير أن نظرةً منها كانت كفيلة بأن توقفه في مكانه.
رفعت رأسها وقالت بهدوء مشوب بالتردد:
"إزيك يا وسام؟"
تجمّد في موضعه، وكأن الزمن تعثر للحظة، ثم التفت إليها بدهشة واضحة:
"إزيك يا دنيا..."
ترددت قليلًا قبل أن تقول:
"مش هاخد من وقتك غير دقايق... ممكن؟"
أومأ برأسه، ثم استأذن من أصدقائه واتجه نحوها، وجلس قبالتها. كانت ملامحها تحمل إرهاقًا لم يخفَ عليه، بينما كان داخلها يموج بكلامٍ كثير، كأنها جاءت لتقول كل ما عجزت عنه يوم الفراق.
بدأت بصوت خافت:
"إزيك يا وسام... عامل إيه؟"
أجاب بتحفّظ: "أنا تمام... إنتِ كويسة؟"
ابتسمت ابتسامة باهتة وقالت: "ادعيلي أكون كويسة... على فكرة، أنا جيت النهارده مخصوص... كنت عايزة أشوفك قبل ما أسافر."
ارتبك قليلًا، وتساءل في داخله عن سبب هذا اللقاء المفاجئ، لكنها لم تترك له فرصة للتفكير طويلًا، وأضافت:
"أنا لو سيبتك زمان... فده كان لسبب، وهتعرفه بعدين."
قطب جبينه وقال بجدية:
"أنا مش حابب أرجع للي فات... بس وجودك النهارده له معنى واحد."
نظرت إليه مباشرة وقالت دون تردد:
"إنّي لسه بحبك."
اهتزّ شيءٌ داخله، وخرج صوته متوترًا:
"بتعذبيني ليه؟"
ردّت بسرعة، وعيناها تلمعان:
"أنا اخترت أتعذب لوحدي... ولا أشوفك بتتعذب معايا."
دون وعي، امتدت يده نحو يدها على الطاولة، ثم سحبها سريعًا في ارتباك. لحظة قصيرة، لكنها كشفت ما لا يُقال.
قال بحدة ممزوجة بالحيرة:
"أنا مش فاهم حاجة... كنا هنكمل حياتنا سوا، فجأة مشيتي... ودلوقتي راجعة تقولي بتحبيني! فارق معاكي ولا لأ؟"
تهربت بنظرها وسألته:
"إنت ارتبطت بمنى؟"
أجاب فورًا: "لا... منى زي أختي، وإنتِ عارفة."
تنهدت وقالت:
"كنت أتمنى ترتبط... عشان متحسسنيش بالذنب."
ازدادت حيرته:
"ذنب إيه؟ إنتِ عايزة إيه بالظبط؟"
وقفت، والتقطت حقيبتها، ثم قالت بنبرة حاسمة تخفي ألمًا عميقًا:
"ابدأ حياتك يا وسام... ومتوقفهاش عليا. أنا ماشية ومش هرجع... وعلى فكرة، أحسن علاج لحنين ملوش أمل هو البتر."
ثم أضافت بصوت أخفض:
"افتكرني بالخير."
ورحلت، تاركة إياه واقفًا في مكانه، غارقًا في دوامة من الأسئلة. لم يفهم كل شيء، لكنه أدرك حقيقة واحدة مؤلمة: أنها، رغم حبها، اختارت ألا تكون جزءًا من حياته.
وقف طويلًا، يحاول استيعاب ما حدث. شيءٌ داخله انكسر، وشيءٌ آخر بدأ يُجبر نفسه على النضج. ربما حان الوقت ليمضي قدمًا... لكن السؤال ظل معلقًا في قلبه:
هل كانت تلك النهاية حقًا، أم بداية لوجعٍ
❈-❈-❈

كان المكتب يعجّ بالحركة الخفيفة التي تسبق نهاية اليوم، أصوات الطباعة تتداخل مع ضحكات متقطعة، بينما جلست مي مع صديقتيها غادة ومنة حول مكتبها، يتبادلن حديثًا بدا في ظاهره عاديًا، لكنه يحمل في داخله حيرة منة وقلقها. كانت الأخيرة تعبث بقلمها وهي تشرح ترددها بشأن العريس الذي تقدم لها، فيما استندت مي إلى مقعدها بثقة زائدة، وقالت بنبرة ساخرة:
"أحسن يا بنت، بلا جواز بلا زفت... الحرية مفيش أحلى منها."
تنهدت منة وهي ترد بهدوء:
"بس برضو مش هفضل كده كتير يا مي."
رفعت مي حاجبها، وقالت باستخفاف:
"أنا عن نفسي أعيش فري أحسن ما واحد متخلف يفرض عليّ شروطه وشروط أهله... أنا كده ملكة!"
لم تعلق منة، واكتفت بابتسامة باهتة قبل أن تستأذن بهدوء وتتجه إلى دورة المياه. وما إن ابتعدت، حتى تبادلت مي وغادة نظرة ذات مغزى، وانطلقتا في وصلة من المزاح والنميمة.
قالت غادة ضاحكة:
"إحنا هنفضل سنجل لحد إمتى؟ أنا حاسة صلاحيتي قربت تخلص!"
قهقهت مي، وردت بثقة:
"ركّبي دماغك زيي كده وهترتاحي... إحنا عايشين براحتنا، ناكل وننام ونخرج من غير حد يخنقنا."
هزّت غادة رأسها بتردد، ثم قالت:
"آه بس إنتِ حواليكي معجبين كتير... أنا أعمل إيه؟"
ضحكت مي بشدة وقالت بمكر:
"ما قدامك ممدوح!"
وفي تلك اللحظة، دخل ممدوح المكتب، وقد التقط طرف الحديث، فابتسم بخجل وهو يقول:
"فيه إيه؟ حد عايزني؟"
تبادلت الفتاتان النظرات، وقالت غادة بمشاكسة:
"لا يا سيدي، كنا بس بنقول عليك كلام حلو!"
تنحنح ممدوح، ثم قال بحماس:
"على فكرة، عندي خبر حلو... أختي ولدت امبارح!"
صفقت غادة بمرح:
"ألف مبروك! هاتلنا السبوع بقى!"
أما مي، فاكتفت بابتسامة ساخرة وهي تقول:
"حتى لو بقيت خالو، هتفضل عبيط!"
لم يغضب ممدوح، بل ابتسم في صمت، وكأنه اعتاد منها هذا الأسلوب. دخلت منة في تلك اللحظة، فبادرها قائلاً بسعادة:
"أنا بقيت خالو يا منة!"
ابتسمت منة بصدق:
"ألف مبروك، تتربى في عزكم. سميتوها إيه؟"
"فرح."
"اسم جميل أوي."
وقبل أن يستمر الحديث، دخل سامح، بنظراته الجادة وصوته الحاسم:
"يلا يا جماعة، مواعيد المكتب خلصت."
تأففت مي، وبدأ الجميع في الاستعداد للمغادرة. خرجوا معًا، وكان ممدوح يسير بجانبهن ليطمئن على ركوبهن سيارة أجرة. وفي الطريق، لمعت في عيني مي فكرة مشاغبة، فغمزت لغادة، ثم طلبت من ممدوح أن يحضر لها زجاجة ماء من متجر قريب.
وما إن ابتعد، حتى اقتربت من شابين يمران، وقالت بصوت مرتجف مصطنع:
"لو سمحت، الشاب اللي هناك ده بيعاكسنا كل يوم!"
تغيرت ملامح الشابين فورًا، واتجها نحو ممدوح بعصبية. حاول المسكين أن يشرح الموقف، لكن الأصوات علت، والناس تجمعت، بينما كانت مي وغادة تفران ضاحكتين، تستقلان سيارة أجرة سريعًا.
وقف ممدوح في وسط الموقف مرتبكًا، ينظر حوله باحثًا عنهما، ثم تمتم في نفسه بمرارة ممزوجة بابتسامة خفيفة:
"ماشي يا مي... ماشي."
❈-❈-❈

هل آمنتَ يومًا بأنَّ نظرةً واحدةً قد تُبدِّل مصير إنسان؟ لا حديثًا عابرًا، ولا إعجابًا مؤقتًا، بل تلك النظرة التي تمرُّ خاطفةً، ثم تمكث في القلب عمرًا كاملًا، كأنها كانت موعدًا مؤجلًا منذ سنوات لا يعلمها إلا القدر.
يقولون إن الحبَّ الحقيقي يحتاج إلى الوقت، وإلى المواقف، وإلى المعرفة الطويلة، وربما يكون ذلك صحيحًا في كثيرٍ من الأحيان، لكنَّ للحياة استثناءاتها التي لا تخضع لقوانين البشر. فقد تلتقي عينان للمرة الأولى، فتسقط بينهما كل المسافات، ويشعر كلٌّ منهما بأن الآخر ليس غريبًا، بل وجهٌ يعرفه القلب قبل أن تتعرف إليه الذاكرة.
ولعلَّ أغرب ما في الأمر أن هؤلاء الذين يقع بينهم ذلك اللقاء الأول، لا يكونون متشابهين أبدًا. بل كثيرًا ما يكون أحدهما النقيض الكامل للآخر؛ هذا يزن كلماته قبل أن ينطق بها، وذاك يضحك قبل أن يفكر فيما سيقوله. أحدهما هادئٌ كبحيرة ساكنة، والآخر يشبه الريح، لا تستقر له روح ولا تهدأ له حركة. أحدهما يرى الدنيا بعين العقل، والآخر يراها بعين القلب والجنون الجميل.

ولو رآهما الناس من بعيد، لأقسموا أن اجتماع هذين الشخصين مستحيل، وأن اختلافهما بداية الفراق لا أول الطريق. غير أن الحياة كثيرًا ما تثبت عكس ذلك؛ فليست كل الأرواح خُلقت لتبحث عن نسخةٍ منها، بل بعضها لا يكتمل إلا بما ينقصه عند الآخر.
فالهادئ لا يحتاج إلى شخصٍ أكثر هدوءًا منه، بقدر ما يحتاج إلى من يوقظ داخله الضحكة التي نسيها. والعاقل لا يبحث دائمًا عن عقلٍ يشبهه، بل عن قلبٍ يعلِّمه أن الحياة ليست معادلةً تُحل، وإنما لحظاتٌ تُعاش. وكذلك صاحب الجنون الجميل، يحتاج إلى من يمنحه الاتزان كلما أوشك أن يضيع، لا إلى من يدفعه إلى مزيدٍ من الفوضى.

كم يبدو المشهد غريبًا حين ترى خفةَ دمٍ تقف بجوار رصانة، ومرحًا لا ينتهي يسير إلى جوار وقارٍ يفرض احترامه، وعقلًا يحسب كل خطوة، إلى جانب قلبٍ يقفز فوق الحسابات كلها. ومع ذلك، يكون هذا المزيج العجيب هو أكثر العلاقات انسجامًا؛ لأن كلَّ طرفٍ يمنح الآخر ما يفتقده، دون أن يسلبه هويته.
إن أجمل العلاقات ليست تلك التي يذوب فيها الطرفان حتى يصبحا نسخةً واحدة، بل التي يحتفظ فيها كلٌّ منهما بلونه، فتتجاور الألوان لتصنع لوحةً لا يستطيع لونٌ واحد أن يرسمها بمفرده.

قد يظن الناس أن الاختلاف سببٌ دائم للصدام، لكنه قد يكون سببًا للنضج أيضًا. فالاختلاف حين يصاحبه الاحترام يتحول إلى مساحةٍ يتعلم فيها كل إنسان شيئًا جديدًا عن نفسه قبل أن يتعلمه عن شريك حياته. وحين يصبح كل اختلافٍ فرصةً للفهم، لا معركةً لإثبات من هو الأصح، يولد ذلك السلام الذي لا يعرفه إلا من وجد نصفه المختلف، لا نصفه المطابق.

ربما لهذا السبب تستمر بعض العلاقات سنواتٍ طويلة، بينما تنطفئ أخرى بدأت بتشابهٍ كبير. فالتشابه قد يجلب الراحة، لكنه لا يضمن الاستمرار، أما التكامل فهو الذي يمنح العلاقة قدرتها على النمو مع الأيام.

لذلك، لا تتعجب إن رأيت شخصًا رزينًا يعشق إنسانةً لا تكف عن الضحك، أو فتاةً هادئةً اختارت رجلًا يملأ المكان حركةً وضجيجًا. فقد لا يكون ما جمعهما تشابه الطباع، بل ذلك الشعور الخفي بأن كلاً منهما وجد في الآخر الجزء الذي ظل يبحث عنه طويلًا دون أن يدري.

وربما يبدأ كل ذلك... بنظرةٍ واحدة. نظرةٍ لا تستطيع أن تفسرها الكلمات، ولا أن يصدقها المنطق، لكنها تظل تسكن القلب حتى بعد أن ينساها العقل. وعندها فقط، يدرك الإنسان أن الحب لا يسأل دائمًا عن الأسباب، ولا يستأذن قبل أن يأتي، وأن القدر قد يخبئ العمر كله داخل لحظةٍ واحدة، وداخل عينين لم يلتقِ بهما من قبل، ولكنه يشعر، منذ الوهلة الأولى، أنه كان يعرفهما منذ الأزل.

عاد وسام إلى منزله مثقل الخطوات بعد يوم عمل طويل، يحمل في داخله تعبًا أعمق من الإرهاق الجسدي. دخل غرفته بهدوء، ثم اتجه إلى درج مكتبه وأخرج ألبوم صور خطوبته القديمة. جلس على طرف السرير، يقلب الصفحات ببطء، وعيناه تتوقفان عند كل صورة، كأنها تعيد إليه لحظات لم تبرح ذاكرته بعد.

بينما كان غارقًا في أفكاره، دخلت والدته الغرفة، ونظرت إليه بحزن ممزوج بالشفقة، ثم قالت:

"هو لسه قاعد الألبوم ده يا وسام؟"
رد بصوت خافت:
"لا خلاص يا أمي… مش هيقعد بعد النهارده."
اقتربت منه وجلست بجواره، وقالت بحزم حنون:
"يا ابني ارميه بقى… اللي فات راح. لا عمره هيرجع ولا يستاهل توقف حياتك عشانه. نفسي أشوف عيالك وأفرح بيك."
تنهد وسام بعمق، وأغلق الألبوم ببطء، ثم قال:
"عندك حق يا أمي… الصفحة دي لازم تتقفل. رغم إنها صعبة عليّا، بس أنا تعبت… لازم أبدأ من جديد."
ابتسمت الأم وربتت على كتفه، وقالت:
"إنت قلبك طيب يا ابني، واللي هتكون من نصيبك تبقى ربنا راضي عنها. إنت جوهرة، بس ادعي ربنا ينسيك اللي فات ويديك الأحسن."
انحنى وسام وقبّل يدها، وكأن كلماتها منحت قلبه بعض السكينة. نهض بعدها، وأمسك الصور بيدٍ ثابتة هذه المرة. أشعل نارًا صغيرة، وبدأ يضع الصور واحدة تلو الأخرى، يراقبها وهي تحترق.
كانت النيران تلتهم الذكريات، ومع كل صورة تختفي، كان يشعر أن جزءًا من الألم يغادره. لم يكن الأمر سهلًا، لكن داخله كان يدرك أن هذه النهاية ضرورية، وأن بعض الصفحات لا تُغلق إلا حين تُحرق تمامًا، ليبدأ بعدها فصلٌ جديد أكثر هدوءًا ونضجًا.
❈-❈-❈

مرّ أسبوعٌ كامل منذ آخر تلك الضحكات، وعادت الحياة إلى وتيرتها السريعة داخل المكتب. جلست مى إلى مكتبها كعادتها، تحيط بها صديقاتها المقربات، غادة ومنة، يتبادلن الأحاديث الخفيفة وسط زحام العمل وضغطه. ورغم كثافة المهام، كان هناك دائمًا متّسع للمرح بينهن، وكأنّ صداقتهن تُخفّف عنهن ثِقل الأيام.
كانت مى، بطبيعتها القيادية، تمسك بخيوط الأمور، لا تفرض رأيها بقدر ما تُحبّ أن تجمعهن على كلمة واحدة، فيستجبن لها بحبّ لا بخضوع.
قالت غادة وهي تبتسم بحماس:
"أحلى حاجة إنك جبتي عربيتك من التوكيل... عشان نلفلف براحتنا بقى. متعرفوش يا بنات أنا بستنى الويك إند قد إيه!"
ضحكت منة وهي تهزّ رأسها موافقة:
"كلنا والله مش إنتِ بس... الحمد لله شغلنا كويس، بس المكتب مش بيهدى خالص."
وقبل أن يكتمل حديثهن، تدخّل ممدوح بنبرةٍ ساخرة:
"لا، والأحسن يا مى إنك جبتي عربيتك... عشان متعمليش فيّا فصل بايخ زي المرة اللي فاتت!"
رفعت مى حاجبيها متظاهرة بالبراءة:
"فصل إيه؟"
قهقه ممدوح وهو يشير إليها:
"والله! على أساس مين اللي قال للشباب إني بعاكس وبمشي وراهم كل يوم؟ وببص لاقيتها فِص ملح وداب! دانا شايلها لك من ساعتها يا شيخة!"
انفجرت مى ضاحكة، وقالت وهي تغمز لغادة:
"أوووه هي جت فيك؟ وحياتك يا ممدوح عندي كنت بشاور على واحد تاني... تلاقيهم غلطوا معلش!"
تدخّلت غادة بسرعة لتُنهي الموقف:
"خلاص بقى يا ممدوح، إنت هتعمل فيها متضايق؟ ما قالت لك مكانتش قاصدة!"
لكن سامح لم يفوّت الفرصة، وقال ضاحكًا:
"يا عم بعد كده تعالى أوصلك بالموتوسيكل، وسيبك من البنات... ومى بالذات ومقالبها!"
اتّسعت عينا مى باعتراضٍ مصطنع:
"حرام عليك يا سامح! أنا بعمل فيكم مقالب؟"
ابتسم سامح بخبث:
"لا يا شيخة... دي منة بس، إحنا بنلزقها فيكي!"
تدخّلت منة بجدّية مفاجئة:
"طب خلاص بقى، كفاية هزار... خلّونا في الشغل. هو ورق شركة كمبيوتك فين يا مى؟"
تجمّدت مى فجأة، واتّسعت عيناها بدهشة:
"أوبس!... ده عندي في البيت."
ضرب سامح كفًّا بكفّ، وقال بصوتٍ مرتفع:
"يا نهار أسود عليكِ! طب اخطفي رجلك بسرعة هاتيه... لازم نسلم قبل نهاية الأسبوع!"
وقفت مى على الفور، التقطت حقيبتها بسرعة، وقالت وهي تتجه نحو الباب:
"خلاص، هركب عربيتي وأرجع بيه حالًا!"
غادرت المكان مسرعة، بينما تبادل الباقون النظرات بين القلق والضحك، فقد كانت هذه الفوضى الصغيرة جزءًا من يومهم المعتاد، الذي لا يكتمل إلا بها.
❈-❈-❈

على الجانب الآخر من الحكاية، كان الصمت يخيّم على شقة وسام منذ أسبوع كامل. لم يعد يذهب إلى عمله، ولم يفتح هاتفه إلا نادرًا، وكأن العالم كله أصبح عبئًا ثقيلاً على صدره. زملاؤه في العمل حاولوا التواصل معه مرارًا، لكن دون جدوى، حتى قرر شريف أن يذهب إليه بنفسه.
طرق شريف الباب، ففتحت له والدة وسام بابتسامة دافئة رغم القلق الذي يسكن عينيها.
قال: "السلام عليكم يا طنط."
أجابت: "أهلاً يا شريف يا ابني، إزيك؟ إزي مامتك؟"
رد مبتسمًا: "بخير يا طنط، بتسلم عليكي... وسام عامل إيه؟"
تنهدت قليلًا: "ادخل له يا ابني جوه."
دخل شريف الغرفة، فاستقبله ظلام كثيف، ستائر مغلقة، ونوافذ موصدة، وضوء خافت ينبعث من شاشة الحاسوب فقط. وقف لحظة، ثم قال ساخرًا:
"إيه ده يا عم؟ إيه المقبرة دي؟ افتح وهوّى شوية!"
رد وسام بصوت متعب: "سيب الشبابيك يا شريف."
اقترب شريف وهو يضحك بسخرية: "سيب الشبابيك؟! لا مش هسيب... إيه الاكتئاب ده كله؟ عشان دنيا؟"
رفع وسام عينيه ببطء وقال: "عارف لو كنت واحد زيك، كنت زماني مش فارق معايا... بس أنا مش شريف."
جلس شريف أمامه وقال بنبرة أخف: "وفيها إيه لما تعيش ومتشيلش هم؟ وبعدين الحمد لله إنها قالت لك تنساها... أنت مش محتاج واحدة زيها أصلاً."
ثم أضاف ضاحكًا: "أنت عامل زي الأفلام القديمة... دراما زيادة عن اللزوم!"
لم يتمالك وسام نفسه، فأمسك وسادة وألقاها عليه قائلًا: "طب غور!"
ضحك شريف وقال: "قوم بقى، احلق دقنك وتعالى معايا."
سأله وسام بتثاقل: "فين؟"
رد: "خطوبة منى النهاردة... إنت نسيت؟"
تنهد وسام: "مش في المود."
اقترب منه شريف، وأمسكه رافعًا إياه بالقوة وهو يضحك: "قوم يا زفت بدل ما أفضّل شايلك كده!"
استسلم وسام أخيرًا، ودخل الحمام، وحلق ذقنه، وارتدى ملابسه بعناية، وكأنه يحاول أن يستعيد جزءًا من نفسه الضائعة.
وحين خرجا من الشقة، فوجئا بمي تقف أمام المصعد. تبادلت النظرات الحادة مع وسام، بينما شريف يرمقها بإعجاب واضح.
قال شريف متذمرًا: "هو الأسانسير بيطول كده ليه؟"
ضحكت مي فجأة: "إيه ده؟ اسمك وسام؟!"
رد ببرود: "ماله؟"
قالت ساخرة: "أصله اسم بنات!"
ابتسم بسخرية: "وإنتي اسمك إيه بقى؟ عصام؟"
رفعت رأسها بغرور: "أنا برنسس مي."
كتم ضحكته: "مي؟! ده حتى وسام له معنى!"
اشتعلت ملامحها غضبًا وقالت: "ما تركبش معايا الأسانسير... استنى!"
رد ساخرًا: "إيه المعيلة دي؟!"
وحين وصل المصعد، دفعها دفعة خفيفة، فسقطت أوراقها على الأرض.
قال وهو يدخل: "لما تلميهم بقى، أبقى انزلي ورايا."
صرخت غاضبة: "إنت قليل الذوق!"
أما شريف، فلم يتمالك نفسه من الضحك.
في المصعد، قال شريف: "مين دي؟!"
رد وسام: "كنكة مصدية... مغرورة زيادة عن اللزوم."
ابتسم شريف بمكر: "بس صاروخ!"
نظر له وسام بحدة: "إنت بتهزر؟!"
في المساء، حضرا الخطوبة. كانت منى تبتسم، لكن عينيها تخفيان شيئًا من التردد. وقف وسام يبارك لها، ثم جلس يتأملها بصمت. تساءل داخله: لماذا تقبل بعض الفتيات بحياة لا يردنها؟ فقط خوفًا من كلام الناس؟ شعر بوخزة خفيفة، وتساءل إن كان سيصل يومًا إلى تلك المرحلة.
أما مي، فكانت في عالم آخر. جلست مع أختها سهر، تشكو لها من تصرفات وسام، وتحكي بغضب عن محاولاتها الفاشلة للانتقام منه.
قالت بانفعال: "أنا مش فاهمة! كل مرة أحاول أعمله مقلب، الموضوع بييجي عليا أنا!"
وقبل أن تكمل، دخل شاب وسيم برفقة زوج أختها.
قال بابتسامة: "إزيك يا مي؟"
نظرت إليه بدهشة: "إحنا نعرف بعض؟"
رد بثقة: "أنا زياد، أخو إيهاب... كنت برة ولسه راجع."
سكتت لحظة، وعيناها تلمعان بدهشة، وقالت في نفسها بإعجاب واضح:
_أوووه يا أهلًا
وبداخلها يعتمل الكثير..تُرى ماذا سيحدث فيما بعد
تابعوا قصتهم بشغف ولاتنسوا
« السابق

الفهرس

التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة نور إسماعيل، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية

اضغط زر "حفظ" أعلى الصفحة لتحتفظ بهذه الرواية في مكتبتك


رواياتنا الحصرية كاملة

إرسال تعليق

أحدث أقدم