صياد النايا آل حنايا - الفصل 30 - أية العربي

قراءة رواية صياد النايا آل حنايا كاملة

اضغط زر "حفظ" في آخر الفصل لتحتفظ به في مكتبتك

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى



رواية:صياد النايا آل حنايا 

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: آية العربي 

| الفصل: الثلاثون



وإذا بي أنظر في مرآة الغدر 
لم تكن الصدمة في السكين الذي غرزته في ظهري، بل في أنني كنتُ من سلّمك المقبض بيدٍ واثقة. 
تلك اللحظة التي تلاشت فيها ملامحكِ المألوفة لتعرّي خلفها وجه الغريب، لم تكن مجرد خيانة، كانت زلزالًا هز أركان يقيني، وأسقط آخر قناع كنت أرتديه لأصدق أن في هذا العالم وفاءً لا يُستحق. 
لقد وقفت وسط ركام ثقتي المهدمة، ليس لأبكي، بل لأراقب ببرودٍ ثلجي كيف تحول دفءُ ذكرياتنا إلى رمادٍ لا يغري أحدًا. 
اليوم، لا أريد الانتقام بضجيج، فالانتقام الصغير هو أن أرد لك الأذى، أما انتقامي الحقيقي هو أن أكون قد مضيتُ بعيدًا، أن أنظر إليك فلا أراك، أن تمر من جانبي فتجدني حرةً من أثقالي، بينما تظل أنت عالقًا في سجن ذنبك، تبحث في وجوه الناس عن طيفِ الغفران الذي أخذته معي حينما رحلت، تاركةً لك فراغًا لا يملؤه الندم، وصمتًا أشدّ وقعًا من ألف صرخة.
بقلم آية العربي 

❈-❈-❈

 انتهى اليوم بسلام، ولا تنكر أنها استمتعت بالعمل وبالأجواء وبالأُناس الرائعين الذين تعرفت عليهم، وأولهم عبدالله الذي رأت جانبًا جديدًا منه، إنه رجلٌ شهم، تعامل معها بودٍ بالغ، هل يمكن أن يكون مهران قد أوصاه عليها؟ 

استنكرت هذا سريعًا، مهران لن يفعلها، من المؤكد أن عمها هو من فعل، وذلك نابعًا من ثقته في عبدالله. 

حسنًا هي لا تفضل التعامل على صعيدٍ خاص بها، ولكن من المؤكد أن السبب في ذلك هو اليوم الأول لها.. 

دلفت شقتها بعدما أوصلها الحارس، وخطت خطوتين ولكنها تسمرت حينما وجدته يتمدد على الأريكة، نائمًا وفوق صدره ينام صغيره في مشهدٍ جعلها تستعيد كل ما سبق، وتمر على وقفتها الثواني كالسنوات، لتتسلط مقلتيها على وجهيهما، إنهما نسختان متطابقتان من بعضهما، صغيرها يعرف والده جيدًا، ويشعر بالأمان معه. 

- حمدالله ع السلامة يا ست نهاد. 

نطقتها المساعدة من خلفها، فالتفتت نهاد تطالعها بملامح مستفسرة تتساءل  : 

- هو مهران چه امتى؟ 

أجابتها توضح  : 

- بجالو حوالي 3 ساعات  . 

تعجبت فهي هاتفتها منذ قليل ولم تخبرها بوجوده، وتعجبت أكثر فيفترض أنه عاد إلى الصعيد ليلة أمس، كيف جاء؟ وهل سيظل يطوف حولها؟ 

تساءلت  : 

- طب مانا كلمتك قبل ما اچي ماجولتليش ليه؟ 

أشارت نحوه برأسها و قالت : 

- هو اللي جالي ماعرفكيش  . 

أومأت بتفهم، وتنفست مطولًا بضيق، ثم وقفت تطالعه مجددًا بعدما عادت المساعدة إلى المطبخ، تفكر ماذا تفعل؟ لا يجوز تواجده هنا بكثرة، أليس لديه زوجة يذهب إليها؟ أليس لديه شركة تحتاجه؟ ماهذا الاهتمام كله يا فاقد الشيء؟ 

زفرت وتحركت نحو الغرفة، دلفت وأغلقت خلفها لتبدل ثيابها وتعود، ولكنه فتح عيناه بعدما غادرت، حيث شعر بها وبنظراتها نحوه.

تنهد ونظر لصغيره وارتفع قليلًا يقبله، ثم نهض بهدوء يحمله ويضعه بحنانٍ فوق الأريكة ثم جلس يمسح وجهه بكفيه ويزيل أثر الغفو عنه ولينتظرها  ..

خرجت بعد عدة دقائق ترتدي عباءة مهندمة وحجابًا لتتفاجأ به يجلس ينتظرها، يحدق بها كما لو كانت حقًا له، يبتسم لها وينطق وهو يشير نحو الأريكة  : 

- تعالي يا نهاد، استنيتك عشان اتحدت وياكي  . 

تحركت تجلس قبالته وتتساءل بترقب  : 

- مش المفروض كنت رچعت لوجصر امبارح؟ 

- كان عندي شغل مهم هنا لازم اخلصه جبل ما ارچع، مضايجة من وچودي ولا إيه؟ 

ظهر الانزعاج على ملامحها ووضحت دون تجمل  : 

- يبجى كنت خليتني في الصعيد احسن وماچتش إهنة، إنت خابر زين إني چاية لاجل ما ابعد وافكر زين  . 

تذكر هيأتها وهي تجلس مع عبدالله وتتحدث مبتهجة، وكاد أن يحتد لولا أنه يريد أن يستحوذ على أفكارها، يريد جذبها إليه مجددًا، بدأ يدرك أنها تتغير وتتجرد من شخصيتها السابقة، لذا فكل ما يسعى إليه أن يروض شخصيتها الحالية كي تحبه كما كانت تفعل، وأكثر  .. 

التفت ينظر لسترته الموضوعة على الكنبة، التقطه ودس يده به ليخرج علبة قطيفة مخملية مستطيلة الشكل، وورقة مطوية، ثم ناولها إياهما يردف بترقب  : 

- دول عشانك  . 

تعجبت وهي تلتقطهما منه ولم تستوعب، هل جلب لها هدية؟ 

لم تنطق بل عبرت بنظرة عابرة فهو لم يفعلها من قبل، ثم نظرت إلى العلبة وفتحتها ليظهر لها سلسالًا أنيقًا يحمل قطعة ذهبية برمز اللانهاية، تلمستها بهدوء وشردت لبرهة استطرد فيها  : 

- عارفة ده معناه إيه؟ معناه إننا لبعض مهما حُصل وإلى مالا نهاية، إنتِ حجي، ومراتي، وام ولدي، وحبيبتي. 

نطق الأخيرة بنبرة مؤثرة فرفعت رأسها له تحدق به وتساءلت: 

- حبيبتك؟ 

أومأ مؤكدًا يسترسل  : 

- ايوة حبيبتي يانهاد، وجولتلك جبل سابج اللي حصل في الشهرين اللي فاتو دول اكدولي إني ماينفعش ماتبجيش في حياتي، وإني بحبك جوي، افتكريني بأي حاچة حلوة. 

ابتسمت بسخرية مؤلمة تتساءل ببرود ظاهري  : 

- زي إيه مثلًا؟ 

ازدرد ريقه سريعًا يستعيد الذكريات ويقلب في صحفات عقله، ولكنه لم يجد لنفسه ذكرى حُلوة حفرها في علاقتهما، لذا نظر إلى الورقة في يدها ونطق  : 

- طب شوفي الورجة لاول، يمكن جلبك يلين. 

مالت تضع علبة السلسال على الطاولة، ثم اعتدلت تفتح الورقة بهدوء وتنظر فيها لتجدها عقد بيع هذه الشقة باسمها، وما جعلها تجحظ هو وجود توقيعها على العقد. 

عادت إليه سريعًا تتساءل بذهول  : 

- كيف ده؟ 

نطق يوضح  : 

- ده عجد بيع الشجة دي، باسمك، وتوجيعك، وجعتي عليه من ضمن أوراج نجلك من لوجصر لاهنة من غير ما تاخدي بالك  . 

ظلت على نظرتها لوقتٍ تستوعب ما يقوله، ثم هزت رأسها وطوت العقد تناوله إياه قائلة برفض واستنكار  : 

- ماحجبلهاش واصل، كيف يعني . 

زفر بانزعاج من عنادها ونطق مؤكدًا  : 

- حتجبليها، اعتبريها مهرك، مش لازمن عجد ومهر جديد؛ اهي الشجة دي بجت مهرك، والعجد لما تحني علينا وتبطلي عناد. 

ما يفعله يجعلها تشعر أن يدًا تسحبها للخلف وهي تصارع لتتقدم، لم تتوقع أنه في يومٍ من الأيام سيقدم لها هذه العطايا ولم تفرح، كل ما يخبرها به أنه يريدها كالسابق، ولم يذكر زواجه بأخرى كأنه شيئًا لم يكن، كأنها رأت كابوسًا واستيقظت منه على زوجها الحنون العاشق لها  .. 

بداخلها الكثير له، ولكنها توقن بأن الكلام لم يعد كافيًا أو مؤثرًا، لذا اتخذت من تنهيدتها سبيلًا، وقررت أن تعاود التحايل، لذا قالت وهي تحدق به   : 

- تمام، بس أني تعبانة ومحتاچة ارتاح دلوك يا مهران  . 

جديتها آلمته، حيث ظنها ستهديه فرحة وقبولًا، ولكنها خيبت آماله، لذا زفر بقوة وأومأ مرارًا، ثم نهض وتحرك نحو صغيره يقبله وتحرك نحوها خطوتان ينوي تقبيل رأسها ولكنها أشارت له بيدها توقفه قبل أن يصل قائلة: 

- لو سمحت. 

تجمد مكانه لثوانٍ قبل أن يندفع مغادرًا، وتركها تجلس تنظر إلى العقد والهدية وتفكر ما عليها فعله حيال ذلك  . 
❈-❈-❈

دلف مكتبه بعدما سمح له أن يدخل، ليقابله معتز بوجهٍ محتقنٍ استقبله بابتسامة استفزازية ونطق  : 

- كيفك يا معتز، عاش من شافك يا صاحبي . 

أردف الآخر مستفسرًا بترقب  : 

- خير يا احمد؟ إيه سبب الزيارة الغريبة دي؟ 

- ما غريب إلا الشيطان يا أخي، داني چاي اسلمك حاچة نفسك فيها جوي  . 

تأهب معتز وانهالت عليه الأفكار، بينما نظر أحمد إلى الحاسوب الموضوع أمامه وتساءل وهو يشير عليه  : 

- ينفع استخدم اللابتوب؟ 

انزعج معتز، وتوقع أن تكون هذه خطة جديدة من جابر، لذا نطق محتدًا  : 

- بقولك إيه يا احمد، خليك دوغري وقول اللي عندك يا اما قوم اتكل على الله، أنا مش فضيلك  . 

ابتلع الآخر طريقته ومال عليه يهمس بترقب بعدما كمم أفواه أصوات ضميره التي كانت تخبره بألا يفعل  : 

- مانفسكش تنتجم من چابر على اللي عمله وياك ؟ 

تصنم لبرهة، يطالعه بثقب قبل أن يفرد ظهره ويتساءل بانتشاء لفكرة الانتقام  : 

- معقول؟ معاك حاچة ليا تخليني انتقم من چابر؟ هو مش انتو اصحاب چدًا وشركا ولا إيه؟ 

ابتسم أحمد يجيبه  : 

- إنت عارفني من زمان، الصاحب اللي مايجدرنيش مالوش عندي عهد، وچابر اتمادى معايا جوي، ودلوك رايد ياكل حجي، عشان إكدة أني إهنة دلوك وحعرض عليك عرض مايتفوتش، بس شوف اللي معايا لاول، وبعدين نكمل حديتنا  . 

صمت معتز لثوانٍ يفكر، يعرف عن أحمد أنه استغلالي، ونفسه أولًا وأخيرًا، ولكنه يشتهي الانتقام من جابر آل حانا منذ أن سرق منه ريم، وطوال هذه الفترة يبحث عن ثغرة له لينبش فيها ويوقعه، ولكن جابر ظل يخطو في طريقٍ مستقيم جعله يصاب بالحيرة واليأس. 

مد يده يضغط بنقرة على الحاسوب ثم لفه يقربه من أحمد ويردف  : 

- اتفضل  . 

نهض الآخر وتحرك يلتفت إليه ويعيد الحاسوب معه قائلًا  : 

- خليني إهنة عشان تشوف بوضوح  . 

وضع أحمد الفلاشة في الجهاز، والتي كانت مشفرة ببصمة إصبعه حيث فك الشفرة بإبهامه، وبدأ بالنقر على أحد الملفين، والذي كان عبارة عن تسجيل فيديو يظهر مكالمة مرئية جمعت بين أحمد وجابر آنذاك، والآخر يخبره بخطته قبل أن تهاتفه ريم وقتها، ويتباهى أمامه بأنه يستغلها، وبالفعل فتح الخط وتحدث إليها بكلمات تنافي نظرات التباهي التي يصوبها نحو أحمد الشاهد على ذلك، وصوت ريم يصدح في الخلف وهي تسأل عنه وتريد تقديم المساعدة له. 

ظل معتز يستمع إلى أن أغلقت ريم معه وافتخر جابر بانتصاره في تغفيلها أمام صديقه. 

أغلق التسجيل وفتح الآخر وكان عبارة عن تسجيل صوتي جمع مكالمة بين أحمد وجابر يخبره فيها بأن ريم قبلت بعرضه وبأنه نجح في استقطابها وأخذها بالحيلة من معتز  . 

استمع معتز ورأى جيدًا كيف وثق جابر في صديقه وشاركه خطته وتفاصيلها، وكيف بات بين قبضة يده، لذا مد كفه لينزع الفلاشة، ولكن أحمد كان أسرع منه حيث نزعها يقبض عليها ويطالعه بابتسامة ماكرة قائلًا  : 

- اللي شوفته ده ليه تمن عشان تاخده وتنتجم براحتك، ده لو رايد.

حدق به وقرأ كلٍ منهما أفكار الآخر، ليشير معتز نحو المقعد وينطق  :

- اعد يا احمد وقول اللي عندك  . 

ابتسم الآخر وشعر أنه سيحقق ما سعى إليه، لذا التفت وجلس مكانه بعدما دس الفلاشة في جيبه ونطق بطمع  : 

- اشتغل وياك، ويبجالي نسبة اهنة بعد ما اصفي الشراكة اللي بيني وبين چابر . 

تساءل معتز بترقب وانتشاء خاصة وعقله يصور له رد فعل جابر بعدما يفضحه أمام ريم : 

- إيه اللي حصل بينكو خلاك تقلب عليه القلبة دي ؟ 

شرد أحمد يستعيد ما حدث ثم بدأ يسرد له الأحداث الماضية حسب رؤيته هو  .. 


❈-❈-❈

بعد مرور أسبوعين  .. 

تفتحت دروبًا جديدة في حياة نهاد، برغم محاوطة مهران لها وتقييده لحريتها ولم تعِقه المسافة، واتخاذ صابحة موقفًا حادًا معها، إلا أنها لم تستسلم. 

تتعامل مع مهران بالتحايل حتى تجد مخرجًا، وتحاول تطييب خاطر صابحة تجاهها، وتمارس العمل بمهارة، وتعود تسرد كل ما حدث لصغيرها، حتى بات هو ملاذها الآمن والوحيد . 

لم يخفَ عنها الاهتمام الذي يقدمه عبدالله لها، والترابط الذي يحاول فرضه بينها وبين ولداه، ولكنها تفضل التعامل الرسمي، وتراه يلتزم بما تفضل ولا يفرض عليها شيئا، وهي لا تريد أي شيء سوى أن تظل بمأمن هي وصغيرها فقط. 

جلست على الأريكة تتحدث مع عمها الذي تساءل بعطف وحنان : 

- المهم إنتِ تبجي زينة وأي حاچة تانية تهون  . 

ابتسمت برضا وحنين مخصص له، حيث ما زال يغدقها بعاطفته واهتمامه، ولم يتخذ منها موقفًا كما فعلت صابحة، بل يشعرها أنها وراحتها الأهم. 

وبالفعل هذا ما يفعله، فهو لا ينكر انزعاجه من ابنه الذي لم يتخذ موقفًا صريحًا تجاه تيا، حتى برغم إقناعه بأن يطلقها ويعطيها كامل حقوقها، ولكنه لم يفعل معللًا ذلك بأنه لن يظلمها، وبأن نهاد لم تشترط ذلك، لذا يراه أنانيًا لحدٍ بعيد.. 

نطقت بهدوء  : 

- الحمد لله ياعمي، الشغل زين وحاسة أني بجيت أحسن من لاول، بس مهاينش عليا زعل مرات عمي مني. 

أومأ ونظر إلى صابحة التي تجاوره وتسترق السمع فأشار لها أن تتحدث إليها ولكنها أشارت بلا، فهي عزمت أمرها بألا تحدثها لا هي ولا ابنها إلى أن يقررا اتخاذ موقفٍ صحيحٍ تجاه بعضهما، لذا نطق عبد الوهاب بتريث  : 

- إنتِ ماتيهاش عن صابحة، المهم دلوك ماتزعليش حالك واني حبجى اچيبها واچيلك. 

تتهدت مطولًا قبل أن يرن جرس المنزل لتفتح المساعدة الباب وتجدها نشوى التي دلفت تبتسم وتسأل عن نهاد فرحبت بها وأدخلتها، تقدمت فلمحتها نهاد فنطقت وهي تنهض  : 

- معلش ياعمي حجفل دلوك عشان صاحبتي چت، وحبجى اكلمك تاني لما حمزة يصحى. 

أغلقت معه ورحبت بنشوى التي جلست تلتقط أنفاسها وتساءلت بنبرة ودودة  : 

- ده عمك؟ كلمتيه؟ 

نظرت إلى المساعدة التي تقف تطالعهما لذا نطقت  : 

- اعملي لنشوى عصير لمون يا سمر وابجي هاتيه على أوضتي  . 

أومأت وتحركت فأشارت نهاد إلى نشوى لتنهضا وتتحركا معًا نحو غرفتها، دلفتا وأغلقت نهاد فتساءلت نشوى بترقب  : 

- هي بتنقل الكلام ولا إيه؟ 

أجابتها وهي تتحرك وتجلس أمامها  : 

- أنا ماشوفتش منها أي حاچة بس بردك الاحتياط واچب. 

تساءلت مجددًا  : 

- هو مهران ده خنقة للدرجادي؟ 

تنهدت نهاد مطولًا، فمنذ ثلاثة أيام وقد بدأت تخبر نشوى عنها، خاصةً بعدما تعرفتا على بعضهما، وأخبرتها الأخرى عن قصتها كاملة وكيف نجت بنفسها من سقوطٍ محتوم على يد عائلتها، لتجيبها نهاد بهدوء  : 

- يمكن بالنسبة لرچالة النچع هو يعتبر متفتح، بس بالنسبالي كل ما بيعدي يوم عليا إهنة بحس أنه بيخنجني أكتر، حساه بيراجبني وعارف كل حاچة بعملها، بحاول اسايره على جد ماجدر وكل ماجول حاخد موجف چد وياه افتكر ولدي واخاف لياخده مني عشان يضغط عليا، حمزة هو نجطة ضعفي يا نشوى. 

أومأت بتفهم ومدت يدها تضعها على كفها بدعمٍ ونطقت  : 

- فهماكي كويس أوي، وطبيعي اولادنا يبقو هما نقطة ضعفنا اللي ممكن علشانهم نعمل أي حاجة، بس هو إنتِ فعلًا كرهتيه؟ 

ازدردت ريقها وصمتت تطرق رأسها فتابعت نشوى  : 

- لسة بتحبيه  . 

هزت رأسها بلا وعادت تطالعها وتوضح بمقلتين لامعتين : 

- لاء، اللي بحس بيه دلوك ناحية مهران مهواش حب، بس بردك مهواش كره، عارفة الراعي لما تبجي طول عمرك تحتمي فيه من الديب اللي بتخافي منه جوي، وتتفاچئي إن اللي بيدبحك هو الراعي نفسه، بينهيكي جبل حتى ما تلحجي تكرهيه وبيسيبك تطلعي في الروح وهو ضامن إنك خلاص حتموتي وحبك چواكي، حتى نظرة عينك اللي كلها خذلان هو ماشيفهاش، ماشيفش غير نفسه وبس  . 

حزنت نشوى ونطقت رافضة هذا التشبيه  : 

- بس إنتِ مش دبيحة يا نهاد، إنتِ ست وليكي حقوق واختيارات ربنا حطهالك، ماحدش يقدر يفرض عليكي حاجة انتِ مش عايزاها، لو مش عايزة ترجعيله لازم تقفي وتواجهي وتعرفيه إنك رافضة الرجوع وإن ابنك قانونيًا من حقك ماحدش يقدر يبعدك عنه، واظن إن عمك مش حيحرمك منه  . 

ازدردت ريقها وتنفست ترفع رأسها للأعلى، وتدلك رقبتها كأنها تختنق، ثم عادت إلى نشوى توضح  : 

- مابتمشيش اكدة عندنا في الصعيد يا نشوى للأسف، ماحيسبنيش في حالي، وجرار الهروب خايفة يظلم ولدي، عشان اكدة جولت اچي اسكندرية وابدأها واحدة واحدة وافرض عليه بُعدنا عنه، بس لحد دلوك محلك سر، مهواش سايبني  . 

شردت نشوى قليلًا تفكر ثم نطقت بشكلٍ مفاجئ : 

- طب ماترتبطي يا نهاد  . 

جحظت نهاد تطالعها باستنكار وصدمة قائلة  : 

- ارتبط كيف؟ 

- بمستر عبدالله  . 

القطتها كالقنبلة التي انفجرت فبعثرت عقل نهاد فلم تستوعب ما قالته إلا بعد وقتٍ حينما نطقت  : 

- عبدالله مين يا نشوى؟ إنتِ اتچننتي؟ 

نطقت نشوى توضح ما تشعر به  : 

- لاء خالص، اللي أنا شيفاه إنه مهتم بيكي جدًا، واظن إنك واخدة بالك من ده، وبيتهيألي بما أنه قريبهم الموضوع هيبقى محلول 

نطقت بنبرة حادة  : 

- اديكي جولتي، جريبهم، يعني أني اكدة بفتح النار على نفسي، وبعدين مين جالك إني عايزة اتچوز راچل تاني يا نشوى؟ أني عايزة ابجى في حالي بعيد عنه، ماعيزهوش يتحكم فيا، عايزة اعرف اواچهه صوح وابجى في مركز جوة. 

أومأت بتفهم لشعورها، وشردت قليلًا حتى طرقت المساعدة الباب، ودلفت تناولهما العصير ثم عادت إلى الخارج لتردف بعدها بهدوء  : 

- أنا فاهمة اللي بتمري بيه وبفكر معاكي في حلول، وعارفة إن الوضع عندكم مختلف، علشان كدة إنتِ محتاجة تقعدي مع نفسك وتفكري، والمرة دي تفكري بطريقة مختلفة يا نهاد، أكيد فيه مخرج من تسلطه وحومته حواليكي دي، بم إن إنتِ مش هتقبلي بأي شكل ولا هتقدري ترجعيله يبقى فكري واحسبيها صح وبأقل الخساير، واستغلي وقوف عمك في صفك، لا هو عيب ولا حرام، إنتِ واحدة ابنه ظلمها وبتدور على حقها، وابسط حقوقك انه يسيبك تعيشي بسلام، وإلا فعلًا تفكري في اللي قولتلك عليه، إنتِ تستاهلي حد يقدرك صح  . 

❈-❈-❈

مساءً

يقود سيارته بحماسٍ سافر، يجاوره والده ويتجهان إلى منزل ريم ليطلباها من شقيقها الذي عاد منذ يومين  . 

سعادته لا توصف، ستصبح خطيبته رسميًا، بل أنه سيطلب كتب الكتاب وتحديد الفرح في أسرع وقت، هو لن يقبل بالتأخير  . 

استحقت كل ما مر به ليصل إليها، استحقت كل العناء، وتستحق الكثير، لا ينكر أن الأسبوع المنقضي كان حزينًا على ما فعله به صديقه حينما طلب فض الشراكة، وتخلى عنه بدلًا من أن يشاركه فرحته، ولكنه الآن لا يهتم، ولن يهتم سوى بها هي فقط، وسيشيدان علاقتهما لتقوى ولا يقدر عليهما أحدًا سواءً في العمل أو الحب  . 

نطق عبد الوهاب حينما لمح فرحته  : 

- أخيرًا شوفتك وانت متشندل على حالك. 

ضحك جابر وأجابه بحماس : 

- طالما حبيت حنكر ليه؟ ولا فاكرني ولدك الكبير؟ 

تنهد عبد الوهاب وعبس ينطق  : 

- ولدي الكبير دخل نفسه في متاهة ومفكر حاله فهلوي وحيسلك وهو عمال يتوه وماوخدتش باله. 

انزعج جابر يصيح بمراوغة  : 

- بجولك إيه يا حاچ، الليلة ليلتي، احب على يدك مانتحدت عن موضوع ولدك دلوك، خليها فال خير إكدة  . 

- على الله كله ياولدي. 

نطقها عبد الوهاب وزود جابر سرعته ليصلا إلى وجهتهما . 

❈-❈-❈

على الطرف الآخر استعدت ريم وجاء نوح من شقته تتبعه مودة ووقف يطالعها بسعادة فاليوم ستبدأ رحلتها مع من تحبه ويحبها  . 

نطقت نجلاء وهي تشير نحو الصالون  : 

- كدة تمام ولا فيه أي حاچة ناقصة؟ 

التفتت ريم تلقي نظرة عابرة على المكان ثم عادت تردف بسعادة سكنت على ملامحها : 

- كله تمام يا ماما ماتقلقيش  . 

تنفست بارتياح وتساءلت مودة بترقب  : 

- اچهز الضيافة أني يا ماما ولا اعمل إيه؟ 

نطقت نجلاء وهي تشير نحو المطبخ  : 

- لا يا مودة أنا چهزتها بس طلعي انتِ الأطباق واشطفيها معلش  . 

أومأت وتحركت لتفعل بينما رن جرس الباب لذا عم التوتر وتعجبت ريم تردف  : 

- معقول چم بسرعة كدة؟ چابر لسة مكلمني قال قدامهم نص ساعة . 

تحرك نوح ليفتح الباب ولكنه قطب جبينه بتعجب حينما وجد معتز أمامه لينطق مترقبًا  : 

- معتز؟ 


❈-❈-❈

بعد وقتٍ 

توقف جابر يحمل باقة الزهور الرائعة، وعلبة الشوكولاتة الفاخرة، يجاوره عبد الوهاب بهيبته المعهودة، يقفان أمام شقة ريم يستعدان لطرقها، وبالفعل مد جابر يده يطرق الباب ونبضاته تقرع كقرع طبول الحماس والفرحة، بات على بعد خطوة من تحقيق حلمه  . 

ثانية، اثنتين، ثلاثة  . 

فتح الباب وظهر نوح يطالعهما بملامح ثابتة، يوزع نظراته عليهما حتى استقر عند جابر وتبدلت نظرته إلى أخرى، غاضبة، حادة، قبل أن يظهر معتز من خلفه ويتحرك ليغادر وقبل أن يفعل باغت جابر بنظرة حقدٍ اختلط بها التشفي ثم التفت يمد له يده ويردف  : 

- عن اذنك يا دكتور نوح  . 

بادله نوح، واندفع يغادر، لينطق جابر مستفسرًا  : 

- ده كان بيعمل إيه اهنة يا دكتور نوح؟ 

احترم نوح وجود عبد الوهاب ونطق بضيق وهو يشير نحو الداخل  : 

- اتفضلوا چوة وحنتكلم.. 

لم يشعر عبد الوهاب بالترحيب الذي توقعه، وأدرك أن هناك خطبًا ما، وكذلك جابر الذي ما إن خطت قدماه ولمح ريم حتى تصنم مكانه، إنها تقف قبالته تبكي، وتطالعه بنظرة لم يتحملها، لذا خطا نحوها متجاوزًا شقيقها الذي كاد أن يمنعه ولكنه كان مندفعًا حتى وقف أمامها يتساءل ووحش الغضب ينهش صدره  : 

- مالك يا ريم؟ إيه اللي حصل؟ عمل فيكي إيه الزفت ده؟ 

باغتته بنظرة حادة، لثانيتين فقط رأى فيهما خيبة مرت سريعًا قبل أن يرى غضبها وهي تجفف دموعها وتلف نظرها عنه وتحدق بعبد الوهاب الذي يقف لا يفهم شيئًا مما يحدث، لذا انحنت تحمل حاسوبها، ثم اعتدلت تتحرك نحوه ونطقت وهي تعيد تشغيل المقاطع  : 

- اتفضل يا حاچ اقعد واتفرچ على خطة ابنك العبقرية وهو بيتفق عشان يوقعني بالحيل والخداع، ونچح فعلًا، اتفرچ بنفسك واحكم انت باللي تشوفه  . 

تجمد جابر مكانه يسمع ويرى وهي تعيد تشغيل المقطعين أمام عبد الوهاب الذي لم يجلس بل وقف يشاهد ويسمع تباهي ابنه وتحايله للإيقاع بها، وعقله لا يستوعب أن هذا هو نفسه جابر، هل أعطى لولديه كل ما يريدانه ونسي أن يزرع بهما الضمير؟ ألهذه الدرجة وصلا إلى مستوى عالٍ من الدناءة والخسة؟ أحدهم يتزوج ويقهر ويظلم قلبًا أحبه، والآخر يخدع ويستغل من وثقت به وآمنته؟ 

ترنح حينما شعر أن عقله يدور فأسرع نوح يسنده منزعجًا مما يحدث ، فهو لم يسمع عنه إلا كل طيب، بينما وقف جابر يطالع عيونها كأنه مقيدٌ داخل قفص الاتهام، ينظر لها تارة ولوالده المنكسر بسببه تارة أخرى، ولسانه انعقد لثوانٍ قبل أن يحاول أن ينطق  : 

- مهواش زي مانتِ مفكرة يا ريم، خليني اوضحلكو. 

عن أي توضيح يتحدث؟ ألم يرَ أن بنيان ثقتها انهار واستوى بأرضٍ مدمرة، وسقط قلبها من أعلى الأدوار متهشمًا تحت الأنقاض، ألم يرَ أنه دمر كل شيء؟ 

نطقت بجمودٍ ينافي انهيارها، رافضة أي دفاع أو تبرير  : 

- مافيش توضيح، كل شيء واضح، ده إنت وده صوتك ودي خطتك اللي نچحت، الأساس كان غلط، واللي اتبنى بعد كدة كان كله غلط في غلط، وأنا بعتذر لأهلى ولنفسي إني ضيعت چزء من وقتي مع واحد زيك، اتفضل اطلع برا  . 

لا يعلم هل انسكب عليه دلو ماء مثلج أم حممٍ بركانية، ولكن الحالة التي يشعر بها جعلته يتمنى الموت في الحال، خاصةً وأنه عرض والده معه لهذا الموقف المخزي، وبات خسيسًا وكاذبًا في عينيها . 

نطق عبد الوهاب بصوتٍ شبه مسموع بعدما شعر بأن لسانه أصبح ثقيلاً ولكنه يريد أن يرحل لذا نظر لها وقال  : 

- حديتك صوح يا بتي، حجك عليا، الغلط عندي، أني اللي ظنيت إني ربيت زين. 

تحرك بعدها مبتعدًا يغادر المكان تحت أنظار الجميع، ورأفة من عيني نوح وزوجته التي وقفت تتابع بصدمة ألجمتها وألجمت نجلاء عن نطق شيء، ليغادر عبد الوهاب ويقف جابر يحدق بها ويتمنى لو أنه يستيقظ من هذا الكابوس الذي باغته دون أي إنذار، ولكنها تكتفت تشير له نحو الباب برأسها وتنطق  : 

- اتفضل  . 

هز رأسه بلا وتلعثم وهو يحاول فعل أي شيء  : 

- طب اسمعيـــــــ  . 

- اتفضل برا  . 

كررتها بحدة، فحرر قدماه واندفع يغادر فأسرعت تصفع الباب خلفه، ووقفت تنظر لعائلتها ثم استقرت عند شقيقها الذي لم ينطق بشيء، بل تركها تظهر غيماتها مجددًا وتشير نحو نفسها مرددة  : 

- أنا غبية...  أنا واحدة غبية. 

رآها تنهار فأسرع نحوها يحيط كتفيها وينطق بنبرة مساندة  : 

- اهدي يا حبيبتي، الحق مش عليكي، إنتِ اتصرفتي بطبيعتك. 

هزت رأسها بلا واعتصرت عينيها وأجهشت في بكاءٍ حاد مؤلم تنطق بانهيار أمامهم  : 

- لاء يا نوح ده غبــــــاء، أنا اللي وقعت نفسي في حفرة نهايتها نار، أنا اللي بتحرق دلوقتي. 

أسرع يعانقها فارتمت داخله تبكي وتعلن عن حرقة قلبها التي ربما لن تعيدها إلى ما كانت عليه مجددًا  .. 


❈-❈-❈


بعد مرور عدة أسابيع أخرى 

سافر منذ يومين عمار وفرحة إلى جزيرة باماليكان في الفلبين لقضاء عطلتهما، الرحلة كانت ممتعة ومجهدة في آن. 

ولكن زال إجهاد فرحة في حال وصولها إلى منتجع "أمانبولو" الذي يغطي الجزيرة بالكامل، ليوفر للزوار مستوى استثنائيًا من العزلة والهدوء  . 

يقضيان وقتًا ممتعًا وسط هذا الهدوء الفاخر، لم تكن رحلتهما مجرد استجمام، بل هي محطة انكسار للزمن، شعورهما يمزج بين النشوة الممزوجة بالذهول، فبعد سنوات من ترقب الموت خلف الأبواب الموصدة، أصبح الصمت لا يعني التهديد، بل يعني الأمان. 

لقد اعتاد عمار النوم بعينٍ واحدة مفتوحة، والاستيقاظ على وقع خطى قريبة أو أصوات طلقات بعيدة. 

يشعران كأنهما في حالة تطهير لسنوات، فالأمر بالنسبة لفرحة كان انتماءها لدم شقيقها هو الحقيقة الواحدة، وكان الحب بالنسبة لها خيانة.. 

أما هنا فلا أحد يعرف تاريخهما، أو يهمس بأسماء عائلاتهما، يشعران لأول مرة أن ملامحهما، طموحهما، وضحكاتهما تخصهما وحدهما، وليست ملكًا لموروث الدم الذي كان يطاردهما. 

بدآ في خلق طقوسهما الخاصة التي لم تكن موجودة القصر، لم يعد هناك بروتوكولات عائلية أو قيود اجتماعية، بدآ يكتشفان تفاصيل بسيطة عن بعضهما البعض، يشعران أنهما يولدان من جديد، يشعران برغبة محمومة في توثيق كل لحظة، ليس من أجل الذكرى فحسب، بل ليثبتا وجودهما، ويرى كلٍ منهما الأيام القادمة هي مساحة بيضاء، فارغة من أي الخطيئة. 

يجلسان داخل حوض السباحة، وأمامهما صينية الطعام العائمة فوق المياة، يلتقط من فوقها حبات الفاكهة ويطعمها إياها ثم يطعم نفسه ثم يدللها بقبلة وهمسة محملة بالعشق، فتشعر بأنها متشبعة كليًا وفي حالة سكونٍ ورضا وسعادة، تحب وترحب بطريقته وتهديه المشاعر التي يريدها على كفوف راحتيها. 

شعرت بالقليل من النفور حينما ناولها قطعة من البيض المسلوق، لذا هزت رأسها بلا تنطق  : 

- بلاش ده يا عمار. 

دقق النظر على ملامحها يستكشف سر نفورها، ثم تساءل بمرح وهو يحاوط خصرها  : 

- طيبات ولا إيه؟ 

ضحكت على مقصده وهزت رأسها بلا ثم حدقت به توضح استنتاج ما تشعر به منذ عدة أيام  : 

- لاء، أني حاسة إني ممكن ابجى حامل.

غلفت الدهشة ملامحه ولاحت البهجة على محياه لذا عادت تسترسل بتروٍ  :

- بجولك ممكن مش أكيد ياعمار، عشان مانتعشمش بردك.

احتضنها يتنفسها بين ضلوعه ويتنهد بحرارة عالية قائلًا  : 

- إن شاء الله يبجى أكيد، لازمن نتأكد دلوك  . 

ابتعدت عنه قليلًا تستفسر بسعادة تلوح في مقلتيها  : 

- حنتأكد كيف؟ 

أمسك بكفها وصعدا درجات المسبح يخرجان منه إلى غرفتهما وهو يردد ويطالعها  : 

- فيه إهنة عيادة حنروح ونشوف الوضع إيه، أو نشتري اختبار، ولو مانفعش إهنة حجولهم ينجلونا بالطيارة لأجرب مستشفى، المهم نتأكد من الخبر الزين ده عشان جلبي يرتاح  . 

ابتسمت تقدر حماسه وسعادته وتبعته يتجهان ليبدلان ملابسهما ويذهبان معًا للتأكد من الخبر... 

❈-❈-❈

في قصر آل حامد 

دلفت تسحب حقيبتها بعدما اتخذت قرار العيش هنا، أو ربما بعد الضجر من المشاكل التي لا حصر لها والتي كانت هي السبب فيها وقد فاض الحال بأهل القصر منها، وخالها حاله لم يعد كالسابق، ولم يعد يتخذ قرارات نيابة عن أحد، لذا حينما عادت منصورة تقرر طلبها في استضافتها لوقتٍ لم يعترض، بل ترك القرار لها، ووافقت برغم اعتراض صابحة لذلك، وهي تدرك السبب. 

استقبلتها منصورة بترحابٍ وابتسامة حنونة، واتجهت تعانقها وتربت على ظهرها قائلة  : 

- نورتي يا بتي، ادخلي تعالي  . 

ابتعدت تسحبها خلفها وتتحرك وتجلسان في البهو، لتمر ثوانٍ حتى ترجلت نوارة وزوجها من أعلى الدرج، واتجها نحوها، ليبتسم يونس بتكلف ويردف بهدوء  :

- عاملة إيه يا سچود؟ يارب تنبسطي وسطينا.

 ادعت الخجل ونطقت مبتسمة بهدوء وعيني نوارة تلاحقها: 

- تسلم يا يونس، وكتر خيرك انت وخالتي. 

التفتت تنظر إلى نوارة وبادرت هي بسلامٍ خبيث تنطق  : 

- أزيك يا نوارة، مالك، تعبانة ولا إيه كفا الله الشر؟ 

لم تخفِ ضيقها وانزعاجها، ولكنها ابتسمت تجيبها بثقة  : 

- لاء الحمد لله زينة، ربنا يبعد التعب عننا  . 

- اللهم آمين  . 

امنوا خلفها والتفت يونس يطالعها بمغزى، حيث ظل قبل قليل يتعهد لها بأنه لن يسمح لها بافتعال أي مشاكل هنا بعدما صممت منصورة على إحضارها  . 

نطق يودعها قبل أن يغادر إلى عمله  : 

- خدي بالك زين وماتتعبيش حالك بجى، ولو احتچتي حاچة كلميني  . 

استطرد وهو يتحرك  : 

- محتاچة حاچة ياما؟ 

- تسلم من كل شر، ربنا يصلح حالك وييسر رزقك. 


❈-❈-❈


علم بعودتها إلى الأقصر بشكلٍ مفاجئ أثار تعجبه، فقد انشغل مؤخرًا بشراكة هامة جعلته يسافر خارج البلاد لأسبوعين، وقد عاد منذ يومين يقضي العمل المتراكم عليه، والآن التزم بوجوده في الشركة يوميًا خاصةً مع غياب عمار  . 

ولكن بما أنها عادت فربما قررت أن تفاجأه بما ينتظره متلهفًا، ربما اتخذت قرار العودة أخيرًا، نعم طالت رحلتها ولكن ما يهم الآن أنها عادت، يشعر أن ذلك الغياب خارج البلاد أفادها كما فعل معه، وجعلها تشتاق إليه كما يشتاق هو إلى رؤيتها ورؤية صغيره. 

لم ينسَ آخر لقاءٍ بينهما قبل سفره بيوم، حينما احتدت وغضبت وحطمت المزهرية تعصبًا حينما انفعل أمامها نسبةً لغيرته عليها، فأخبرته أنه بات يخنقها ولم تعد تطيق تواجده في محيطها، هددته بروحها وهذه ليست المرة الأولى، لذا قرر مجبرًا أن يفعل، ويبدو أنه حصد النتائج، وها هي تعود إلى هنا، لتسعد قلبه  . 

قاد سيارته مسرعًا نحو القصر ليراها ويرى صغيره، وعقله يهيء له لحظة رجوعهما، ما إن تخبره بالموافقة سيجلب المأذون في الحال ، ويكتب عليها مجددًا، وسيعوضها ويعوض نفسه عن الماضي المزعج ويصلحان الأخطاء سويًا  . 

توقفت سيارته داخل حدود القصر، ولكنه تفاجأ بوجود سيارة عبدالله وانزعج وشعر بشيءٍ غير مألوف، ولكنه تحرك نحو الداخل ليرى  . 

دلف القصر يخطو خطوتين قبل أن تتخشب قدماه وهو يرى ويسمع أحدهم ينطق  : 

- بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير  . 

سقطت عنه جميع الأقنعة، واحدًا تلو الأخر، غروره، نرجسيته، تملكه، عناده، ولم يعد يرتدي سوى خيبته حينما نطق يتساءل بحسرة  : 

- بتعملوا إيه؟ 

قالها حينما وجد والده يضع يده في يد عبدالله، بعد أن زوجه نهاد التي تجلس جواره وتحمل صغيرها، وشاهدان يجلسان على يسار عبدالله، يوقعان على العقد  . 

تحركت قدماه مجبرتان، يقودهما نحوهما حتى توقف أمام والده يسأله بعينيه، ولم يكن عبد الوهاب يتمنى مجيئه الآن، ولكنه كان مجبرًا بتعهده لتنفيذ قرارها، ودعمها، فما حدث معه مؤخرًا كان كفيلًا بجعله يغير العديد من قناعاته . 

لم يستطع أن يجيبه لذا تابع مهران بأنفاسٍ تُنزع منه كأنه يحتضر  : 

- إنت چوزتهم لبعض؟ 

كان جاحظًا لدرجة أن مقلتاه كادتا أن تسقطان منه أرضًا، ليلتفت إلى عبدالله يطالعه بكرهٍ صريح والآخر ينكس رأسه عنه، ليعاود الالتفات هذه المرة إليها، حيث كانت تنظر للا شيء، وقلبها يتهاوى شيئًا فشيئا، حتى لم تعد تشعر بأنفاسها حينما نطق  : 

- كيف يعني؟ 

لم يستطع أن يفرض على عقله أنها تزوجت، لم تعد ملكًا له، باتت لرجلٍ غيره، وبات هو على حافة الجنون، ومن خلفه وحش الموت. 

اندفع نحوها بشكلٍ مفاجئ يسحبها من ذراعها، ليؤكد لنفسه أنها تنتمي له، يوقفها مردفًا وهو يسحبها خلفه  : 

- تعالي معايا  . 

نهض عبدالله نحوه ليمنعه ولكن لحقه عبد الوهاب ومنعه عنه، وتحرك هو يضع كفه على كف ابنه، يحاول فك قيده من حول يد نهاد وينطق بأسف  : 

- بعد يدك عنها يا مهران، نهاد دلوك مرت عبدالله ، مايصحش إكدة  . 

ليت القصر يهدم فوق رأسه الآن، ليته يهدم فوق رؤوس الجميع، لتتوقف العقول عن العمل، فهو لم يعد يحتمل، لذا نزع يده منها ومن قبضة والده يصيح بهياج عاصف  : 

- مايصحش كيــــــــف؟ چوزته مرتي؟ نهــــــــــاد مرتي، ضيعتها مني؟ إنت بتعمل معايا إكدة ليـــــــــــــــه؟ هو أني مش ولدك؟ 

خرجت صابحة من غرفتها على صوته، تسرع نحوه وتبكي وتحاول تهدئته، ولكنه لم يكن يرى والدته الآن، بل يرى كل من حوله كأنه عدوٌ له، لذا أبعدها عنه، يستطرد وهو ينحني بطاقة غضبٍ قصوى يرفع الطاولة التي تحمل دفتر المأذون والهويات وصينية الضيافة ويقلبها رأسًا على عقب بكل ما عليها صارخًا بجنون جعل صغيره يفزع ويبكي حاله كحال نهاد التي تعانقه وتنكمش خلف عمها  : 

- إنت دمرتني، أني عمري ماحسامحك، ضيعتها مني لـــــــيـه؟ هو أني ولدك ولا عدوك؟ عملت فيا إكدة ليـــــــــــــه  ؟ تزوچها لراچل غيري كيــــــــــف؟ 

ظل يركل ويهشم كل ما حوله، ونهض الشاهدان وجاء بعض الحرس يحاولون تهدئته عبثًا، ووقف والده عاجزًا أمام كلماته، حتى استسلم ووقف ينظر للفوضى التي أحدثها من حوله، وتجمع كل من في القصر، ولها وهي تنكمش خلف عمها ولصغيره الذي يبكي، وما زال عاجزًا عن استيعاب فقدانهما، وعما فعله والده بها، وحينما شعر أن قلبه يكاد أن يتوقف، اندفع يغادر، تاركًا خلفه جراحًا مدوية ملتهبة على وشك البتر أو ربما أشلاءً من قلبه بترت بالفعل   .. 

التفتت صابحة تنظر نحو نهاد بغضبٍ، وتحرك عبدالله نحوها ينطق وهو يحثها لتتحرك  : 

- يالا يا نهاد نمشي دلوك  . 

توقفت حينما التفت عمها والتقط منها الصغير يردف بهدوء منكسر : 

- أني عملتلك اللي إنتِ رايداه، بس حفيدي حيفضل اهنة ويانا، وانتِ تبجي تجدري تشوفيه في أي وجت  . 

شحب وجهها وانسحبت الدماء منها تهز رأسها وتنطق بتحشرج ودموع  : 

- ازاي ياعمي؟ ده ولدي؟ 

اندفعت صابحة نحوههما، وحملت الصغير من زوجها، وتحركت تخطو نحو غرفتها تدخلها وتصفع الباب خلفها، ليستطرد عبد الوهاب بنبرة صارمة  : 

- وحفيدي يا نهاد، وماحيترباش في مكان تاني غير إهنة، روحي انتِ دلوك مع چوزك. 

سحبها عبد الله يردد  : 

- خلينا نمشي دلوك يا نهاد  . 

تحركت معه كأنه يسحبها إلى منصة الإعدام، وعقلها لا يستوعب ما يحدث، وكيف تم أخذ صغيرها بعد كل ما حاولت فعله كي لا يُأخذ منها  . 


❈-❈-❈

وصل إلى شقته لا يعرف كيف، ودلف يصفع الباب ويخطو نحو الغرفة ومنها إلى خزانته، ينزع من فوقها حقيبة السفر ويلقيها على الفراش، ثم فتح الخزانة وبدأ ينتشل كل ملابسه ويلقيها بعنفٍ داخل الحقيبة، ومازال لا يتقبل فكرة أنها باتت ملك رجلٍ آخر، قلبه يحترق ولا يوجد على هذه البسيطة من هو قادرٌ على إطفائه، أخذها ذلك الحقير منه، سيعاملها كزوجة؟ 

عاد للهيجان فبات يركل الضلف بقدميه ويديه حتى خلعهما ويصرخ بصوتٍ متضخم كوحشٍ كاسرٍ في حربٍ مع الخزانة. 

عادت تيا من العمل تفتح باب الشقة ولكنها استمعت إلى صرخاته لذا اندفعت نحو الغرفة لتراه، فجحظت مما رأته أمامها، لتسرع نحوه وتتساءل بصدمة  : 

- في إيه يا مهران مالك؟ 

حدق بها لثانيتين، ثم نظر حوله ليرى ما فعله، ثم التفت يجمع المتبقي من أغراضه بعنفٍ وأغلق الحقيبة وحملها ثم رفع نظره ينطق ببرود مخيف  : 

- إنتِ طالج  . 


طلقها قبل أن يكتشف ما تخفيه، طلقها لأنه تذوق مما أذاق به نهاد حينما تزوجها ولمسها، طلقها ورحل لا يعلم أين وجهته، ولكنه لا يطيق البقاء ثانيةً . 

كيف تزوجت بغيره؟ ومتى حدث هذا التقارب؟ وكيف اقنعها ذلك العبدلله؟ وكيف وافق عبد الوهاب؟ ومن تسبب في هذا القرار الذي اتخذته؟ 
ماذا سيفعل جابر ليعيد إليه ريم؟ وهل ستتقبله مجددًا أم أنها ستمضي قدمًا دون الالتفات؟ 
كيف ستواجه مودة جحود شقيقها؟ وهل سيظل نوح داعمًا لها؟ 
ماذا سيحدث مع سجود؟ وهل سيستطيع يونس مساعدتها أم أنها ستجره نحو دربٍ سيء يفرق بينه وبين نوارة ؟ 
ماذا سيحدث مع عمار وفرحة؟ وهل ستكتمل فرحتهما؟ 
هل ستتجاوز صابحة عما فعلته نهاد؟أم أنها ستزداد قسوة تجاهها؟وهل ستتأقلم على الحياة من دون صغيرها؟ 
وأخيرًا أين سيذهب مهران؟ وماذا سيحدث معه؟ 
هذا ما سيجيب عليه الجزء الثاني من روايتنا قريبًا بإذن الله

« السابق

الفهرس

التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة آية العربي، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية

اضغط زر "حفظ" أعلى الصفحة لتحتفظ بهذه الرواية في مكتبتك


رواياتنا الحصرية كاملة

إرسال تعليق

أحدث أقدم