رواية جديدة لسة أجمل يوم مجاش لنور إسماعيل - الفصل 1 - الثلاثاء 30/6/2026

قراءة رواية لسة أجمل يوم مجاش كاملة

اضغط زر "حفظ" في آخر الفصل لتحتفظ به في مكتبتك وتقرأه وقتما تحب

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى




رواية: لسة أجمل يوم مجاش

رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات

الكاتبة: نور إسماعيل 

الفصل: الأول

تم النشر: يوم الثلاثاء 

30/6/226


المقدمة
أوقاتٍ كثيرة يأتي الحب على حين غفلة، يمرّ بالقرب منا ولا نراه، كأنه نسمة خفيفة لم تنتبه لها أرواحنا المنشغلة. وساعاتٍ أخرى نقف أمامه وجهًا لوجه، لكنه لا يجد فينا من يعرفه أو يحتضنه، فنضيّعه بأيدينا دون أن نشعر. وقد يأخذنا الحب معه في طريقه، يملأ قلوبنا دفئًا وحياة، ثم يرحل فجأة، كأنه لم يكن، تاركًا خلفه فراغًا لا يُملأ بسهولة. والأصعب من ذلك حين يتركنا الحب، لا كوداعٍ عابر، بل كجرحٍ عميقٍ يظلّ يسكننا، يذكّرنا بكل لحظة صدقٍ عشناها، وكل حلمٍ رسمناه معه. عندها ندرك أن الحب ليس دائمًا نعمة خالصة، بل قد يكون اختبارًا قاسيًا، يعلّمنا كيف ننضج، وكيف نحمل داخلنا بقايا الشعور دون أن ننكسر تمامًا.
❈-❈-❈

إهداء/
لكلِّ من ظنَّ يومًا أنّه لن يجد نصفه الآخر، لا تيأس؛ فالأقدار تُخبِّئ لنا ما لا نتوقّعه في أجمل الأوقات. ستجد من يُشبه روحك، ويُكمل نقصك، ويمنح قلبك سكينة لم تعرفها من قبل. ثق تمامًا أنّ كلّ شيءٍ جميلٍ ما زال في الطريق إليك، ينتظر لحظته المناسبة ليُزهر في حياتك. فلا تُرهق قلبك بالقلق، ولا تُطفئ داخلك نور الأمل. ما كُتب لك سيأتيك، مهما طال الانتظار، وسيكون أجمل ممّا تخيّلت، لأنّ الله يدّخر لك الخير في وقته الأجمل.
❈-❈-❈

الفصل الأول
هل آمنتَ يومًا بأنَّ نظرةً واحدةً قد تُبدِّل مصير إنسان؟ لا حديثًا عابرًا، ولا إعجابًا مؤقتًا، بل تلك النظرة التي تمرُّ خاطفةً، ثم تمكث في القلب عمرًا كاملًا، كأنها كانت موعدًا مؤجلًا منذ سنوات لا يعلمها إلا القدر.

يقولون إن الحبَّ الحقيقي يحتاج إلى الوقت، وإلى المواقف، وإلى المعرفة الطويلة، وربما يكون ذلك صحيحًا في كثيرٍ من الأحيان، لكنَّ للحياة استثناءاتها التي لا تخضع لقوانين البشر. فقد تلتقي عينان للمرة الأولى، فتسقط بينهما كل المسافات، ويشعر كلٌّ منهما بأن الآخر ليس غريبًا، بل وجهٌ يعرفه القلب قبل أن تتعرف إليه الذاكرة.

ولعلَّ أغرب ما في الأمر أن هؤلاء الذين يقع بينهم ذلك اللقاء الأول، لا يكونون متشابهين أبدًا. بل كثيرًا ما يكون أحدهما النقيض الكامل للآخر؛ هذا يزن كلماته قبل أن ينطق بها، وذاك يضحك قبل أن يفكر فيما سيقوله. أحدهما هادئٌ كبحيرة ساكنة، والآخر يشبه الريح، لا تستقر له روح ولا تهدأ له حركة. أحدهما يرى الدنيا بعين العقل، والآخر يراها بعين القلب والجنون الجميل.

ولو رآهما الناس من بعيد، لأقسموا أن اجتماع هذين الشخصين مستحيل، وأن اختلافهما بداية الفراق لا أول الطريق. غير أن الحياة كثيرًا ما تثبت عكس ذلك؛ فليست كل الأرواح خُلقت لتبحث عن نسخةٍ منها، بل بعضها لا يكتمل إلا بما ينقصه عند الآخر.

فالهادئ لا يحتاج إلى شخصٍ أكثر هدوءًا منه، بقدر ما يحتاج إلى من يوقظ داخله الضحكة التي نسيها. والعاقل لا يبحث دائمًا عن عقلٍ يشبهه، بل عن قلبٍ يعلِّمه أن الحياة ليست معادلةً تُحل، وإنما لحظاتٌ تُعاش. وكذلك صاحب الجنون الجميل، يحتاج إلى من يمنحه الاتزان كلما أوشك أن يضيع، لا إلى من يدفعه إلى مزيدٍ من الفوضى.

كم يبدو المشهد غريبًا حين ترى خفةَ دمٍ تقف بجوار رصانة، ومرحًا لا ينتهي يسير إلى جوار وقارٍ يفرض احترامه، وعقلًا يحسب كل خطوة، إلى جانب قلبٍ يقفز فوق الحسابات كلها. ومع ذلك، يكون هذا المزيج العجيب هو أكثر العلاقات انسجامًا؛ لأن كلَّ طرفٍ يمنح الآخر ما يفتقده، دون أن يسلبه هويته.

إن أجمل العلاقات ليست تلك التي يذوب فيها الطرفان حتى يصبحا نسخةً واحدة، بل التي يحتفظ فيها كلٌّ منهما بلونه، فتتجاور الألوان لتصنع لوحةً لا يستطيع لونٌ واحد أن يرسمها بمفرده.

قد يظن الناس أن الاختلاف سببٌ دائم للصدام، لكنه قد يكون سببًا للنضج أيضًا. فالاختلاف حين يصاحبه الاحترام يتحول إلى مساحةٍ يتعلم فيها كل إنسان شيئًا جديدًا عن نفسه قبل أن يتعلمه عن شريك حياته. وحين يصبح كل اختلافٍ فرصةً للفهم، لا معركةً لإثبات من هو الأصح، يولد ذلك السلام الذي لا يعرفه إلا من وجد نصفه المختلف، لا نصفه المطابق.

ربما لهذا السبب تستمر بعض العلاقات سنواتٍ طويلة، بينما تنطفئ أخرى بدأت بتشابهٍ كبير. فالتشابه قد يجلب الراحة، لكنه لا يضمن الاستمرار، أما التكامل فهو الذي يمنح العلاقة قدرتها على النمو مع الأيام.

لذلك، لا تتعجب إن رأيت شخصًا رزينًا يعشق إنسانةً لا تكف عن الضحك، أو فتاةً هادئةً اختارت رجلًا يملأ المكان حركةً وضجيجًا. فقد لا يكون ما جمعهما تشابه الطباع، بل ذلك الشعور الخفي بأن كلاً منهما وجد في الآخر الجزء الذي ظل يبحث عنه طويلًا دون أن يدري.

وربما يبدأ كل ذلك... بنظرةٍ واحدة. نظرةٍ لا تستطيع أن تفسرها الكلمات، ولا أن يصدقها المنطق، لكنها تظل تسكن القلب حتى بعد أن ينساها العقل. وعندها فقط، يدرك الإنسان أن الحب لا يسأل دائمًا عن الأسباب، ولا يستأذن قبل أن يأتي، وأن القدر قد يخبئ العمر كله داخل لحظةٍ واحدة، وداخل عينين لم يلتقِ بهما من قبل، ولكنه يشعر، منذ الوهلة الأولى، أنه كان يعرفهما منذ الأزل.
منذ عامين وبعض الأشهر، كان بطل الحكاية، وسام، شابًا في أوج اتزانه وهدوئه، يحمل من اسمه نصيبًا؛ وسامةُ خَلقٍ وخُلق، ورِقّةُ طبعٍ لا تخطئها عين. كان مثالًا للشاب الذي يُعتمد عليه، لا يُؤذِي أحدًا، ولا تصدر منه هفوة تُذكر، محبًّا لمَن حوله، ومحبوبًا منهم، يمدّ يد العون بلا تردد، ويزن كلماته قبل أن ينطق بها.
خطب وسام فتاةً تُدعى دنيا، فتاةً جميلة الملامح، رقيقة الحضور، تمّت الخطبة بينهما على الطريقة التقليدية، لكنها لم تخلُ من مشاعر صادقة. ومع مرور الأيام، لم يكتفِ وسام بقبولها، بل أحبّها بعمق، وتعلّق بها حتى غدت جزءًا من يومه وتفاصيله.
مرّت سنة الخطبة هادئة في ظاهرها، وبدأت الاستعدادات للزفاف، لكن شيئًا خفيًّا تبدّل. تغيّرت دنيا على نحوٍ لم يفهمه وسام؛ قلّ اهتمامها، تسرّب الخوف إلى عينيها، وأصبحت عصبيّتها سريعة الاشتعال، وردود أفعالها غير مفهومة. حاول وسام احتواءها مرارًا، تحدّث إليها بلين، وواجه انفعالاتها بصبر، لكنه لم يجد تفسيرًا لما يحدث.
إلى أن جاء اليوم الذي طلبت فيه الانفصال، مبرّرةً ذلك بأنها لم تعد تحبّه كما كانت. لم يستوعب وسام الأمر، حاول تجاهل طلبها، أقنع نفسه أنها مجرّد أزمة عابرة، لكنه فوجئ بها تُعيد إليه هداياه وشبكته، وكأنها تُسدل ستارًا نهائيًّا على ما كان بينهما. عندها، تراجع وسام، ليس عجزًا عن التمسّك بها، بل حفاظًا على كرامته التي شعر أنها مُسّت.
الغريب أن دنيا لم ترتبط بعده، ولم يدخل حياتها أحد، اكتفت بعملها، وهذا ما زاد حيرته. لم يستطع نسيانها، ولا فهم سبب تغيّرها، فبقيت ذكراها عالقة في ذهنه، تطارده كل يوم تقريبًا.
في صباحٍ عادي، كان وسام يقف في مطبخه يُحضّر قهوته، غارقًا في تلك الذكريات، حتى فارت القهوة على النار، فأفاق على صوتها. أطفأ الموقد، شربها على عجل، ثم ارتدى ملابسه وغادر بهدوء، حريصًا ألا يوقظ والديه. فهو الابن الوحيد، في الحادية والثلاثين، يعيش مع أبٍ متقاعد من شركة الكهرباء، وأمٍ ربة منزل بسيطة.
يعمل وسام في خدمة العملاء بإحدى شركات الاتصالات، حيث يقضي يومه بين شكاوى الناس ومشكلاتهم، يستمع لهم جميعًا، بينما لا يجد من ينصت لما بداخله.
وصل إلى عمله، فاستقبله صديقه شريف، بشخصيته العابثة، وعلاقاته العابرة، وزميلته منى، التي يعتبرها كأخته، والتي جاءت تبشّره بخطبة جديدة، كعادتها المتكررة. دار بينهما حديثٌ طويل، نصحها فيه بالتريّث، وبأن القلب ليس محطة عابرة.
هكذا كانت حياة وسام؛ وجوه كثيرة، حكايات لا تنتهي، وضجيج من حوله… لكنه في الداخل، كان صامتًا، مثقلًا بأسئلةٍ لا يجد لها جوابًا، ينتظر يومًا يجد فيه من يسمعه، لا من يحدّثه فقط.
❈-❈-❈

بعد يومٍ طويلٍ ومرهق، عاد وسام من عمله مثقّل الخطوات، وما إن دخل إلى عمارتهم حتى لمح حركةً غير مألوفة؛ سيارةٌ تقف أمام المدخل، ورجالٌ ينزلون أثاثًا متنوعًا يوحي بأن شقةً جديدة ستُسكن قريبًا. صعد الدرج بهدوء، فإذا بفتاةٍ تندفع كالإعصار، ترتدي ثيابًا غريبة الألوان، وتتحدث في هاتفها بلهجةٍ متوترة. لم تنتبه لوجوده فاصطدمت به، فسقط حاسوبه من على كتفه إلى الأرض.
اعتذرت بسرعةٍ دون اكتراث، فردّ بهدوء طالبًا منها الانتباه، لكنها أجابته بنبرةٍ متعجرفة زادت من انزعاجه. مضت دون التفات، وتركته غارقًا في دهشته من أسلوبها.
صعد إلى شقته، وعلم من والدته أنها الجارة الجديدة، وأنها ستسكن وحدها. تعجّب قليلًا، ثم انشغل بكتابه وكوب الكابتشينو في شرفته الهادئة، مستغرقًا في القراءة.
وفجأة… سمع صوتًا غريبًا يقطع سكون المساء!
••••
لم يهتم ودخل وسام شقته كعادته، هادئ الخطوات، يحمل كتابه الذي لا يفارقه، ويتبعه مجّ الكابتشينو الدافئ. اتجه نحو شرفته الصغيرة، حيث الهواء العليل يلامس وجهه، وجلس مندمجًا في القراءة، غارقًا بين السطور، كأن العالم قد اختفى من حوله.
وفجأة… دوّى صوت ارتطام قوي أعقبه تهشّم حاد، قطع سكون المكان، واقتحم انسجامه اقتحامًا مفزعًا. انتفض وسام، والتفت حوله، قبل أن يدرك أن الصوت قادم من الشقة المجاورة… شقة الساكنة الجديدة.
وهنا تظهر "مي"؛ فتاة لا تعرف للجدية طريقًا، تعيش حياتها بخفة، بين ضحكات الأصدقاء، وسهرات لا تنتهي. نشأت وسط مجموعة كبيرة من الأصحاب، رافقوها منذ الجامعة، حتى أسسوا معًا شركة صغيرة في مجال الحاسبات. كانت دائمًا محط الأنظار؛ بذوقها المختلف، وأزيائها الجريئة، وشخصيتها التي تجمع بين العناد والثقة المفرطة بالنفس.
تنتمي مي إلى عائلة ميسورة، فقدت والدتها في سن مبكرة، فعاشت مع والدها الذي أغدق عليها حبًا وحرية، لكنها كانت حرية واعية، قائمة على الثقة. وحين قرر والدها أن يبدأ حياته من جديد، لم تعترض، بل اختارت أن تستقل بحياتها، فانتقلت إلى هذه الشقة القريبة من عملها.
مرّت ثلاثة أيام فقط، لكنها كانت كافية لتجعل وجودها واضحًا للجميع، وخاصة وسام. فصوت الطرق، والاصطدام، وكأنها تعيد تشكيل الشقة من جديد، لم يتوقف منذ لحظة وصولها.
في إحدى الليالي، وبينما كانت الموسيقى تعلو، والضحكات تتصاعد من شقتها، لم تحتمل والدة وسام الضوضاء. نظر وسام إلى أمه، فوجد الإرهاق باديًا على وجهها، فقرر أن يتدخل.
صعد الدرج بخطوات مترددة، ثم وقف أمام باب شقة مي، وطرق الباب مرة، ثم أخرى، ثم ثالثة، لكن دون جدوى. استمر في الطرق، حتى بدأ صبره ينفد.
وبعد دقائق، انفتح الباب أخيرًا…
ظهرت مي، بعفويتها المعتادة، شعرها مبعثر قليلًا، وعيناها تلمعان بحيوية، وخلفها أصوات الضحك والموسيقى لا تزال تعلو.
تلاقَت أعينهما لأول مرة.
لحظة قصيرة… لكنها لم تكن عادية.
توقف الزمن بين هدوء وسام الصامت، وفوضى مي الصاخبة.
وكأن القدر، في تلك اللحظة تحديدًا، قرر أن يضع عالمين مختلفين تمامًا… وجهًا لوجه.
_نعم؟
 _ حضرتك الصوت عالي اوي ..ووالدتي مش عارفه تنام فياريت الصوت بس يهدى شوية
ترصصن الفتيات بجانبها كالقطط وضحكن في خباثة رغم ليس هناك مايُضحك
 _ممم والمطلوب يعنى
استنكر وسام ردها فقال
_ مطلوب إيه مانا قلتلك
 قامت مي بإزاحته بعيدًا بتقليل منه وأردفت تتشدق يمينًا ويسارًا
_ طب يلا روّح عشان تنام بدري لاحسن الحصة الأولى تفوتك!
أمتقع وجه وسام ونظر لها إمتعاضًا
_فاكرة نفسك دمك خفيف وللا حاجة ؟! دي قلة ذوق انك تردي بالشكل ده وانا بتكلم بإحترام معاكِ وبقولك لو سمحتِ وطي الصوت شوية
 _ وهي مش قلة ذوق منك يا عديم الإحساس إنك تخبط فالوقت ده
 _ في أميريكا لما حد من النيبورز يعلي الصوت أو يحصل إزعاج بيطلبو البوليس
تضاحكت مي بسخرية من حديثه قائلة
_ احب اقولك إن طيارة حضرتك وصلت القاهرة خلاص ،حمدلله عالسلامة وعن اذنك عشان عايزة اقفل
_ لو فضلتي عالوضع ده مش بتراعِ جيرانك ..انا هشتكي لإتحاد المُلاك وممكن الموضوع ياخد شكل انا مش حابه ، خصوصًا إنك آنسة وقاعدة لوحدك
_لا يا بابا بنت بس بميت راجل اوعى تفتكرني بنت ومكسورة والحركات دي انسى
رمقها وسام بنظرة ازدراء من رأسها حتى أخمص قدميها، ثم استدار في صمتٍ بارد، ودخل شقته وأغلق الباب في وجهها قبل أن تتمكن حتى من استيعاب ما حدث. كان الموقف صادمًا، لكن غضبه كان أشد من أن يسمح له بالتفكير. في الداخل، كانت والدته قد تابعت المشهد كله، فاستقبلته برأي حاسم، زاد من حدة انفعاله، بينما حاول والده تهدئة الأجواء، مقترحًا التدخل بحكمة لتفادي أي مشكلات مع الجارة الجديدة. لم يبدِ وسام اعتراضًا صريحًا، لكنه انسحب إلى غرفته مثقلًا بالضيق، مستنكرًا في داخله جرأة تلك الفتاة التي تجاوزت حدودها في نظره.
على الجانب الآخر، كانت شقة مي تعج بالضحك والضوضاء. راحت صديقاتها يتبادلن التعليقات الساخرة والمعجبة في آنٍ واحد حول وسام، بينما حاولت مي التقليل من شأنه، مدفوعةً بغيظها من تصرفه، فأخذت تسخر منه وتتوعد برد اعتبارها. وسط هذا الصخب، برز صوت منة مختلفًا، إذ رأت أن ما حدث لم يكن مبررًا، وأن مي قد أخطأت بتصرفها، فحاولت تهدئة الأجواء واقترحت خفض صوت الموسيقى احترامًا للجيران.
لم تلقَ كلماتها ترحيبًا كبيرًا، بل قوبلت بالسخرية، إلا أنها تمسكت برأيها بهدوء. ومع ذلك، لم تستطع الانفصال عنهن، فهي، على عكسهن، لا تشبه هذا الصخب، لكنها تخشى الوحدة أكثر، فآثرت البقاء ضمن الدائرة، حتى وإن اضطرت أحيانًا لمجاراة ما لا يشبهها.
 ••••
مع إشراقة صباحٍ هادئ، نهض وسام من نومه كعادته، يتحرك بروتينٍ محفوظ لا يكاد يختلف عن سابقيه. أعدّ قهوته بعناية، وارتدى ملابسه في صمت، ثم وقف أمام المرآة يرتب مظهره، حتى توقفت عيناه فجأة عند خصلاتٍ بيضاء تسللت إلى شعره دون استئذان. مرّر أصابعه عليها ببطء، وكأنّه يتحسس مرور الزمن فوق رأسه، فداهمه شعورٌ خافت بأن العمر يمضي أسرع مما ينبغي، وأنه لم يحقق بعد ما يستحقه من أحلام. غير أنه سرعان ما طرد تلك الفكرة، رافضًا أن يفسد صباحه بهذا الثقل، ومضى إلى يومه متماسكًا.
في العمل، بدا كل شيء عاديًا، حتى حانت استراحة الغداء. اقتربت منه منى برفقة شريف، ودعواه لمشاركتهم الطعام، فحاول الاعتذار مكتفيًا بوجبةٍ خفيفة، إلا أن شريف لم يترك له خيارًا، فاستجاب على مضض، وخرج معهم إلى مطعمٍ قريب اعتادوا الذهاب إليه بين الحين والآخر.
جلس الثلاثة يتبادلون أطراف الحديث، وسرعان ما أخبرتهم منى بأنها التقت بالشخص الذي تقدم لخطبتها، وأنها تشعر بالارتياح نحوه، بل وتتوقع أن تُزف إليهم أخبارًا طيبة قريبًا. هنأها وسام بصدق، متمنيًا لها التوفيق، بينما لم يفوّت شريف الفرصة لإضفاء مزاحه الثقيل، مما أثار ضيقها وضحكهما في آنٍ واحد، قبل أن يبتعد قليلًا ليرد على مكالمة هاتفية.
بقي وسام مع منى، وسألها بهدوء عن اقتناعها، فأكدت له أنها استخارت الله وتشعر بالطمأنينة. وبينما كان الحديث يسير بهدوء، انفتح باب المطعم ودخلت دنيا… خطيبته السابقة.
تجمد الزمن للحظة في عينيه. مر عامٌ كامل منذ آخر مرة رآها، لكنها لم تعد كما كانت؛ بدا عليها الإرهاق، وتلاشى ذلك البريق الذي كان يأسره يومًا. تسارعت دقات قلبه، وكاد ينهض دون تفكير ليسألها عما أصابها، غير أن عقله شدّه بقوة إلى مقعده، مذكّرًا إياه بأنها من اختارت الرحيل. فظل جالسًا، يتنازع داخله صوتان: أحدهما يدفعه نحوها، والآخر يكبّله في مكانه.
عاد شريف، وعاد معه إيقاع اللحظة، لكن وسام لم يعد كما كان. أنهى طعامه على عجل، يسرق نظراتٍ خفية نحوها، فوجدها تجلس وحدها، تأكل في صمتٍ ثقيل يحمل من الحكايات ما يعجز الكلام عن قوله.
وحين همّ بالمغادرة، مرّ بالقرب منها دون أن يلتفت، كأنّه يحاول الهروب من شيءٍ يعرفه جيدًا. لكنها أوقفته بصوتٍ هادئ، يحمل أثر الماضي:
سلّم عليها بصوتٍ متردد، فترددت لحظة، ثم طلبت منه دقائق معدودة. نظر إلى أصدقائه معتذرًا، واتجه نحوها، وجلس أمامها… وبينهما ألف سؤال لم يُطرح بعد.
ترى... ماذا سيحدث في الفصول القادمة؟

هل سيصمد الحب حين تقف الحياة في وجهه بكل ما تملكه من قسوة؟ أم أن الأقدار تُخفي بين طياتها مفاجآتٍ لم تخطر على قلب أحد؟

ما زالت الحكاية في بدايتها، وما رأيتموه حتى الآن ليس سوى أول الخيوط التي تنسج قدراً مختلفاً، قدراً تتشابك فيه الأرواح قبل الأيدي، وتتعانق فيه القلوب رغم المسافات، وتتنازع فيه المشاعر بين العقل والهوى، وبين الكبرياء والاشتياق، وبين الصمت والاعتراف.

هناك أسرار لم تُكشف بعد، وقلوب ستنبض لأول مرة، وأخرى ستكتشف أن الحب ليس دائماً طريقاً مفروشاً بالورود، بل قد يكون معركةً يخوضها الإنسان بكل ما يملك من صبر وإيمان. ستتعالى الضحكات، وستنهمر الدموع، وستأتي لحظات يظن فيها الجميع أن النهاية قد كُتبت، ثم يفاجئهم القدر ببدايةٍ لم تكن في الحسبان.

فهل ينتصر العشق على الخوف؟ وهل تستطيع القلوب أن تغفر ما عجزت الكلمات عن تبريره؟ ومن سيبقى متمسكاً بوعده حتى النهاية، ومن سيتخلى عنه عند أول اختبار؟

إنها ليست مجرد قصة حب عابرة، بل رحلة إنسانية مليئة بالمشاعر الصادقة، والتفاصيل التي تلامس القلب، والشخصيات التي ستشعر وكأنها تعيش بينكم. ستفرحون لفرحهم، وستحزنون لأحزانهم، وستغضبون من أخطائهم، ثم ستسامحونهم لأنكم ستدركون أن الإنسان ليس كاملاً، وأن الحب الحقيقي لا يولد من المثالية، بل من قبول العيوب والتمسك بمن نحب رغم كل شيء.

كل فصل يحمل مفاجأة، وكل لقاء يخبئ تحولاً جديداً، وكل كلمة قد تكون سبباً في بداية حياة كاملة، أو نهاية حلم ظل أصحابه يتمسكون به سنوات طويلة.

لذلك، إن كنتم تظنون أنكم عرفتم مسار الأحداث، فاستعدوا لأن تفاجئكم القصة مراراً. فما هو آتٍ أعمق، وأقوى، وأكثر تأثيراً مما تتخيلون. ستتغير الموازين، وستنكشف الحقائق، وستقف الشخصيات أمام اختبارات قاسية، لا ينجو منها إلا من كان صادقاً في حبه، ثابتاً في مبادئه، مؤمناً بأن بعض الأرواح خُلقت لتلتقي مهما طال الفراق، ومهما تعقدت الطرق.

تابعوا معنا رحلةً كُتبت بالقلب قبل القلم، وروايةً لن تكتفوا بقراءتها، بل ستعيشون تفاصيلها، وتترقبون أحداثها، وتنتظرون كل فصل منها بشغفٍ أكبر من سابقه.

تابعوا واحدةً من أروع القصص الرومانسية التي قد تقرؤونها في حياتكم... فما زالت المفاجآت في بدايتها، وما زال للحب الكثير ليقوله.

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة نور إسماعيل، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية

اضغط زر "حفظ" بنهاية الفصل لتحتفظ بهذه الرواية في مكتبتك المفضلة وتقرأها وقتما تحب


رواياتنا الحصرية كاملة‏

إرسال تعليق

أحدث أقدم