موسى الحكمدار - الفصل 3 | سهام محمود

قراءة رواية موسى الحكمدار كاملة

اضغط زر "حفظ" في آخر الفصل لتحتفظ به في مكتبتك

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى



رواية: موسى الحكمدار 

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: سهام محمود | الفصل: الثالث



في اليوم التالي بعد أن وصلت روح إلى مقر العمل دلفت مكتبها مباشرة و بدأت بالعمل على إحدى القضايا المتراكمة عليها، رغم أن رأسها يكاد ينفجر من الصداع بسبب أحداث ليلة أمس و لم تستطيع أن تنام جيداً إلا أنه لابد لها 
أن تنشغل بالعمل و لو قليلاً حتى.

مضى الوقت سريعاً و هي تدفن رأسها من ملف إلى آخر حتى احتاجت أن تذهب إلى غرفة الأرشيف لتتمكن من الحصول على مزيد من المعلومات المهمة، و أثناء بحثها وجدت أن الملفات التي تريدها تراكمت لتكون جبلاً 
صغيراً بالفعل.

 تنهدت بقلة حيلة و رتبت البعض منهم ثم امسكتهم بين يديها تحملهم جيداً، و ما أن استدارت حتى رأته يقف أمامها بالمرصاد دون أن يصدر أي صوت. 

شهقت بفزع و تراجع جسدها عدة خطوات مصطدماً بالطاولة، سقطت الملفات من يديها، بدأت تتنفس بسرعة واضعة يدها على موضع قلبها النابض بعنف نتيجة تأثير الموقف عليها و الأخرى تسند جسدها بواسطة 
الطاولة حتى لا تسقط. 

بعد وهلة قصيرة أعادت خصلاتها الداكنة للخلف و صرخت منزعجة في وجهه دون اهتمام لمكانته:
 
«الواحد يتأحم و هو داخل مش القاك في وشي خبط لزق كدة!! ياا سااتر بسم الله الرحمن الرحيم» 

نفخت وجنتيها و عادت لالتقاط الملفات سريعاً حتى تعود إلى المكتب، رغم صمته و هو يضع ساعديه على صدره أستشعرت من خلال اختلاسها لبضع نظرات نحوه أنه يريد البوح بشيء لكنه يكابر، مما جعلها تبتسم بجانبية 
عليه و قررت عدم التحدث معه حتى يفعل هو. 

ما زال على صمته حتى بعد أن أخذت الملفات عائدة إلى مكتبها، دفنت رأسها من جديد تارة تعمل و تارة تتناول الطعام أسفل نظراته الباردة و يتجول هنا و هناك عبر الجدران كما يحلو له فهذه هي تسليته الوحيدة الآن بما أنه 
لم يستطع أن يجد جسده و حتى لم يتمكن من رؤية غيث في المكان الذي توقع أن يجده فيه. 

فعاد موسى خائباً إلى روح التي أخبرته سابقاً أنه ما من سبيل للوصول إلى غايته إلا بمساعدتها هي، ضحك على نفسه أثناء وقوفه في الشرفة بسبب حاجته للمساعدة من جنس حواء الذي طالما كان يستخدمهم كـ أوراق ربح في ألاعيبه مع العديد من أعدائه، و قد انقلب السحر على الساحر و سيصبح الآن أداة بين يدي روح الوحيدة التي تستطيع رؤيته دوناً عن الجميع.

استمر هذا الصمت بينهما حتى عادت إلى المنزل، وضعت الطعام الجاهزعلى الطاولة في المطبخ ثم سارعت إلى الذهاب إلى غرفتها نزعت حذائها و باشرت بنزع ثيابها قبل أن تتوقف يداها في منتصف الطريق عندما رأته يجلس على طرف سريرها كأنه صاحب المنزل دون خجل.

نظرت إلى نفسها عندما ظهر خصرها الأبيض و النحيل و جزء من معدتها المسطحة حتى تنحنحت بإزعاج تهندم ثيابها من جديد و قالت:

«اخرج برا أوضتي لو سمحت مينفعش تبقى موجود هنا»

لم يرد عليها و اكتفى بالنظر اليها بصمت مما جعلها تمسك منشفتها و بدأت بضربه دون جدوى بينما تعبر المنشفة من خلاله بلا عناء، تلفظت بوجه محتقن من الإحراج و الغضب الطفيف:

«واحد قليل الأدب مفيش حد عارف يقولك عيب!! اخرج من أوضتي يلا»

أستقام في جلسته واضعا يديه في جيوبه لتتوقف عما كانت 
تفعله بغباء شديد تعتصر المنشفة بين كفيها و تراجعت عدة خطوات تخلق مسافة أمنة بينها و بينه لكنه استمر بالتقدم نحوها مردفاً ببرود و ببطء"

«يعني في الآخر أنا موسى دُرغام الحكمدار يبقى مصيري بين ايدك انتِ!!؟»

«مالي ان شاء الله مش عجباك ولا مش عجباك؟»

تخصرت بطفولية بينما ترفع حاجبها مستنكرة كلماته التي تقلل من شأنها، تفحصت عيناه وجهها الحسناوي و جمالها الطبيعي الذي كان نادراً ما يراه رغم انه كان يلعب بالنساء بأنامله كيفما يشاء و قد تعرف على جميع أنواع جنس حواء بلا إستثناء، لكن أن يكون مصيره بين يدي إحداهن؟! هذا بكل تأكيد لم يحدث سابقاً. 

كانت أهدابها القصيرة و الكثيفة تَرف بلا هوادة أعلى مقلتيها العسلية فضيق عيناه قليلا يصارحها بنبرة باردة:
 
«مع الأسف، بعيداً عن أنه شكلك عاجبني بس كلامك كان صح، مقدرش أعمل حاجة من غيرك خاصةً أنه جسمي مش عارف مكانه فين!!»
 
فغرت روح فاهها قليلاً وتدلت يديها عن خصرها غير مستوعبة لكلماته فسألته بخفوت:
 
«استنى مش فاهمة! إزاي يعني مش عارف مكان جسمك فين؟ أكيد موجود في المستشفى!!»

تبعاً لما قاله مهدي بشأن حالته الصحية يجب عليه أن يكون تحت إشراف صحي بلا شك و إلا لما تمكن من النجاة حتى هذه اللحظة، فـ أستكمل يُجيبها:

«دورت في أقرب مستشفى ملقيتش نفسي هناك و حتى رحت المستشفى اللي ممكن يكون فيها رجالتي بردو ملقيتش أثر ليهم»

«عادي ممكن تكون موجود في مستشفى تانية و أنت متعرفش مكانها أنت و رجالتك كمان!»

هز رأسه نافياً دون أن ينطق بأي شيء آخر يفكر في بعض الأحتمالات الأخرى، لكن بدأ يُصدر هاتف روح عدة تنبيهات متتالية لتأخذه من حقيبتها ترى ما يجري و قد كانت في حيرة من أمرها. 

لقد رأت أن التنبيهات ما هي إلا إشعارات من موقع إخباري موثوق المصادر يُعلن عن خبر وفاة موسى دُرغام الذي كان يقف أمامها الآن. 

بمرفق مقطع فيديو مع النص الإخباري سارعت بتشغيله لـ يصدح الصوت بأعلى درجة يمتلكها الهاتف حتى تردد صدى صوت المذيع و هو يتحدث عن هذا النبأ المفاجئ من أمام إحدى المستشفيات من القطاع الخاص، أستدار موسى ناظراً إليها و هو يستمع إلى الهراء الذي يتحدث به المذيع.

 اغلقت الهاتف تهزه بكفها متسائلة:

«أعلنوا وفاتك يا سعادة البيه تقدر تقولي هتعمل إيه دلوقتي!؟»

«هو مماتش يا روح، لسه عايش»


ظهر شبح مهدي مجدداً و أخبرها أثناء مروره من الحائط لتنظر له روح بهدوء، استدارت سرعان ما سألت موسى و هي تشير نحو مهدي تريد أن تتأكد من صحة حديث الأول:

«أنت دلوقتي مش شايف حد واقف هنا جنب الدولاب ده؟»
 
هز رأسه نافياً تتنهد بحيرة، كيف يُعلنون عن وفاته و ما يزال على قيد الحياة؟! من له مصلحة في ذلك؟! جلست على طرف السرير و قررت التحدث معه بجدية عندما لاحظت عدم تغير في حالته اللا مادية من مظهره، فقد كان عكس مهدي ذو البشرة الباهتة الشاحبة يلفه ضباب خفيف، أما هو كأنه يقف أمامها بشخصه الحقيقي لكنها لا تستطيع لمسه هذا هو الفرق.

بنبرة هادئة تحمل قدراً من الصرامة:

«أنت لسه عايش على فكرة جسمك في مكان تاني محدش يعرفه غير اللي انقذك، و أكيد ليه مصلحة أنه يعمل فيك كده»

توقفت قليلاً ثم حركت كتفيه بلا اهتمام مُعلنة:

«بس أنا مليش دعوة بالحكاية دي»

«بس أنتِ قولتي إنك الوحيدة اللي هتقدر تساعدني مش صح؟!»

ذكرها موسى بكلماتها بهدوء و بذات النبرة المعتادة مما جعلها تهز رأسها موافقة تبرر موقفها:

«أيوة حصل، بس أنا محامية و مقدرش إني أساعد رئيس مافيا بحاله، و بعدين أي حاجة تخصك هتجيب لنفسي مشاكل! إيه اللي يجبرني على كده؟»

«معرفش ايه اللي يجبرك بس أنا فتحت عيني لقيت نفسي هنا و ده دليل كافي يثبتلي إنك الوحيدة اللي هتقدر تساعدني في الوقت ده»

اقترب منها قليلا أثناء حديثه لتهز رأسها نافية مجدداً بعدم إقتناع من كلماته، فلا يوجد سبب مُقنع يجعلها تتورط مع رجل ممتلئ بالجرائم من رأسه إلى أخمص قدميه، تاريخ عائلة درغام و جذورها مليء بالدم و الأعمال الغير 
مشروعة تكاد أن تُصاب بالجنون إن كان أحد أفراد هذه العائلة صالحاً و لو بالخطأ.

وقفت تضع المنشفة على السرير و قالت بهدوء:
 
«اللي حصلك مش مشكلتي ولا ليه أي صلة بيا، أنت مجرد روح خرجت من جسمك من غير إرادتك و هترجع بردو من غير إرادتك، يعني بيا أو من غيري هترجع كل حاجة لأصلها أنت محتاج شوية وقت مش أكثر»

«مينفعش أنا لازم ألاقي نفسي بأسرع وقت ولا هتحصل كارثة!!»

لأول مرة في حياته سيتوسل للمساعدة، كانت نبرته في كلماته فاترة و استشعرت حاجته الماسة لمساعدتها لكنها نأت بنفسها عن الغوص في أعماق بحره الأسود الذي كان بلا نهاية مثل هاوية ذات جُرف مزين بالورود؛ مزين من الخارج لكن إن وصلت لداخلها سـ تسقط دون عودة، هزت رأسها مجدداً مجيبة: 

"مفيش فايدة، مش هساعدك في حاجة كل اللي بيحصل ده ميخصنيش ...ابـ»
 
انقطعت كلماتها في المنتصف عندما اتخذ خطوات سريعة نحوها بغضب جامح ينوي إمساكها من عنقها النحيل لكن ما أن لمست أنامله جزء من جلد عنقها الحساس حتى أنسحبت 
روحه لداخلها دون إرادة منه، أما هي فقد أتسعت عينيها عندما شعرت بالبرودة تسري في أرجاء جسدها بداية من عنقها إلى أسفل مباشرة نحو قدميها. 

رَفت أهدابها ثم بدأ جسدها يتحرك دون إرادتها بحركات عشوائية، ليس هذا وحسب؛ بل كانت يدها تقرص ذراعها باستمرار و يخرج صوتها متأوها من الألم، شعرت بالنفور من جسدها لتمسك رأسها بين كفيها صارخة من الألم الذي داهمها بغتة، مما جعل روح موسى تخرج من جسدها و هي سقطت أرضا كلأن القوة أستنزفت من جسدها تماماً. 

كانت تلهث و تحاول أن تلتقط أنفاسها بسرعة شديدة بينما هو يرتفع صدره و يهبط باضطراب أيضا لكن مثلها، في مشهد نادر له و هو ينظر في ذهول إليها بينما كفه ممتدة في الهواء الفارغ، شعرت روح بالدوار قليلاً بعد زوال الألم تماماً لتتكئ برأسها على طرف السرير تحاول فهم ما حدث قبل لحظات قصيرة. 

تسأل موسى باندهاش نحو روح:

«إيه اللي حصل دلوقتي؟»

لم تتمكن روح من الإجابة على سؤاله بسبب شعورها بالوهن في جميع أرجاء جسدها و بعد وهلة قصيرة ازداد الدوار و بدأت رؤيتها تصبح ضبابية ثم أسودت تماماً. 

رأى موسى أن جسدها سقط على الأرض فجأة ليغمض عينيه بعبوس مقتربا منها و هي فاقدة للوعي، فما حدث كان غامضا و مدهشا جداً لأنه تمكن من السيطرة على جسدها أثناء تواجد روحه داخلها لبعض الوقت لكن تم 
طرده بواسطتها أيضا دون إرادته. 

تذكر أنها حاولت منذ قليل أن تضربه بالمنشفة و سابقاً بحامل الشموع و هو متأكد أن يدها لامست جسده الروحي لكن لم تدخل روحه كما حدث الآن إلا عند مبادرته هو. 

فكر قليلاً أن هذا يسمح له باستخدام أجساد الناس!!، لم يهتم بجسدها الملقى أرضا و خرج من الشقة مباشرة عبر الجدار متوجهًا إلى الشقة العلوية، كان في هذا الوقت يتواجد صبي صغير في الثانية عشر من عمره يجلس أمام 
التلفاز بهدوء. 

اتخذ خطواته نحوه سريعاً و لمس جسده لكن للمفاجأة فقد عبرت يده تماما من خلاله بسلاسة شديدة، أتسعت عيناه بذهول قليلاً و كان سـ يُجرب مرة أخرى لكن صاح صوت والدة الصبي من داخل الغرفة تحثه على القدوم لأمر ضروري. 

تنهد الصبي بملل شديد و نهض بكسل من على الأريكة مُخترقاً جسد موسى الروحي دون أن يحدث أي تفاعل بينهما، أستقام موسى واضعاً يده على خصره و الأخرى جذب بها خصلاته الطويلة قليلاً للحظات متنهدا بحرارة 
عندما فهم ما حدث بينه و بين روح طبقاً للمنطقية قليلاً.

 و مع ذلك حتى يتأكد تماماً من شكوكه يجب عليه أن يعيد التجربة من جديد بلا شك.

عاد الى غرفة روح و كانت كما هي ما زالت فاقدة الوعي، ذهب نحوها و بدأ يُنادي عليها:

« روح … يا روح»

لكن بلا فائدة، فلا توجد أي إستجابة منها لهذا غادر الغرفة و عاد يتجول من جديد في أرجاء الشقة بلا وجهة محددة حتى تستيقظ و تستعيد وعيها.

❈-❈-❈


موسى دُرغام كما تعرفون سلفًا أنه رئيس مافيا ذائع السيط، يعمل في أي نوع من التجارة الغير مشروعة بداية من المخدرات وصولًا إلى تجارة السلاح و البشر كذلك، خصمه الوحيد بالنسبة له هو شخص يُدعى هارون الرازي.

على عكس طفولة أي صبي عادي، ترعرع موسى في ميتم كانت أحواله إلى حد ما جيدة، لا يعرف مَن هم أهله ولا أقربائه فقد تم إيجاده بجانب النفايات، و هو طفل صغير في صندوق كرتوني بالي، جل ما كان برفقته غير ملابسه هو عقد صغير من الخيط الغليظ مُلتف حول عنقه النحيل و بداخله خاتم فضي عليه حجر أسود و حوافه ذو نقوش صغيرة.

صادف أن مدير دار رعاية الأيتام كان في طريق عودته إلى المنزل في يوم عاصف لأحد أيام فصل الشتاء الباردة، وسط الرياح العاصفة و الأمطار صدح صوت الطفل الجائع بقوة في صمت الليل برفقة ضجيج الأجواء الشتوية.

توقف المدير قليلًا و تتبع مصدر الصوت حتى وصل إلى كومة مكدسة من النفايات و رأى أن مصدر الصوت قادم من الصندوق البالي، فتح الصندوق و كان طفل حديث الولادة رغم ارتدائه لملابس تبدو باهظة الثمن إلا أنها أصبحت مبللة من مياه المطر، جسده برغم صراخه الشديد كان يرتجف بشكل واضح من برودة الجو و ذقنه يرتعش من شدة البكاء جوعًا، وجهه أحتقن بالدماء لبكاءه لمدة طويلة حتى يكاد يصبح أزرق اللون.

تفاجئ المدير و سَرعان ما أخرجه من الصندوق على مهل و بحذر شديد خشية أن يتأذى، نزع جانبًا من معطفه يلفه داخله و أستمرت خطواته بالعدو نحو منزله حتى وصل في لحظات معدودة.

دلف المنزل و نادى على زوجته سريعًا حتى تحضر له زجاجة الحليب، وتدفئ بعض الماء حتى يستحم الطفل كما تجهز ملابس جافة عوضًا عن خاصته المبللة، و بعد مدة ساعة و نصف من الرعاية الصحيحة كان ينام الطفل بهناء وسط ايدي زوجة المدير الدافئة.

و في اليوم التالي أصطحبه المدير معه إلى الدار حتى تتم رعايته من قبل الموظفين، في الوقت الذي كانت فيه الدار تحت ادارة هذا المدير كانت الحالة جيدة جدًا، لكنها تدهورت، و أصبحت تقل الرعاية تدريجيًا بمرور الوقت بعد وفاته، و أصبح أحد الموظفين هو المدير، مع الأسف سوء ادارته جعل الأطفال يصبحون من المشردين، بعضهم يتسول و الآخر يسرق حتى يتمكن من تناول الطعام.

كانت الأجواء فوضوية بشكل كبير، و هذا الحديث أنطبق على موسى أيضًا في بعض الأحيان كان يسرق، و الأحيان الأخرى يتسول في الشوارع، يتعرض للضرب من هذا و ذاك محاولًا الدفاع عن نفسه بشتى أنواع الطرق لكن كان لابد له أن يصاب ببعض الندوب الناتجة عن الجروح العميقة التي
لم تتم مداواتها في الوقت المناسب و بالشكل الصحيح.

حتى جاء اليوم الذي صادف فيه شخصًا كبير في السن يرتدي ملابس مهندمة بشكل جيد و تبدو باهظة الثمن، كانت المحفظة تظهر من جيب سترته الداكنة بشكل واضح حيث كانت على شك السقوط، بدأ جسده النحيل و القصير بالتسلل رويدًا رويدًا من هذا الشخص منتظرًا اللحظة المناسبة ليقوم بعمله.

ضيق عيناه يدقق النظر في محيطه حتى يتمكن من الهروب دون عوائق، كانت عيناه على المحفظة و في اللحظة التي شعر انها المناسبة ركض بسرعة ملتقطًا اياها من جيبه بسرعة يركض في طريق مستقيم، نظر صاحب المحفظة إلى الصبي الراكض بسرعة و تبعه اثنين من حرسه الشخصيين.

كان رجلاً كبيرًا في السن لكن لديه هالة من الوقار، كما أن من مظهره يبدو أنه ثري جدًا، داعبت يده اليسرى طرف شاربه أثناء مشاهدته لهذه المطاردة التي لم تدم طويلا و سرعان ما عاد حارسيه ممسكين بالفتى من ملابسه البالية و المتسخة، على أية حال هو مغطى بالتراب و السُخام بداية
من رأسه إلى أخمص قدميه لقلة الاستحمام بسبب عدم تواجد مياه من الأساس في الدار.

أعطى أحدى الحارسين المحفظة لسيده بينما الآخر أحكم قبضته حول موسى الذي كان يكافح باستمرار رغم أنه لا جدوى لفعله لذلك، بدأ يلكم ذراع الحارس بقبضته الصغيرة الواهنة:

«سيبني أوعى كدة»

«خلاص ياض أخرس خالص»

«مش هسكت ايه يعني سرقت محفظة هو باين عليه أنه هيقدر يجيب غيرها و معاه فلوس كتير»

نظر موسى إلى الرجل الكبير في السن بجراءة كبيرة ليبتسم من ردة فعله، هز رأسه مقترباً منه ثم على حين غرة قبضت أنامله على فكه النحيل بقوة فتأوه موسى متألمًا:

«عندك حق هقدر أجيب غيرها و عشرة زيها كمان ده غير الفلوس بس أنت معاك ايه؟ هاه ولا حاجة»

سخر منه بـ لذاعة باردة دون اهتمام بأن مَن أمامه هو مجرد فتى صغير تعيس الحظ يعيش على بقايا الطعام و السرقة، أدار وجهه يمينًا و يسارًا بضعة مرات ثم لاحظ خيط غليظ حول رقبته أخرجه من مكانه لكن قبل أن
يتمكن من رؤية الخاتم أمسك موسى بمعصمه بكامل قوته يوقفه عن أخذه.

نفض ذراعه النحيل بقوة مفرطة حتى أمسك بها الحارس متجاهلا صراخه، و عويله ليتوقف لكن ما أن رأى الرجل أن الخاتم منقوش عليه اسم في الداخل بلغة القديمة حتى أطمئن قليلاً داخله و انعكس ارتياحه على وجهه لوهلة من الزمن قبل أن يعود لطبيعته.

ترك الخاتم مُحدقًا في ملامح وجهه لبرهة ثم نظر إلى رجاله و هو يغادر نحو سيارته الفارهة مصدرًا أمرًا واحدًا:

«هاتوه»

و كما أمر رفع الحارس جسده بين ذراعيه بسهولة شديدة ثم وضعه داخل السيارة و هو مستمرًا في صراخه. في هذا الموقف اعتقد موسى أن هذه هي نهايته المحتومة و سيصبح وضعه أسوأ بكثير مما هو عليه الآن.

لكن مَن كان يعتقد أن هذه ما كانت إلا البداية فقط؟ 

بداية تعلمه كيف يخطو نحو الجحيم بمحض إرادته.

« السابق

جميع الفصول

التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة سهام محمود، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية

اضغط زر "حفظ" أسفل الصفحة لتحتفظ بهذه الرواية في مكتبتك


رواياتنا الحصرية كاملة

إرسال تعليق

أحدث أقدم